مشروع لمساهمة المجتمع المدني العربي في إرساء مجتمع المعلومات

د. مصطفى المصمودي
- رئيس الجمعية التونسية للاتصال

اقترنت الثورة الإعلامية التي شهدتها الإنسانية بعد غزو الفضاء بعبارة القرية الكونية ثم اقترنت الثورة السيبرانية بعبارة مجتمع المعلومات. وفي الواقع أن التطور المذهل لقطاعات الإعلام والاتصال والمعلومات لم يفاجئ المتضلعين في العلم والمتخصصين في الدراسات الاستراتيجية، إذ هم الذين مهدوا بالبحث للثورة التكنولوجية التي نشهدها اليوم وأعدوا العدة لما بعد العصر الصناعي. فامتدت الشبكات الإلكترونية واتسع نطاقها واقتنع أصحاب القرار بأن المعلومات والمعرفة يتطلبان استراتيجية خاصة منصهرة في الإستراتيجية الدولية المتصلة بالتنمية الشاملة والحضور السياسي على الساحة العالمية، وكان هذا الاعتبار الاستراتيجي هو الذي ساعد سياسيا واقتصاديا على تهيئة المناخ وجعل الاكتشافات التقنية المتلاحقة تحظى بالدعم المتواصل والأهمية الكبرى.

وتجاوبت الحكومات والمنظمات الأممية مع هذه التصورات، فتبنت مشاريع متكاملة ومتماسكة بهدف تدعيم برامج التنمية الاقتصادية والتشغيل والصحة والحريات العامة وحقوق الإنسان والى غير ذلك من الامتيازات. ومن أجل ذلك اجتمع خبراء مجموعة السبع في بروكسال عام 1995 لتصور ملامح مجتمع المعلومات. ثم تأسست مجموعة جايان Géant المتكونة من أخصائيين ينتسبون إلى كل القطاعات للتعمق في بحث هذا الموضوع.

على إثر ذلك اجتمعت قمة في مستوى مجموعة الثمانية (8 G ) بأوكينا في اليابان لتوضيح التصورات حول هذا المجتمع الجديد وخرج المشاركون بجملة من القرارات الهامة منها التعهد بردم الفجوة الرقمية وايجاد إطار تشريعي دولي لتنظيم استعمال شبكة الانترنيت والاعلان عن حق كل الأطراف المشاركة في إرساء هذا البناء الواعد (1) إلا أن البلدان النامية رأت أن لا مجال لبناء مجتمع عالمي جديد في غيابها ونادى البعض من رؤسائها (2) بتنظيم قمة عالمية من أجل التأمل في الرؤية المؤدية الى مجتمع الغد عبر قنوات التعاون والتآزر. ثم جاء القرار الأممي بعقد هذه القمة لوضع خطة شاملة تفسح المجال أمام كافة الطاقات الحية في المجتمع وتسند نصيبا واضحا في هذا البناء الى منظمات المجتمع المدني.

وأوكلت الجلسة العامة لهيئة الأمم المتحدة الى الاتحاد الدولي للاتصالات مهمة تنظيم القمة العالمية لمجتمع المعلومات كما تم الاتفاق على تنظيم هذا اللقاء التاريخي في مرحلتين وبعاصمتين: بحيث تكون البداية في جنيف ( 10 - 12 ديسمبر 2003 ) والنهاية في تونس ( 16 - 18 نوفمبر 2005 ).

وانعقد المؤتمر في مرحلته الأولى بحضور 11050 مشارك منهم 3310 ممثل عن 481 منظمة غير حكومية فقام ممثلو المجتمع المدني بدور كبير في مجرى الأحداث. وسنحاول في ما يلي توضيح ما ساهمت به هذه المنظمات في مختلف المراحل الإعدادية لقمة تونس ثم سنتولى طرح أرضية لمشروع برنامج متكامل يشارك به المجتمع المدني العربي في إرساء مجتمع المعلومات.

الباب I : مساهمة المجتمع المدني في المراحل الإعدادية للقمة:

لقد بدأت الاستعدادات للقمة منذ صدور القرار المذكور فتعددت الندوات التحضيرية في كل القارات وبمشاركة كل القوى الحية ولاسيما منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الاستثمار والإنتاج في القطاع الخاص. وانطلقت الأعمال من إفريقيا حيث انعقد المؤتمر الإقليمي الأول ببماكو عاصمة المالي في أواخر شهر مايو (الخامس) من عام 2002. وتواصلت الاجتماعات الإقليمية طيلة سنة كاملة في مختلف القارات والمناطق الجغرافية وكانت خاتمتها الندوة العربية التي انعقدت بالقاهرة في أيام 16 - 18 يونيو (السادس) 2003 .

وفي الأثناء شرعت الوفود الدولية في الاجتماعات التحضيرية بجنيف منذ الأسبوع الأول من شهر يوليو (السابع) من سنة 2002 في بحث المواضيع المطروحة على القمة وتواصلت الاجتماعات للتعمق، وهي مواضيع متعددة ومتنوعة تغطي مختلف القطاعات وتتصل أساسا بمحتوى الإنتاج المعرفي. وانتهت الأعمال التحضيرية بإعداد وثيقتين رئيسيتين (إعلان المبادئ وخطة العمل) لترجمة البعض من الطموحات ثم تم تبنيها في المرحلة الأولى للقمة بجنيف. وكان ذلك فرصة للدلالة على أن مفهوم مجتمع المعلومات يتعدى البعد التقني ويطال مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتفكير. وقد شكل هذا المؤتمر مناسبة أخرى لإظهار انقسام العالم إلى شقين: شمال يريد تعميم قيمه وفتح أسواق جديدة لمنتجاته، وجنوب ينتظر المزيد من المساعدات المالية والتقنية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بدون تصدع أو اهتزاز. فحال هذا الانقسام دون وصول القمة إلى التزامات واضحة إزاء القضايا الجوهرية المطروحة حول إدارة الانترنت وتمويل التعاون الدولي وحقوق الإنسان، والحريات العامة والملكية الفكرية، والبعد الأخلاقي لمجتمع المعلومات، وإبراز دور منظمات المجتمع المدني في بناء مجتمع المعلومات. وسنحاول في ما يلي توضيح ما ساهمت به هذه المنظمات في مختلف المراحل الإعدادية لقمة تونس ثم سنتولى طرح أرضية لمشروع برنامج متكامل يساهم به المجتمع المدني العربي في إرساء مجتمع المعلومات. ولهذا السبب اتجهت الأنظار الى المرحلة الثانية من القمة والتي ستعقد في تونس في 16 - 18 نوفمبر 2005 بانتظار نضوج المفاهيم والقناعات المتعلقة ببناء مجتمع المعلومات.

1) المواضيع الجوهرية التي تطرقت إليها القمة في جنيف

تطرقت القمة الى مجموعة من القضايا التي ر ها " أصحاب المصلحة " (3) من الأسس الجوهرية لمجتمع المعلومات ومن مبررات انعقاد القمة. وفي ما يلي ابرز هذه القضايا والاختلافات.

أ - مسألة حقوق الإنسان:

اعتبرت دول الشمال مسألة حقوق الإنسان (وخاصة المدنية والسياسية) واطلاق الحريات (وخاصة حرية التعبير) الأساس الوحيد لبناء مجتمع المعلومات وذلك بالتركيز على المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ورفض أية إشارة الى المادة 29 منه التي تنص على المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في أي مجتمع ديمقراطي.

وبالمقابل أصر العديد من دول الجنوب على أن حقوق الإنسان يجب أن تشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك الحق في التنمية، وان الحريات يجب أن تخضع للقيود التي تنص عليها المادة 29 من هذا الإعلان. وبالإضافة الى ذلك، كان توجه دول الشمال برفض أية إشارة الى أهمية احترام سيادة الدول وقوانينها الوطنية في بناء مجتمع المعلومات. وبعد مفاوضات مضنية، تم التوصل الى صيغ توافقية تمثلت في الإشارة الى المادتين ( 19 ) و( 29 ) بشكل متوازن والى ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الانسان بطريقة تؤكد التزام الدول بمبادئ الميثاق واحترامها للإعلان. وكذلك الى وجوب احترام مبدإ المساواة في السيادة بين جميع الدول.

