ندوة الإعلام العربي والتحديات الراهنة:

الإعلام العربي في قلب المتغيّرات الدولية

- من الضروري أن تسند ديناميكية التحديث في العالم العربي ديناميكية فكرية وثقافية

- ترسّخ حضور القضايا العربية المستحدثة في الاعلام الدولي

- قضية الديمقراطية في العالم العربي من أبرز القضايا الوطنية التي عرفها التاريخ السياسي المعاصر للمنطقة

- اختراق ثقافة الارهاب لا يتم الا بالعمل على جبهة التنوير الثقافي دون ان يبعدنا ذلك عن جبهة الإصلاح الاجتماعي والسياسي

- احتضان تونس للمرحلة الثانية من قمّة المعلومات يؤكد نجاحاتها في ضمان ممارسة اعلامية حرّة ومسؤولة

- دعوة الاعلاميين العرب للالتزام بمسؤولياتهم الاجتماعية وعدم تغليب الاعتبارات المهنية الضيّقة على الاعتبارات الأخلاقية العامّة

- وضع استراتيجية اعلامية عربية في ضوء قراءة دقيقة للتغيّرات في بنية المجتمع العالمي

"أفكار أونلاين" - القاهرة - خاص

إلى أيّ حدّ ينهض الإعلام العربي بمقتضيات الإصلاح المجتمعي الشامل الذي يشكّل حاليا مطلبا عربيّا أساسيا وحاجة ماسّة ومستعجلة؟

والى أيّ حدّ يساهم في تنشيط وتفعيل حركية المجتمع المدني العربي في ظلّ الثوابت القومية والوطنية دفاعا عن مبدإ سيادة الدولة واستقلال القرار الوطني والحفاظ على مكتسبات التحديث والتنمية؟

وهل نجح هذا الإعلام في المقاربة الموضوعية لظاهرة الإرهاب من حيث جذورها وظاهرة تناميها وتأثيراتها على المسارات التنموية والاستقرار السياسي بالبلدان العربية؟

ثمّ أي دور للإعلام العربي في صيانة النظام الإقليمي العربي؟ وهل يمثل هذا الإعلام أداة لدعم التكامل والتضامن أم عامل تفتيت وفُرْقة إضافية؟

وكيف يتعامل هذا الإعلام مع واقع انفجار المشهد الاتصالي الدولي وعولمته؟

وكيف يتعامل مع الاشكالات التنموية والثقافية والحضارية التي تطرحها العولمة؟

وبين مطلب الحريّة وخطاب التضليل، أين يقع الإعلام العربي؟

وأيّة مسؤولية يتحمّلها الفاعلون في هذا القطاع في الفصل بين الرسالة الإعلامية الموضوعيّة وعمليات تضليل الرأي العام العربي وتشويه وعيه؟

هذه بعض الأسئلة التي طرحتها ندوة "الإعلام العربي والتحديات الراهنة" التي نظمتها أخيرا بالتعاون مع معهد الأهرام الإقليمي للصحافة مجلّة "أفكار أونلاين" الإلكترونية التي تشرف على إصدارها مجموعة من الباحثين والجامعيين التونسيين.

وقد انعقدت هذه الندوة بمشاركة مجموعة من المفكرين والباحثين والإعلاميين من الجانبين المصري والتونسي وأشرف على افتتاحها السيد الشاذلي النفاتي، سفير الجمهورية التونسية بالقاهرة، الذي أكّد في الكلمة التي ألقاها، ان التحديات والتطوّرات التي يواجهها العالم العربي في هذه المرحلة قد أفرزت عدّة مفاهيم ومصطلحات وتوجهات جديدة بما فيها قضية العولمة والإرهاب اللذين يمثلان تحديا حقيقيا لكل الكيانات الوطنية، وأوضح أن الإرهاب، الذي طال كلّ دول العالم بدون استثناء، يقتضي أكثر من أي وقت مضى ضرورة تنسيق الجهود الإقليمية والدولية من أجل مواجهته والقضاء عليه، مؤكّدا على أهميّة تطوير الخطاب الإعلامي العربي لمواجهة هذه التحديات، وتحليل تداعياتها على المسيرة التنموية للشعوب والتنبيه لمخاطرها وتوعية الأفراد والمجموعات بكيفية التعاطي معها.

