القمّة العالمية لمجتمع المعلومات
تونس ورهان الحسم في القضايا الرّئيسية
المنذر الرّزقي
باحث في العلوم السياسية
لا مراء في أن البشرية تعيش في مطلع القرن الحالي فترة مخاض عسيرة ستتحول بالمجتمع الإنساني من مجتمع صناعي طبع القرن العشرين إلى مجتمع معلوماتي سيشكل دون ريب الطابع المميز للقرن الواحد والعشرين. ولعل عسر هذا المخاض ينبئ في حد ذاته بعمق التغييرات وجذرية التحولات التي ستشمل مختلف أوجه الحياة البشرية انطلاقا من نشر المعارف، مرورا بأنماط السلوك الاجتماعي والأنشطة الاقتصادية والتجارية وتصريف الشأن السياسي، وصولا إلى ترتيب الحقل الإعلامي وتدبير مجالات التربية والصحة العمومية والترفيه إلى غير ذلك. إنّه ينبئ بل قل إّنه ينقل وقائع حية لحدوث ثورة جديدة جديرة بأن يخلّدها تاريخ البشرية الحديث.
شرعية القمّة:
لن نجازف إذا قلنا أنّ المبادرة التونسية في أواخر التسعينات باقتراح عقد قمة عالمية لمجتمع المعلومات والتي تؤكّد حصافة المواقف التونسية على الساحة الدولية والحس الاستشرافي الدقيق للقيادة التونسية ورؤيتها الشمولية للمصلحة الإنسانية، كانت ولاتزال وليدة الحرص والانشغال من أجل العمل والفعل منذ البدء على توظيف الثورة المعلوماتية لخدمة الإنسانية في معنى الجمع والشمول لتدارك الهوة العميقة التي خلفتها الثورة الصناعية بين الإنسان والإنسان.
هوّة نصطلح على نعتها بالتنموية لكن في البعدين المادي والبشري للمصطلح. وهو ما أكّده الرئيس زين العابدين بن علي يوم 10 ديسمبر 2003 في الخطاب الذي ألقاه خلال الجلسة الافتتاحية للمرحلة الأولى للقمة العالمية لمجتمع المعلومات بجينيف حيث أكد أن مبادرة تونس بالدعوة إلى عقد هذه القمة تعكس إيمانها "بأنّ هذا المجال حيوي لتحقيق التنمية البشرية المتوازنة والعادلة وما تصبو إليه الإنسانية جمعاء من حرية وعدالة وكرامة. فالفجوة الرقمية هي فجوة تنموية، وهوّة تعوق الحوار بين الحضارات قبل أن تكون فجوة تكنولوجية." فالغاية الأصلية والجوهرية هي تحقيق سعادة الإنسانية قاطبة وكل ما زاد عن ذلك إنما هي وسائل وأدوات تستمد شرعيتها من مدى جاهزيتها للتقدم بالإنسانية نحو تلك الغاية الجوهرية السّامية. وبقدر ما تكون هذه الوسائل قادرة على اختصار الطريق لبلوغ الغاية الأصلية بقدر ما تشكّل هي بدورها أهدافا ثانوية بالغة الأهمية. فسد الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب لن يعني شيئا إذا لم يشكل أداة ناجعة وملموسة النتائج في باب سدّ الفجوة التنموية بين شطري العالم مثلما أن توفر خط هاتفي خلوي لن يعني شيئا لمن يعيش تحت عتبة الفقر ولا يقدر على تحصيل قوت يومه.
لذلك فإن القمة العالمية لمجتمع المعلومات لا تستمد شرعيتها من كونها تشكل تعبيرا عن إرادة عالمية في تعميم استعمال تكنولوجيات المعلومات والاتّصالات الحديثة ووسائلها على كافة أرجاء المعمورة بقدر ما تستمدّها من كونها تمثل فرصة جدية لكافة الأطراف الفاعلة دون استثناء سواء في القطاع الحكومي أومن الأجهزة الأممية أومن القطاع الخاص أومن المجتمع المدني أو من القطاع الإعلامي من أجل بلورة تصور مشترك يقوم على مقاربة عملية تستهدف ضبطا متناسقا وتوفيقيا للمجتمع الإنساني في القرن الواحد والعشرين. مجتمع توظف فيه تكنولوجيات المعلومات والاتّصالات الحديثة لا لذاتها وإنّما لتحقيق الرخاء المتوازن لكل البشر عبر تعميم النماء والقضاء على الفوارق على اختلاف أنواعها ومظاهرها.
