التعاون في المجال المعلوماتي:
تقليص الفجوة الرقمية *
منتصر وايلي
كاتب الدولة المكلف بالإعلامية والانترنيت - تونس
سجّلت السنوات الأخيرة من القرن الماضي، وبداية القرن الحالي، تطورات وتحولات عميقة على مستوى الترابط والتداخل بين الشعوب والبلدان، وبالتالي على مستوى السياسات المحلية والإقليمية والدولية، والاستراتيجيات التنموية الاقتصادية والاجتماعية. وأساس هذه التطورات، العولمة، بما تحمله في طياتها من آفاق، وتحديات جديدة.. فاق لمزيد دعم نسق التنمية والرفاه، وتحديات لإرساء مناخ السلم والاستقرار وتوسيع رقعته على وجه الأرض. وقد أثبت التاريخ على مرّ العصور، وخاصة خلال القرن الماضي، وما تخلّلته من حروب دامية، الجدلية القائمة بين تحقيق تنمية الشعوب وضمان رفاهها، وبين توفير مقومات السلم والاستقرار لها. وقد تعمقت هذه الجدلية بتطور الأنماط الاقتصادية المعاصرة، التي تعتمد ـ أكثر فأكثر ـ على المبادرة والاستثمار الخاص من داخل الوطن الواحد وخارجه. فالتنمية، لا تتحقق إلا بتوفر مناخ أعمال واستثمار متطور، يستوجب بدوره توفر مقومات السلم والاستقرار السياسي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، يفيد تقرير الأمم المتحدة للتنمية لسنة 2003، بأن أكثر من 20 بالمائة من سكان العالم يعيشون في فقر بأقلّ من دولار واحد يوميا، وأن هناك أكثر من 50 دولة تعاني من مخلفات الحروب بما فيها الحروب الأهلية، ومن الكوارث الطبيعية. كما أن المتمعن في جيوب الفقر المتواجدة حاليا، يقر بالدور المباشر، أو غير المباشر، لانعدام الأمن والاستقرار في استفحال الوضع، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي.
إن المتأمل في بعض الأوضاع الإقليمية الراهنة، يزداد اقتناعا بأن التنمية والرفاه من البديهيات والمسلّمات في إقرار السلم والاستقرار بأي بلد، وذلك من خلال توفر مناخ اجتماعي متوازن ومتضامن، ينبذ التطرّف والتعصب، ويفسح المجال أمام كل الفئات للتعايش والمساهمة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
وفي نفس السياق، فإن إرساء مكونات تنمية مستدامة من شأنه أن يحيي الأمل في المستقبل، ويجدده، لدى الأفراد والشعوب، فتنصرف الحكومات إلى توفير عوامل تحقيق أسباب العيش الكريم للفرد، عبر مزيد دعم فاق التشغيل، باعتباره حقّا إنسانيا لا مناص منه لتكريس سلم اجتماعية مستدامة.
إن هذه الجدلية بين التنمية والرفاه من جهة، والسلم والاستقرار من جهة أخرى، حلقة مغلقة، أو حتى مفرغة يصعب الانصهار فيها. وهنا، يأتي دور الحكومات، وتتجلى أهمية الإدارة الحكيمة لشؤون الدولة، في إيجاد السبل الكفيلة بوضع مجتمعاتها ضمن مسار يمكّنها من الانصهار في هذه الحلقة، ودعم نسق التفاعل بين مكوناتها، لتصبح حلقة مستدامة ومنتجة. ومن ركائز هذه الإدارة الحكيمة، إرساء مكونات دولة القانون والمؤسسات، التي تحقق أسباب العدل بين الأفراد ومختلف مكونات المجتمع، وتضمن الشفافية في تسيير شؤون الدولة، وتنمي الاستثمار في العنصر البشري لبناء القدرات. كما يتعين أن تستند هذه الإدارة الحكيمة إلى القيم الكونية التي تراعي خصوصيات المجتمعات ومقوماتها الثقافية والحضارية مع الانفتاح على الآخر. فتتعزز مناعة الفرد التي تؤسس لمناعة المجتمعات.