ب ـ موضوع الملكية الفكرية:

حاولت دول الجنوب والصين خاصة فرض وجهة نظر مفادها أن حماية الملكية الفكرية في ظل الاتفاقيات الدولية الحالية تشكل عائقا في وجه تقاسم المعلومات والمعرفة وبالتالي تشكل عقبة أمام بناء مجتمع المعلومات. وبالمقابل، حاولت دول الشمال (وبشكل خاص الولايات المتحدة) التركيز على وجوب تعزيز واحترام اتفاقيات الملكية الفكرية. وفي الأخير تم التوصل الى صيغة عامة خالية من أي التزام وتعتبر أن حماية الملكية الفكرية تمثل عنصرا هاما من أجل تشجيع الابتكار والإبداع في مجتمع المعلومات، وأن نشر المعرفة ييسر بثها وتقاسمها على نطاق واسع والمشاركة الجماعية في بناء القدرات بصورة مجددة.

ج - إدارة الانترنت:

في الوقت الذي طالبت فيه دول الجنوب والصين بوضع إدارة الانترنت في المستوى العالمي وتحت إشراف الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها، طالبت الولايات المتحدة بأن تتم معالجة القضايا الدولية المتعلقة بإدارة الانترنت بشكل ثنائي بين الدول وبمشاركة كاملة من قبل القطاع الخاص. أما الاتحاد الأوروبي فإنه كان منقسما على نفسه، إذ كانت بعض دوله تميل الى موقف دول الجنوب، في حين كان البعض الآخر يؤكد موقف الولايات المتحدة. وفي الأخير تم التوصل الى نص توفيقي يوكل الى الأمين العام للأمم المتحدة إنشاء فريق عمل لإيجاد آ لية لإدارة الإنترنيت تكفل المشاركة الكاملة والأنشطة من جانب الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات الدولية المختصة والمجتمع المدني من البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.

د - التنوع الثقافي والبعد الأخلاقي لمجتمع المعلومات:

كان هذا الموضوع محل اهتمام خاص من طرف الجميع رغم ضعف علاقته بالقضايا الاقتصادية. فدافعت دول الشمال عن مبدإ التنوع الثقافي في نطاق حضارة كونية، أما دول الجنوب فإنها ركزت على وجوب احترام هذا التنوع ودعم المحتوى المحلي فتكرس الخلاف بشأن البعد الأخلاقي وعالمية القيم والمبادئ التي يجب احترامها والتقيد بها. وتجلى ذلك خاصة حول موضوع الحريات المدنية والحق في رفض بعض القيم الغربية التي تتنافى مع الأخلاق والاعتبارات الدينية وتشويه الأديان ومسألة مكافحة الأعمال غير المشروعة التي تعتمد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

ه ـ - وسائط الإعلام:

لقد أرادت دول الشمال إعطاء أهمية كبيرة لوسائط الإعلام كفاعل أساسي في بناء مجتمع المعلومات وبالتالي وضعها على قدم المساواة مع أصحاب المصلحة الآخرين أي خارج نطاق المجتمع المدني الذي نسبت إليه. كما أكدت هذه الدول على مبدإ تعددية ملكية وسائل الإعلام وعلى ضرورة إعطائها الحرية المطلقة في جمع المعلومات وإذاعتها واستعمالها. واعتبرت أن وضع المعايير والضوابط المتعلقة بممارسة العمل الإعلامي هي من مسؤولية الإعلاميين وحدهم. وأمام معارضة العديد من دول الجنوب ألغيت الإشارة الى وسائط الإعلام كأحد " أصحاب المصلحة " ، وتم التأكيد على ضرورة استخدام المعلومات بشكل مسؤول وأن تعددية ملكية وسائط الإعلام يجب أن تكون بانسجام مع القوانين الوطنية لكل دولة.

ز - التعاون الدولي لتمويل ردم الفجوة الرقمية:

لقد حاولت دول الجنوب، وبشكل خاص المجموعة الافريقية، الحصول على التزام واضح من قبل دول الشمال بتقديم مساعدات للدول النامية بهدف سد الفجوة الرقمية من خلال وضع آ ليات لنقل التكنولوجيات وإنشاء صندوق للتضامن الرقمي. فعارضت دول الشمال بشدة مبدأ إنشاء هذا الصندوق حتى ولو كانت المساهمة فيه بصورة تطوعية، معتبرة أن آ ليات التمويل الدولي القائمة تفي بالغرض. ولذلك حاولت أن يكون نقل التكنولوجيا تبعا لقواعد يتم الاتفاق عليها في إطار العلاقات الثنائية بين الدول. وبعد تدخل جَليّ من قبل الجانب السويسري، تم التوصل الى صيغة توفيقية تقر الرغبة التي أبداها بعض المشاركين في إنشاء صندوق تطوعي للتضامن الرقمي، وتطالب بإجراء دراسات عن الآليات القائمة وعن جدوى هذا الصندوق ومدى كفاءته. فتم تكليف الأمين العام للأمم المتحدة بإنشاء فريق عمل آ خر لهذا الغرض حتى يكون الحسم في الموضوع قبل قمة تونس.

ح - خطة العمل:

كانت " خطة العمل " التي تبنتها القمة ترجمة للرؤية المشتركة الواردة في " إعلان المبادئ " لتحقيق الأهداف الإنمائية المتفق عليها. وبسبب عدم التوصل الى قرارات واضحة في " إعلان المبادئ " جاءت خطة العمل لتعكس غياب التزام الدول بتنفيذ خطوات عملية لبناء مجتمع المعلومات. فاقتصرت هذه الخطة على الدعوة والتشجيع، ومن ذلك حثت الحكومات على وضع استراتيجيات إلكترونية بمشاركة أصحاب المصلحة الآخرين لتطوير البنى التحتية للمعلومات والاتصالات، وتوسيع إمكانية النفاذ، وتطوير المناهج التربوية، وتشجيع البحوث العلمية ذات الصلة، وتنمية الموارد البشرية. وكذلك شجعت خطة العمل أصحاب المصلحة على اتخاذ التدابير اللازمة لبناء الثقة وتحقيق الأمان عند استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وبشأن البيئة التمكينية، جاء في الخطة أنه ينبغي على الحكومات السعي الى قيام إطار سياسي وقانوني وتنظيمي يعزز مجتمع المعلومات ويتسم بالشفافية. أما بشأن تطبيقات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فقد تم التطرق الى دورها في تحقيق التنمية المستدامة وبالتالي، في الاستراتيجيات الوطنية الإلكترونية بحيث يجب أن تشمل الإدارة الحكومية، والأعمال التجارية، والتعليم، والصحة، والبيئة، والزراعة ومختلف المؤسسات الاقتصادية.

وخصصت الفقرة الأخيرة من خطة العمل لاستعراض القضايا التي ينبغي التركيز عليها في مرحلة تونس والدعوة الى صياغة وثائق نهائية ملائمة استنادا الى نتائج مرحلة جنيف في سبيل بناء مجتمع معلومات على مستوى عالمي شامل، وتقليص الفجوة الرقمية ومتابعة وتنفيذ خطة عمل جنيف على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية بمشاركة جميع أصحاب المصلحة.

2) مشاركة المجتمع المدني في أعمال القمة (المرحلة الأولى):

من المعلوم أن منظمات المجتمع المدني الدولي اتفقت على إصدار " إعلان خاص بها بعدما تأكدت من عدم قدرتها على تمرير البعض من أفكارها ضمن البيانات الصادرة رسميا عن القمة، فأكد هذا »الإعلان على حق المجتمعات في استعمال البرمجيات المفتوحة والمجانية، وحذر من منح الاحتكارات الفكرية الى القطاع الخاص باسم حقوق الملكية الفكرية مطالبا بربط أي امتياز لفائدته في مجالات الإبداع والابتكار بالصالح العام.

