في السياسة ومكر الخطاب
د. عبد السّلام المسدّي - أستاذ اللّسانيات بالجامعة التونسية-تونس
السياسة لغة واللغة سياسة لأن اللفظ عند استخدامك إياه فيها يتحول من مجرد دال يحيل على مدلول إلى موقف ومن ورائه اختيار كامل مرتسم على شاشة الأحداث، وقد يكون في استعمال الكلمة أو العبارة ما يتجاوز حدود الواقعة التي تروم الإفصاح عنها ويصبح حاملا لأعباء التاريخ مختزلا صراعاته الطويلة في اختيار كلمة واحدة من بين كلمات عديدة أخرى كان يمكن أن تأتي بدلها.
مع أواخر ديسمبر 2004 كانت عمّان على موعد لتحتضن اللقاء الذي يخص الدول التي يجاورها العراق وإذ بإيران تعلن (27 – 12 – 2004) أنها تقاطع كل لقاء يتم فيه استخدام عبارة الخليج العربي بدل الخليج الفارسي، ومما لا تشكك فيه أن جمهور العباد من مختلف الثقافات قد مر الخبر على مسامعهم مرورا لاهيا وربما مر على مسامع الإنسان العربي كما مر على مسامع الآخرين، وقد لا نستثني إلا من كان بصيرا بخبايا التاريخ أو من حملهم الوعي السياسي على التفرغ للقضايا الإقليمية حيث الشرق الأدنى والأوسط دون الأقصى.
الخليج لفظة ترد ضمن المصطلحات الجغرافية ودلالتها حسية تصف مشهدا يتشكل في الطبيعة بين الماء واليابسة، وهي بمعناها الأساسي ليست مؤهلة في الأصل لأي تضمين سياسي، وعند الجغرافيين يتحدد مكان الخليج باسم البلدة التي تكون في مركزه كخليج العقبة في مصر أو خليج قابس في تونس، أو باسم البلاد كلها كخليج المكسيك، لذلك يأتي اللفظ مضافا والمكان مضافا إليه، ويتداول الناس في لغتهم العامة ما أقره الجغرافيون دون مشاحّة. على أن التسمية الجغرافية – عند إطلاق الاسم على المكان – كثيرا ما تكون حاملة لبصمات التاريخ، ويلوح عندئذ أن أهمية كل من الاسم ومسمّاه تتقلص أمام أهمية الذي أطلق الاسم على المسمّى كما في (رأس الرجاء الصالح) وكما في (كولمبيا) أو (صقلية) فيتحوّل الاسم إلى شاهد على مشروعية تاريخية انتهت إلى مشروعية سياسية تم الإجماع عليها وإقرارها. وهذا ما ينطبق انطباقا أوفى على انصهـار المصطلحات الثلاثة – الجزيرة العربية ونجد والحجاز– في الاسم الواحد (المملكة العربية السعودية).
إن التاريخ هو الذي يقحم عملية التسمية في جدل الدلالة السياسية. كان النزاع متواترا في بعض الحقب المواضي بين العرب والفرس ثمّ استقرت الأحداث زمنا طويلا، وانحجب الصراع مع انتشار حركة الاستعمار، وكانت التسمية الشائعة لمشهد البحر – وهو يغوص في اليابسة على يمينه الهند وعلى شماله شبه الجزيرة العربية – هي الخليج الفارسيّ، من باب النعت والمنعوت المنقلبين عن تركيب الإضافة الدالة على التعريف : خليج فارس، وبهذه التسمية كانت تصدر الأطالس التي تعتمدها المناهج التعليمية أيام الاستعمار باللغة الإنجليزية وباللغة الفرنسية. ولما تجدد النزاع حول الحدود على الأرض اليابسة وحول المياه الإقليمية بحكم ما خلفه الاستعمار من ألغام على الخرائط أصبح الاسم ذريعة تتوسل بها إيران في تسلطها على الأجوار العرب، ونهض العراق منذ استردّ حريته من المستعمر (3 – 10 – 1932) بأعباء معركة الأسماء والأوصاف فانتهج خطة يثبّت بها اسم (الخليج العربي) بدل (الخليج الفارسي) مثلما عمّم استعمال مصطلح (شط العرب) للمساحة التي يلتقي فيها دجلة والفرات قبل بلوغ مصبهما المشترك في الخليج.
