محطّة على أرضنا.. فلنحسن توظيفها

د. أمل ديبو
أستاذة جامعية لبنان

عُرف القرن العشرون بالقرن الصناعي، وصنفت فيه الدول والمجتمعات إلى "متقدمة" و"نامية" وفقا لمستويات التصنيع فيها. وقد شهدت بداية هذا القرن ولادة مجتمع المعلومات، حيث تقوم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بدور رئيسي في تطوير معظم القطاعات الأخرى.

والبقاء في هذا العالم المترابط يفرض على الدول كافة، ولا سيما النامية منها وخاصة العربية، اللحاق بالتحولات السريعة في مختلف نواحي الحياة بما في ذلك اكتساب المعرفة ونشرها والتفاعل الاجتماعي والأعمال الاقتصادية والتجارية والعمليات السياسية ووسائل الإعلام والتربية والتعليم والصحة.

ويترتب على الدول إن أرادت النجاح في مسعاها هذا، أن تدرك أن هذا التغيير السريع في المجتمع الدولي يتطلب التعاون بين البلدان المتقدمة والنامية بغية بناء مجتمع المعلومات على مبادئ مشتركة، واعتماد خطة عمل تطبقها الحكومات و المؤسسات الدولية وقطاعات المجتمع المدني كافة.

من هنا برزت الحاجة إلى عقد مؤتمر قمة عالمية لمجتمع المعلومات انعقدت المرحلة الأولى منه في جنيف في العاشر من ديسمبر/كانون الأوّل 2003، ويجري التحضير اليوم لانعقاد المرحلة الثانية في تونس في السادس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2005 وأتى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي اعتمد هيكلية القمة التي سبق أن تبناها مجلس الاتحاد الدولي للاتصالات وأعطى الدور الريادي للاتحاد في تنظيم القمة والتحضير لها بالتعاون مع المنظمات والشركاء المعنيين.

وقد كان الهدف الرئيسي لمؤتمر القمة هو الوصول إلى رؤية عالمية مشتركة وتعزيز التنسيق للوصول العملي إلى مجتمع المعلومات في العالم بأكمله. ويوفر مؤتمر القمة الفرصة لكل المهتمين للتجمع على مستوى عالمي بهدف التوصل إلى فهم أفضل لثورة المعلومات وتأثيرها في المجتمع الدولي، كذلك تتيح القمة تلاقي رؤساء الدول والرؤساء التنفيذيين لهيئات الأمم المتحدة وممثلي الإعلام والمجتمع المدني في حدث واحد على المستوى العالمي.

ولا شك أن غالبية الدول العربية تعاني من عدد من المشكلات في قطاع المعلومات، وقد تم تصنيفها حسب القطاعات الاقتصادية والتعليمية والبنية التحتية والمؤسسية والتشريعية وغيرها. ولكن الأهم في ذلك كله، يكمن في عدم وجود رؤية واضحة لدى معظم الدول العربية بخصوص تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وبالتالي غياب استراتيجيات مركزة في هذا المجال وهو الأمر الذي يؤدي إلى عدم وضعها على سلم أولويات الدول العربية باستثناء القليل منها.

ومن الملاحظ أن تونس قد اهتمت بتكنولوجيا المعلومات طوال العقدين الماضيين في حين أعطت دول عربية أخرى هذا الموضوع أولوية خاصة في الأعوام القليلة الماضية، وتحتاج هذه الدول إلى عمل دؤوب ومتواصل للتغلب على العقبات التي تواجهها لترقى بصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلى المستوى المقبول مستفيدة من القمّة التي عقدت المرحلة الأولى منها في جنيف وستعقد المرحلة الثانية في تونس العام المقبل.

ولا شك أن الدور العربي في إنجاح القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي ستعقد في تونس يجب أن يكون بارزا ومؤثرا، أولا لأن هذه القمة تعقد في بلد عربي وعلى أرض عربية، وبالتالي فإن المساهمة العربية في هذه القمة يجب أن تكون كبيرة لجهة المشاركة والإعداد والتحضير.

وحسب تعريف البنك الدولي في تقريره حول مؤشرات التنمية العالمية، فإن الفجوة الرقمية هي تلك القائمة بين من يمتلكون وسائل الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وبين من لا يمتلكونها. ولتوضيح حجم هذه الفجوة، فإن الدول الغنية والتي تشكل 15% من سكان العالم تملك 80% من الحواسيب في العالم، ولديها 90% من مستخدمي الانترنيت. وفي المعدل فإن الدول الغنية لديها 40 ضعفا من الحواسيب للفرد قياسا إلى الدول الفقيرة.

ومن الواضح أن الفجوة الرقمية كبيرة جدا غير أنه من الممكن تقليصها إذا ما اتخذت دول الجنوب عامة والدول العربية خاصة خطوات واسعة ضمن استراتيجيات وطنية إقليمية. هذا مع الأخذ بالاعتبار أن الفجوة الرقمية لا تقتصر على الدول النامية مقارنة مع الدول المتقدمة فحسب، بل هي متوطنة أيضا في داخل القطر الواحد بين المناطق المختلفة مثل المدن والمناطق النائية أو الأقل حظا.

في الأخير يبدو من الواضح أن انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس، سيكون له الأثر الكبير في كل ذلك، وستكون هذه القمة محطة هامة في تاريخ الدول العربية،إذا ما استطاعت هذه الدول الاستفادة منها بشكل صحيح.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org