كما شارك في الأعمال التحضيرية بجنيف ممثلون للمنظمات غير الحكومية العربية وكان عدد منهم قد ساهم في أعمال اللجان الوطنية وألّفوا في جنيف فريقا صغيرا ( Caucus ) مثل باقي المجموعات الأخرى، للتفاوض والمشاركة في الاستشارات الهامة التي سبقت انعقاد القمة فساعدت على توضيح وجهة النظر العربية الإفريقية حول الأولويات مثل الحق في التنمية الإنسانية الدائمة، وضرورة ايجاد موارد للتنمية الرقمية، وإبراز مكانة الأسرة في المجتمع الجديد، ودعم الهوية الثقافية والتعددية اللغوية، وفتح قنوات الحوار الثقافي. ونجح المجتمع المدني العربي في كسب المساندة لتدعيم الحوار بين الثقافات من أجل إعطاء مسحة حضارية للعولمة وتلافي الإساءة الى الصورة العربية الإسلامية. وهكذا نجح المجتمع المدني العربي في إقناع الأطراف الحكومية المحترزة بارتفاع نسبة وعيه وخروجه من طور المراهقة الى درجة النضج والعمل المسؤول البعيد عن الارتجال والتحرك الانفعالي بالشوارع، وشعرت أغلبية الأطراف في مناطق أخرى أن المنظمات غير الحكومية المعنية هي مؤسسات حرية بالمشاركة الفعالة في بناء مجتمع المعلومات وفي المنابر الدولية، وإنه يمكن الوثوق بها مستقبلا لرفض المراودات والإغراءات.

3) الإعلام في لوائح القمة العالمية لمجتمع المعلومات (المرحلة الأولى) (4)

إن اهتمام القمّة العالمية لمجتمع المعلومات بموضوع حرية الإعلام كان واضحا وجليا في اللوائح الرسمية الصادرة عن كل الأطراف المشاركة. فقد اكتسح موضوع الإعلام مكانا هاما في " إعلان المبادئ " حيث جاء التأكيد في مرات متكررة على ضرورة احترام حرية التعبير ومبدإ النفاذ الحر والمتوازن عبر شبكات الإعلام إلى منابع المعرفة والعلم وتكثيف التعددية الثقافية. وقد ذهب الأمر ببعضهم الى الاقتصار على طرح موضوع الحريات الإعلامية باعتبار أن تنظيم قمة عالمية لبناء المجتمع الإعلامي ينبغي أن يخصص أساسا لبحث قضايا الإعلاميين لكن العديد من مكونات المجتمع المدني لم تتجاوب مع هذا التصور إذ ترى أن استخدام الانترنت لا يتوقف عند حدود الصحافة وإنما يمتد الى الحق في الاتصال والمعلومات ويستوجب الحد الأدنى من المحاذير لتأمين حقوق الطفل والمؤلف والمستهلك وكل المعاملات المالية عبر الواب، إلا أن موضوع الإعلام والثقافة اكتسح الحجم الأكبر في " الاعلان الصادر " عن المجتمع المدني للتعبير عن مشاغل هؤلاء وهؤلاء.

أ) الإعلام في إعلان المبادئ:

لقد أكد المشاركون في القمة على التزامهم بمبادئ حرية الصحافة وحرية المعلومات وكذلك بمبادئ الاستقلال والتعددية والتنوع في وسائط الإعلام، واعتبروا أن حرية التماس المعلومات وتلقيها وإذاعتها واستعمالها هي من الأمور الأساسية في مجتمع المعلومات. ودعوا وسائط الإعلام الى استعمال المعلومات بطريقة تنم عن الشعور بالمسؤولية وفقا لأعلى المعايير الأخلاقية والمهنية ورأوا أن وسائط الإعلام التقليدية بجميع أشكالها مازالت قادرة على أداء دور هام في هذا المجتمع الجديد، ولذلك ينبغي أن تدعم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هذه الوسائل، كما ينبغي لها أن تشجع تنوع ملكية وسائط الإعلام بما يتفق مع القوانين الوطنية ومراعاة الاتفاقيات الدولية ذات الصلة. وشدد المشاركون على ضرورة الحد من اختلال التوازن في وسائط الاعلام على الصعيد الدولي ولا سيما في ما يتعلّق بالبنية التحتية والموارد التقنية وتنمية المهارات البشرية.

ب) الإعلام في خطة العمل:

ولتحقيق الأهداف المشار إليها في إعلان المبادئ، جاء في خطة العمل مجموعة من الإجراءات ومنها:

أ ـ تشجيع وسائط الإعلام ـ بما فيها الوسائط المطبوعة والإذاعة والوسائط الجديدة ـ على مواصلة الدور الهام الذي تؤديه في مجتمع المعلومات.

ب ـ تشجيع وضع تشريعات محلية تضمن استقلال وسائط الإعلام وتعدديتها.

ج ـ اتخاذ تدابير ملائمة ـ لا تتعارض مع حرية التعبير ـ لمناهضة المحتوى غير القانوني والمسيء لوسائط الإعلام.

د ـ تشجيع الإعلاميين المحترفين في البلدان المتقدمة على إقامة شراكات وشبكات مع وسائط الإعلام في البلدان النامية، لاسيما في مجال التدريب.

ه ـ ـ تشجيع التوازن والتنوع في الموضوعات المعروضة عن النساء والرجال في وسائط الإعلام.

و ـ تقليل اختلالات التوازن الدولية التي تؤثر على وسائط الإعلام وخاصة في مستوى البنية التحتية والموارد التقنية وتنمية المهارات البشرية، مع الاستفادة الكاملة من أدوات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

ز ـ تشجيع وسائط الإعلام التقليدية على سد الفجوة المعرفية وتسهيل تدفق المحتوى الثقافي وخاصة في المناطق الريفية.

ج) الإعلام في لائحة المجتمع المدني:

لقد ميزت لائحة المجتمع المدني عند صياغة الفقرة الخاصة بالإعلام بين عنصرين أساسيين: أجهزة الإعلام المعهودة ووسائط الإعلام المجتمعية التقليدية.

* إن حرية التعبير بالنسبة للوسائل الأولى لها مكانة رئيسية في أي تصور لمجتمع المعلومات. فوسائط الإعلام آ لية لا غنى عنها من أجل رؤية عالمية للاتصالات، ودورها حيوي في إنتاج وجمع وتوزيع محتوى متنوع يشمل كل البشر. وستظل الإذاعة والتلفزيون، وبخاصة في البلدان النامية، أكثر الوسائل فعالية لتوصيل المعلومات ذات النوعية المرتفعة. وتستطيع جميع وسائط الإعلام أن تساهم بشكل حاسم في التلاحم الاجتماعي والتنمية في العصر الرقمي. وتعتبر المادة 19 من الإعلان الدولي لحقوق الإنسان أساسا لضمان حرية وسائط الإعلام وتعدديتها، ولذلك فإنه لا ينبغي السماح لاعتبارات أمنية وغيرها من الاعتبارات أن تسيء الى حرية التعبير. كما يجب أن تكون صياغة المعايير المهنية والأخلاقية في الصحافة من مسؤولية العاملين في وسائط الإعلام وحدهم لا غير.

* أما وسائط الإعلام المجتمعية، أي وسائط الإعلام المحلية المستقلة التي تعمل بدوافع مجتمعية وتستند الى المجتمع المدني، فهي تمثل عناصر حيوية في نشر المعلومات وتكثيف فرص الحوار. وللأطر القانونية والتنظيمية التي تحمي هذه الوسائط أهمية بالغة بوجه خاص للجماعات الضعيفة. ولذلك فإنه ينبغي للحكومات أن توفر توزيعا منصفا للترددات التي تسند لهذه الوسائط من خلال آ ليات شفافة وخاضعة للمساءلة. وينبغي أن يكفل تخطيط الطيف وقواعده التنظيمية لوسائط الإعلام المجتمعية ما يكفي من الطاقة والقنوات والمعايير التقنية المناسبة لكي تنمو في كل من البيئتين التماثلية والرقمية بنفس النسق. كما يتعين إنشاء صناديق لدعم وسائط الإعلام المحلية التقليدية ووسائل الاتصال الجديدة، التي تخدم أفقر المجتمعات والتنوع الثقافي واللغوي والمشاركة المتساوية من قبل النساء والرجال.