ليس للإسم من قيمة في ذاته، هكذا يقول العلم، وبهذا يقضي العقل، وإنما وظيفة الاسم في ارتباطه بمسمّاه، ووجاهته في تحقيق تلك الإحالة التلقائية أي أن يحيل سامعَه على مسماه دون مماطلة أو ارتياب، ولذلك كان الأجداد كلما تحوّل الخلاف إلى جدل يدور على الأسماء دون مسمياتها يقولون ويرددون : لا مشاحّة في الألفاظ. ولكن الاسم كثيرا ما يكسبه الاستعمال وزنا رمزيا بعيد الخطر فيصبح حمّالا لمقاصد مضمرة تتجاوز حدود الدلالة القاموسية تجاوزا مفاجئا، فإذا دخلت السياسة اضطربت آليّات المنظومة الاصطلاحية التي أقرها العرف اللغوي في التداول الطبيعي. فالحقيقة في الأصل أن الإسم هو مجرّد قرينة تفيد الإحالة لا أكثر ولا أقل، والعقل في بدائه مسلّماته لا يسيغ الشجار حول الأسماء ما لم يتعلّق الأمر بخلاف حول المسميات، وأن نقول (الخليج الفارسي) أو (الخليج العربي) فهذا – في الأصل – لا ينتج أحقيّة لمن سمينا الخليج باسمه لأننا عندما نسمي محيطا بأكمله باسم بلد واحد – كقولنا المحيط الهندي – لا نسند إلى ذلك البلد ملكيّة على المحيط.
ويطل علينا هنا ملمح آخر، واسع التقدير، جليل الاعتبار، يقتضي قدرا من الأناة والتدبر، وفيه نلمس كيف يقلب العامل السياسي بعض نواميس العرف اللغوي رغم استقرارها بل كيف يخرّب جزءا من النسق الفكري المتعاضل حتما مع عماد التسمية الاصطلاحية، ولا بد في المنطلق من استذكار إحدى الخاصيات الكونية في علاقة الإنسان باللغة نستنبطها بفضل التأمل الهادئ، وبفضل استقراء النماذج العينيّة، ويمكننا أن نصوغها في شكل قاعدة أو قانون وهي أن تسمية الأشياء في الطبيعة إذا انبنت على النسبة إلى المكان فلا بد أنها تمّت خارج المكان الذي نسبت إليه، والمتأمل يبدأ ملاحظة ذلك في الأشخاص، فمن البديهي أن الأسماء في الألقاب والكنيات إذا ارتبطت بالأقطار أو بالمدن فإنها تكون وصفا للشخص إذا هاجر من موطنه أو إذا تحدث عنه الذين هم من غير موطنه، فلا يتسمّى الإنسان بالمصري إلا خارج مصر، ولا يتسمى الإنسان بالمغربي أو بالحجازي أو بالشامي إلا من طرف الآخرين.
البخاري لم ينسب إلى بخارى إلا لأنه لم يكن فيها، وابن سنان الخفاجي سوري حلبي نسب إلى خفاجي وهي أطلال في العراق على ضفة ديالي، وشهاب الدين الخفاجي مصري تولى القضاء فيها، وابن حمديس لم يتسمّ بالصقلي وهو في صقلية ولا ابن حزم بالأندلسي وهو في الأندلس، ومحمّد بيرم لم يقل عنه أحد التونسي لما كان في تونس، وعبد القادر المغربي العالم اللغوي الجليل الذي تولى رئاسة مجمع اللغة العربية في دمشق سوري نسب بحكم الأصول إلى موطن أجداده.