إن التفاعل بين أفراد ومجموعات المجتمع الواحد وبين بقية المجتمعات الكونية من طبيعة الإنسان منذ العصور البالية، وقد أكد ذلك، العلاّمة عبد الرحمان بن خلدون في مقولته "الإنسان اجتماعي بطبعه". وقد سعى الإنسان على مدى العصور إلى تطوير آليات اتّصاله وتواصله وتفاعله مع الآخر، مستعينا في ذلك بذكائه، وقدرته على الإبداع، واستنباط السبل والوسائل، التي مكنته من المرور من الحركات والرسوم والنقوش، إلى استنباط لغات للتخاطب المباشر ثم الكتابة والشعر والمسرح.. الخ. وإن طغت في ذلك الوقت على سبل الاتصال والتواصل، عوامل الزمان والمكان المقترنة بالجانب المادي لهذه السبل، فإن من أبرز التحولات التي نشهدها الآن هي قدرة الإنسان على تخطي هذه الحواجز، من خلال اعتماد تكنولوجيات المعلومات والاتصال، وإثراء محيطه الاتصالي بإمكانيات تواصل وتفاعل وتحاور وتبادل لا تخضع إلى أي حدود سوى حدود تصوّر الذكاء البشري.
إن بين اختراع الطباعة خلال القرن الخامس عشر، واختراع الانترنيت في نهاية القرن الماضي، مقاربات عميقة، اعتبرها عدد من العلماء أهم ما عاشته الإنسانية من تحولات، كان لها أكبر الأثر في المحيط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي والمعرفي بالخصوص. فقد دعمت هذه الاختراعات نسق نشر المعلومة والمعرفة، وبالتالي إثراءها عبر الأزمان، وتسريع بثها وتوزيعها. كما ساهمت هذه الاختراعات في بروز عدة إشكاليات، من أهمّها: الأميّة بمفهومها المتداول بالنسبة للطباعة، والأميّة الرقمية بالنسبة للانترنيت، وكيفية التعامل معهما اقتصاديا واجتماعيا وكذلك سياسيا. غير أن من الخاصيات التي تنفرد بها الانترنيت على الطباعة، قدرتها على اختصار الزمن، سواء على مستوى النشر والتوزيع، أو على مستوى مسالك الإنتاج، حيث أصبح بإمكان كل فرد الإسهام في إثراء أو إنتاج المحتوى، وكذلك توزيعه ونشره مباشرة على مستوى واسع، دون تدخّل أي طرف خر. كما لا تفوتنا الإشارة إلى أن العامل اللامادّي لشبكة الانترنيت مكّنها أيضا من إثراء ماهية المحتوى، بإدراج الصورة الحية والصوت إلى جانب المكتوب، وإضفاء عنصر التفاعل الحيني معها، بما يزيد من قدرة الفرد على التفاعل مع المحتوى، ومع ما يسوقه من معلومات ومعارف، وكذلك على التحاور والتفاعل المباشر مع الأفراد والجماعات في كل بقاع العالم.
في ظل هذه التحوّلات الناتجة عن تطوّر الانترنيت وتكنولوجيات المعلومات والاتصال والتقنيات الرقمية بصفة عامة، أصبح التعامل مع المعلومة في مختلف مراحلها، وبمختلف أنواعها، شفوية كانت أو مكتوبة أو مصورة، عنصرا أساسيا، يجعل منها محركا للتنمية، ومولّدا للثروات على غرار الموارد الطبيعية.
من هذا المنطلق، بات من البديهي أن يشكل امتلاك المعلومة والمعرفة، وتطويع التنظيمات والأساليب وإجراءات التعامل معها، المحور والهاجس لكل التصورات والخطط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ضمن مجتمعات يصبو كل منها إلى توفير المزيد من الرفاه، وإلى تعزيز تموقعه عالميا وإقليميا.
وباعتبار هذا الدور المحوري، وما يسجل من تفاوت بين مجتمع وآخر في كيفية استثمار واستغلال المعلومة والمعرفة، لا نبالغ - اليوم - إذا اعتبرنا أن هذه الأخيرة ستمثل أهم العوامل في إعادة ترتيب التجمعات الإقليمية والاقتصادية حسب الاعتبارات التالية:
ـ تأكيد مكانة بعض البلدان المصنّعة التي تنتج التكنولوجيات، وتمتلك رصيدا معلوماتيا كبيرا.
ـ إعادة هيكلة مجموعة البلدان النامية التي غالبا ما تتوفر لها الموارد الطبيعية، لكنها تبقى مستهلكة للتكنولوجيات، وتفتقر إلى القدرات الذاتية والمحلية لتطوير هذه التكنولوجيات، أو حتى تطويعها.