ومن جانبها أكّدت الأستاذة خيرة الشيباني في كلمتها بوصفها رئيسا لتحرير مجلة "أفكار أونلاين" المشاركة في تنظيم الندوة ان المشروع المجتمعي في تونس يقوم على عدّة عناصر من بينها اعتبار حريّة الصحافة كمبدإ وقاعدة، وذلك بالنظر إلى أهمية دور الإعلام في معركة الحاضر وبناء المستقبل وباعتباره حقا يضمنه الدستور ويكفله القانون كحق أساسي من حقوق الإنسان.

ولفتت رئيسة تحرير "أفكار أونلاين" الانتباه إلى تنوع المشهد الإعلامي التونسي المكتوب والمسموع والمرئي، والى تعدّد اتجاهاته في زمن التغيير الإرادي والذاتي الذي اختارته تونس نهجا واستبقت به الأعاصير الراهنة. وقالت ان مساحته اتسعت بفتح المجال أمام القطاع الخاص في المجالين السمعي والبصري، والإسهام في الثورة الاتصاليّة وما تتيحه التكنولوجيات الحديثة من فرص وأدوات جديدة للتعبير، مشيرة إلى ان احتضان تونس للمرحلة الثانية من القمّة العالمية لمجتمع المعلومات يؤكد نجاحات تونس في تطوير بنيتها الاتصالية وفي توفير التشريعات القانونية لضمان ممارسة إعلامية موضوعية ومسؤولة.

الإعلام وقضايا التحديث

وفي إطار المحور الأوّل للندوة، "الإعلام وقضية الإصلاح" والتحديث في العالم العربي ألقت الدكتورة هالة مصطفى رئيس تحرير مجلة »الديمقراطية بمؤسسة الأهرام مداخلة بعنوان "قضايا وإشكاليات التحديث في العالم العربي" وقد أوضحت الباحثة أن هذه القضايا والإشكاليات باتت قضايا ملحة تفرض نفسها على الواقع العربي خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث احتلّت مكانة محورية في الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة. وأضافت أن المبادرة الأمريكية للديمقراطية في العالم العربي قد أعادت تسليط الأضواء على قضية الديمقراطية في المجتمعات العربية والإسلامية ولكنها لم تبتدعها، فهذه القضية هي من أبرز القضايا الوطنية التي عرفها التاريخ السياسي المعاصر للمنطقة والتي عبّرت عن الطموحات الأصيلة لشعوبها عبر العهود المختلفة.

وبعد أن طرحت الباحثة بعض المفاهيم النظرية التي ناقشت من خلالها تحديات وإشكاليات التحوّل الديمقراطي في مجتمعاتنا، أضافت أن عمليات التحول إذا لم تصاحبها عمليات جادّة للتحديث والتنوير الثقافي وتنظيم العلاقة بين المجالين الديني والسياسي وترسيخ الحريات الدينية والحقوق الفردية وتوفير المناخ الثقافي العام السائد في المجتمع الذي يتحكّم في مسار التجربة السياسية والاقتصادية المجتمعية، فإنّ تأزم مراحل الانتقال ستكون واردة بقوّة. ومن هنا تتأكد ضرورة أن يكون الإعلام العربي إحدى الركائز الأساسية في عمليات التحديث والإصلاح بشقيه السياسي والثقافي في عالمنا العربي.