ذلك هو مجتمع المعلومات الذي شكل موضوع القمة العالمية التي احتضنت جينيف شوطها الأول بين الثامن والعاشر من ديسمبر2003 وتجري الاستعدادات حثيثة في تونس لاحتضان شوطها الثاني بين 16 و18 نوفمبر2005.
ودون الوقوع في فخ التشكيك في نجاعة مثل هذه اللقاءات الدولية الكبرى التي تنعقد تحت رعاية الأمم المتحدة والتي غالبا ما تقتصر في شأنها على إصدار بيانات محدودة المفعول بالنظر إلى التعبئة التي تستوجبها مثل هذه التظاهرات، ولا الانزلاق في متاهات التأكيد المسبق على أن نجاح هذه القمة في بلوغ الأهداف المرسومة لها مضمون، نعتبر أن الرهان فعلا صعب غير أن أهميته البالغة وآثاره المرتقبة على الإنسانية جمعاء في هذه المرحلة الانتقالية الحاسمة تبرر بل إنّها تفرض المراهنة على كسبه وتوظيف كافة القوى للغرض. فنبل الغاية وسموها أعظم من أن يستهان بها لمجرد التخوف من عدم التمكن من بلوغها، وإنّ في السّبق إلى تصوّرها في إطار مقاربة إنسانية ، والدفع إلى رسمها كغاية جوهرية للبشرية، والإسهام الفاعل في بلوغها شرفا عظيما سيخلده التاريخ، شرف لا يقل درجة عن شرف التوصّل الفعلي إلى تحقيق المراد.
ولعل التبيّن الحقيقي لأهمية هذه القمة بالمقياس البشري الشامل يدفع إلى تحليل طبيعة الفجوة الفاصلة بين الشّمال والجنوب وما تفرضه من رهانات، قبل محاولة تقييم ما حققته القمة في شوطها الأول والوقوف على القضايا الرئيسية التي أرجئ البت فيها لقمة تونس في 2005.
1 ـ طبيعة الفجوة الفاصلة بين الشمال والجنوب:
إذا كان التباين الرقمي بين الشمال والجنوب يشكل العائق الرئيسي أمام مجتمع المعلومات الذي ترمي القمة التأسيس له. فإنه لا يشكل سوى وجها من وجوه الفجوة العميقة التي تفصل بين شطري العالم. إنّها فجوة في تحصيل المعارف والأخذ بناصية العلوم والتكنولوجيا, وهي فجوة في الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة. وهي فجوة في التوزيع العادل لخيرات المعمورة. وهي فجوة في صون المحيط الطبيعي، وهي فجوة في انسياب المعلومات, وهي فجوة في استتباب الأمن والاستقرار. وهي فجوة في الإحاطة الصحية والاجتماعية والتربوية. وهي فجوة في التصريف الرشيد للشأن العام.
إنها فجوة تنموية شاملة بشطريها المادي والبشري مثل ما تعكسه الأرقام والمؤشرات الواردة في آخر التقارير الأممية في هذا الشأن. ولئن كانت الفجوة الرقمية وجها من وجوه الفجوة التنموية الشاملة فإنها تتميز بكونها تشكّل عامل تسريع رهيب لهذه الفجوة قد يصل بها دون ريب إلى مرحلة يستحيل معها التدارك. هذا بطبيعة الحال إذا ما استمرت الأمور على شاكلتها الحالية وهو ما يجعل المبادرة الآن بتقليصها تدريجيا إلى غاية سدها كليا ضرورة ملحة بل رهان يتحتم على المجتمع الدولي كسبه على الرغم من قتامة الصورة.
قتامة التباين الرقمي بين الشمال والجنوب
هذه القتامة تعكسها المؤشرات المتصلة بتوزيع وسائل تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الحديثة بين سكان المعمورة بما يبرز أن التباين يقوم على أساس الدخل حيث يستأثر 15 %الأرفع دخلا بـ 55 % من الخطوط الهاتفية القارة و بـ 65 % من خدمات الهاتف الجوال و74% من الربط بشبكة الإنترنت. في حين يكتفي قرابة 65 % من سكان البلدان النامية بـ20 % من الهواتف القارة وبـ 12.5% من خدمات الهاتف الجوال وبـ 8% من الربط بشكبة الإنترنت.