ـ بروز بلدان ذات اقتصاديات صاعدة، تتوفر لديها بالخصوص الخبرات والقدرات الذاتية، وقادرة إذا توفرت لها الظروف الموضوعية على توظيف هذه التكنولوجيات، وتطويرها، والاستفادة منها.
وقد يتطور هذا الواقع سلبا إلى عامل صراع بين الشعوب والحضارات، خصوصا على ضوء ما نلمسه اليوم من بعض وجوه الحروب الجديدة التي لم تعد تدار في ساحة المعركة على الميدان، وإنما تدار عن بعد باعتماد المعلوماتية والشبكات، والتي يعبر عنها "ريك دالباك" بالحروب الاقتصادية السيبرنية والمعرفية (1).
إن تطوّر الاقتصاديات في العالم تحت تأثير تكنولوجيات المعلومات والاتصال، أحدث تفاوتا وفوارقَ بين هذه الأصناف من البلدان. وقد نلمس هذا التباين حتى بين بلدان من نفس المجموعة التي تشهد تنمية اقتصادية متقاربة. كما يمكن أن يتعمق التفاوت داخل البلد الواحد بين الجهات، بين الفئات العمرية، بين الفئات ذات الاحتياجات الخصوصية، أو بين الرجل والمرأة.
وتأكيدا لهذه الوضعية، يفيد التقرير العالمي للتنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية بأن خُمُس سكان العالم يعيشون في البلدان الأكثر ثراء. وتتوزع مؤشرات التنمية وفق هذا التقرير كما يلي:
ـ يبلغ الناتج الداخلي الخام للبلدان الغنية 86 بالمائة من الناتج الداخلي الخام العالمي، مقابل حوالي 1بالمائة للبلدان الأقل نموا.
ـ 82 بالمائة من أسواق التصدير تتحكم فيها البلدان الغنية، مقابل 1 بالمائة للبلدان الأقلّ نموا.
ـ تحتوي البلدان الغنية على 74 بالمائة من الخطوط الهاتفية العالمية، مقابل 1,5 بالمائة للبلدان الأقل نموا.
ـ كما أن مساهمة بلدان الجنوب في الإنتاج العلمي العالمي لا تتجاوز 10 بالمائة من الحجم الإجمالي للمنشورات، و 10 بالمائة فقط من الميزانية العالمية الموجهة للبحث العلمي في حين لم يبلغ منابها من جملة البراءات المسجلة عالميا إلا حوالي 2بالمائة.
ـ 96 بالمائة من موزعات الانترنيت المركزة عالميا، تم إيواؤها بالبلدان المتقدمة.
ـ مواطن من بين اثنين مرتبط بشبكة الانترنيت في البلدان المتقدمة، في حين أن هذه النسبة لا تتجاوز 250/1 في البلدان النامية.
إن هذه القراءة للتقرير العالمي حول التنمية البشرية تدفعنا إلى الجزم بوجود فجوة جديدة بين بلدان العالم، نشأت من خلال تفاوت قدرة هذه البلدان على الأخذ بناصية التكنولوجيات الحديثة، واتفق الجميع على تسميتها: "الفجوة الرقمية"، التي هي في الوقت ذاته من مكونات الفجوة التنموية، ومن عوامل تفاقمها.
وتتباين المواقف في هذا المجال بين نظرة متفائلة وأخرى محترزة أو قلقة. فالنظرة المتفائلة، تعتبر تكنولوجيات المعلومات والاتصال كالماء والهواء لا تقبل الاحتكار، وتؤكد على حق الجميع في الاستفادة من نتائجها ما دامت هي حصيلة تراكم النشاط البشري على مدى العصور، من ذلك مساهمتها في دفع نسق التنمية، وتحقيق الرفاه للشعوب، وفك العزلة وإزالة الجهل عنها، وإشاعة قيم العدل والحرية. والنظرة الثانية المحترزة، تحمل في طياتها الكثير من القلق والخوف، الذي قد يصل إلى حد التشاؤم. ويقود هذا التوجه الفيلسوف "جان فرانسوا ليوتار" (2)، الذي يرى أن تكنولوجيات المعلومات والاتصال مع كونها وسيلة البشرية للسيطرة على الظواهر المعقّدة وحل المشاكل العديدة، إلا أنها عقّدت معظم ظواهر الحياة، وولدت مشاكل جديدة لم تكن في الحسبان قد تدفع دول العالم في حرب من أجل السيطرة على المعلومات والمعارف، كما حاربت في الماضي من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية ومصادر الثروة.
