الجمهورية قيمةً، الجمهورية ممارسةً
الموجود والمنشود في التجربة التونسية
د.حافــظ عبـد الـرحيـم
قسم علم الاجتماع كلية الآداب والعلوم الإنسانية- صفاقس، تونس
“الجمهوري هو من رضع مع حليب أمه حبّ وطنه أي القوانين والحرية”، جان جاك روسو.
“الجمهوري يتعلق بوطنه أكثر من تعلقه بمعلمه، لسبب بسيط هو أنه يفكر في مصلحته أكثر من مصلحة معلمه”، فولتير.
«لقد اخترنا النظام الجمهوري الرئاسي لكي لا تتشتت المسؤوليات، ولا يتوزّع النفوذ.... فقد سعينا في دستورنا إلى إيجاد حلّ يوفـّق بين نفوذ قوي للحكومة وبين ضمان حرّية المواطنين وحقوقهم، بأن يوفـّق بين العدل والحرية، ويبعد البلاد عن الاستبداد والفوضى، وفي الوقت نفسه فرّقنا السلطات وحَدّدْنـَاها بجعل توازن بينها وتعادل..»( 1) |
تـوطـئة
لا شك أن إحياء ذكرى تأسيس الجمهورية في تونس يجسّد من ناحية الوفاء للشهداء والمقاومين والمناضلين ممّن ضحّوا بأنفسهم من أجل الوطن، ويدعم من ناحية أخرى شروط اكتساب الثقافة السياسية التي تتنامي وتتحقق جودتها من خلال الممارسة. فمثل هذه المناسبات هي في الآن نفسه فرصة للقراءة والتقييم والمراجعة والنقد والإضافة للسياسي من ناحية كما للمفكر والمختص في هذا المجال من ناحية أخرى. فالتأسيس للجمهورية في مقاربة علم الاجتماع السياسي يتنزّل ضمن ثقافة سياسية لا تهمّ عادة المؤرخ الوقائعي، على اعتبار أن الثقافة السياسية تعني منظومة المعايير والمعتقدات والمشاعر والتمثلات السياسية السائدة داخل مجتمع ما خلال فترة زمانية محدّدة والتي جميعها تحدّد طرق الالتزام الفردي وأساليبه في إطار اللعبة السياسية القائمة من أجل ضبط المبادلات وأشكال المشاركة والاتصال والحقوق والواجبات. فالنص الدستوري قد يكون هو نفسه بين بلد وآخر لكنّ شكل تطبيقه يتغاير طبقا لطبيعة الثقافة السياسية السائدة في هذا البلد أو ذاك. والأمر نفسه بالنسبة لباقي المؤسسات والقيم السياسية التي تتحدّد في جانب كبير منها بعمليات التنشئة الاجتماعية وما يستبطنه الأفراد من معايير وقيم( 2). إلا أن قولنا هذا يدعونا إلى تجنب مطلقية هذه الوجهة في النظر لأنه مثلما أن «الثقافة تعدّل النظام السياسي فإن النظام السياسي نفسه يطبع في المقابل الثقافة أيضا» مثلما يقول محمد عبد الباقي الهرماسي( 3)
من هذا المنطلق يغدو السؤال المركزي الذي تروم هذه الورقة طرحه يتفرّع إلى منحييْن يتعلق أوّلهما بنشأة الفكر الجمهوري في علاقته بالمنزع التنويري الحداثي في الغرب عامة وما ألقاه من ظلال على الثقافة السياسية والتوجهات التي ستسود أذهان رواد البناء الوطني في تونس خاصة ممن سينتصرون للجمهورية وقيمها وسيعملون على التأسيس لها فكرا وعملا فكانت تجربة في بعدها الإنساني. أما ثانيهما فيحاول استجلاء ما يمكن أن تكون أضافته تجربة الجمهورية في تونس وقد مرّ عليها نصف قرن من الزمان في الثقافة السياسية وسلوكات الفاعلين وتمثلاتهم لقيمها في إطار هذه التجربة البنائية.
الجمهورية في الفكر السياسي المعاصر:
1- المنشأ الغربي لفكرة الجمهورية
جرت العادة أن تصنّف الأنظمة السياسية إلى جمهورية وملكية واستبدادية. ويُجمع مؤرخو الفكر السياسي على قيام تلازم بين تطوّر الفكر السياسي الغربي وتطور فكرة الجمهورية بحثا عن نموذج الحكم الأمثل. وتعود لفظة "جمهورية" République إلى الشيء العمومي (المدينة) الموضوع على ذمة مشتركة وسط المجال العمومي والقابل للتفاوض حوله في مقابل ما هو خاص وسرّي.
ويُنظر إلي الجمهورية على أنها فكرة وقيمة ونمط في ممارسة السلطة باعتماد النظام الدستوري كمقابل للنظام الاستبدادي. إنها ذلك النظام الذي ترجع فيه سلطة القانون وعلويته إلى الشعب في حين ترجع سلطة القانون وعلويته في النظام الملكي إلى شخص الملك.
ومن المعلوم أنه خلال مؤلفه روح القوانين، يستحضر مونتسكيو ذلك التصنيف التقليدي للأنظمة السياسية (الجمهورية، الملكية، والاستبدادية) بغاية تحديد طبيعتها وخاصة تحديد المبادئ التي تشتغل على أساسها، بما يساعدنا على فهم القوانين التي تحكمها. ففي إطار النظام الجمهوري يميّز مونتسكيو بين الشكل الديمقراطي والشكل الأرستقراطي بالنظر إلى انتماء السيادة إلى الكلّ أو إلى البعض. أما النظام الملكي فإنه يمارس في علاقة بقوانين أساسية وعبر هياكل وسيطة. أما بالنسبة للنظام الاستبدادي فإنه يمارس الاستبداد من قبل شخص واحد ولمجرّد إرضائه فقط.