يتأكد هذا التباين عندما يقترن مقياس الدخل بالمقياس الجغرافي شمال/جنوب. ويمكن الاكتفاء في هذا الإطار بالرجوع إلى مؤشر نسبة الكلفة الشهرية للربط بالإنترنت على أساس متوسط الدخل الشهري. ففي حين تمثل كلفة الربط الشهري بالإنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية 1.2% من متوسط الدخل الشهري للمواطن الأمريكي، تصل هذه الكلفة في النيبال إلى نسبة 278% من متوسط الدخل الشهري للمواطن النيبالي.
مظهر آخر من مظاهر هذه القتامة ترسمها صورة الوضع الرقمي في القارة الإفريقية التي تعد 770 مليون نسمة حيث يتوفر تلفاز لكل 13 ساكنا وخط هاتفي قار لكل 40 ساكنا وخط هاتفي جوال لكل 40 ساكنا وجهاز إعلامية لكل 130 ساكنا وربط بالإنترنت لكل 150 ساكنا. وهو ما يعني ان عدد الأفارقة المرتبطين بالإنترنت يقل عن 8% من العدد الجملي للمرتبطين في العالم الذين يناهز عددهم 665 مليون مرتبط.
كل هذه المؤشرات، وغيرها كثير، تؤكد خطورة الوضع الرقمي الرّاهن في العالم الذي لا مراء في أنه حصل نتيجة عوامل متنوعة. فمن هذه العوامل ما هو تقني نتيجة التفاوت الشديد بين المناطق في مستوى تركيز البنى الأساسية حتّى أنّ البعض منها تفتقر إلى أبسط المرافق الأساسية. كما أن التكنولوجيات الحديثة للمعلومات والاتصالات (الشبكات عبر الأقمار الصناعية وشبكات الألياف البصرية) رغم ما تكتنزه من فوائد عديدة تواجه صعوبات في الانتشار في الدول الفقيرة بسبب ارتفاع كلفة الاستثمار فيها.
ومن هذه العوامل ما هو اقتصادي ويرتبط بمدى توفر إمكانات وطنية قادرة على الإنتاج سواء في مستوى البنى الأساسية أو في مستوى التجهيزات أو في مستوى الخدمات. كما يرتبط بالفوارق بين الأفراد في مدى القدرة على تخصيص ميزانية لأدوات التواصل الحديثة.
ومن هذه العوامل ما هو ثقافي ويرتبط إمّا بمستوى التعلّم والقدرة على التحكم في هذه الأدوات الاتصالاتية الجديدة وتوظيفها للتواصل، أو يرتبط بدرجة قابلية الانفتاح لتقبل محتويات مغايرة أو قل مادة ثقافية مختلفة عن المادة المألوفة.
تلك هي صورة مختزلة عن الفجوة الرقمية التي تعوق التنمية المتضامنة للعالم والتدرّج به نحو الرخاء العميم. هذه الفجوة، بحكم طبيعتها المعقدة وآثارها العميقة علي مصير الإنسانية، قد فرضت عقد قمة لبحث سبل معالجتها المعالجة الجذرية الشاملة. فإلى أي مدى توفّقت هذه القمّة في شوطها الأوّل في تحقيق الغرض المنشود؟
2 ـ تقييم القمّة في شوطها الأوّل:
لقد جمعت القمة العالمية حول مجتمع المعلومات في شوطها الأول المنعقد بجينيف بين العاشر والثاني عشر من ديسمبر الماضي ما يناهز 11000 ممثل عن 175 دولة و663جمعية غير حكومية، و111 مؤسسة خاصة و72 بين هياكل دولية لبحث الوسائل الكفيلة بتقليص الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب.
وقد تميزت المقاربة المعتمدة في القمة بالشمولية باعتبار المبادرة بطرح كافة المسائل المتصلة بمجتمع المعلومات مثلما تعكسه قائمة المواضيع المعروضة على نظر القمة والتي يمكن اختزال أهمّها في المحاور الأساسية التّالية :
o البنية الأساسية للمعلومات والاتّصالات،
o تحصيل المعرفة وبلوغ المعلومات،
o دور كافّة المتدخّلين (حكومات، قطاع خاص، مجتمع مدني، منظّمات أممية) في توظيف تكنولوجيات المعلومات والاتصالات لخدمة التّنمية،
o دعم القدرات البشرية،
o كيفية تخطّي العقبات التي تعوق بناء مجتمع معلومات إنساني الأبعاد.