إن هذا التراوح بين التفاؤل المفرط والتشاؤم المفرط، يفتح مسارا خر لمعالجة هذه الفجوة الرقمية، التنموية والحضارية. هذا المسار، هو مسار الاعتدال في تناول المسألة من مختلف زواياها، وأساسه:
1 ـ العدل بين الشعوب والمجتمعات ومختلف الفئات الاجتماعية في نشر الثقافة الرقمية، ونشر ثقافة حوار الحضارات والتسامح، والابتعاد عن شبح صدام الحضارات الذي يشير إليه "صامويل هنتنغتون".
2 ـ تحقيق التضامن بين الشعوب، بين الغني والفقير، بين المالك للمعلومة والمعرفة والساعي إليها، بما يخول للبشرية إرساء مجتمع المعلومات والمعرفة، مجتمع تتضافر فيه المجهودات لخلق أفق تعاون دولي إنساني جديد تتوفر فيه مقومات السلم والرفاه.
3 ـ تصور نماذج تنمية وتعاون، تحافظ على الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلدان المستفيدة، وتساعد على الحد من التأثيرات السلبية للفجوات التي تتراكم.
وأمام هذه الرهانات الكبرى، تبقى إرادة أي بلد أو شعب أو مجموعة، غير كافية لوحدها، في غياب مبادرات على مستوى عالمي، للحد من هذه الفوارق التي تتعمق يوما بعد يوم بين البلدان، وتهدد السلم والاستقرار والرفاه في العالم. ومع تأكد ما تمثله تكنولوجيات المعلومات والاتصال اليوم من فرص حقيقية لبعض بلدان الجنوب لبناء اقتصاد أكثر ازدهارا بفضل ما تتوفر لديها من قدرات ذاتية بشرية، يبقى دور البلدان المتقدمة في هذه المعادلة أساسيا من منطلق المسؤولية الجماعية، باعتبار أن إدماج البلدان الأقل تقدما فيه فائدة لكل الأطراف، بينما يمثّل تهميشها عاملا أساسيا لما يجتاح العالم من مظاهر سلبية بأشكال مختلفة، مثل الإرهاب والحروب والصدامات.
في هذا الإطار، تتبلور رؤى جديدة حول أفضل السبل لتركيز مناخ للتعاون الدولي، يقطع مع التصوّرات المتداولة ويأخذ بعين الاعتبار تطلعات المجتمعات الأقل حظا، ويتمحور بالخصوص في إطار تعاون ثلاثي الأطراف، البلدان الأكثر نموا من ناحية، البلدان الأقل نموا من ناحية أخرى، ومشاركة فاعلة للبلدان الصاعدة باعتبارها تمثل حلقة الربط الأكثر واقعية في تصوراتها، وفي كيفية تدخلها ومساهمتها في إيجاد الحلول المناسبة للبلدان والمجتمعات التي هي بحاجة لهذا التعاون.
كما لا يفوتنا التأكيد على دور الشركات العالمية في دعم مسار التعاون الدولي، من منطلق ما يتوفر للعديد منها من إمكانيات هائلة، ومن منطلق مسؤوليتها ومصلحتها كذلك، باعتبار أن انتشارها عبر الدول والحدود يجعلها تتأثر اكثر بمخلفات التهميش والإقصاء والفقر.
إن السلم والتفاهم بين الشعوب مرتبطان حتما بفهم الآخر، وبقبول إرثه الحضاري وخصوصياته الثقافية والاجتماعية. ولا يخفى على أحد أن تونس كانت دائما سبّاقة في مجال التفتح على الغير. فالتسامح والحوار والانفتاح، من ميزات تونس وخصال نسائها ورجالها الذين أدركوا عبر العصور كيفية الاستثمار في مخزون الحضارات الأخرى التي تعاقبت على البلاد، انطلاقا من الحضارة القرطاجية، مرورا بالحضارات الرومانية والبيزنطية، ووقوفا عند الحضارة العربية، ووصولا إلى الحضارات الإيبيرية والتركية، والغربية مع الاستعمار الفرنسي.