انطلاقا من وجهة النظر هذه، تصنّف الأنظمة السياسية استنادا لطبيعة العلاقات الداخلية بين مختلف السلط أي بين مختلف مكوّنات الدولة، بحيث يغدو هناك ثلاثة أصناف من الأنظمة السياسية:
أنظمة قائمة على تداخل السلط
أنظمة قائمة على الفصل بين السلط
أنظمة برلمانية (تعاون بين السلط)
بالنسبة للأنظمة القائمة على الفصل بين السلط والأنظمة البرلمانية فإنه يمكن أن نعثر على فصل فرعي بين الملـَكيات والجمهوريات. فالملـَكية محدّدة ببرلمان ذي سلطات تشريعية ومالية تحدّ من صلاحيات الملك. في حين يتجلى الشكل الجمهوري من خلال النظام الرئاسي الذي يجسّده أحسن تجسيد النظام الأمريكي، الذي عرف تاريخيا جدلا بين اعتماد الملك أو الرئيس كانعكاس للجدل الدائر في الدولة الأم للمستعمر.
في حين أن أهم خاصية للنظام البرلماني هي التمييز بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة. فرئيس الدولة يقتصر على آداء دور شرفي دون امتلاك سلط فعلية. أما رئيس الحكومة فإنه يتولى تسيير السلطة التنفيذية في إطار مجلس وزاري يشاركه المسؤولية أمام البرلمان، بشكل سمح بالانتقال من الملكية المطلقة إلى الديمقراطية.
كما يتمثل الموضوع الأساسي لكتاب "روح القوانين" في الحرية السياسية المعنية بالعلاقة بين المواطن والدستور والحرية المدنية في ما يخصّ الصلة بين المواطن والقوانين. ولئن أكد مونتسكيو أن "كلّ إنسان مالك لسلطة ما يجد نفسه منجرّا نحو الإسراف فيها" «tout homme qui a du pouvoir est porté à en abuser» فإنه سعى إلى إيجاد الوسائل التي تمكّن "السلطة من وضع حدّ للسلطة" وبالتالي ضمان حرية المواطنين. ويضرب المثال بدستور أنقلترا القائم على الفصل بين السلط والذي يقوم نموذجا لحكومة معتدلة هدفها الحرية.
ويتحدث مونتسكيو عما سماه "الروح العامة للأمة" «l'esprit général d'une nation» والتي يعرّفها "بالمناخ والدين والقوانين والمبادئ العامة للحكومة ونماذج الأشياء من الماضي والأخلاق وطرق التصرّف". فالروابط السياسية حسب مونتسكيو لا تنفصل عن البناء المادي للبلاد ومناخها وأخلاقها واقتصادها ودينها الممارس وقيمها وخاصة عن طبيعة حكومتها ومبادئها. وتشكل جملة
الروابط هذه "روح القوانين" الذي يجب أن تكون منسجمة مع الطبيعة والحرية البشريتيْن.
وفي السياق نفسه يطلق جان جاك روسو لفظ جمهورية على كل دولة محكومة بالقانون مهما كان شكل تنظيمها الإداري. يقول روسو: «كل حكومة قانونية هي حكومة جمهورية»( 4). أما إيمانويل كانط فإنه يقيم تقابلا بين الجمهورية القائمة أصلا على الفصل بين السلطتيْن التنفيذية والتشريعية وبين النظام الاستبدادي القائم أصلا على تداخل هاتيْن السلطتيْن. فالجمهورية بالنسبة له هي شكل من الحكم، في حين أن الديمقراطية هي شكل من السيادة Souveraineté حيث يمارس كل أعضاء المجتمع السيادة. وهو ما يجعل الجمهورية تمثل بالنسبة إليه الشكل الوحيد من الحكم الذي تُحْتـَرَمُ فيه حقوق الفرد ككائن بشري. ومن المعلوم أن أفلاطون كان قد أكد في الجمهورية أن مأتى العدالة هو هيمنة الروح العاقلة لدى الفرد الذي يساهم في الحكم أي يساهم في المحافظة على اشتغال النسق الاجتماعي: «فالدولة المحكومة على الشكل الأفضل هي تلك الدولة التي تقترب أكثر ما يمكن من نموذج الفرد». إلا أن كارل پـوپـر POPPER في مؤلفه الشهير La société ouverte et ses ennemis يرى أن أفلاطون قد طرح السؤال الأسوأ: ما هي المدينة العادلة؟ وكان الأوْلى أن يطرح السؤال المتعلق بجوهر المسألة ألا وهو كيف السبيل إلى النهوض بالدولة القائمة، بحيث أنه لا يجب السعي، طبقا للنفعية الـپـوپـرية، لبناء المجتمع الأفضل، بل أن نعمل على بناء مجتمع تكون فيه كمية الشرّ أقلّ ما يمكن.
وبالخلاصة فإن الجمهورية كنمط في الحكم وتسيير الشأن العام تقوم على القانون وحماية الحريات وحقوق الإنسان والضمان الدستوري لمبادئ الديمقراطية والتعدّدية والمشاركة من أجل دعم سيادة الشعب تحصينا لأركان النظام وتجنبا للفوضى من خلال التعويل على روح المواطنة والحسّ المدني، مع تحصين سيادة الدولة التي لا تتعارض مع سيادة الشعب. وإذا كان الدستور هو القانون الأساسي للدولة، فإنه هو الذي يمنحها شرعية ممارسة الحكم وهو الذي يحدّد طبيعة هذا الحكم وينظم العلاقة بين السلط ويوزّع الوظائف السياسية ويحدّد العلاقة بين المجتمع والدولة. ويحتل الدستور قمة ترتيب الضوابط القانونية ويشترط فيه أن يكون متماشيا مع تطوّر المجتمع واحتياجاته الداخلية. ويقوم تساوق بين تمثل نمط الحكم وتمثل نمط المجتمع، حيث ينهض النظام الجمهوري في جوهره على تمثل مساواتي للبناء الاجتماعي، على خلاف النظام الملكي الذي يقوم على تمثل تراتبي للمجتمع. ويؤثر نمط الحكم وشكل تمثل العلاقات بين الفاعلين على طبيعة اللعبة السياسية والاجتماعية.