د) ندوة مراكش للإعلام:

انعقدت بمراكش بتاريخ 22/ 24 نوفمبر 2004 ندوة حول علاقة الإعلام بمجتمع المعلومات، وأكدت على ضرورة تجاوز الإشارة المبدئية إلى الفصل التاسع عشر من إعلان حقوق الإنسان حول حرية الإعلام والسعي الى إدخال مضمون هذا الفصل حيز الواقع على مستوى عالمي.

وفي ذات الوقت دعا المشاركون الى ضرورة تمكين كل إنسان من المساهمة في بناء مجتمع المعلومات وأهابوا بأجهزة الإعلام أن تكون الأداة الفعالة في تحقيق التنمية المستديمة بإتاحة النفاذ المتكافئ لكل المستفيدين.

وأقر المشاركون من جهة أخرى بمميزات الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة وألحوا على ضرورة حماية حقوق التعبير وطالبوا بالتحري في معالجة قضايا الأمن والإجرام والإرهاب التي تنجم عن الاستعمالات السلبية لهذه الشبكة الكونية.

ورغم تأكيدها الملح على حرية التعبير فإن اللائحة تعترف بتأثير الاستعمالات الخطيرة للإنترنت وتستحث المنظمات غير الحكومية على العناية بآداب السلوك.

وينتظر أن يكون الإعلان الصادر عن هذه الندوة مرجعا لإثراء قرارات القمة بتونس وللتأثير في الصيغة النهائية التي ستكتسبها هيكلة التحكم في الانترنت بتشريك منظمات المجتمع المدني في مجالس الاشراف على هذه الشبكة العالمية.

4) مشاركة المجتمع المدني العربي في إعداد المرحلة الثانية للقمة:

على اثر المرحلة الأولى للقمة ظهرت مجموعة من البحوث والدراسات تركز على تحليل المواضيع التي لم تأخذ حظها كافيا في اللوائح والبرامج الصادرة عن مؤتمر جنيف. ويمكن حصر هذه القضايا بمنظور عربي من خلال التساؤلات التالية:

* ما هو الحل الأمثل للتحكم في الانترنت وكيف تشارك البلدان العربية في ذلك؟

* ما هو المضمون الحقيقي للفجوة الرقمية؟

* ما هو مضمون البرنامج العربي المقترح من طرف القمة العربية في سنة 2001 لبناء مجتمع المعلومات وما هي علاقته بقمة المعلومات؟

* ما هو موقفنا من مشروع إنشاء منظمة عربية لتنمية الاتصال وكآلية مثالية لتجسيم مجتمع المعلومات على مستوى العمل العربي المشترك؟

* ما هو موقفنا من طلب إنشاء صندوق للتضامن الرقمي، وما هي علاقته بالصندوق العالمي للتضامن الذي دعت إليه وساندته الدول العربية؟

* ما هو دور منظمات المجتمع المدني العربي في بناء مجتمع المعلومات؟

* ما هو التنظيم المثالي لمنظمات المجتمع المدني على المستوى الدولي وما هو موقفنا من توصيات لجنة كردوزو ( Cardoso ) للأمم المتحدة حول إنشاء مكتب دولي للمجتمع المدني؟

وقد حاول العرب الإجابة على هذه التساؤلات بكل عمق وجدّ في الاجتماعات التحضيرية للمرحلة الثانية للقمة وخاصة في دمشق وأكرا وجنيف.

أ) من دمشق الى أكرا عاصمة غانا:

* لقد انعقد المؤتمر الإقليمي التحضيري الثاني لمنطقة غرب سيا في دمشق خلال الفترة 22 - 23 نوفمبر 2004 ، تحت شعار " الشراكة في بناء مجتمع المعلومات العربي " ، وذلك بهدف متابعة تنفيذ مقررات المرحلة الأولى من القمة والتحضيرات الإقليمية لمرحلة تونس، من خلال مراجعة الخطوات التي اتخذتها الدول الأعضاء لتضييق الفجوة الرقمية، ومناقشة خطة العمل الإقليمية المقترحة، والترويج الفاعل للشراكة بين أصحاب المصلحة بغية تنفيذ خطة العمل الإقليمية.

* وتم الاتفاق في ما بين أربع من منظمات ووكالات الأمم المتحدة الإقليمية، على دعم خطة عمل جامعة الدول العربية لبناء مجتمع المعلومات، بإعطاء الأولوية للأنشطة المتعلقة بصناعة المحتوى العربي وخدماته ونشر استخدام اللغة العربية على الإنترنت. وبعد أسابيع قلائل من اجتماع دمشق وفي بداية شهر فيفري بالتحديد، التقى بأكرا (عاصمة غانا) في اجتماع مماثل، كل الأطراف الأفارقة المعنيين ومنهم المغاربيون ونواب كافة البلدان الافريقية الناطقة بالعربية فشخصوا مختلف القضايا الافريقية المتصلة بالمعلومات وركزوا على مجموعة من الاختيارات منها تكثيف دور الأقليات والمهاجرين الأفارقة في بناء هذا المجتمع الجديد ودور المنظمات غير الحكومية التي يتعين إنشاؤها بالخارج لجمع شتاتهم وتنظيم مساهماتهم في بناء أوطانهم.

ب) توصيات الفريق العربي للمجتمع المدني في جنيف:

وفي جنيف التأم الاجتماع التحضيري الثاني للمرحلة الثانية للقمة العالمية لمجتمع المعلومات في شهر فبراير 2004 وحضره 1718 مشارك منهم 565 ممثل لمنظمات المجتمع المدني (نيابة عن 802 منظمة).

وقد خصص هذا الاجتماع للتعرف على تطور أعمال فريقي العمل المكلفين من طرف الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم اقتراحات حول مستقبل التحكم في شبكة انترنت وصيغ تمويل سد الفجوة الرقمية. كما اهتم الاجتماع بتقرير " أصدقاء الرئيس " المتصل بإعداد مشروع وثيقة رسمية تصدر في نهاية قمة تونس وتحدد الاختيارات العالمية حول مجتمع المعلومات ومجالات العمل طيلة العشرية القادمة.

والجدير بالذكر أن هذا الاجتماع التحضيري اعتمد دفعة جديدة من الجمعيات التي عبرت عن رغبتها في المشاركة في القمة العالمية لمجتمع المعلومات وفي الاجتماعات التحضيرية لها، ومنها 20 منظمة عربية. فأصبح عدد الجمعيات العربية المعتمدة بشكل أو بآخر يناهز مائة منظمة غير حكومية من جملة ما يقارب 3500 منظمة عالمية. وتميز هذا الاجتماع بحضور ملحوظ لممثلي المنظمات الأهلية العربية وبنشاط ملموس لفريق المجتمع المدني العربي ( Causus ) بحيث اجتمع هذا الفريق مرتين وتباحث في مواضيع متصلة بأعمال القمة مركزا على قضايا تهم اللغة العربية والخصائص الثقافية وتمويل برامج ردم الفجوة الرقمية.

كما درس فريق العمل مسألة إدارة الانترنت ودعا لتصرف جماعي يأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع للأطراف. واعتنى الفريق أيضا بتطوير بروتوكول الأنترنت: " أب ق6 " داعيا الحكومات العربية للإسراع باعتماد هذا البروتوكول السادس للاستفادة من التطورات التكنولوجية وتقديم الخدمات الجديدة المدعومة بهذا الإصدار. وفي ما يتعلق بأسماء النطاقات العربية فإن ممثلي المجتمع المدني العربي دعوا كل المتدخلين من حكومات ومنظمات عربية متخصصة وقطاعات أعمال لمتابعة المناقشات ولبلورة الحلول الضرورية لاستعمال أسماء النطاقات العربية في الشبكة.