إن المقاربة التونسية في هذا المجال، التي رسم ملامحها سيادة الرئيس زين العابدين بن علي في مشروعه الحضاري وبرنامجه المستقبلي، وبالتحديد في النقطة الخامسة عشرة منه "ثقافة حرية وتضامن وتسامح"، تسعى إلى معالجة الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي - الحضاري والتكنولوجي ضمن رؤية شمولية تهدف إلى النهوض بالإنسان حيثما كان، وتمكينه من مقومات الرفاه والاستقرار. وترتكز هذه الرؤية الشمولية على تكريس أخلاقيات كونية، تتمحور حول ضمان حقوق الإنسان، وحفز حوار الحضارات، وتأمين الكرامة المتأصلة في كل ذات بشرية، دون استثناء أو تمييز.
وفي هذا السياق، تتنزل مبادرة الرئيس بن علي التي دعا فيها إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن، يخفف من مآسي الفقر، ويقلّص بذور الأحقاد في كل مكان. ونحن نعتز بموافقة ومساندة المجموعة الدولية لهذه المبادرة، حيث تبنّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهي مبادرة نابعة من نجاح تجربة وطنيّة، تمثلت في صندوق التضامن الوطني 26 ـ 26.
وحيث أن موضوع إرساء مجتمع المعرفة، وسد الفجوة المعرفية ومخلفاتها كالفجوة الرقمية والتنموية، كان ولا يزال، من أول اهتمامات السياسة التونسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإيمانا من بلادنا بأهمية معالجة هذا الموضوع على الصعيد الدولي، بادرت تونس سنة 1998 باقتراح تنظيم قمة عالمية حول مجتمع المعلومات، حظي بإجماع دولي. وقد انعقدت المرحلة الأولى بجنيف في ديسمبر 2003. وتستضيف تونس هذه القمّة في مرحلتها الثانية في نوفمبر2005.
وبنفس الإيمان، شدّد الرئيس بن علي، في كلمته الافتتاحية لأشغال الدورة العادية السادسة عشرة للقمة العربية بتونس في ماي 2004، على مسائل الشراكة والحوار من أجل السلم والاستقرار والرفاه، وذلك بهدف إرساء علاقات حوار ثري ومتكافئ مع جميع الدول، تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون الخلاّق والتعايش بين الأديان والثقافات والحضارات في كنف التفاهم والوئام والوفاق، والمراهنة على التضامن كسبيل لبناء عالم أكثر توازنا وعدلا وأمنا واستقرارا.
وخلال القمّة العربية الأخيرة، التي انعقدت بتونس في ماي 2004، أكد الرئيس بن علي على تنسيق العمل بين البلدان العربية للانخراط الواعي في التطوّرات الحاصلة في قطاعات العلوم والتكنولوجيا الحديثة، والتحكم فيها، ومواصلة النهوض بالموارد البشرية العربية في شتى ميادين المعرفة، باعتبارها الثروة التي لا تنضب، والعامل الأساسي لتقدم الأمم.
وتعتبر إنجازات تونس في هذا الإطار من بين الإنجازات المشهود بها عالميا وإفريقيا وإقليميا، حيث تم ترتيب تونس في المرتبة الثالثة من بين 102 دولة على المستوى العالمي في ما يخص السياسة المتبعة للنهوض بتكنولوجيات المعلومات والاتصال، والمرتبة الخامسة في ما يخص إدراج تكنولوجيات المعلومات والاتصال ضمن الأولويات الحكومية (3).
وقد دأبت تونس على تطوير ميدان الاتصال والمعلومات، واعتباره من عوامل إضفاء مزيد من الحركية على الاقتصاد الوطني، وتفعيل الإمكانيات والمهارات والقدرات المبتكرة للمؤسسة التونسية وللفرد التونسي.
وقد اتجهت الاستراتيجية الوطنية بالخصوص إلى تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتعميم الانترنيت كرافد للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وللنهوض بعمل المؤسسة الاقتصادية التونسية. كما تم العمل على تطوير البنية التحتية المعلوماتية، من خلال إقرار جملة من المشاريع الوطنية الهامة المتصلة بأداء القطاع العمومي والخاص، والهادفة إلى تفعيل استعمالات تكنولوجيات المعلومات والاتصال فيها، مثل التجارة الإلكترونية والإدارة الإلكترونية. وبالتوازي، اتجه العمل إلى تطوير التشريعات والقوانين المتعلقة باستعمالات تكنولوجيات المعلومات والاتصال، وبمناخ الاستثمار فيها، للنهوض بالقطاع الخاص في مجال صناعة البرمجيات والمحتوى الرقمي. وإدراكا لأهمية الجانب البشري لاستيعاب واستعمال واستغلال وتطوير هذه التكنولوجيات ركّزت الاستراتيجية الوطنية على النهوض بالقدرات، ودعم الموارد البشرية المختصة، إضافة إلى تعزيز آليات نشر الثقافة المعلوماتية والرقمية، من خلال توخي خطة وطنية لتعميم تدريس المعلوماتية بمختلف المراحل التعليمية. كما سعت إلى دعم النفاذ للانترنيت للجميع، من خلال ربط المؤسسات التربوية والجامعية بالشبكة، وإحداث فضاءات أنترنيت بِدُورِ الشباب والثقافة ومراكز إعلامية موجهة للطفل، وتشجيع تركيز مراكز عمومية للانترنيت.