وفي هذا السياق تؤكد بحوث علم الاجتماع السياسي أن كل نظام دولة يعرف مسارا من المأسسة يتمّ عبره شرعنة العنف بتحويله من عنف محض إلى عنف رمزي يتميّز باعتماد قواعد في الاشتغال وهيكلا بيروقراطيا. هذه المأسسة للحياة السياسية أو ما يسمّيها ماكس فيبر بروْتَنَة Routinisation الكاريزما ( 5) هل هي المقياس الوحيد الذي نقيس به مدى فعالية ونجاعة النظام السياسي الذي تمّ الاختيار عليه؟ بمعنى آخر هل يقتصر الأمر على وجود طريق وحيد لدخول الحداثة السياسية؟
2- فكرة الجمهورية لدى العرب المحدثين:
إذا ما حاولنا النظر في منتجات الثقافة العربية فإن لفظ جمهورية من الألفاظ الدخيلة على اللغة العربية، وَرَدَ لعهْدٍ قريب. وربّما كانت كفكرة أو كنمط في الحكم رديفا لمفهوم المدينة أو حتى المدينة الفاضلة، إذ استعمل الفارابي هذه العبارة في نقله لجمهورية أفلاطون. ومعلوم أن الجمهورية من الجمهور. وتدلّ على نظام في الحكم يُفترض فيه أن يعبّر عن رأي العدد الأكبر من الناس. ومن اتساعه وامتداده على الأغلبية يستمدّ خاصية اقترانه بالممارسة الديمقراطية.
ولقد انتبه رواد النهضة العربية الحديثة إلى أهمية النظام الجمهوري. فها هو أحمد ابن أبي الضياف يمتدح الحكم الجمهوري الفرنسي مذكرا بمنافعه للعامة كما للخاصة. يقول عن هذا النمط في الحكم: «إن محصّل هذا الصنف أن الناس يقدّمون رجلا منهم باختيارهم يلبّي سيادتهم ومصالحهم لمدة معينة، ولمّا تتمّ يخلفه غيره باختيارهم... ولهم في ذلك قوانين يحترمونها احترام الشرائع المقدّسة ويقفون عند حدّها»( 6). لكن نرى لزاما أن نؤكد هنا أنه رغم هذا الإعجاب الذي أبداه ابن أبي الضياف بهذا النمط، فإنه يستدرك ليؤكد أن قواعد الملـّة الإسلامية لا تقتضي هذا الصنف من الحكم. أما خير الدين التونسي فلم يتوقف عند مجرّد الإعجاب بهذا النمط من الحكم بل مرّ إلى الدعوة لاتباعه وإرساء تقاليد المشاركة السياسية، يقول في ذلك: «وجب علينا أن نجزم بأن مشاركة أهل الحلّ والعقد للملوك في كليات السياسة، مع جعل المسؤولية في إدارة المملكة على الوزراء المباشرين لها بمقتضى قوانين مضبوطة مُرَاعَى فيها حال المملكة أَجْلـَبُ لخيْرها وأحْفَظُ له»( 7).
وستجد فكرة الجمهورية رواجها داخل التجربة التونسية مع حركة الشباب التونسي والحزب الدستوري التونسي (الدستور القديم) ثم مع الحزب الحرّ الدستوري التونسي (الدستور الجديد). ولقد تنامت الدعوة للجمهورية خاصة إثر الحرب العالمية II ، حتى أن بعض الوثائق تذكر أن المنصف باي أعلن من منفاه بمدينة "بو" لأحد المؤرّخين الفرنسيين عن نيّته إعلانَ الجمهورية في حال عودته إلى تونس ( 8).
لكن فكرة الجمهورية لم تكتسب إشعاعها في أذهان النخب التونسية وحضورها المكثف وإمكانية تطبيقها في الواقع إلا مع الدستوريين الجدد، وخاصة مع بداية 1956 وبأكثر وضوح خلال صائفة 1957. فلقد صرّح الحبيب بورقيبة في خطاب له بمدينة جمّال قائلا: «لو كان الشعب يرغب في "الجمهورية" فيمكن المطالبة بها»( 9). يقول بورقيبة هذا الكلام وهو الذي كان حينذاك من مساندي نمط الملكية الدستورية على الشاكلة الأنقليزية أين يسود الملك دون أن يحكم. كما جاء على لسان النائب عبد الرحمان عبد النبي ما يلي: «النظام (الجمهوري) الوحيد الذي يجب تنصيبه في هذه البلاد... إذ أن الشعب منذ قديم التاريخ يطالب ويكافح وينمو ويتقدم نحو النظام الجمهوري»( 10)
إن حماسة النخب الصاعدة للنمط الجمهوري خلال هذه المرحلة المفصلية الفارقة لا يرومها شك. وهي حماسة تجد مرجعيتها المؤسسة لها في دستور 1861 كأول تجربة دستورية في العالم العربي والإسلامي. إلى جانب تشبّع هذه النخب بمبادئ الثورة الفرنسية وانبهارها بفلسفة الأنوار وآراء أعلامها (مونتسكيو، روسو، ديدرو...). فالجمهورية في أذهان هؤلاء الروّاد كانت بمثابة حصان طروادة الحامل للمفاجأة السارة التي ستخلص البلاد من المخلفات الثقيلة للاستعمار. لذا لن يكون من قبيل الصدفة العابرة أن يختار الدستوريون الأوائل (1920) صفة الدستورية ليطلقوها في تسمية حزبهم، ولا من قبيل الاعتباط أيضا أن يحافظ الجُدُدُ منهم على الصفة ذاتها. إلى جانب أن إنشاء المجلس القومي التأسيسي تمّ على مبدإ المشاركة الموسعة على الهيئة التي ستخوّل للمؤتمرين اتخاذ إجراءات سريعة ومتتالية جوهرها إرساء الجمهورية على أساس دستوري منيع. فكأنما كانت المهمة الأولى المنتظرة هي التأسيس لتجربة جديدة قادرة على صياغة معالم منظومة مجتمعية وسياسية قوامها الحرية والتعددية والمشاركة الواسعة( 11).
لم يكن الباي يعلم، من خلال إمضائه على المرسوم الذي ينصّ على إحداث مجلس قومي تأسيسي، أنه كان يمضي على بداية نهاية سلطته. وإذا كان حزب الدستور الجديد باعتباره الفاعل المركزي على الساحة السياسية خلال كامل مرحلة الاستعمار لم يفصح عن أية نيّة في حلّ النظام الملكي واستبداله بنظام جمهوري ربّما بهدف المحافظة على وحدة الجبهة الوطنية في مواجهة المستعمر، فإن الأمور ستتغيّر جذريا إثر الحصول على الاستقلال، إذ أن العائلة الحسينية سوف يتمّ إبعادها عن سدّة الحكم فقط بعد عام ونيف من قبل حزب راكم من الشعبية والشرعية والقوّة ما يسمح له بإنجاز انقلاب Un coup d'Etat شرْعي بالمعنى القانوني والاجتماعي( 12) من خلال إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية، وعهدوا إلى رئيس المجلس الحبيب بورقيبة بتولي رئاسة هذه الجمهورية( 13).