لم يقل أهل المكسيك إن الخليج الذي تقع على دائرته بلادهم هو خليج المكسيك وإنما الآخرون هم الذين سموه كذلك، وفي التاريخ لم يحصل أن سمّى أهل فارس ولا ورثتهم الإيرانيون الخليجَ الذي يحاذي جزءا من بلادهم بالخليج الفارسي، وإنما الذي سمّاه بذلك الاسم هم العرب الذين كانوا يتحدثون عن أجزاء الأرض المحيطة ببلادهم سواء عند ترحالهم إلى الشرق الأقصى بحثا عن النفائس الهندية أو عند تصويرهم الجغرافي لخرائط المعمورة. فلو لم تخرّب السياسية منظومة الاصطلاح اللغوي لكان من حكمة العقل أن يتشبث العرب بعبارة (الخليج الفارسي) لأنها هي التي تقوم دليلا على سبقهم الحضاري في سوق التجارة كما في علوم الجغرافيا، ولكن اللغة إذا توالجت مع المقاصد السياسية أفرزت مضاداتها الحيوية التي تتكفل بصيانة جهاز المناعة.
بعد أربعة أشهر قضاها الصحافيان الفرنسيان كريستيان شاسنو وجورج مالبرينو في الأسر بيد المقاومة العراقية (20 أوت – 21 ديسمبر 2004) تمّ إطلاق سراحهما فهلل الشعب الفرنسي جميعه وقطع جاك شيراك إجازته الخاصة في المغرب وعاد للاحتفاء بمقدمهما. كان في مسلسل الأحداث ألف درس في السياسة العربية والفرنسية والدولية، وكان فيها بقدر ذاك العدد في التوتر الثقافي وفي الصراع الحضاري، ولكن شريط الوقائع حمل أسرارا تخص راصد اللغة وهو يتجول بعدسته الكاشفة.
كانت كل وسائل الإعلام الفرنسية بكل ألوان أطيافها قد أجمعت – ربما بدون توظيب مسبق وربما لأول مرة في تاريخها – على استعمال لفظ لم يكن كثير التداول وهي تتحدث عن الذين أسَروا الرجلين. لم تكن تقول عنهم الإرهابيون les terroristes وهو المصطلح الشائع لدى معظمها في مثل هذه الحالة، ولم تكن تسميهم الخاطفين les ravisseurs إلا نادرا، كانت تستعمل لفظا معناه (آخذو الرهائن) les preneurs d'otages فكانت فرصة ثمينة أن يبحث كل الفرنسيين في لغتهم عن الكلمة التي تحقق الدرجة القصوى من الدلالة المحايدة، وكان قانون التموضع داخل الخطاب واضح المعالم لأنه كان دالا على التقابل الضدي بين حيادٍ تدعيه أجهزة الإعلام وانحياز كامل يثبته نمط الخطاب بجدوله القاموسي المستعمَل. ولسنا في حاجة إلى الإفاضة في السبب الذي حمل وسائل الإعلام على هذا الحياد الاستثنائي الذي كان من المفروض أن يكون هو القاعدة وهو الأصل، فسلامة الرهينتين كانت تقضي بتحاشي الإثارة والاستفزاز، وهو الدليل القاطع على أن الإعلام الغربي كان يتعمد استعمال الألفاظ التي تغيظ وتثير وتستفز إلى حد الاستنفار.
وكان لسلطة اللغة في دائرة السياسة مشهد آخر فيه الإيجاز وفيه التضمين وفيه الكياسة ترُدّ على المكر، وعلى الحواشي شيء من شحذ همّة التأويل، فحين أعلنت المقاومة عن سراح الرجلين كانت تتحدث عن أسيرين لا عن رهينتين، وكان الإعلام العربي غائبا عن مسرح الوعي بآليات ترتيب الخطاب، ربما لم يكن يعي بعض الفروق، وقد يكون فيه من يعلم ولا يريد أن يظهر للناس أنه يعلم، فكثيرا ما كان يحتال على الجمهور فيوهمه بأنه يرفض الدخول إلى بيت الطاعة الأكبر بينما هو على أرائك سدّتها.
إذا قلت إنهما أسيران أعلنت أنك تخوض غمار حرب، وأنك في حالة دفاع لأن عدوك قد هجم عليك في دارك، وللحروب قواعدها ومنطقها فالأسر مشروع ضمن ذلك المنطق، وله أشراطه كما له قوانينه الدولية التي تنظمه. ولكنك إذا تحدثت عن مخطوفين – بطوع أمرك أو بانسياقك وراء حبكة الخطاب الإعلامي كما ينسجه الآخر – كنت كمن أقرّ بأنه متمرد على الأعراف، منتهك للمواثيق الدولية ولا سيما معاهدة جنيف. ولكن علينا أن نتأمل ما قالته المقاومة لتفسر قرارها عندما أطلقت سراح الأسيرين، قالت (لم تثبت الأدلة على جاسوسيّتهما) وهنا نقف على الكثافة الدلالية العالية التي تعجن في عريكتها اللغة والسياسة بحيث تتحوّل الجملة إلى قرص مضغوط لا تفتح منه خلية حتى تتكشف لك من ورائها خلايا متكاثرة. إنه النص الذي إذا شرحته فسّرته، وإذا فسّرته فكأنك تأوّلته، والحال أنه كل معنى مضمر فيه يضحي بديهيا حالما يُستقرأ.