وبالنسبة الى ملف حقوق الإنسان في مجتمع المعلومات دعا فريق العمل الحكومات العربية الى السعي الحثيث لاحترام المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرية التعبير من طرف الجميع. وفي ما يتعلق بالبرنامج العملي للمنطقة العربية سجل المتدخلون ما يحتويه من مشاريع هامة يرتبط تحقيقها بتهيئة الموارد المالية. ودعا فريق العمل الى تنشيط كل الآليات الموجودة ودعم ابتكار أسس التكافل الرقمي، موصيا المجموعة الدولية بإنشاء الآليات المناسبة لمتابعة قرارات القمة العالمية حول مجتمع المعلومات.

وبصورة عامة فإن الأعمال التحضيرية تواصلت في ثلاثة أصناف ومستويات.

- اجتماعات إقليمية للمجموعات الراغبة في ذلك.

- ندوات قطاعية لتعميق البحث حول بعض المواضيع بإشراف المنظمات الأممية المختصة.

- مؤتمرات تحضيرية للقمة، وقد تقرر أن يكون الاجتماع الثالث والأخير بمقر الاتحاد الدولي للاتصالات في جنيف في النصف الثاني من شهر سبتمبر 2005 .

والمؤمل هو أن تخرج المجموعة الدولية من تونس متفقة على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي ستساعد على تجسيم مجتمع المعلومات في كل المناطق الجغرافية وهو أمر لم تتعود عليه الإنسانية التي دخلت المجتمع الصناعي ارتجالا وتجاوزته بدون استعداد أو تنسيق.

الباب II : أرضية لمشروع برنامج عربي للمجتمع المدني:

ان البلدان المصنعة هي التي أقبلت قبل غيرها على استشراف فاق هذا المجتمع الجديد. وقد وضعت لذلك الخطة التنفيذية الملائمة. وحتى يشمل التطور كافة الأطراف وجميع الفئات فقد طالب الأخصائيون الحكومات باستحثاث الاستثمار الخاص وتوفير المرافق اللازمة للمجتمع المدني وخلق المناخ الدولي الملائم وذلك بالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية مثل منظمة التجارة العالمية والاتحاد الدولي للاتصالات واليونسكو وقد جاءت اللوائح الأولى الصادرة عن القمة مؤكدة على هذه الشراكة بين كافة الأطراف الذين وصفتهم بأصحاب المصلحة. ولذلك فإن مساهمة المجتمع المدني العربي في بناء مجتمع المعلومات سوف تكون أولا بالاعتماد على الذات ثم التكامل من خلال مختلف برامج الشراكة والتعاون.

1) عيّنات من نشاط المجتمع المدني في مجتمع المعلومات:

صدرت منذ بداية هذا القرن وطيلة الفترة التحضيرية للقمة مجموعة من البحوث والدّراسات حول تجارب المنظمات غير الحكومية في مجالات التنمية الرقمية والنشاط الأهلي والجمعياتي المتصل ببناء مجتمع المعلومات. وانه في الواقع لا يمكن حصر نشاط المجتمع المدني في حالات محدودة غير أننا سنحاول في ما يلي تلخيص بعض ما ورد في الدراسات المذكورة والتذكير بنماذج من النشاط الذي يمكن للجمعيات الإقبال عليه في المرحلة القادمة لتجسيم مقررات القمة العالمية لمجتمع المعلومات.

أ - المشاركة في تنمية الاقتصاد التضامني:

يعتبر الاقتصاد التضامني امتدادا تاريخيا للاقتصاد الاجتماعي. والعمل الجمعياتي مرتبط أساسا بالاقتصاد في مختلف أشكاله بما في ذلك الاقتصاد الإعلامي الجديد المبني، في جزء كبير منه، على البعد الرقمي. كما أن الارتباط الشبكي يوفر للجمعيات إمكانية الحصول على المعلومات الدقيقة والحديثة من خلال بنوك المعطيات والندوات المفتوحة (5).

لذلك فإن مختلف المنظمات غير الحكومية مدعوة اليوم، من خلال الشبكات التضامنية والمد التطوعي، الى إنشاء تعاونيات ومراكز للخدمات الجماعية وبرامج لمنح القروض الصغرى الهادفة لتجهيز العائلات أو الجمعيات بالحاسوب، ولصيانة التجهيزات الإلكترونية. وقد تبلور هذا التوجه في بعض البلدان العربية من خلال الإجراءات والقرارات المدعمة للنشاط الجمعياتي. ومن ذلك تشجيع الجمعيات الراعية للأشخاص ذوي الاحتياجات الخصوصية بالإعفاء من المعاليم الجبائية. وقد نجحت الجمعيات المعنية وكذلك الجمعيات المختصة في توزيع القروض الصغرى الى حد بعيد.

وقد تجسم التضامن الرقمي في السنوات الأخيرة في جمع الحواسيب المستعملة وتوزيعها على الفئات الاجتماعية المحتاجة إليها، إذ جاء في وثيقة نشرتها إحدى الجمعيات البريطانية أنها وزعت منذ سنوات قليلة ما يناهز 40 ألف حاسوب صالح للاستعمال من طراز بنتيوم III+II على 3500 مؤسسة تعليمية واستشفائية و 2500 منظمة غير حكومية في 90 بلدا من إفريقيا وأمريكا اللاتينية (6).

وتوضح هذه المنظمة البريطانية أن مبادرتها الرقمية سوف تتيح للتلاميذ المعوزين الاستفادة من كل حاسوب بما لا يقل عن 3 سنوات أي ما يناهز 120 مليون ساعة، وأن 970 ألف طالب سوف يتمكنون من متابعة دورات تدريبية بثلاث ساعات في الأسبوع. كما هي تؤكد أن تكلفة إعادة التركيب والتجميع لا تزيد عن 90 دولارا للحاسوب الواحد، وأنها مستعدة لتلبية كل الطلبات التي قد ترد عليها من أية جمعية غير قادرة على اشتراء حاسوب جديد ويمكن الاتصال بها على عنوانها الرقمي.

وقد بدأت مظاهر التضامن الرقمي تنتشر في البلدان العربية من خلال توزيع الحواسيب على التلاميذ المعوزين والمتفوقين في دراساتهم، وتمكين طالبي الشغل والحاملين للشهادات العليا من فرص تدريب بمقابل رمزي، وتشجيع الشباب على فتح مراكز للأنترنت والمكتبات المعلوماتية في المناطق الريفية. وقد تميز صندوق 26 - 26 للتضامن بتونس بمثل هذا المد في مناطق الظل وأصبح يساهم في مشاريع التضامن الرقمي على الساحة الدولية إذ أعلنت الحكومة التونسية عن دعم الصندوق العالمي للتضامن بمناسبة انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات بما لا يقل عن نسبة 10 بالمائة من موارد صندوق 26 - 26 أي بحوالي مليوني دولار.

ب) المساهمة في اكتشاف المهن الجديدة ورفع تحديات التشغيل:

نحن نعرف أن مهنا وصناعات ستختفي بكاملها إلا أن مواطني مجتمع المعرفة والمعلومات سوف يتمتعون بفرص جديدة في ما يتعلق بالانتاجية والتعليم والترفيه. وستظهر أسواق جديدة مبنية على المعرفة والإبداع، وستتوافر أعداد ضخمة من الوظائف والفرص الجديدة للعمل، وستزدهر صناعات لا نعرفها اليوم.

وعلى سبيل المثال، فإنه يمكن ذكر ما توصلت إليه إحدى الجمعيات العلمية (7) حول نقل الرائحة الطبيعية بواسطة التقنيات الرقمية فاستنتجت أن عشرات المهن الجديدة ستظهر بعد سنوات قليلة. وكذلك فإن العمل الجمعياتي في عصر المعلومات سيكتسي مظاهر متنوعة وستساعد المنظمات غير الحكومية على ظهور أسواق جديدة مبنية على المعرفة والإبداع. وسيشمل ذلك مختلف قطاعات التربية والتعليم والتدريب والبحث.