كما شكلت سابقة محمودة في تاريخ العلاقات الدولية بتشريكها كافة الأطراف الفاعلة وطنيا وعالميا من قطاع حكومي وقطاع خاص ومجتمع مدني وهياكل أممية وقطاع إعلامي في رسم ملامح المجتمع العالمي المنشود الذي لا يشكل الهاجس الرقمي فيه إلا وسيلة وأداة لتحقيق غاية أشمل وأنبل.
وقد تطارحت الأطراف المجتمعة القضايا المطروحة في أبعادها المتنوعة وذلك في الإطار الحكومي, أو في الإطار المدني. ولئن لم تغب الاختلافات بين الفرقاء في مقاربة عدد من المسائل فإن القمة قد توصلت إلى اعتماد وثيقة إعلان المبادئ التي تعدّ مكسبا هامّا للمجتمع الدولي في هذه المرحلة الدقيقة في تاريخ الإنسانية، مرحلة التحول من المجتمع الصناعي إلى المجتمع المعلوماتي. فقد نزّل هذا الإعلان بناء مجتمع المعلومات منزلة التحدي العالمي في الألفية الجديدة وهو ما يجعله موضع التقاء الإرادات الوطنية في إرادة عالمية موحّدة في مستوى الغاية الرئيسية. وهذا التحدي لا يقل عن"تسخير امكانات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للنهوض بأهداف التنمية الواردة في إعلان الألفية، وهي استئصال الفقر المدقع والجوع، وتحقيق التعليم الابتدائي للجميع، وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة من حقوقها، وخفض معدلات وفيات الأطفال، وتحسين صحة الأمهات، ومكافحة فيروس نقص المناعة المكتسبة والملاريا وغيرهما من الأمراض، وضمان الاستدامة البيئية، وإقامة شراكات عالمية من أجل التنمية، وذلك سعيا لترسيخ دعائم السلم والعدل والرخاء في العالم".
وهذا الإعلان رغم ما واجهه من جدل يشكل لبنة هامة ومنطلقا جيّدا ونصا تأسيسيا طموحا للمجتمع العالمي للمعلومات. وتجنبا للطوباوية الخاوية والبيانات المنقطعة عن الواقع قرنت القمّة إعلان المبادئ بخطّة عمل ضمّنتها مجموع الإجراءات التطبيقية التي تمهد إلى بلوغ الغايات المتّفق عليها في باب تقليص الفجوة الرّقمية بين الشمال والجنوب، كما حدّدت فيه الأهداف المرجعية على درب تحسين انتشار تكنولوجيات المعلومات والاتصالات قبل موفّى سنة 2015.
وهذه الخطة التطبيقية حتى وإن كانت متواضعة في نظر البعض لا مراء في أنها ستوفّر أداة موضوعية لتقييم الإنجازات خلال الفترة الفاصلة بين شوطي القمة والتي ستشكل المعيار الحقيقي لقيس مدى صدق النوايا المعلنة ودرجة الالتزام بها وعمق التمسك بالغاية الرئيسية المتمثلة في خير الإنسانية جمعاء.
3 ـ قمّة تونس والحسم في القضايا الرّئيسية:
إن التقييم الموضوعي لفترة ما بين الشوطين الذي ستنتهجه خطة العمل سيشكل بالتأكيد مفتاح النجاح لقمة تونس التي ستواجه خلالها المجموعة الدولية علاوة على جدول الأعمال الأصلي رهان الحسم في قضايا رئيسية عجزت قمة جينيف على حلها ولعلّ أهمّ هذه القضايا مسألة تسيير شبكة الأنترنت (أ)، وتمويل التّضامن الرقمي بين الشمال والجنوب (ب)، والملكية الفكرية في ظلّ مجتمع المعلومات(ج).