فالحديث بلغة الأدلة والإثبات يضع المسألة في مرتبة المقاضاة ثمّ ينزلها منزلة العدالة في استيفاء أشراط المحاكمة، فالأسيران كانا فقط (متهمين) وكانا فقط في حالة (إيقاف) وبعد التحري لم تثبت في حقهما (الإدانة) أما التهمة التي تعلقت بهما فوليدة الشكوك التي بدا للمقاومة أنها حائمة حولهما، وهنا يجيء الرد الضمني على الاستغراب الكبير الذي بدا على الجمهور الواسع من المتابعين، فقد عرف عن الصحفيين أنهما من أكثر الإعلاميين الغربيين متابعة لشؤون العرب في الشرق الأوسط ومن أكثرهم مواظبة على تغطية المنعرجات الحاسمة في المنطقة، بل عرف عنهما أن خطابهما يميل إلى الإنصاف في وقت عز فيه الإنصاف. وهنا على وجه التدقيق تجد الريبة سبيلها المشروع، ففي معظم الحالات التي شهد بها تاريخ العلاقات الدولية على عمليات جاسوسية كبرى كان المنطلق هو إظهار الإخلاص التام والتحلي بأخلاقيات الوفاء الإنساني المطلق. هكذا نفهم الصوغ اللغوي الذي نحتته المقاومة على مقاس الحالة، فلفظ (الجاسوسية) مصدر صناعي كما يقول اللغويون، وسياق التركيب (لم تثبت جاسوسيتهما) يفيد أن (الشبهة) حاضرة ولكن (الدليل) هو الغائب.
ومن وراء كل ذلك يتراءى مشهد خفيّ لطيف، فاعتقال الأسيرين صادف حملة السلط الفرنسية على المسلمين تحت ذريعة الأمارات التي تنافي لائيكية الدولة، وقد انثنت الذراع بعض الانثناء فعمّ القانون القبعة والصليب والحجاب، وليس يغيب عن ذهن أحد البعد الرمزي في اختيار التوقيت لإطلاق سراح الأسيرين : قبيل عيد ميلاد النبي عيسى عليه السلام بليلتين في تلك الأيام وقد كان عام 2004 يخطو نحو نهايته كانت نيران الفتنة في العراق قد اشتعل لهيبها فبان ارتطام جهد الحكومة المؤقتة على جدران الأفق المأزوم، فبين بغداد والبصرة والفلوجة والموصل تاهت بالمتابعين كل السبل، وضاقت بالمخططين الاستراتيجيين أطراف أرض العراق على رحابتها. في أوج الأزمة قال غازي الياور الرئيس العراقي المؤقت (إن المركب العراقي يتلاطم في نهر مليء بالتماسيح فإن غرق فلن ينجو أحد) حسب ما جاء في (وجهات نظر، القاهرة، ع 71 ديسمبر 2004) هل كان غازي الياور في راحة متسعة من أمره بحيث يجتهد في مغازلة اللغة الشعرية كي ينتج لنا منها الصورة البلاغية المنمّقة ؟ أبدا، وإنما هي اللحظة السياسية بكل توتراتها وبكل تناقضاتنا تدفع صاحبها دفعا إلى التوسل في خطابه بالقناع وعندئذ ليس لسلطة السياسة إلا أن تلوذ باللغة وأن تستنجد بسلطتها.