وحسب الاستنتاجات فإن نسبة تفوق ال ـ 50 % من نفقات التعليم سوف تمر بعد سنوات قليلة عبر شبكات الاتصال الحديثة والوسائط الإعلامية المختلفة. وقد دلت دراسة في أوروبا أن نسبة لا يستهان بها من فرص العمل (قد تتجاوز 20 % في بعض الحالات) ستكون في صلب الجمعيات والمنظمات الأهلية، وخاصة منها المؤسسات المعنية بإنتاج برامج التعليم عن بعد، وتأطير التلاميذ، والإشراف على المراكز العمومية للانترنت، وصيانة الحاسوب، ونشر الثقافة الرقمية في الأحياء الريفية. وفي هذا السياق فإن صندوق التنمية والتشغيل في الأردن يتولى حاليا الإعداد والتأهيل لاحتراف مهن لم يسبق الإعداد لها ومساعدة الجمعيات التطوعية على تطوير قدراتها في انجاز عدد لا بأس به من المشروعات الصغيرة.

وأكدت دراسة أخرى أجريت في سنة 2004 من طرف أحد المراكز المختصة (8) أن الجمعيات التونسية يمكن أن توفر خلال العشرية القادمة ما لا يقل عن عشرة آ لاف فرصة عمل لحاملي الشهادات العليا وجلها متصل بقطاع المعرفة والمعلومات. وقد ترتفع النسبة بالتدرج لتوازي النسب الأوروبية.

ج) نشر الثقافة الرقمية:

إن الانتشار الواسع لوسائل الاتصال الحديثة داخل كل المجتمعات أدى الى ظهور ثقافة كونية مشتركة، وأصبحت مظاهر العولمة الثقافية لا تقل وزنا عن مظاهر العولمة الاقتصادية. وفي الوقت ذاته، أدى اتساع حقل المعرفة الى بروز ثقافات قطاعية كروافد لهذه الثقافة العالمية. فنحن نقر اليوم بوجود ثقافة بيئية وثقافة بيولوجية وثقافة سياحية، ولذلك فإنه بإمكاننا طرح مفهوم الثقافة الاتصالية حتى يتمكن الفرد من الاندماج في مجتمع المعرفة ومن تحسين قدراته ليؤدي وظائفه الرقمية التي هي بصدد التشكل. وقد أصبحت الثقافة الرقمية سمة العصر ومحركا أساسيا لمختلف التطورات في كل المجتمعات، وبات من الضروري توسيع انتشارها وتسهيل تداولها لدى كافة الشرائح الاقتصادية والاجتماعية.

والثقافة الرقمية تكمن في الجمع بين المهارة التقنية والإلمام بمختلف المضاعفات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ستنجم عن انتشار استعمالات الحاسوب في كل المهن، وفي قطاعات العمل، وفي مختلف مجالات الحياة. ويمكن ان يشمل هذا المفهوم الثقافة السيبرانية التي تعني إضفاء الصبغة الحضارية على ظاهرة العولمة من خلال انتشار الاستعمالات الرقمية في الحياة اليومية.

ويمكن نشر الثقافة الرقمية من خلال مجموعة من الأنشطة الجمعياتية تتصل بتأهيل الجمعيات المدرسية في المجال الرقمي، وتنظيم الدورات التدريبية، وإنتاج المضمون العلمي والثقافي، وتربية الأطفال على احترام الملكية الفكرية وغير ذلك.

وقد تعددت في بعض البلدان العربية الدورات التدريبية حول استعمال الحاسوب، والاستفادة من خدمات الانترنت، وتولت بعض الجمعيات المختصة تنفيذ برامج الشراكة مع جمعيات التنمية المدرسية لتمرير هذه الثقافة لدى مختلف الأطراف المعنيين بالمنظومة التربوية من أبناء وأولياء ومربين. إلا أن التردد حول جدوى الحاسوب مازال قائما في بعض الأوساط الأهلية وبالمناطق الريفية وحتى في بعض العواصم العربية.

د) مساهمة في تحقيق أهداف قمة الألفية للتنمية:

يعيش شخص من اثنين في العالم تحت عتبة الفقر. ولم تمكّن مختلف البرامج التي التزمت بتنفيذها بعض الدول من القضاء على الفقر. إذ تعمقت الهوة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة على مر السنين وبقيت مناطق بأكملها في العالم رهينة الفاقة والخصاصة. ومن المعلوم أن قمة الألفية للتنمية حددت لتقليص هذه الظاهرة ثمانية أهداف وهي تتمثل في:

- القضاء على حدة الفقر والجوع وتحقيق التعليم الأساسي الشامل وتحقيق المساواة في النوع وخفض معدل الوفيات في الأطفال وتحسين الصحة الإنجابية ومكافحة فيروس الإيدز ومكافحة الملاريا وضمان الاستدامة البيئية.

وقد أثبتت الدراسات أن تكنولوجيا المعلومات لها قدرة كبيرة على تحقيق كل هدف من أهداف الألفية بدون استثناء وخاصة من خلال منظمات المجتمع المدني. فالتكنولوجيا تساعد على اختصار المسافات وتنمية الاقتصاد الجديد (الاتصالي واللامادي) وتطبيقات الانترنت في التعليم والصحة.

أما وظيفة منظمات المجتمع المدني في هذا المجال فهي تكمن في تنمية الاقتصاد الاجتماعي وفي نشر ثقافة التضامن الرقمي وفي تكثيف الإعلام الصحي والوقائي وفي إسناد القروض الصغيرة لإحداث المهن الواعدة لفائدة الشباب وفي تنشيط مراكز التدريب بالريف.

ه ـ ) مشاركة في الديبلوماسية الموازية والحوار الثقافي:

إن مصطلح الديبلوماسية الموازية أصبح سائرا على كل لسان، ويساهم في هذه الديبلوماسية كل طرف حسب تخصصه وقد نجح الرياضيون في مهام ديبلوماسية دقيقة كما سجل البرلمانيون وممثلو المجموعات المحلية أهدافا هامة. أما المصدرون والمستثمرون، فإنهم يشاركون في خدمة بلدانهم بصفة ملموسة لا تستدعي التوضيح، ولذلك فإن منظمات المجتمع المدني تمثل اليوم طرفا فاعلا في الاجتماعات الدولية الكبرى. وسيكون لها دور كبير في الندوات الثقافية، والمؤتمرات الدولية، وفي بناء المجتمع الجديد الذي ستفرزه الثورة المعلوماتية.

وينادي الباحثون على مختلف انتماءاتهم، الحكومات والمؤسسات الثقافية المختلفة الى التفاعل مع النقلة النوعية التي هيأتها ثورة الاتصالات والمعلومات، واستثمارها للتغلب على الحملات المغرضة التي توجه ضد الثقافة العربية، ولتقديم صورة حقيقية وموضوعية عن الجهود المبذولة في التحديث والتنوير، واستكمال المشروع النهضوي المطلوب.

ثم إن هنالك حاجة ماسة الى حوار حقيقي عميق بين المنظمات الأهلية العربية ومثيلاتها في مختلف مناطق العالم، والى تطوير دورها في المحافل الإقليمية والعالمية للمزيد من تقريب وجهات النظر، والتعرف على المقاربات الأخرى، والتمهيد لمشاريع الشراكة الإقليمية.

ه ـ ) المساهمة في تنظيم حركة الهجرة وفي العلاقات الدولية والإقليمية:

إن مختلف الجمعيات والمنظمات غير الحكومية المهاجرة هي أيضا مدعوة الى المساهمة بدور متميز في إيجاد مسالك للتعاون والشراكة من أجل تقليص الفجوة الرقمية، ومجابهة مختلف مظاهر الانحراف. ذلك أن مواجهة تحديات الحاضر ليست بحركة سياسية أو اقتصادية فحسب، بل هي عملية شمولية متعددة الأبعاد وتحتل فيها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات موقعا محوريا علما وأن الوتيرة العالية التي يتطور بها هذا القطاع تحتم وحدة الجهود حتى لا نبقى خارج إطار حضارة الألفية الجديدة.

ومن هذا المنطلق فإنه يتعين على الجمعيات المهاجرة أن تساند الجهود القومية في تطوير البنية التحتية والشراكة مع القطاعين العام والخاص في تكريس التنوع الثقافي، والوقوف أمام محاولات التضليل الإعلامي. كما يتعين على هذه الجمعيات أن تسعى الى تنمية البعد المعلوماتي والاتصالي في الصندوق العالمي للتضامن الذي أقرته المجموعة الدولية في مستوى منظمة الأمم المتحدة، وكذلك المساهمة في تعبئة موارد صندوق التضامن الرقمي الذي ينادي به أشقاؤنا الأفارقة.