تجربة إصلاحية رائدة

وفي مداخلة بعنوان "مشروع الإصلاح العربي، المسار والإشكالات" أكد الدكتور عبد الله السيد ولد أباه أستاذ الفلسفة والكاتب السياسي الموريتاني أن تجربة التحوّل السياسي في العديد من البلدان الإفريقية والأمريكية - الجنوبية والآسيوية أثبتت ان الديمقراطية التعدّدية تظلّ هشّة وعرضة للانهيار إذا لم تسندها قاعدة تنموية صلبة واندماج اجتماعي فعّال وأرضية قيميّة تحديثية ناجعة، وأوضح أن عملية الإصلاح في البلدان العربية قد اتخّذت مسارين هامين، مسار رسمي عبّرت عنه وثيقة الإصلاح الصادرة عن قمّة تونس (2004) ومسار شعبي عبّرت عنه مبادرات رعتها منظمات المجتمع المدني العربية وعكسته وثائق صادرة عن ندوات انعقدت في صنعاء والإسكندرية وبيروت، يبد أن هذه الديناميكية الرسمية والأهلية، كما يضيف الباحث الموريتاني، لا بد ان تسندها ديناميكية فكرية وثقافية رصينة، وجادة، باعتبار ان مطلب الإصلاح هو قبل كلّ شيء، مشروع ثقافي في مستوى تأويل المرجعيّة التراثية وإعادة تحديد العلاقة بالمنظومة الثقافية والروحية وإعادة تشكيل الخيارات التربوية والنظم الاجتماعية والمؤسسية، وهو ما فهمته الإرادة السياسية في تونس التي أقامت مشروعا إصلاحيا تحديثيا رائدا يقوم على تحرير طاقات الإنسان من خلال صياغة منظومة تربوية حديثة، وإرساء سياسات اقتصادية واجتماعية تأخذ بالاعتبار تطوّر المجتمع ومواكبة المتغيّرات الدولية واستيعابها في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والمعرفة والعلوم.

محدّدات "الفكر" الإرهابي

وقدّمت الباحثة التونسية ورئيسة تحرير مجلة "أفكار أونلاين" خيرة الشيباني في إطار مساهمتها بالندوة ورقة عمل بعنوان "الإعلام والإرهاب: البنية الفكرية، الثقافة البديلة قدّمت من خلالها مقاربة ثقافية لظاهرة التطرّف والإرهاب مؤكدة ان هذه المقاربة هي مسؤولية الفكر العربي قبل ان تكون مسؤولية الفكر الغربي أو السياسات الأمريكية، ذلك ان العرب هم أولى ضحايا هذه الظاهرة، من جهة تعطيل مساراتهم التنموية وزعزعة استقرار بلدانهم، أو من جهة تشويه منظومتهم العقدية.

وفي تحليلها للمحدّدات الفكرية لثقافة الإرهاب، ذكرت الشيباني أن الفكر المتطرّف يختزل نفسه في الذاكرة ويمارس القمع الذاتي للعقل كما يغترب عن لحظته التاريخية الراهنة، عندما يعجز عن إدراك النصّ الديني في علاقاته بالاجتماعي المتحرّك والتاريخي المتغير. وأضافت ان هذا الفكر، بانغلاقه، قد أهدر فرصا لمحاورة الحداثة ومعايشتها كما حاول ذلك مفكرو الحركة الإصلاحية العربية عندما اجتهدوا في الوصول إلى المسك بمفاتيح الحداثة الأساسية كنشر التعليم وتحرير المرأة ودعم المشاركة السياسية.

وخلصت الباحثة إلى القول ان اختراق الثقافة التي ولّدت التعصّب والكراهية والإرهاب، وتقويضها لا يمكن إلا ان يتمّ على أرض مرجعيتها الدينية والعقل الذي يحرّكها، ولا يتم ذلك إلا بالعمل على جبهة الإصلاح الديني والتنوير الثقافي دون ان يبعدنا كلّ هذا عن جبهة الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

وفي ذات موضوع "الإعلام والإرهاب" أشار الإعلامي التونسي الهاشمي نويرة إلى ان ضرورة الإقرار بأن حالة الأعلام العربي عموما لا تساعد على تناول ظاهرة الإرهاب تناولا موضوعيا وأن هذه المسألة مرتبطة بمدى احترام هذا الأعلام لقواعد المهنية والحرفية دون الانحراف إلى ما يمكن تسميته بالأعلام الموجّه والموظف أو الإعلام المناضل. وشدّد الهاشمي نويرة على مسؤولية الإعلامي في تناول مثل هذه الظواهر، أولا بصفته مثقفا وثانيا بصفته معنيا بالدرجة الأولى بالموضوع، موضّحا ان استقالة النخب العربية قد ساهمت في تسلّل بعض الشرائح الأخرى إلى الفضاءات الاتصالية الجديدة كبديل عن منابرها التقليدية، مؤكدا على دور الأعلام في تقييم الخطابات النضالية والمنخرطين فيها.