إن التعبير عن الواقع العراقي بلوحة التمثيل تلك "المرْكَب العراقي" لهو نافذ إلى النفس يخاطبها بالإيحاء المستجاب : فنحن في بلد النهرين، والمراكب جزء من رمزية الوجود الجماعي، والإبحار عليها تجسيم للزمن وهو يتحرك بين الماضي والمستقبل. ومقدمة الكلام هذه تحظى بالإجماع. ولكن من هم هؤلاء التماسيح ؟ غير مظنون ولا وارد أن يكون قصد المتكلم متجها إلى قوات التحالف الحاضرة على أرض العراق، ولكن الاستجابة النفسية لدى المتلقي لا تحول بينه وبين هذا الخاطر بموجب سيطرة اللاوعي اللغوي أحيانا. فهل هم عناصر المقاومة بشكل معمّم ؟ قطعا لا، فهذا الفهم ينفيه ما سيأتي في آخر الكلام حين يحذر من غرق العراقيين جميعا وافتراس التماسيح لهم. إن الموعَز به عن طريق الصورة البلاغية هو الانخراط التام في الرؤية التفسيرية القائلة بأن امتداد الانفلات الأمني سببه اندساس غير العراقيين في نسيج الشأن العراقي. وتنتهي الصورة البلاغية – بدون تأوّل عسير – إلى دعوة أرسلها غازي الياور لكل العراقيين كي يتحدوا تحت إمرته لينجوا بأنفسهم من هلاك جماعي محتوم.
في يوم (5 – 1 – 2005) حل كولين باول بجاكارتا لينظّم إلى لقاء الدول المانحة بعد حلول الكارثة الطبيعية بفعل المد البحري الناجم عن الإعصار الزلزالي المريع الذي ذهب بما لا يقل عن مائة وخمسين ألف نسمة، وكان باول في أيامه الأخيرة على سدّة الدبلوماسية الأمريكية وكل الناس يعلمون ذلك، على أنه جاء محملا بسخاء إضافي بعد أن بدت ألمانيا على رأس قاطرة المانحين. قال باول عندئذ قولتين. الأولى (لقد خضت المعارك وشاهدت أهوال الحروب ولكني لم أر كالذي أراه) وهذا كلام سلس رقراق كأنه ينساب فطريا على لسان واحد من عامة الناس، ولكن هل يجوز لنا أن نقف فقط عند باول الإنسان ونتناسى باول المحترف ؟ هل يسوغ عزل الذات عن الموضوع ؟ على المشهد الخلفي في تلك الحقبة بالذات فظاعة أخرى لم يعتكف الشرفاء من الباحثين بعد على إحصاء تفاصيلها ولا استطاعوا أن يقولوا إن كان عدد ضحاياها يقارب عدد ضحايا المد الزلزالي أو يتجاوزه، إنه المشهد العراقي حيث تحصد الأرواح يوما فيوما منذ عشرين شهرا يومئذ. أفلا يكون في قولة باول شيء من مقاصد الإلهاء عسى أن يُنسي ما فعلته الطبيعة جرائم ما فعلته يد الإنسان !
والقولة الثانية كانت أدهى وأمر لأنها أخفى وأدق. قال (لقد قررت الولايات المتحدة مضاعفة ما أعلنت عنه من إغاثة، فهذه النكبة قد حلت بأقطارٍ معظم سكانها مسلمون، ولكننا نتصرف دون اعتبار للاختلافات الدينية) وها نحن بحضرة كلام على محياه كل تقاسيم البهاء، بل لا يكاد ينصت إليه الإنسان حتى ينشرح، وربما تراه يبارك أو يهلل. ثمّ يكفي أن نقف عنده برهة حتى نبصر بما لم نكن نرى. إن تأكيد باول على "حيادية" الموقف الأمريكي دليل قاطع على غياب الحياد الطبيعي وإنما الحاضر هو الحياد الاصطناعي الذي تصعد فقاقيعه على سطح الخطاب، فلو كان الموقف الأمريكي خاليا تماما من الحسابات الثقافية أو العقدية أفلم يكن من الطبيعي أن لا يرد ذكر ذلك أصلا ؟ أفكان يذكر ما ذكر لو أن النكبة حلت بشعب عقيدته يهودية، أو حلت فقط بشعب كله على البوذية، أو حلت بشعب مسيحي على الكاتوليكية دون الأورتودكسية، أو كان على المارونيّة ؟ قطعا لا. إن ذكر الشيء – في السياسة – دليل على غيابه في كثير من السياقات، وقولة باول تفضح إضمار المقاصد، وغير خاف المشهد الماثل المتواري : مذابح العراق شيعة وسنة تحت نيران الاحتلال، وزلازل النسق الجديد على كل أرض عربية وفي سماء كل فضاء إسلامي.