من هذا المنطلق يمكن القول أنه نُظر إلى الجمهورية باعتبارها قيمة في ذاتها وهي تتنزّل ضمن فلسفة سياسية ونظرة لمستقبل النظام السياسي الذي سيحكم البلاد في مرحلة بناء الدولة الوطنية. إنه ذلك النظام الذي جوهره الأول الأساس الجمهوري القائم على الفصل بين السلط والحرية والتعددية ورقابة التشريعية للتنفيذية وحقوق الإنسان إلى جانب إعطاء صبغة دستورية لبعض الحقوق الأساسية من مثل التضامن والتسامح. فالدستور جاء من ناحية "رمزا للسيادة الوطنية، ولاستقلال القرار، ولاستقلال البلاد من الأجنبي"، إلا أنه جاء من ناحية أخرى ليختار نموذجا لما سيكون عليه المجتمع التونسي في مستقبل فعله السياسي في معناه الواسع. لقد اختار أن يلغي الملكية، ويرسي الجمهورية، ويفصل بين السلطات ويقيّدها ويحمي الحريات ويسمح بالمشاركة بما يؤسس لأركان دولة حديثة بالمعنى المؤسسي على الشاكلة الغربية سعيا نحو الرفاه للجميع. إنه يبدو آنئذ بمثابة الثورة السياسية الحقيقية رغم عدم إراقة الدم لأنه جاء حاملا لتحوّل جذري في النظام السياسي الأساسي الذي يستبدل قانونية بقانونية جديدة هي قانونية الجمهورية الحاملة لشرعيتها في ذاتها.
وتثبت التجربة الدولوية في تونس أنها نتاج لمسار كامل من المركزة السياسية بدأ مع دولة البايات التي كانت سعت إلى إخضاع سكّان نزّاعين إلى الخروج عن الطاعة على خلفية انتماءاتهم القبلية. ثم تواصل خلال كامل المرحلة الاستعمارية فهل سيتمّ التخلص منه خلال مرحلة البناء الوطني؟ الأكيد أنه لئن قامت في إطار دولة البايات بعض المؤسسات هنا وهناك فإنها تبقى دولة باتريمونيالية بالنظر إلى عجز الدولة في علاقتها بالمجتمع المدني عن أن تنهض على صيغة الدولة–الأمة L'Etat –nation . لكن الحلم ظل يراود النخب الجديدة في بناء دولة أمة على الشاكلة الغربية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف بدا من الضروري إنجاز عمليتيْن أساسيّتيْن تتمثلان في:
تخليص الدولة من كل ما يعوقها ويحول دون أن تلعب دورها في إرساء القانون والنظام الشرعي.
إرساء قيم جديدة انطلاقا من أعلى هرم الدولة بغاية خلق منظومة قيمية جديدة وتوجّهات جديدة.
فمن المعلوم أنّ اهتمام نخب بناء الوطني في تونس قد انصرف إلى بناء الدولة الحديثة بمختلف مؤسساتها. عديدة هي التحدّيات التي واجهتها هذه النخب آنذاك ضمانا للاستقلال ودعائمه وخوضا لغمار مسار تنموي طويل وصعب المراس. فالسؤال التحدّي آنذاك هو كيف "الخروج من ليل الاستعمار الطويل" لبناء دولة حديثة؟ وتباعا أي نمط من الحكم يكون ضمانة فعلية للحداثة والتنمية؟
لكن إذا كان يبدو من الطبيعي ومن تبعات منطق الأشياء أن يتمّ الانزياح بتجربة الحكم الناشئة من الملكية إلى الجمهورية لأسباب مؤسسية وثقافية وإجرائية متداخلة فإن السؤال الإشكالي المتولد هنا هو لماذا الانزياح ثانية بالتجربة الجمهورية من جمهورية برلمانية إلى جمهورية رئاسية على المقاس؟ مهما تكن الإجابة فإن المتأكد أن تجليات ذلك نعثر عليها في ثنايا النص القانوني أو من خلال ممارسة الفعل السياسي، وليس المجال هنا للبحث في هذه المسألة.
III - من مداولات الاختيار على الجمهورية إلى تردّدات الباتريمونيالية
لا شك أن ما جرى من مداولات ونقاشات وتطارح لوجهات نظر حول مسائل تتعلق بطبيعة التجربة الجمهورية التي تروم تونس الفتية التأسيس لها من خلال تحديد معالم الهوية السياسية الجديدة لا تعكس في الحقيقة جميع الرؤى والتصوّرات التي كانت تحملها النخب المؤسسة آنئذ في تنوّعها وتعدّدها. بما انتهى بالتجربة إلى خلق تسويات يمكن أن تدفع بصاحبها إلى المراوحة والتردّد بين نماذج متغايرة إلى حدّ التقابل. فعلى سبيل المثال نجد بورقيبة في خطاب له يبرّر ضرورة عدم الالتجاء إلى النظام الشعبي الديمقراطي بالنظر إلى مستوى وعي الشعب التونسي آنذاك وإمكانية تأثير ذلك سلبا على نتائج الاقتراع، يقول: «يكوّن النظام الشعبي الديمقراطي الشكل الأمثل للحكم، إلا أن نقص الوعي السياسي وجهل العامة يمكن أن يؤدّيا إلي سوء استخدام بطاقات الانتخاب. والخطأ في اختيار المترشّحين قد يفضي إلى نتائج وخيمة على الأمة بأكملها. فالنخبة هي المحدّدة لنجاح أو فشل النظام الديمقراطي»( 14). إلا أن بورقيبة نفسه يعود ليؤكد على ضرورة اعتماد النظام الشعبي الديمقراطي. يقول قبيل الإعلان عن الجمهورية بأشهر: «إن النظام الشعبي يتمثل في أن يحل الشعب التونسي بتمامه وكماله محل فرنسا»( 15). لكن ها هو أياما قليلة إثر تقلده رئاسة الجمهورية يعود ليعلن في خطاب 8 أوت أن النزاع والخلاف يعصفان بالأمة لأنهما يضعفان الحكومة في مواجهة الصعوبات الظرفية التي تمرّ بها البلاد يقول: «لا تكون الحكومة قوية إلا عند انعدام كل مظهر من مظاهر النزاع والخلاف» وإثر سنة فقط انبرى بورقيبة يبرّر الحاجة إلى مركزة الحكم وتجميع السلطات على الهيئة التي تؤكد نزوعا واضحا نحو الشخصنة، مبرّرُ ذلك ما تشهده البلاد من أحداث وخلافات داخلية وظروف خارجية، لذا لابدّ من رصّ الصفوف وضمان الاستقلال. وهو ما كان أكد عليه بعض أعضاء المجلس القومي التأسيسي الذين اعتبروا أن التردّد يثير التمرّد والفوضى والاضطراب والحال أن الدولة تواجه صعوبات وهي لم تَخْـبَرْ بعْدُ السلطةَ ممارستَها( 16).