إن موضوع "التعاون الدولي من أجل السلم والاستقرار والرفاه في العالم"، وتطوراته في ضوء ما يتبلور من تطورات لاستعمالات تكنولوجيات المعلومات والاتصال، يطرح العديد من التحديات والتساؤلات، بعضها فني، وبعضها الآخر سياسي واقتصادي، وكذلك اجتماعي وفلسفي، قد يصعب الاهتداء إلى إيجاد أجوبة لها في الوقت الحاضر، ولكن من المهم أن تبقى في أذهاننا، حتى لا نغفل عنها، لما قد ينجر عنها من انعكاسات سلبية.
هذه التساؤلات، تحمل في طياتها، في الوقت نفسه ، المزايا الإيجابية، والانعكاسات السلبية، التي تصاحب حضور تكنولوجيات المعلومات والاتصال الحديثة داخل المجتمعات المعاصرة في أي مكان من العالم.. حضور، نريده أن يحمل معه الخير والرفاه والسلم لكل إنسان، مهما كان عمره، وفئته الاجتماعية، وشريحته الفكرية، وجنسيته، وديانته، وانتماؤه الثقافي والعرقي، وأيضا موقعه في الكرة الارضية بمختلف قاراتها، دون تمييز أو استثناء أو إقصاء.
وبإمكان المجموعة الدولية ان تحسن استغلال وتوظيف تكنولوجيات المعلومات والاتصال الحديثة لفائدة التنمية الإنسانية، وتحوّل قضايا المديونية والفقر إلى فرص متكافئة، والفجوة الرقمية إلى جسور رقمية، وصدام الحضارات إلى حوار الحضارات، والهيمنة والغزو الثقافيين إلى تنوّع ثقافي متكامل، والإرهاب القاتل إلى سلم عالمي أساسه الاختلاف المثري والحوار المضيف الذي يجمع ولا يفرّق.
وكل هذا، لن يتحقق بطبيعة الحال إلا إذا أوجدنا حلولا جدية، تستدعي جهودا كبيرة لضمان الرفاه والأمن والاستقرار في العالم، عبر القضاء على بؤر التوتر والصراعات الداخلية والإقليمية والدولية، مثل قضية الشرق الأوسط، والأزمة العراقية، والأزمة الأفغانية، والأزمات المتجددة في منطقة البحيرات الكبرى بإفريقيا، وغيرها..
وإن إقرار تعاون دولي نزيه في مجال تكنولوجيات المعلومات والاتصال الحديثة يرتقي إلى مستوى الاعتراف المتبادل بالآخر والشراكة الإيجابية المتكافئة، يحتّم التعجيل بإيجاد حلول سياسية عادلة لكل هذه النزاعات والقضايا المطروحة، وعلى رأسها القضيّة الفلسطينية، وفق الشرعية الدولية وقرارات منظمة الأمم المتحدة.
فليس أمامنا اليوم سوى مواصلة العمل والسعي إلى بلوغ هذه الأهداف، التي، وإن تبدو عسيرة، فإنها غير مستحيلة، وهي تتطلب فتح قنوات الحوار.
*******
* نص مداخلة ألقيت ضمن فعاليات ندوة لجمعية البرلمانيين التونسيين التأمت يومي 17 و18 جوان 2004 بتونس تحت عنوان"التعاون الدولي من أجل الاستقرار والرفاه في العالم ".
1/-Les chemins de la puissance ,ouvrage collectif sous la direction de C.Harbulot, A.Chauprade et D.Lucas,éditions Ellipse,2004.
2/-" العرب في مواجهة التحدي المعلوماتي" ,المرايا,قضايا ما بعد الحداثة في الأدب والنقد.
3/- W orld Economic Forum : The global competitiveness report 2003/2004