إن لحظة الصدق اللغوي إما أن تكون في وئام كامل مع مقاصد السياسة وإما أن تكون على طلاق بائن مع الفرائض كما سنتها الأعراف. فالأهم – في الأغلب من الأحوال – ليس أن تقول أو لا تقول وإنما هو كيف تقول ما تقول. وإذا ما كان الإخلال بما تواضع عليه الناس يقف عند إفقاد اللغة بريقها دون أن يمتص نسغها في عملية الدلالة فإن الإخلال بما تواضعت عليه السياسة يصيب العصب الحي من شرايين المعنى بالكلية ثم ينسف سعي المتكلم إلى تحقيق مقاصده من الكلام.
في أواخر عام 2004 كان الوضع الدولي على غاية من الدقة إلى درجة الحرج : تتجدد لجورج بوش ولاية ثانية وفرنسا تكاد تغرق في مستنقع ساحل العاج بما يجعلها تحكي من بعيد صورة وضع الولايات المتحدة في العراق. وكان على وزيرة الدفاع الفرنسية ميشال أليوت ماري أن تفسر – أو تبرّر – الحزم الذي واجهت به فرنسا الأحداث في ساحل العاج ولاسيما قرار الرئيس جاك شيراك بضرب الطائرات التي اعتدت على عساكره وقتلت منهم تسعة. سألها صحفي (29 – 11 – 2004) عن السهولة القصوى التي صادق بها مجلس الأمن على قراره المؤيد لفرنسا بشكل مطلق فقالت وهي واقعة بين لحظة الصدق وومضة الانتشاء (إن الرئيس جاك شيراك هو أكثر من يُصْغَى إليه في العالم) وسكتت برهة، واعتراها انقباض بدا على محياها فأتمت جملتها قائلة (بعد جورج بوش) فقدّمت بما قالت قنصا شهيا بين أيدي وسائل الإعلام ولم يرحمها أحد. وكان الأذى جارحا لاسيما وجاك شيراك كان يفاخر بأن حقيبة الدفاع بيد امرأة.
في لغة التداول كما في لغة الشعر أحيانا إذا تعرّت الدلالة اكتسبت جمالا أما في السياسة ففي العراء تمسي دميمة. فللخطاب استراتيجية تتبدل قواعدها بحسب مضمونه وبحسب مقاصده، إنها محكومة بسياقه والخروج عليه خرْق للميثاق الضمني. وليس عبثا أن سطر بعض رواد التراث – وهم المشبَعون بنواميس الإبلاغ – حِكما لخصت علاقة الإنسان بجهاز التواصل، وليس قولهم (لكل مقام مقال) شيئا متفردا على وجه الاستثناء، فما فصّلوا فيه وأفاضوا أمتن وأجمل، قالوا (ليس كل ما يعلم يقال، وليس كل ما يقال قد حضر أهله، وليس كل ما حضر أهله قد حضر أوانه) وليس بعيدا عن هذا ما قالوه عن (المضنون به على غير أهله) ولا ما قصدوا إليه حين قالوا (هذا مما تتسع له الصفة وتضيق عنه العبارة).
إن رجل السياسة يرتجل الكلام ارتجالا فيصيب ويخطئ والذين عُرفوا باطراد الإصابة قليلون، ورجل السياسة قد يهيئ الكلام ويهيّئونه له فيفضي به على منبر الخطابة فيعرف خاصة الناس أنه لم يحرّره بنفسه ويعجب عامة الناس بقوله كما لو أنه هو الذي وظبه ودبّجه. ولكن بلاغة السياسيين الجديدة اقتضت – تحت إيقاع الإعلام السريع – أن تهيّأ الجملة السياسية داخل ورشة تركيب الخطاب فتطبخ طبخا هادئا، يتظافر على صياغتها خبراء السياسة واللغة والإعلام وعلم النفس، ثمّ يقدّمها السياسي – بعد أن يحفظها عن ظهر قلب – ويسوقها أمام أجهزة الإعلام سوقا كل ما فيه يوحي بأنه ارتجلها في لحظة قولها.