كما إن هذه الجمعيات مدعوة للمشاركة في نشر اللغة العربية لدى أبناء المهاجرين، وجمع المصطلحات العربية الملائمة من أجل توحيد المفاهيم إزاء تقنيات الاتصال الحديثة، والمساعدة على نشرها في أوسع نطاق عربي وخاصة من خلال الصحافة المكتوبة والإلكترونية والوسائل السمعية البصرية.

ثم إن هنالك حاجة ماسة الى وضع قنوات حوار عميق بين الجمعيات العربية الافريقية المهاجرة ومثيلاتها في مختلف مناطق العالم، والى تطوير دورها في المحافل الإقليمية والعالمية للمزيد من تقريب وجهات النظر، والتعرف على المقاربات الأخرى، والتمهيد لمشاريع الشراكة الإقليمية. كما أن الحاجة تدعو جمعيات المهاجرين الى العمل على تحسين الصورة العربية في وسائل الإعلام، ولدى الرأي العام الخارجي، فالواقع غير مرضي لعدد كبير من الأسباب. وقد أكد كل الباحثين على ضرورة تشريك منظمات المجتمع المدني وخاصة منها الجمعيات النسائية في هذا الجهد الكبير، كما يحسن بالهيئات المسيرة لهذه الجمعيات تكثيف التعاون مع المحطات الفضائية والشبكات الإلكترونية التي يشرف عليها مسؤولون عرب وذلك لإنارة الشرائح الكثيرة من الرأي العام الغربي التي لا تنشد سوى التفاهم والتحاور.

والخلاصة هي أن مختلف المنظمات غير الحكومية معنية بصورة مباشرة وغير مباشرة ببناء مجتمع المعلومات. لذلك فإنه يتعين عليها الخروج من طور الهواية الى طور الامتهان الفعلي للعمل الجمعياتي.

2) مشروع شراكة لخطة عشرية

ويتضح من مختلف الدراسات والبحوث أن الأطراف المعنية أكثر من غيرها بإرساء هذا المجتمع الجديد هي:

- الهياكل الحكومية ومؤسسات القطاع العام.

- المنظمات الدولية المتخصصة.

- قطاع الأعمال والقطاع الخاص.

- منظمات المجتمع المدني.

فالاقتصاد الإعلامي الجديد مقبل على تطور مذهل، وسيكتسح مكانا متناميا في الناتج الوطني يتجاوز كل التقديرات. وفي المنطقة العربية، فإن نسبته المتواضعة اليوم ستبلغ بعد عشر سنوات ما لا يقل عن 20 %. وسيشارك في تحقيق هذا النمو كل القطاعات وكل أطراف الشراكة. وقد سبق لبعض القادة العرب الذين شاركوا في القمة العالمية لمجتمع المعلومات (المرحلة الأولى) أن أكدوا على الدور المتميز للمجتمع المدني حيث قدموه على باقي القطاعات وجعلوه في منزلة مباشرة بعد الحكومات. ولذلك فإنه ينتظر أن يتولى قطاع المجتمع المدني القيام بدور كبير في بناء مجتمع المعلومات لما يوفره من مرونة ولقدرته على التأقلم مع تحديات العولمة وتشعب العلاقات الدولية. ولكل صنف من المنظمات غير الحكومية نصيب ومجال متميز من النشاط.

وقد حاول بعض المنظرين الناشطين في صفوف المجتمع المدني العربي والافريقي تحديد هذه المجالات تحت عناوين الشراكة والتعاون والتكامل، فوزعوا هذه الاهتمامات على ثلاثة أصناف: (9)

أ) شراكة مع كل أصحاب المصلحة على المستوى العالمي:

تتعلّق الشراكة بتنفيذ ما جاء في لوائح المرحلة الأولى من القمة العالمية لمجتمع المعلومات من أجل تحقيق الأهداف العشرة التي تضمنها إعلان المبادئ وخطة العمل، وذلك من خلال برامج يتفق عليها أصحاب المصلحة، ويلتزم بتحقيقها كل الأطراف. وللمجتمع المدني مسؤولية جلية في هذا المجال. وتتمثل هذه الأهداف في:

- إرساء البنية التحتية للمعلومات على أساس التكافؤ والإنصاف.

- النفاذ الجامع الى المعلومات والمعرفة.

- بناء القدرات وفهم مجتمع المعلومات.

- ضمان الثقة والأمن السيبراني.

- توفير البيئة التمكينية وسيادة القانون.

- تعميق تطبيقات تكنولوجيا المعلومات في كل جوانب الحياة.

- ضمان التنوع الثقافي واللغوي.

- تنوع وسائط الإعلام وضمان تعدديتها.

- الدفاع عن القيم والأبعاد الأخلاقية.

- تكثيف التعاون الدولي والإقليمي.

ب) تكامل مع المجتمع المدني العالمي:

والتعاون يكون مع كافة منظمات المجتمع المدني المنتشرة في مختلف أنحاء العالم من أجل تحقيق بعض الأهداف المشتركة. وقد ركزت مشاريع اللوائح على عشرة أهداف وهي:

- نشر التطبيقات التكنولوجية الجديدة للمساهمة في تحقيق أهداف قمة الألفية للتنمية.

- التعاون في إنتاج البرامج التعليمية.

- المشاركة في تنمية الاقتصاد التضامني على أوسع نطاق عالمي وإقليمي.

- حماية الطفولة والمسنين والمستضعفين من كل التجاوزات الرقمية.

- إتاحة فرص المشاركة للأقليات والمهاجرين في تكثيف نسق التعاون الإقليمي والدولي.

- تلبية طلبات الأصناف الاجتماعية ذات الاحتياجات الخصوصية على أوسع نطاق عالمي.

- تبادل المعلومات وتكثيف شبكات البحث العلمي المشتركة.

- تربية النشء على احترام حقوق الملكية الفكرية والخصوصيات الثقافية.

- نشر حقوق الإنسان وتكريس حرية الرأي وتأسيس الجمعيات بكل أصنافها.

- المشاركة في الندوات الدولية والإقليمية المتصلة بالتنمية والعلوم والأمن والسلم.

ج) تكامل بين المنظمات الأهلية الإقليمية:

أما التكامل الجنوبي بين مختلف مكونات المجتمع المدني فهو يتصل بالعمل المشترك بين المنظمات الأهلية المعنية بمجتمع المعلومات. وقد ركز الباحثون كذلك على تحقيق عشرة أهداف رئيسية وهي:

1) مواكبة برامج إعادة توزيع الحواسيب المستعملة في المناطق الريفية ودعم التضامن الرقمي والاشراف على آ لاف المراكز الريفية للانترنت.

2) تكثيف إنتاج البرمجيات الحرة والمشاركة في ترجمة أسماء العناوين والنطاقات.

3) إنتاج برامج جامعية حول الثقافة السيبرانية والتضامن الرقمي والتشريع الجمعياتي الملائم.

4) تعميم الجمعيات المختصة في نشر سلوك التعامل الرقمي.

5) إحداث جمعيات في كل المناطق للتعاون مع المهاجرين.

6) تكثيف جمعيات المعوقين الراغبين في الاستفادة من تكنولوجيا الاتصال.

7) تكثيف جمعيات البحث العلمي وتبادل الخبرات لبناء مجتمع المعلومات.

8) المشاركة في برامج ترسيخ السلوك المثالي وحماية الملكية الفكرية وحرية التعبير وحقوق الإنسان.

9) إحداث أكاديميات متخصصة لتدريب كوادر المجتمع المدني على النشاط الرقمي.

10 ) تأسيس شبكات لمنظمات المجتمع المدني المتخصصة في المعلومات والاتصالات.