أ ـ تسيير شبكة الأنترنت:
شكل تسيير شبكة الانترنت إحدى القضايا التي استعصى الاتفاق عليها في جينيف حيث برز اختلاف جوهري في المواقف بين شق تقوده الصين والبرازيل والهند وإفريقيا الجنوبية ويدعو إلى إسناد مهمة تسيير شبكة الانترنتت إلى هيكل أممي سواء من بين الهياكل الموجودة مثل الاتحاد الدولي للإتصالات أو وكالة أممية تحدث للغرض، وشقّ مقابل تتزعّمه الولايات المتحدة الأمريكية يرفض رفضا باتا أي تدخل للدول بصورة مباشرة أو عبر الهياكل الأممية في تصريف شؤون شبكة العنكبوت. هذا الشق يطالب بالمحافظة على الوضع القائم الذي يتميز باستفراد المؤسسة العملاقة "إيكان" ICANN (مؤسسة الانترنت للأسماء والأرقام المسندة) بالتصرف في مجموع العناوين وأسماء المجالات على الشبكة في العالم انطلاقا من مقرها في كاليفورنيا في حين يتولّى كل من مجمع شبكة الواب العالمية W3C "والمجموعة الهندسية للانترنت" IETF عملية ضبط المواصفات التقنية للمراسلات الإلكترونية والأنترنت.
ولعل هذا الخلاف الجوهري لا يعد مفاجأة بالنسبة للمهتمين بشؤون الشبكة العنكبوتية حيث أن مؤسسة "الإيكان" تخضع للانتقاد المتواصل منذ إحداثها سنة 1998 بمبادرة من وزارة الصناعة الأمريكية حيث يتهمها مناهضوها بالولاء للحكومة الأمريكية وبخدمة المصالح التجارية. كما يؤاخذونها على انغلاقها وعلى ما تصدره من قرارات تثير الجدل.
ولعل الطبيعة الإستراتيجية التي أصبحت تصبغ نشاط مؤسسة "الإيكان" من خلال التصرف في أسماء المجالات وفي العناوين الإلكترونية لا سيما مع الانتشار السريع والواسع لشبكة الانترنات قد تظافرت مع بعض الممارسات التي وقعت فيها هذه المؤسسة كما تؤكده قضية فيري ساين " verysign "، لتفقدها مصداقيتها وتدفع إلى البحث عن هيكل بديل تحبذ أغلب دول العالم أن يكون أمميا حتى وإن كان ذلك لا يرضي الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول المتقدمة الموالية لها التي تتمسك بالمحافظة على إخضاع مراقبة الأنترنت وتسييرها للقطاع الخاص دون سواه. وتجدر الملاحظة في هذا الشأن أن الموقف الفرنسي كان اقرب إلى الموقف الصيني منه إلى الموقف الأمريكي حيث عبّر وزيرها الأول جون بيار رافران عن تفضيله لأن تضع المنظمة الأممية مدونة دولية لتقنين الأنترنت تغطي الجوانب التقنية (إسناد العناوين، والتصرف في أسماء المجالات) وكذلك الجوانب المتصلة بحماية الملكية الفكرية وحقوق المستهلكين.
ولتجاوز هذا الخلاف تقرر مزيد التعمق في موضوع "من يسيّر الأنترنت؟" في إطار فريق عمل أممي سيعمل خلال الأشهر القليلة القادمة على تقييم الآليات القائمة ودراسة أفضل الأطر لتسيير الأنترنت والبت فيما إذا كانت هناك حاجة للتغيير. ومن المتوقع أن يقدم هذا الفريق خلاصة أعماله قبل الدخول في المرحلة الإعدادية لقمة تونس.
ب ـ تمويل التضامن الرقمي:
إذا كان المشاركون في قمة جينيف قد أجمعوا على ضرورة سدّ الفجوة الرقمية التي تفصل شمال المعمورة عن جنوبها بما يخول لدول الجنوب الاستفادة من التطور الهائل الذي تحدثه تكنولوجيات المعلومات والاتّصالات في مجال تبادل التعارف والنمو والتنمية المستديمة, فإنّ كيفية تمويل هذه الغاية المنشودة قد شكل موضوع خلاف عجزت المجموعة الدولية عن تطويعه في الجولة الأولى ممّا فرض تأجيل الحسم فيه إلى جولة تونس في نوفمبر 2005.