قمّة تونس للمعلومات

أما فيصل السويسي الأستاذ بالجامعة التونسية فقد تناول قضية »العرب ومجتمع المعلومات من المعلومة الى قمة المعلومات مرورا بالمسار الأورو - متوسطي، وحرص على تأكيد الأهمية المتنامية للإعلام في عصرنا الحالي حيث تعززت مكانته ليس فقط كسلطة رابعة إلى جانب السلطات الثلاث المتعارف عليها (التنفيذية، التشريعية، والقضائية).

وأكد السويسي أهمية مبادرة تونس لاحتضان قمة مجتمع المعلومات وتوفير فرصة سانحة لكل الدول النامية لطرح كل القضايا، ومناقشة أفضل السبل التي من شأنها أن تؤدي إلى حلول يقبل بها الجميع. وقال إن المراقبين يتفقون على أن هذه القمة التي ستعقد بدولة عربية وأفريقية لأول مرة خلال هذه الألفية ستمثل فرصة سانحة من أجل سدّ الهوة الرقمية بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة ومعالجة قضايا المجتمع المدني والقطاع الخاص في عصر العولمة.

ويطرح السويسي في نهاية مساهمته عدة تساؤلات حول إمكانية قيام العالم العربي باستغلال المنظومة الجديدة لعالم الإعلام والاتصالات، وحول مستقبل مبادرة الشرق الأوسط الكبير في منطقة الشراكة الأورو - متوسطية، معربا عن أمله في أن يتوصل عرب الغد إلى الإسهام الفعال في بناء مجتمع المعرفة والمشاركة في المصير الإنساني شأن سائر شعوب العالم.

الأعلام والمتغيرات الدولية

وفي إطار محور الأعلام العربي والوضع الإقليمي تناول الدكتور أسامة الغزالي حرب الموضوع من أبعاد ثلاثة وهي كيفية تأثير المنطقة العربية على الأعلام، وتأثير الأعلام على أوضاع العالم العربي وعلى طريقة التناول والمعالجة الإعلامية. ثم تطرق إلى القضايا المستجدة التي فرضت نفسها على الساحة العربية وحضورها في الأعلام وتأثيرها على المجتمعات العربية.

وفيما يخصّ البعد الأوّل أشار الباحث إلى ان العالم العربي والإسلامي أصبحا منذ سبتمبر 2001 في قلب السياسة والاستراتيجية العالميتين وذلك بشكل غير مسبوق، وأوضح ان الترسانة الهائلة من الجيوش والقوى النووية والأسلحة غير التقليدية ومعاهد الأبحاث كانت مكرّسة في السابق لمواجهة الشيوعية والاتحاد السوفياتي، وقد أصبحت هذه الأجهزة موجهة للعالم العربي والإسلامي ومكرّسة لمواجهة التطرّف والإرهاب، وهي حقيقة يجب ان نعيها جيّدا ولم يكن مستغربا ان تكون المنطقة العربية حاضرة بقوّة في أوّل مناظرة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية الماضية كيري وبوش، كما أنه ليس مصادفة ان تصبح قنوات فضائية عربية عابرة للقارات موضوع مشاهدة واهتمام من قبل المواطن في الولايات المتحدة وأوروبا، في حين ان المنطقة العربية كانت خارج سياق المشاهدات العادية للعالم، وهكذا أصبحت هذه القنوات العربية قنوات عالمية ومرجعا أساسيا للأعلام الأجنبي.