في الحقيقة، فإن الطريقة المعتمدة في إدارة شؤون الدولة الجديدة ساهمت في بروز أسلوب شخصي جديد مِنْ الزعامةِ: لقد أزاحَ بورقيبة الباي ليُصبحَ هو نفسه ملكَ تونس الجديد. فهو كرئيس دولة مضى في نسج طريقة متميّزة في التعلق بسلطة الحكم على النمط التقليدي. ورغم الأخذ نظريا بمبدإ الفصلِ الدستوري بين السلطات في تونس، فإن السلطة التشريعية، ولعديد الأسباب، لا يُمْكن أنْ تُعتَبرَ كعامل توازن وتعديل بالنسبة للسلطة التنفيذيةِ المتمثلة في الحكومةِ.
من هذه المنطلقات استفاد بورقيبة كرئيس لأوّل جمهورية تونسية من مكانته كزعيم قاوم الاستعمار وكمحام وصورته كزعيم كاريزماتي من أجل أن يرسي النظام الجمهوري الذي يخوّل مزيد الصلاحيات للرئيس ويوسّع سلطاته، إلى درجة استحالت معها سلطته إلى سلطة قائمة على الولاء والتبعية الشخصية المستندة إلى البعد الكاريزماتي لشخصيته وهي من علامات داء الباتريمونيالية كما يسمّيها ميشال كامو.
ثم إن هذه الطريقة في إرساء التحديث من فوق كانت في حاجة إلى ضمان عدم معارضة القاعدة الشعبية لها. لذا سيغدو لزاما اعتماد استراتيجية تقوم على التداخل إلى حدّ انصهار Fusion الحزب مع الإدارة مع مجلس النواب، إذ النواب مثلا كانوا يعبّرون عن رأي الحكومة أكثر ممّا يعبّرون عن رأي ممثـّليهم. كذلك عمد رئيس الدولة إلى احتكار حق تجاوز علوية سلطة المؤسسة عبر قانون غير رسمي، إلى درجة بدا معها فعل رئيس الدولة أقرب إلى الفعل الاعتباطي في عديد الأحيان، إلى جانب أن بورقيبة عمد مع بداية سريان مفعول الدستور إلى جعل نظام الحكم على درجة قصوى من الشخصنة. وهي كلها من خصائص النمط الباتريمونيالي في الآداء السياسي كما تحدث عنها Weber ودعّمها Eisenstadt باعتباره نمطا يتميّز أساسا بأن الحاكم بما هو أب أو إمام يستمدّ شرعية سلطته ويسيّرها لا عبر مؤسسات رسمية بل من خلال قنوات غير رسمية مصدرها الدين أو السلطة الرمزية عامة وبموجب حق شخصي. فلطالما أفصح بورقيبة خلال الممارسة عن استعدادات تفرّدية وسلطوية تجعله لا يساير أحلام النخبة كلها خاصة تلك التي تتعارض مع هذه الاستعدادات. كما كان بورقيبة يعمد إلى سلوكات هي أقرب إلى السلوكات "السلطانية". بمعنى أن العلاقة لم تكن فعليا ممأسسة بل تخضع للتبعية الشخصية بما هي في وجهيها استزلام Clientélisme وتعزيب Patronage ( 17) أي أنها تخضع لمنطق الاعتباط ومقتضيات اللحظة التي تعدّ أيضا من مؤشرات النمط الباتريمونيالي في الحكم( 18). وحتى عمليات المراجعة للدستور جاءت أكثر على المقاس حيث لم تتوجّه فعليا نحو ترسيخ قيم الجمهورية من مثل المشاركة والتداول وفصل السلطات، بل إنها منحته في مرّة الرئاسة مدى الحياة ثم ضخّمت في أخرى درجة شخصنته وعمقت تداخل السلط، على الهيئة التي يتعارض فيها حضور الفرد الرعية مع حضور الفرد المواطن.
IV - التأسيس للجمهورية في تونس تأسيس لقيمها وثقافتها
ومن زاوية سوسيولوجية فإن الدور التأسيسي للمجلس لا يفهم فقط على أنه تأسيس لنمط من العلاقات السياسية ولصنف من الفعل والممارسة بل إن التأسيس هنا يفهم على أنه بداية و"أصعب الأمور بداياتها" ويفهم من ناحية أخرى على أنه بناء للمستقبل وترسيخ لثقافة ولتمثلات أي لتنشئة سياسية في بعدها المجتمعي بكل ما في ذلك من مسؤولية.
فالرغبة التحديثية لنخب البناء الوطني ستدفع بهم إلى اعتماد صيغة التعاقد السياسي التي ستكون بمثابة المدخل لتحديث المؤسسات بتونس عبر الانتقال من حقوق الإنسان كصك يمنح (هبة) إلى وثيقة للحقوق والحريات تستجيب لمتطلبات دولة المواطنة وتأسيس مجال عمومي يفتح إمكانية التواصل بين الأفراد ومؤسسات السلطة.