فمسألة تمويل رتق الصدع الرقمي شمال ـ جنوب أو بالأحرى سداد فاتورة ربط كامل قرى العالم بشبكة الانترنت قبل موفى سنة 2015 قد أثارت موقفين متناقضين : موقف الدول النامية التى تساند موقف الرئيس السينيغالي عبداللاي وايد القاضي بإحداث صندوق عالمي للتضامن الرقمي يقوم على مبدأ التمويل الطوعي من الدول، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص كما لا يستبعد اللجوء في تمويله إلى اقتطاع معلوم رمزي على بعض المبادلات التجارية كاقتطاع دولار على بيع كل حاسوب او برمجيّة، أو اقتطاع نسبة 1% على معلوم كل مكالمة هاتفية. وقد لقيت هذه المقاربة تأييد المجموعة العربية، ودول أمريكا اللاتينية، ومنظّمة المؤتمر الإسلامي ودول الفرنكوفونية ومنظّمة اليونسكو والبنك العالمي. إلاّ أنّها واجهت معارضة شديدة من الدول الأوربية بالخصوص وفي مقدمتها إيطاليا. هذه الدول التي عبرت عن موقف مناهض لأحداث صندوق عالمي للتضامن الرقمي معتبرة أنّ مختلف آليات التمويل الدولية المتاحة حاليا سواء منها الثنائية أو متعددة الأطراف تكفي لأداء وظيفة التمويل المنشودة لتدارك الفجوة الرقمية مؤكدة استعدادها لتحسين أداء هذه الآليات وتطويرها.
هذا الموقف دفع ببعض الملاحظين إلى مقارنته بالموقف السلبي لدول الشّمال تجاه ما اصطلح على تسميته "بمبادرة القطن" (دعوة دول الشمال إلى وقف المساعدات التي تقدمها إلى منتجيها) وذلك في اجتماع المنظمة العالمية للتّجارة الأخير بكانكون.
وقد انتهت القمّة إلى تبنّي موقف توفيقي مؤقت يقضي باعتماد مبدأ التضامن الرقمي، وتكليف فريق عمل، تحت الإشراف المباشر للامين العام للأمم المتحدة ببحث الموضوع بصورة معمقة وتحديد أفضل السبل لتمويل عملية سد الفجوة الرقمية على ضوء آليات التمويل المتاحة حاليا وتقديم نتائج الدراسة قبل نهاية شهر ديسمبر2004 على أن تقع إعادة مناقشة هذا الموضوع على أمل الحسم فيه في قمة تونس 2005.
بين التضامن الشّامل والتضامن الرقمي
إنّ فكرة التضامن الرّقمي التي عرضها الرئيس السينيغالي عبداللاي وايد لا يمكن الا ان تكون وليدة قيمة التضامن الشامل التي رسّخها الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وطنيا قبل أن يحرص على إشاعتها عالميا، تماما مثلما تشكّل مسألة إحداث صندوق عالمي للتضامن الرقمي التي اقترحها الرئيس السينيغالي امتدادا قطاعيا لصندوق التضامن العالمي الذي بادر الرئيس التونسي باقتراح إحداثه على المجموعة الدولية بعدما ثبتت جدواه على السّاحة الوطنية، فحظي بالاجماع العالمي الذي كرّسه قرار الجمعية العامّة للأمم المتحدة القاضي بإحداثه، وهو يمر الآن بمرحلة التأسيس الفعلي.
لذا سوف لن يكون من الغريب أن يشهد الصندوق العالمي للتضامن الرقمي ميلاده في تونس مهد التضامن العالمي الشامل.
ج ـ الملكية الفكرية في ظلّ مجتمع المعلومات:
القضية الرئيسية الثالثة التي ستطرح من جديد على بساط الدّرس في قمة تونس سنة 2005 باعتبار ما أثارته من جدل وخلافات في جينيف تتعلق بالملكية الفكرية على شبكة الأنترنت. فإذا كان حماة النظام العالمي القائم منذ أواسط التّسعينات في مجال حماية الملكية الفكرية الذي ترعاه المنظمة العالمية للملكية الفكرية (منظمة أممية) يبررون هذا النظام الذي يمدد حماية كامل الحقوق الفكرية إلى 50 سنة بعد وفاة صاحبها (70سنة في كل من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي) بأنّه يشجّع على الخلق والإبداع والإسهام الحر في إثراء الرصيد العلمي والفكري والثقافي للمجموعة، فإن المناهضين لهذا النظام يعتبرون أنّه لا يحمي سوى ملكية بعض الجماعات للمعرفة البشرية التي يجب أن تكون شائعة ومتاحة ومفتوحة حتى يستفيد منها كل الناس مستندين في ذلك إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يوازي بين حقين: حق جميع الناس في التمتع بثمرة المجهود الفكري، وحق المبدع والمبتكر في الحصول على مقابل مادي ومعنوي على مجهوداته.