شهد عام 2004 ارتباكا طال أجوارَ العراق وتأرجح بين إرادة النيل من إيران على خلفية البرنامج النووي والرغبة في استهداف سوريا ترويضا لها حتى تنساق إلى بيت الطاعة فتذعن للسلام بالإملاءات الإسرائيلية. وكان المدخل في المناورة الدولية الكبرى هو مماحكة سوريا بحكم حضورها في لبنان ودعمها للروح النضالية في استرداد الحق العربي من العدو المغتصِب. وكان التعديل الدستوري اللبناني لتجديد ولاية الرئيس لحود. وكان قرار مجلس الأمن 1559. ووصل الارتباك إلى قلب البيت اللبناني وفاجأ كمال جنبلاط رئيسُ الحزب التقدمي الاشتراكي الرأيَ العام بانخراطه في شق الذين حملوا الشعار الشعبي يوم كان المنتصرون للوجود السوري يقولون (بَلدان لشعب واحد) فيردون (شعبان في بلد واحد) في خضم الأحداث استقبل الرئيس الفرنسي جاك شيراك كمال جنبلاط في قصر الإيليزي استقبالا مراسميا لافتا (3 – 11 – 2004) فغضبت الصحافة السورية وكذلك اللبنانية الموالية وكان من المنتظر أن يَستنتج أهل القرار الفرنسيّون أن الصحافة قد أوعز إليها وإذا بجاك شيراك يصرّح (كنت دوما معجَبا بأسلوب الرئيس الأسد في استقباله للشخصيات اللبنانية البارزة فأردت أن أنسج على منواله) فكان بكلامه كمن استدرج المنتقدين إلى خط التسلل على ساحة الملعب أو كمن حشرهم في الزاوية على ركح الملاكمة. ولكن – قبل الإقرار بسلطة اللغة في السياسة وقدرتها على إنتاج الموقف وتغيير وجهته بحسب الزخم التأويلي الوافد من طبقاتها التركيبية – علينا أن نسأل : ما المعنى وأين يكمن ؟ ثمّ كيف السبيل إلى ضبط نقطة الالتقاء بين بنية الألفاظ ومكونات السياق وآليات الإدلاء وحيثيات التلقي ؟
لا مجال إلى استشفاف الإجابة إلا إذا توسلنا باستقراء الاحتمالات الدلالية من خلال قرائن التأويل، وسيكون الجهد قائما على نهج التوصيف الافتراضي :
1 – الكلام بحد ذاته يمكن أن يفيد ردا على الاعتراض والغضب، وأن يفيد مع ذلك غمزا على التناقض، غير أن السياق المقامي يعزل هذا الاحتمال لأن فرنسا لا تريد التفريط في وئامها النسبي مع سوريا.
2 – والكلام مع السياق يمكن أن يفيدا التأكيد لسوريا على أن لفرنسا موقعا في الشأن اللبناني، ولكن هذه الرسالة غير ذات إفادة لأن ذلك من المعلوم بالضرورة لدى الأطراف الثلاثة.
3 – يبقى أن تلك الرسالة لا خلاف عليها وإنما الخلاف على من أُرسلت إليه، وهنا يتدخل السياق بكل قرائنه، فالموجه إليه هو الولايات المتحدة وإسرائيل وهذا من المتواطإ على السكوت عنه.
4 – ويبقى أن جاك شيراك كان يمكن ألا يصرّح، وكان يكون لصمته دلالة.
5 – ثمّ سيبقى تغليف الدال بدالين والاسم بمسميين، فعمّن يتحدث جاك شيراك حين قال "الرئيس الأسد" أيعني الابن أم الأب ؟ والذي يؤازر هذا التساؤل مطلع كلامه (كنت دوما) وهي صيغة من الماضي المؤكد بالديمومة فتصبح شاملة للحاضر المستمر !
في الشعر كما في النثر الفني يعين "الغموض" على التخييل المولد للدهشة والانبهار، وفي السياسة يكون "الغموض" ضرورة من ضرورات سلطة اللغة على الوقائع والأحداث.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>