فالجمهورية بما هي روح أو عقلية أو فكرة أو ثقافة تؤسّس لاستقلالية النصاب السياسي تمهيدا لإرساء ممارسة ديمقراطية تمثيلية تكرّس سيادة الشعب وتساوي الجميع بما يلغي المراتب والامتيازات واستبدال إنسان المراتب Homo-hierarchicus بإنسان المساواة Homo acqualis ويجعل الجميع يشارك في السيادة كما بيّن ذلك توكفيل في مؤلفه. يقول روزانفالون «إن الحقوق السياسية لا تنبع إذن من مذهب معيّن في التمثيل، باعتباره متضمّنا للاعتراف بما هو تباين وتنوّع في المجتمع ومقدّرا لهما، بل من فكرة المشاركة في السيادة» مواقف الديمقراطية ص: 71
يجد فهم السيادة على هذا الشكل مرجعيته في الأساس العقلاني للعلاقات المجتمعية. فالفرد يصبح قادرا على السيطرة على أهوائه ومصالحه من خلال مشاركته في كل ما يصدر عن الجسم المجتمعي. بحيث تغدو المشاركة سلوكا اجتماعيا أساسه عقلاني ومصدر اكتسابه المجتمع (الوعي الجمعي) من خلال الممارسة في الحياة اليومية والوعي بضرورة الفصل بين المجاليْن العام والخاص بين الفرد والطائفة.
ففي إطار ثقافة الجمهورية الحديثة تلتقي المصلحة الفردية مع المصلحة الجماعية من حيث هي مزيج من حرية ومساواة بمعنى أنه تغدو الديمقراطية السياسية غير منفصلة عن الديمقراطية الاجتماعية. إن الديمقراطية مناخ يمارس فيه الفرد فعله ويشكل ذاته في إطار المجموعة من خلال مسار يربّي على ثقافة الديمقراطية لأن دور التربية يقوم على النهوض بالفاعلين للتعايش ضمن منظومة قيم جامعة أساسها الجدارة والاستحقاق. وهو ما يمكن إدراكه منذ الوهلة التأسيسية الأولى. إذ أنه من بين الخلفيات التي انطلق منها الدستور التونسي هي وجود علاقة سببية بين النظام الجمهوري كنمط في الحكم وبين ضمان حقوق الإنسان إذ أعلن في تَوْطِئَتِهِ أن النظام الجمهوري هو خير كفيل لحقوق الإنسان. جاء في ديباجة دستور 1 جوان 1959 "أن النظام الجمهوري خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات... وأنجع أداة لرعاية الأسرة وحق المواطنين في العمل والصحة والتعليم ". فهو من الدساتير القليلة التي كرست كل حقوق الأفراد آنذاك، وأرست مبادئ النظام الجمهوري، وفرّقت بين السلط" . إنه دستور جاء ليكرس قيم التحديث modernisme ، والتحرير libéralisme ، والتنوير les lumières . ومن أجل تحقيق هذا المشروع التحديثي لم تكن الدولة الوطنية الصاعدة تملك لا السلاح القادر على فرض التغيير الجذري ولا الحركة الفكرية والثقافية الإصلاحية المتغلغلة في الأوساط الشعبية بما يساعد الدولة على تحقيق الإجماع حولها.
من هذا المنطلق سرى الحديث عن المواطنة في مقابل الرعية. إنهما الوجهان اللذان في تعارضهما يعكسان نمطيْن من علاقات التبادل السياسي وبالتالي نمطيْن في الحكم أحدهما سلطاني في شتى تعبيراته والآخر برلماني مؤسساتي، يكون فيه الفاعل المحوري هو المواطن بما هو فرد يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية جميعا ضمن دولته. ويركز علم الاجتماع السياسي على اعتبار هذا التمتع بالحقوق وإنجاز الواجب إنما هو ثقافة تكتسب على أساس ديناميات مجتمعية متعدّدة تجعل المواطن ممتلئا بشعور المواطنة وفكرها وقيمها المتمثلة أساسا في الاعتدال والتسامح والتعايش وقبلها جميعا قيم الحق والحرية والواجب والمساواة والفعالية والتعاون والمصلحة الجماعية والتنظيم… التي تغدو جميعا بمثابة المنظومة القيمية ترمي إلى إنشاء قاعدة ثقافية لتحقق الديمقراطية التي ينهض عليها النظام الجمهوري. فهذه المنظومة القيمية قادرة على أن تولد دينامية اجتماعية تتنزل ضمنها ثقافة سياسية قائمة تستحيل معها القيم المذكورة إلى ما يشبه التمثلات أو القناعات الموجهة لسلوك الفرد خلال ممارسته لفعله ومبادرته وخلال تواصله السياسي( 19) وتبادله الدائم مع صاحب السلطان باعتباره تبادلا يقوم على التنوع والمشاركة ويضفي الشرعية على السلطة الممارسة ( 20).
لقد آمنت هذه النخب إيمانا عمليا بأن تغيير مجتمعها بالمعنى العام لا يمكن أن يكون إلا بتغيير البشر، وتغيير البشر لا يمكن أن يكون إلا بتغيير الذهنية، وأنماط القيم السائدة في المجتمع، ولم يكن من الغريب أن يحتل التعليم مكانة متميزة في قلب كل مبادرات الإصلاح السياسي التي طرحتها، باعتبار أن الإصلاح يهدف في نهاية المطاف إلى تصويب وتقويم العلاقة بين الدولة والمحكومين من أجل إرساء تمط علائقي يقوم على التبادل الضامن للشرعية، فترسيخ نمط من العلاقات السياسية وإرساء نظام في الحكم يصعب تحقيقه دون صقل وتهذيب وتقويم الإطار الثقافي المتحكم في تلك العلاقة، بما يتضمنه من قيم واتجاهات ومثل وأفكار ومهارات وأنماط تفكير تمثل في النهاية منهجية العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحويل الفرد إلى مواطن لا يتم إلا بتحرير ذهنه من تمثلات للآخر الحاكم وحدود سلطته، وتنقية قيمه من رواسب الاستسلام للأمر الواقع، وتأكيد العجز عن التغيير وعقلية الرعية .