3) اعتبارات خاصة بالمنظمات الأهلية العربية:

لقد آ ن الأوان لتجاوز مرحلة رفع الشعارات وللتقيد ببعض الاختيارات على المستوى القومي، ومن ذلك تعميم الربط الهاتفي والحاسوب العائلي على كل بيت، وربط كل فصل مدرسي بالإنترنت ثم الالتزام بتقوية نسق الاستثمار في المعرفة والتصدير اللامادي، وذلك بهدف تنمية هذه القطاعات الواعدة والمجددة للرفع من نسبتها في الناتج الوطني الى ما لا يقل عن 20 % في فاق سنة 2015 .

إن البرنامج المشترك لإرساء مجتمع المعلومات خلال العشرية القادمة والذي يعتمد على التصور الاستراتيجي الذي حددته القمة العربية بعمان في سنة 2001 والمؤتمرات الكبرى التي تلتها وذلك من خلال خطة متكاملة من عناصرها برنامج لتحقيق التكامل العربي في مجال صناعة البرمجيات، وإنشاء سوق عربية مشتركة وصندوق عربي لاستثمار وتوظيف الكفاءات المهاجرة، والتعاون معها من أجل الزيادة في حجم الاستثمارات ولدعم صناعات هذه التكنولوجيا وتنميتها وتوطينها باللغة العربية، ونقلها الى الآخر بكل ما تتيحه تقنيات الاتصال من آ ليات. فلا مجال اليوم لاقتصاديات افتراضية قطرية منغلقة في عصر التكتل والاندماج. وكل ذلك يتطلب أيضا الاسراع بتفعيل المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات حتى تكون الإطار الأمثل لتكامل الأطراف الثلاثة في تأثيث البيت الرقمي العربي في مفهومه الحديث.

كما أن مجتمع المعلومات يقتضي سياسيا الاستعانة بالوسائل الإعلامية الحديثة للارتقاء بالأداء الإداري قصد تحقيق العدالة والشفافية في التعامل مع المواطن، وتأمين عمليات التبادل، وترفيع جودة القرار. وهو ما يعني إرساء الديمقراطية الإلكترونية، وإعطاء شرعية إضافية للحكومات. ولا يتأتى ذلك بصفة آ لية، إذ لا بد من تطوير الكفاءات والمهارات، والسلوك الحميد القائم على احترام حقوق الإنسان، والمشاركة الواسعة من طرف المواطن في الشؤون العامة.

وسيكون لمنظمات المجتمع المدني العربي دور كبير في تجسيم هذه الأهداف. فلا بد من إسناد مهام واضحة الى الجمعيات والمنظمات غير الحكومية ومن ذلك:

- التشجيع على إحداث لاف الجمعيات المحلية المختصة في إسناد القروض الصغرى لتمويل المهن المستحدثة ونشر الحواسيب في كل المناطق النائية.

- تشريك كافة مكونات المجتمع المدني في تحقيق الأهداف التربوية والتعليمية.

- الاستحثاث على إحداث الجمعيات المختصة لنشر الثقافة الرقمية على أوسع نطاق.

- دعم جهود المنظمات غير الحكومية المهتمة بشؤون المعوقين للقيام بدور أكبر في الإحاطة بالفئات ذات الاحتياجات الخصوصية اعتمادا على التكنولوجيات الحديثة.

- التشجيع على ظهور صنف جديد من الجمعيات لمد جسور للتعاون مع الخارج والمشاركة في تجسيم مفهوم الحضارة الكونية الذي ينبغي أن يقوم أساسا على الحوار بين الثقافات وتلاقح القيم مع السعي الى إشعاع مختلف مظاهر الحضارة العربية الإسلامية في نفس الوقت.

- تشجيع الشباب على المشاركة في الحياة الجمعياتية والتدريب على تسييرها عبر شبكات الاتصال.

- توظيف النسيج الجمعياتي لتحقيق البعض من جوانب الإصلاح السياسي الذي ينبغي أن يقوم على ترسيخ مفهوم الديمقراطية السيبرانية والحكم الرشيد.

- ربط نشاط المجتمع المدني في كل البلدان العربية بالخطة الوطنية للتنمية والسعي الى الرفع من مردودها في نهاية العشرية القادمة بما يعادل 10 % في الناتج المحلي.

إلا أن ذلك يستوجب توفر بعض الشروط الأساسية ومنها:

- فتح حوار معمق في مستوى الأمم المتحدة حول الصلاحيات الجديدة المنتظر إسنادها الى منظمات المجتمع المدني في بناء المجتمع الجديد حول المخاطر التي يتعين اجتنابها حتى تؤمن سلامة نشاط هذه الجمعيات من خلال مدونات سلوك وأدبيات ملائمة.

- احترام كل منظمة غير حكومية لمضمون هذه الضوابط الأخلاقية المبنية على قيم الحرية والتآزر والاستقلالية التي لا تعني الاستقالة حين يتعلق الأمر بصالح الوطن.

- التزام كل منتسب الى المجتمع المدني بالإخلاص لقضايا الحق والعدل وبأن يتطابق عمله مع مبادئ المنظمة التي ينتمي إليها.

- توفر الموارد الدنيا من أجل تلافي كل استغلال مخل بالشرف أو بالصالح العام وربط نشاط المجتمع المدني بالخطة الوطنية للتنمية.

الخاتمة:

وفي نهاية الأمر فإن ما يمكن استنتاجه من هذا البحث يتصل بثلاثة اعتبارات:

- ويكمن الاعتبار الأول في الشرعية الجديدة التي اكتسبها المجتمع المدني كأحد الأطراف الأربعة المعنية، وكأحد الأركان التي سيقوم عليها بناء المجتمع العالمي للمعلومات والمعرفة.

- ويتمثّل الاعتبار الثاني في شمولية هذا المشروع لكل جوانب الحياة فهو مشروع إنمائي يهدف الى تطوير أوضاع كافة سكان المعمورة بدون استثناء، ويمتد الى كافة قطاعات النمو. فكل المنظمات غير الحكومية ومختلف مكونات المجتمع المدني معنية في مجال اختصاصها بتحقيق هذا المشروع الكوني الجديد.

- أما الاعتبار الثالث فهو يتصل بعلاقة الإعلام وحرية التعبير بمجتمع المعلومات، وهو ما يكسب وظيفة متميزة للمنظمات المهنية والرابطات الناشطة في هذا القطاع. إلا أن ذلك لا ينبغي أن يطمس وظيفة المكونات الأخرى للمجتمع المدني والتي لا تقل أهميتها في مجال اختصاصها عن جمعيات الصحفيين والإعلاميين.

فمن حق كل مكونات المجتمع المدني الاستفادة مما ستتيحه تكنولوجيات الاتصال من تسهيلات، كما ان الكثير منها سيكون في مقدمة من يساهم في تدرج الإنسانية نحو مجتمع المعرفة والعلوم وإرساء قيم جديدة مبنية على الشراكة ومؤدية الى المزيد من العدل والتكافؤ والإنصاف.

-----------------------------------------------

الهوامش:

1) تم الاستناد في هذه المقدمة الى مجموعة من المراجع الواردة في وثائق قمة مجتمع المعلومات.

2) وكان في مقدمتهم الرئيس زين العابدين بن علي الذي ترأس خلال الفترة 1994 - 1995 قمة منظمة الوحدة الإفريقية.

3) »أصحاب المصلحة وهي التسمية التي أطلقت على الأطراف التي شاركت في هذه المفاوضات.

4) موقع الاتحاد الدولي للاتصالات 2005 uti.int/wsis,smsc.tunis

5) الجراي فتحي في بحث تحت عنوان الاقتصاد التضامني بمناسبة اليوم الوطني للجمعيات 23 أفريل سنة 2003 .

6) وقد نشرت هذه المعلومات على شبكة الانترنت بتاريخ 17 / 03 / 2005 على الموقع www.computer-aid.org

7) الجمعية التونسية للاتصال ATUCOM في ندوة نظمتها في تاريخ 8 مايو 2002 تحت عنوان " كل الحواس عن بعد " .

8) مركز إفادة للإعلام والتكوين والتوثيق الجمعياتي بتونس.

9) من وقائع الاجتماع التحضيري الافريقي للقمة العالمية لمجتمع المعلومات 2 - 4 فبراير 2005 .

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org