وأشار الدكتور حرب من ناحية أخرى إلى حضور القضايا المستحدثة في المنطقة العربية مثل قضية الإصلاح والتحديث في الأعلام الدولي. وذلك بسبب ارتباط هذه القضايا بالرؤية الأمريكية التي تبحث عن مصالحها في المنطقة. كما أشار الباحث إلى أن المناخ الدولي الجديد قد أثر على الأعلام العربي، فبعد الانفجار الإعلامي الهائل الذي شهدته الساحة الدولية أصبحت مسألة الحرية التي بدأ يتمتع بها كثير من المحطات الإذاعية والتلفزيونية مسألة مسلّما بها، هذا بالإضافة إلى التغيرات العالمية التي تفاعلت مع تغيّرات إقليمية وأدت إلى أوضاع غير مسبوقة للإعلام العربي الذي زادت إمكانياته وقدراته وأهميته العالمية وقدرته على التعبير والتحدث وممارسة العمل بدرجة أعلى من الحرية. ولكن كل هذه التطوّرات تنقلنا إلى السؤال الهام: كيف يتعامل الأعلام العربي مع هذه التغيرات؟

وقد خلص الدكتور أسامة الغزالي حرب إلى أن المنافسة الجارية الآن بين القنوات الفضائية هي نوع من المنافسة التي يستحيل تجنّبها، فالمشاهد العربي في أي بلد أصبح يتجه إلى أكثر القنوات صدقا من بين القنوات المعروضة عليه، وهذا المناخ من المنافسة سوف يفرز في النهاية الفضائيات الناجحة التي تتناسب مع العصر وتلك الفاشلة التي لا تزال تعيش في عصر مضى. وأكد الباحث في النهاية إن الأعلام الذي يستطيع ان ينجح في تلبية متطلبات التطوير الديمقراطي الحقيقي هو الأعلام الذي سوف يستمرّ وسوف يزدهر، وأما الأعلام العاجز عن ذلك التطوير، مهما رفع الشعارات فسوف يضمحل حيث لا مكان لإعلام ناجح الا في مجتمع حرّ.

حرية الاعلام وحدودها

وعن علاقة الإعلام بالحرية، وحدودها قدم الأستاذ أسامة سرايا رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي ومدير معهد الأهرام الإقليمي للصحافة مداخلة بعنوان "الأعلام وأخلاقيات المهنة" أشار فيها إلى ان الأعلام بوسائله المتعددة يؤثر تأثيرا كبيرا في توجيه الرأي العام، ويعتبر وسيط التغيير، وهو الذي يخلق وعيا لدى المجتمع بمعوقات التقدّم لديه، كما أنه يعمل على نشر القيم الايجابية وعلى رأسها فكرة المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية. وأضاف سرايا ان التأثير الإعلامي يكون كبيرًا عندما يتمتع المجتمع بحرية التعبير التي تعني الحقّ في نقل الأفكار والآراء والمعلومات بدون قيود، إلا ان هذه الحرية ليست مطلقة فهنالك أخلاقيات المهنة التي تحكمها في الأساس أخلاق عامّة، مثل الصدق والشرف والنزاهة بالإضافة إلى معايير أخرى لا يمكن إغفالها اليوم مثل الكفاءة والقدرة وفهم المتغيرات الحقيقية التي يشهدها العالم وهي قيم تستند على احترام الأفكار التي تطرحها الأطراف الأخرى، والتي تحقق بفضلها التوازن الطرديّ بين العاملين والمستهلكين في حقل الأعلام. وأكد رئيس تحرير الأهرام العربي عن جهة أخرى على ضرورة التزام الإعلاميين بمسؤولياتهم الاجتماعية، وعدم تغليب الاعتبارات المهنية الضيقة على الاعتبارات الأخلاقية العامة، وكذلك العمل للصالح العام، وبث روح التفاؤل والطموح في مجتمعاتنا العربية حتى تحقق ما رسمته لنفسها من سياسات تنموية تحديثية، يمثل الأعلام ولا شكّ، أحدى ركائزها الأساسية.

استراتيجية اعلامية عربيّة

إن التحديات التي تواجهها المجتمعات العربية راهنا، وهي تخطو خطواتها وبدرجات متفاوتة في مسيرتها التحديثية، تستدعي تفعيل دور الأعلام العربي لينهض بدوره التثقيفي والتنويري ويُسْنِدَ عمليات الإصلاح التي لا معنى لها بدون سند ثقافي وفكري جادّ ورصين.

