قمّة تونس 2005 :
مباشرة العمل الجدي في ردم الفجوة الرقمية

د. منصور فرح
عضو لجنة تكنولوجيا المعلومات في الاسكو- بيروت

عُقدت المرحلة الأولى للقمة العالمية لمجتمع المعلومات في جنيف من 10 إلى 12 ديسمبر/كانون الأول 2003 ونجحت في الاتفاق على إعلان مبادئ ووضع خطة عمل عالمية كما كان مقرراً، مع تأجيل البت في بعض الأمور الشائكة إلى المرحلة التالية.

لقد تخلل التحضير للمرحلة الأولى من القمة صعوبات جمة، خاصة في المراحل الأخيرة للإعداد، حيث تبين وجود خلافات في وجهات النظر والتوقعات من هذه القمة بين الدول النامية والدول المتقدمة، خاصة في مواضيع تتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير وإدارة شبكة الانترنيت والتمويل. ولكن تكثيف الاجتماعات وعمليات التفاوض وإضافة بعض الاجتماعات التحضيرية غير المخططة مسبقاً، بالإضافة إلى جهود ديبلوماسيين من الدولة المضيفة (سويسرا) سمحت بتجاوز معظم هذه العقبات والوصول إلى صيغة مقبولة من قبل جميع الأطراف. وبقي موضوعان شائكان لم يتم الاتفاق عليهما ويتعلقان بإدارة الانترنيت وتمويل المشاريع، حيث تقرر الطلب من أمين عام الأمم المتحدة السيد كوفي أنان تشكيل لجان لدراستها والتقدم بمقترحات توافقية في المرحلة الثانية. وقد تم لاحقاً بالفعل تشكيل فريق عمل لدراسة موضوع إدارة الانترنيت على المستوى العالمي وطُلب من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) دراسة كيفية تمويل المشاريع وإحداث صندوق تضامني لمساعدة الدول الأقل نمواً خاصة في القارة الافريقية.

إن خطة العمل التي صدرت عن المرحلة الأولى للقمة العالمية لمجتمع المعلومات أقرب إلى توصيات للقيام بنشاطات على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية بغية السير على طريق بناء مجتمع معلومات في دول العالم الثالث وتوسيع التعاون بين الدول المتقدمة والدول النامية في هذا المضمار. وهذه الخطة تحتاج إلى تفصيل مع وضع خطط إقليمية وتحديد وسائل تنفيذها. لذلك ستركز المرحلة الثانية من القمة، المقرر عقدها في تونس في الفترة بين 16 و18 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، على تنفيذ هذه الخطة من خلال تحديد مشاريع وإيجاد الشراكات والتمويل اللازم. إضافة إلى ذلك يتوقع أن تطرح المسألتان المعلقتان (إدارة الانترنيت والصندوق التعاوني) وأن تعتمد حلول توافقية لها. إذن يتوقع من المرحلة الثانية للقمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس نتائج ملموسة تفيد بشكل مباشر الدول النامية وتساعد في زيادة التعاون الإقليمي من جهة والتعاون الدولي شمال جنوب من جهة أخرى.

إن انعقاد المرحلة الثانية للقمة العالمية لمجتمع المعلومات في عاصمة دولة عربية فرصة كبيرة للعرب لتوحيد صفهم وتضافر جهودهم للاستفادة من المشاريع العالمية التي ستطرح، ووضع أسس التعاون التكنولوجي في ما بينهم. وهنا تبرز ضرورة التكامل الإقليمي على المستوى العربي. وتجهد لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) للإعداد الجيد لهذه القمة والتعاون مع جامعة الدول العربية وغيرها من الهيئات العربية والدولية لوضع خطة إقليمية تُعتمد على المستوى العربي مع التركيز على مشاريع أساسية تشكل القاعدة التي سيبنى عليها مجتمع المعلومات في المنطقة. وفي هذا الصدد يتم التحضير حالياً لمؤتمر إقليمي خلال الخريف القادم لوضع خطة عربية متماسكة لبناء مجتمع المعلومات وتقليص الفجوة الرقمية في المنطقة العربية.

ونظراً لطبيعة هذه القمة، التي تشارك فيها الحكومات، ولكن أيضاً القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، هناك حاجة لتسهيل مشاركة المؤسسات غير الحكومية والقطاع الخاص وإعطائهما أدواراً مناسبة في الخطط والمشاريع المزمع تنفيذها على النطاق الإقليمي وكذلك الوطني.
إن الهدف الرئيسي للقمة العالمية لمجتمع المعلومات هو ردم الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والدول النامية التي تتوسع باستمرار وتهدد بتهميش العديد من الدول الفقيرة. ولكن تحقيق هذا الهدف ليس بالأمر السهل ويحتاج بالدرجة الأولى إلى إرادة سياسية في الدول النامية لتسخير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أنه يحتاج إلى استثمارات هامة في هذا القطاع وإشراك جميع الجهات المعنية والتنسيق في ما بينها ويشمل ذلك القطاعات الخدمية الحكومية والخاصة وكذلك التعليم والإنتاج والتجارة والصحة وغيرها.

ويجدر الذكر أن هناك فجوة رقمية في البلدان النامية عامة وفي المنطقة العربية خاصة بين المجتمع المدني والمجتمع الريفي حيث أن خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أقل توفراً في الأرياف والمناطق المعزولة. وتحتاج هذه الفجوة "الداخلية إلى معالجةٍ أيضاً بتوفير البنى الأساسية في الريف كما في المدن وبأسعار تتناسب مع الدخل الفردي، وكذلك إحداث المراكز المجتمعية التي تسهل الوصول إلى شبكات الاتصالات والانترنيت واستخدام الحاسوب من قبل جميع شرائح المجتمع بما فيها، على سبيل المثال، المزارعين لتوفير فرص تسويق منتجاتهم عن طريق الانترنيت.

ومع الانتشار العالمي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والفرصة التي تقدمها القمة العالمية لمجتمع المعلومات، وبشكل خاص المرحلة الثانية منها التي ستعقد في تونس، تتطلع الدول العربية إلى تحديث مجتمعاتها والتوجه نحو الاقتصاد المبني على المعرفة بغية إحراز التقدم الاقتصادي والاجتماعي المنشود. وهذا لا يعني أن الدول العربية يجب أن تصبح مستهلكة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بل لا بد كما تؤكد خطة العمل العالمية الصادرة عن المرحلة الأولى للقمة من بناء قطاع تكنولوجي إنتاجي لسد الحاجات المحلية وزيادة فرص التصدير للمنتجات التكنولوجية وبخاصة البرمجيات.

إن زيادة القدرات التكنولوجية في المنطقة العربية أصبحت ملحة وهذا لن يتحقق إلا بوضع خطط وطنية وإقليمية ملائمة ومتوافقة وتنفيذها من خلال شراكات عامة/خاصة بين الجهات المعنية في المنطقة وخارجها. وهذا ما يتطلب توفير المناخ الاستثماري الملائم والبيئة التمكينية القانونية والإدارية والفنية الضرورية لتسهيل انتشار التطبيقات المعلوماتية في كافة المجالات.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org