فمن مكاسب الجمهورية في تونس برأينا هو هذا النزوع نحو الانتقال من ثقافة الرعية التي رسّخها بشكل واضح حكم البايات إلى ثقافة المواطنة التي رامت الجمهورية التأسيس لها كسلوك وثقافة قائمة. إنه نمط في الانتقال يمكن الاستئناس فيه إلى الجدول الموالي لتبيّن التحولات الحاصلة في هذا المضمار:
جدول مقارن بين ثقافة الرعية وثقافة المواطنة( 21)
ثقافة الرعية |
ثقافة المواطنة |
الغياب الكلي لرقابة المحكوم للحاكم (رقابة اجتماعية وسياسية ودستورية...)
خضوع الفرد/ الرعية ومشاركة صورية.
ركود اجتماعي.
الشخصنة/ الزبونية...
تنافر وقهر
لا تماسك ولا تضامن اجتماعيان.
غياب برنامج اجتماعي.
غياب الحريات والحقوق.
أنانية المصالح.
أوضاع اجتماعية مزرية (فقر، بطالة، جهل...) |
حضور رقابة المحكوم للحاكم (رقابة اجتماعية وسياسية ودستورية...)
مشاركة فعلية للفرد المواطن
دينامية اجتماعية.
المؤسسات/ القوانين...
تواصل وحوار
تماسك وتضامن اجتماعيان.
وجود برنامج اجتماعي.
توافر الحريات والحقوق.
توحيد المصالح.
وضع اجتماعي إنساني لائق... |
وبعد تجربة تونسية امتدّت لنصف عقد من الزمان في ممارسة الفعل السياسي يبقى أكيدا أن ثقافة الجمهورية أخذت مجراها في إطار التجربة التونسية في أوساط جميع الفاعلين بمختلف مشاربهم الفكرية وخلفياتهم الإيديولوجية وهو المكسب الأهم في رأينا اليوم وتونس قد انتقلت من مرحلة البناء والتشييد إلى مرحلة النحت والتجويد سعيا نحو دعم مبدإ سيادة الشعب ومشاركته في تعيين الحاكم من خلال ترسيخ التعددية في الترشح إلى أعلى مسؤولية في الدولة وإخضاع الحكومة للمساءلة الحينية. بما يساهم في تحصين أركان النظام الجمهوري، وتمتين سيادة الشعب، وتكريس الديمقراطية، والتعددية، وحقوق الإنسان في مفهومها الشامل، وصيانة سيادة الدولة، وتجذير ثقافة المواطنة على خلفية عدم انفصال قيم الجمهورية عن القيم السائدة في التراث الثقافي للمجتمع التونسي كمجتمع عربي إسلامي في المجالات السياسية والاجتماعية. وهي قيم تكتسبها الأجيال الناشئة عبر مؤسسات التربية (الأسرة المدرسة) بدءا من غرس حبّ الوطن والولاء له في نفوسهم وممارسة الحوار وقبول المغايرة في الرأي والتسامح والاعتدال، يدعمها مجتمع مدني ذو نسيج جمعياتي فاعل قادر على المشاركة والتعبير والتأثير داخل الحياة العامة في ظل مناخ ديمقراطي تعدّدي لا تنفصل فيه الديمقراطية السياسية عن الديمقراطية الاجتماعية الرامية جميعا إلى إرساء مسار تنموي شامل وعادل يطمح لتحقيق الرفاه للجميع. وهي جميعا من مقومات الحكم الرشيد، الناهض على عدة قيم عالمية، منها: التضمينية، والمساءلة والشفافية والمشاركة وحكم القانون وحُسن الاستجابة والتوافق والمساواة والفعالية والرؤيا الإستراتيجية، التي تبقى نموذجا يصل إلى حدّ الإيطوبيا التي تنشد التجارب إدراكه في معظمه لا في كليته.
الخــاتمة
ليست الجمهورية، بما هي نظام في الحكم، جملة من المبادئ المنحوتة نهائيا تطبّق باختلاف الزمان والمكان. إنها روح وتوجّهات عامة قابلة للتعديل والمراجعة طبقا لخصوصيات كل تجربة وظروفها التي تمرّ بها. إنها ثقافة سياسية تكتسب عبر مسارات من التنشئة والممارسة. والمعلوم أن من طبيعة الثقافة السياسية اللاحتمية كما يقول دايموند إلى جانب أن تغيير هذه الثقافة يتسم بالنسبية والعصيان والبطء( 22) إذ لا شك أن الأنظمة السياسية لا تنفصل كما يقول موريس دوفرجيه عن الكل الاجتماعي الذي تنتمي إليه أي السياق العام الذي تظهر فيه تلك الأنظمة عبر تبيّن العلاقات القائمة أو التي يمكن أن تقوم بين السياق وطبيعة النظام، أي بين الهياكل السياسية وباقي عناصر الواقع الاجتماعي ومكوّناته الاقتصادية والإيديولوجية والجغرافية والتاريخية... وتلك هي العلامة البارزة لتجربة الجمهورية لتونس على هناتها. يقول عبد الله العروي: «إن المذاهب السياسية الغربية التي تتبنّاها قطاعات كبيرة أو صغيرة من المجتمع العربي في حدّ ذاتها، في صفائها... فإنها لا تبقى وفيّة لأصولها وبيئاتها، إنما تؤوّل حسب المقتضيات الزمانية والمكانية الخاصة بالعرب»( 23). فالمفاهيم كما هو معلوم ابستمولوجيا يقترن ظهورها أو إعادة استعمالها بعمليات تضمين لدلالاتها تكون من جنس اللحظة التي هي فيها، فتتغيّر علاقتنا بذلك المفهوم وبالتالي تتغيّر أوجه استعمالنا له لأن الممارسة، خاصة في بعدها البرغماتي، تدفعنا بشكل أو بآخر إلى تضمين المفهوم المستعمل معاني حافة هي وليدة مسعاها لتكون من جنسها. فيكون لمفهوم الجمهورية أوجه استعمال وليدة الواقع الذي تمارس فيه هذه النخب فعلها من أجل المستقبل بما يدعونا اليوم لأن نقرن الجمهورية وقيمها بالحكم الرشيد وقيمه.