ولقد اهتم السيد يسين، أستاذ علم الاجتماع السياسي ومستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام بالقاهرة، بوضع عناصر لاستراتيجية عربية لتفعيل دور الأعلام من أجل بناء واقع عربي جديد.

وفي هذا الصدد أشار الأستاذ يسين إلى أن وضع مثل هذه الاستراتيجية يتطلب دراسة التغيّرات الكبرى التي حدثت في بنية المجتمع العالمي من ناحية، ودراسة الواقع الراهن للمجتمع العربي من ناحية ثانية.

وفي ما يخصّ البعد الأول لهذه الدراسة نبّه الباحث إلى أن من ابرز التغيّرات التي حدثت في بنية المجتمع العالمي من وجهة النظر الحضارية هي عملية الانتقال من نموذج المجتمع الصناعي الى نموذج مجتمع المعلومات العالمي، الذي ينتقل ببطء، وان كان بثبات، الى مجتمع المعرفة والذي في اطاره تتشكل أنْساقٌ فكرية وثقافية وقيمية جديدة لن يكون العربي بمنأى عنها وعن تأثيراتها. وفي ضوء هذه الملاحظة، قدم السيد ياسين جملة عناصر الاستراتيجية الاعلامية العربية المقترحة والمتمثلة أوّلا في رسم خرائط معرفية للاتجاهات الايديولوجية في الوطن العربي. ولعلّ أهمية هذه الخرائط، كما يوضح الباحث، انها ستساعدنا على معرفة الواقع العربي الذي نريد تغييره، وكذلك من شأن هذه الخرائط أن تقضي على التعميمات الجارفة عن العرب والمسملين التي تصوغها الدوائر الغربية السياسية والثقافية والاعلامية.

فهل صحيح - كما يضيف أستاذ علم الاجتماع السياسي - وعلى سبيل المثال، ان إيديولوجيا الجماعات الاسلامية المتطرّفة هي السائدة في الوطن العربي؟ وأليس هنالك مجال واسع للتيارات الليبيرالية التي تنادي بالديمقراطية وبحرية التعبير والمرأة؟

ولا شك ان تقديم صورة موضوعية للتفاعلات السياسية بين أنصار الايديولوجيات العربية المختلفة سيسمح للاعلام العربي ان يتناول بشكل نقدي بعض منطلقاتها التي يمكن ان تُرسّخ التخلّف بدلا من الوصول بنا الى أعتاب التقدّم.

اما العنصر الثاني الذي يقترحه الباحث مرتَكزا لاستراتيجية عربية لتفعيل دور الاعلام فهو تبنّي موقف رشيد من ثلاثية الماضي والحاضر والمستقبل ثم حصر مشكلات التواصل الثقافي مع الغرب، ومن ضمن هذه المشكلات العلاقة بين الاسلام والغرب، ومشكلة التطرّف وتلك الناجمة عن الارهاب، وقضية الهجرة الى أوروبا وقضية اندماج المهاجرين في المجتمعات الأوروبية، ثم التمييز بين المقاومة المشروعة للاحتلال الأجنبي والارهاب وتنامي العنصرية الجديدة في اوروبا.

كما أكد الباحث المصريّ على أهميّة أن يسهم العرب في مناقشة المشكلات الانسانية العالمية، ذلك أنّنا نعيش في عصر عولمة المشكلات الانسانية، ولم تعد مشكلاتٌ مثل الفقر والبيئة والارهاب والهجرة والفجوة بين الموارد والسكان مشكلات تخصّ دولة دون اخرى، وهكذا يمكن ان نثبت أن لنا كعرب، كفاءة معرفيّة تسمح لنا بالاسهام في مواجهة الاشكاليات العربية والمشكلات الواقعية التي تواجه الانسانية في القرن الجديد، كما يمكن للاعلام العربي ان يلعب دورا فاعلا في حوار الحضارات الذي يجب ان يقوم على أسس واضحة وموضوعية بين العرب والعالم.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org