وقد استأثر هذا الموضوع باهتمام ونقاش كبيرين خلال هذه القمة حيث اكتسى فيها بعدا استراتيجيا باعتبارها تهدف أساسا إلى تقليص الفجوة الرّقمية بين شطري العالم من أجل تعميم الاستفادة من الرّصيد المعرفي البشري في بعده الحركي المتطوّر. وتقليص الفجوة الرّقمية لا يتوقّف عند إتاحة القنوات بل يتعدّاها ليشمل محتوى عمليّة التواصل وهو ما يحيل إلى مزيد تعميق النّظر في الصّبغة التي ينبغي أن تكتسيها البرمجيات : برمجيّات محمية، أم برمجيّات حرّة، أم الاثنين معا؟
تلك هي أبرز القضايا التي بقيت عالقة لدى اختتام قمّة جينيف ممّا حتّم إرجاء الحسم فيها إلى قمّة تونس التي يتضمّن جدول أعمالها الأصلي موضوعا محوريا استراتيجي الأهمية يتعيّن كسبه بما يؤمّن انطلاقة فاعلة لمسار بناء مجتمع المعلومات: هذا الموضوع يتعلّق بالعملية التّنمويّة ويطرح بالتّالي قضيّة أصلية تتّصل بشرعيّة القمّة ذاتها.
ولئن أدرج هذا الموضوع للبحث في قمّة تونس فإنّه بدأ يثير الجدل والنّقاش والاختلاف منذ قمّة جينيف التي شهدت عرض نتائج دراسة أجراها "إنفوداف"(infodev) وهو برنامج أحدثه البنك العالمي منذ سنة 1995 لبحث مدى توفّق تكنولوجيّات الاتّصال في دفع التّنمية. وقد أكّد منسّق هذا البرنامج كاري ماكنامارا (kerry McNamara)، أنّ الفجوة الرّقمية لا تعدو أن تكون علامة وحيدة من علامات الفقر العديدة وهي لا تستدعي أولويّة المعالجة، وأضاف أنّ تكنولوجيّات المعلومات والاتصالات يمكن أن تمثّل، في صورة إحكام استعمالها، أداة تنمية لكن لا ينبغي أن تشكّل غاية في حدّ ذاتها بالنّسبة إلى المجتمع الدّولي. وقد دعا إلى تجنّب ضبط الأهداف العددية التي لا يمكن تحقيقها والتّركيز أكثر على التدخّلات الدّولية في مجال تكنولوجيات المعلومات والاتّصالات والعمل على ضبط مناهج تقييم منسجمة.
إنّ هذا الطّرح، باعتبار مصدره، ولكن بقطع النّظر عن مدى حصافته، يدفع إلى توقّع تباين المواقف حول مسألة جوهرية أخرى مثل مسألة التّنمية في قمّة تونس 2005 التي ستكون دون ريب مسرح تطارح القضايا الرّئيسية والحسم فيها رغم طبيعتها الشّائكة.
وبديهي أن تكون الرهانات المطروحة على هذه القمة في شوطها التّونسي دقيقة وكبيرة وصعبة في ذات الآن باعتباره شوط التّتويج لكن كسبه على الرغم من ذلك ليس من قبيل المستحيل متى التقت الارادات وصدقت النوايا وتظافرت الجهود في مستوى الفعل والإنجاز وتعلقت همم الجميع بالغاية الرّئيسية السّامية التي يجب أن يتأسّس عليها مجتمع المعلومات.
وكأنّ الأقدار قد شاءت أن تنصف تونس التي بذرت فكرة عقد هذه القمّة العالمية، وأيّ إنصاف أعدل من أن تجعلها مهد الانطلاقة الحقيقية لمجتمع المعلومات المنشود، مجتمع شموليّ التّنمية وإنسانيّ الأبعاد.