************************
المصادر
1الرّائد الرسمي للجمهورية التونسية، مناقشات المجلس القومي التأسيسي، السنة الثالثة، العدد الثالث، 12 فيفري 1958 (جلسة 27 جانفي 1958)
2ربّما أحالتنا هذه الخلفية النظرية إلى ما كان أفصح عنه ابن رشد حين أكد أن العلم السياسي مبدؤه الإرادة والاختيار وغايته العمل والفعل. لذلك هو يبحث عن الشيم والعادات المكتسبه أولا وعن كيفية غرسها ثاني.ا القسم الأول أي الشيم والعادات تم بحثها في كتاب الأخلاق، والقسم الثاني تم بحثه في كتاب السياسة. فالفرد حر في نفسه في حياته الخاصة لكنه مجبر في ارتباطه بالمؤسسات الاجتماعية الدينية والأسرية والقانونية والنظام السائد في مجتمعه). ولهذه المؤسسات قيم اجتماعية يربى الأفراد وفقها كما تحدد مواقفهم وتوقعات أدوارهم وفقها.
3محمد عبد الباقي الهرماسي، المدخل الثقافي الاجتماعي إلى دراسة الدولة، ضمن: الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي، ج1، جماعي، مركز دراسات الوحدة العربية ومعهد الشؤون الدولية (إيطاليا)، ط1، بيروت، 1989، ص: 75.
4جان جاك روسو ، في العقد الاجتماعي، الكتاب II ، ص: 6.
5WEBER (Max), Economie et société, Paris, Plon, 1971, pp: 234- 270.
6أحمد بن أبي الضياف ، الإتحاف، الدار التونسية للنشر، النشرة الثانية، تونس، 1990، ج1، ص: 37.
7خير الدين التونسي ، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنّوفي، الدار التونسية للنشر، تونس، ط2، 1986، ص: 103.
8وهو الموقف الذي ذكر به أحد النواب بالمجلس القومي التأسيسي في جلسة 25 جويلية 1957. عن: عبد الفتاح عمر وقيس سعيّد ، نصوص ووثائق تونسية، طبع مركز الدراسات والبحوث والنشر ، تونس، 1987.
9يمكن العودة إلى:
PERILLIER (L) , La conquête de l'indépendance, éd Robert Laffont, Paris, 1979, p: 296.
CHAIBI (M.L) , Socialistes français et nationalistes tunisiens, histoire d'une rencontre (1949- 1955), imp ORBIS- TUNIS, 1997, p: 221.
10الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، مناقشات المجلس القومي التأسيسي بتاريخ 10 أوت 1957، (جلسة يوم 25 جويلية 1957)
11رافع بن عاشور ، المؤسسات والنظام السياسي بتونس، مركز النشر الجامعي، تونس 2000، ص: 91.
12يمكن العودة إلى أعمال:
عبد الفتاح عمر ، المجلس القومي التأسيسي 1956- 1959 , ، ضمن أعمال الملتقى في 29- 31 ماي 1984، تونس، مركز البحوث والدراسات والنشر، كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية، 1986.
AMOR (A) et SAID (K), Textes et documents politiques … op. cit…
HASSEN (Y), « La résolution de L'Assemblée Nationale Constituante du 25 juillet 1957 ». In Revue Tunisienne de Droit, 1994, p. 251 à 265.
BEN ACHOUR (Y), « Rapport final » du colloque relatif à l'Assemblée Nationale Constituante. p. 219.
DEBBASCH (C) , La République tunisienne. Paris, L. G. D. J., 1962
DEBBASCH (C) , « L'Assemblée nationale constituante tunisienne ». In Revue Juridique et Politique d'Outre-Mer. 1959, n° 1, janvier-mars, p. 32 à 54
BEN ACHOUR (R) ,« L'élection de l'Assemblée Nationale Constituante et sa composition ( en arabe ) ». In Al-Majliss-el-qawmî al-ta'sîsi. Actes du coll. du 29-31 mai 1984, Tunis, C. E. R. P-Faculté de Droit et des Sciences Economiques , 1986, p. 33 à 81.
13يمكن العودة إلى نصّ القرار المذكور بــ:
AMOR (A) et SAID (K) , Textes et documents politiques… op. cit …, p : 180.
BOURGUIBA (H), Citations, éditions Dar El A'mel, Tunis, 1978, p: 95.
14الحبيب بورقيبة ، خطب، ج 4، ص: 79.
15انظرْ الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، مناقشات المجلس القومي التأسيسي، السنة السنة الأولى، (تدخل النائب عبد الله فرحات في الجلسة الافتتاحية 8 أفريل 1956.
16 انظر حول نمط علاقة بورقيبة بأعضاده: حافظ عبد الرحيم ، الاستزلام- التعزيب آلية لتحليل النسق السياسي التونسي من خلال النمط العلائقي بين بورقيبة وأعضاده، ضمن أعمال المؤتمر العالمي الثالث حول السلطة وآليات الحكم في عصر بورقيبة بتونس والبلاد العربية، إشراف: عبد الجليل التميمي، منشورات التميمي للبحث العلمي والمعلومات ومؤسسة كونراد أديناور، ط1، فيفري 2003، ص.ص:103- 116.
17حول الباتريمونيالية تعريفا واستعمالا يمكن العودة خاصة لـ:
Weber (M) , Economie et société, Paris- Plon, T1, p.p : 237 sqq
EISENSTADT (S.N): Traditional Patrimonialism and Modern Neo-Patrimonialism; Beverly Hills Sage Publications; 1973.
حافظ عبد الرحيم ، الزبونية السياسية في المجتمع العربي، قراءة اجتماعية- سياسية في تجربة البناء الوطني بتونس، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، أوت 2006، ص:
18COTTERET (J.M), Gouvernants et gouvernés ; la communication politique, Paris7, PUF, 1973, p.p : 8-9.
19انظر: هند عروب، المخزن في الثقافة السياسية، ديبلوم الدراسات المعمقة، أكدال الرباط، 2002، ص.ص: 15- 37، الجزء المتعلق بالثقافة السياسية.
20عن: هند عروب، ثقافة المواطنة في بلاد الرعية، المجتمع المغربي نموذجا، ضمن: السيادة والسلطة الآفاق الوطنية والحدود العالمية، جماعي، سلسلة كتب المستقبل العربي(65)، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، نوفمبر 2006، ص: 185.
21لاري دايموند (معد)، مصادر الديمقراطية : ثقافة المجموع أم دور النخبة، ترجمة سميّة فلوعبود، بيروت، دار الساقي، 1994، ص.ص:17-19
22عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، ط5، 1993، ص: 150.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>