السّرديات النسائية التونسيّة خلال خمسين عاما من بناء الدولة الحديثة:
قبل سؤال الخصوصيات لابدّ من سؤال الحداثة
أ.محمد بن رجب
إعلامي – ناقد - تونس
I - زمن الولادة: الجمهورية وفعل الكتابة
على درب الكتابة عن الأعمال السرديّة النسائية في تونس مزالق نقدية كثيرة. فلقد ألفى النقاد والدّارسون أسئلة عديدة عن هذه الأعمال بحثا عن خصوصيات الكتابة عند المرأة، ومن خلال محاولات المسك ببعض الأجوبة قيل بأن هناك "الكتابة النسوية" وهي الكتابة الملتزمة التي تحمل رسالة تتمثل في الدفاع عن حقوق المرأة وقد تتجاوز المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة إلى إثبات التفوّق والامتياز، ثم هناك "الكتابة النسائية" وهي بكل بساطة تلك التي تبدعها المرأة. وهذا ليس مصطلحا فنيا ولا يدل على اتجاه أو على مدرسة أو إيديولوجيا ما. ثم هناك "الحساسية الأنثوية" وليست "الكتابة الأنثوية" لأنه يصعب تمييز اتجاه يتّصف بالأنوثة وهي ليست نظرة أو موقفا بقدر ما هي نكهة خاصّة نجدها في جميع الكتابات السرديّة النسائية.( 1)
وقد سارت المراة الكاتبة / السّاردة، وخاصة منها الروائية في نفس هذا التوجّه بحثا عن خصوصياتها الإبداعية و يتضح ذلك من خلال الدراسات التي تم القيام بها حول إبداعات المرأة الساردة، أو من خلال الشهادات التي أُدْليَ بها في الملتقيات والندوات التي انتظمت حول هذه المسألة ومنها على سبيل الذكر.
ندوة الرواية النسائية المغاربية (نوفمبر 1994) بمدينة قابس.
ندوة الرواية العربية بالقاهرة (فيفري 1998).
ندوة الرواية العربية النسائية (ربيع 1999) بسوسة.
ندوة الرواية العربية: في البحث عن الخصوصيات (2004) بنادي الطاهر الحداد، تونس.
ففي هذه الندوات برزت أقوال كثيرة ومتنوعة لا تختلف تماما عن الاستنتاجات التي توّصل إليها النقاد.
الكتابة عروسية النالوتي ترى أنه لا فرق في الكتابة بين الرجل والمرأة.
وتصرخ أمال مختار عاليا بقولها "أنا أكتب" وفي حديثها عن تجربتها تتحدث عن حرّية الكتابة دون أن تبحث في حرّية الكتابة عند المرأة أو عند الأنثى.
أما الكاتبة مسعودة أبو بكر فإنها لا تقرّ بوجود خصوصية. وإن هي لا ترفض وجود نكهة أنثوية.
كل ذلك، من الجانب النقدي، أو من جانب المبدعات أنفسهن مهمّ وفاعل، ولكنه جاء بعد الولادة، لا ولادة الكتابة فهذه مرحلة قصوى، إنّما ولادة المرأة الكتابة، وفي تونس تحديدا.
فهل كانت المرأة الكاتبة موجودة قبل فعل الوجود، وجودها؟
ومتى كان وجودها الفاعل؟
وعندما نسأل متى؟ فإننا تُحِيلُ أمرا النّقد والبحث إلى القراءة التاريخية.
وفي اعتقادنا أنه ليس بالإمكان التوصّل إلى تحديد خصوصيات الكتابة السردية عند الكتابة التونسيّة إن لم نتمكن من تحديد زمن ولادتها. وتوضيح خصوصيات هذا الزمن، ثمّ البحث عن هذا الزمن في الكتابات التي أفرزها.
بين الكاتبة هند عزّوز (81 سنة)، والكاتبة إلهام أبو صفارة (26 سنة)، خمسون سنة من الكتابة النسائية وخمسون سنة من الاستقلال، وخمسون سنة من بناء الجمهورية.
قبل هند عزّوز التي بزغ نجمها في الأفق مع الاستقلال ومعها لم تكن غير ناجية ثامر التي كتبت القصّة والخواطر قبلها بمدّة طويلة نسبيا، ونحن نعرف أن ناجية ثامر ليست من أصل تونسي، ولم تَكن هناك كتابات نسائية.
هند عزّز كتبت القصّة والخواطر القصصيّة منذ بداية الاستقلال ونشرتها في الصحف أو بثتها عبر الإذاعة التونسيّة، ولكنها لم تتمكن من جمعها إلاّ عام 1969 عندما أصدرت كتابها الأوّل بعنوان في "الدرب الطويل".
في حين أن الكاتبة إلهام أبو صفّارة. كتبت روايتها الأولى "صهيل الصمت" في نهاية 2006، وأصدرتها في بداية 2007. وفي نفس الوقت صدرت لمجموعة من الكتابات عدّة روايات نثبتها هنا لتسجيل الفارق الذي أحدث المتغيرات وسمح بالطروحات الفكريّة الباحثة عن خصوصيات الكتابة النسائية.
في موسم 2006 – 2007 صدرت الروايات التالية:
موسم التأنيث:لبسمة بوعبيدي.
منّة موّال: لفتحية الهاشمي.
إمراة تغتال الصّمت: لنجاح زقيّة.
عام عيشة : لحفيظة القاسمي.
معسكر الحبّ: لفضيلة مسعي.
جمان وعنبر: لمسعودة أبو بكر.
وبين هند عزّوز، وإلهام بو صفارة، قائمة من الكاتبات تشكلت على مدى 50 سنة، ففي البداية تعزّز المشهد القصصي بخديجة السويسي التي اختفت عن الساحة الأدبية ولم تصدر كتابا وبليلى مامي و بحياة بن الشيخ، وفاطمة سليم، وعروسية النالوتي وبداية من 1983 صدرت أول رواية نسائية لزكية عبد القادر (وفاء) وهي بعنوان "أمنة" ثم توالت الروايات لكاتبات بدأن بالقصّة، منهن عروسية النالوتي، و حياة بن الشيخ و نتيلة تباينبة، وانفجر المشهد السردي بالأسماء النسائية تعزيزا للكتابة مع عليا التابعي.. آمال مختار، مسعودة أبو بكر، فاطمة الشريف، حفيظة القاسمي، حبيبة المحرزي، منيرة الرزقي، حفيظة قارة بيبان، آمنة الوسلاتي، عليا مبروك، فائزة الجيلاني، فوزية الوسلاتي، آمنة بالحاج يحي، وابتسام الخميري، رشيدة الشارني ووحيدة الدريدي، سمية بن رجب، آمال النخيلي، لمياء العوني، فاطمة الزاياني، جنات إسماعيل، عبير الذويبي، نوال بن ساسي، وغيرهنّ.
هؤلاء الكتابات نشرن في القصة والرواية حوالي 50 كتابا، 27 منها صدرت في السنوات الثلاث الأخيرة.
وعندما نؤكد أن هند عزّوز بدأت تنشر قصصها وخواطرها القصصيّة مع بداية الاستقلال فذلك له معنى تاريخي لا يمكن تجاوزه على الإطلاق. فهي من النساء اللاتي حصلن على نصيب من التعليم قبل الاستقلال وتفرغن للكتابة والإعلام وهنّ بعدد صغير جدّا لا يبلغ عدد أصابع اليد الواحدة. لكن بداية من الستينات أي بعد بضعة سنوات من الاستقلال وقيام الجمهورية بدأ عدد الكتابات يتصاعد.. وبدأت كتبهن تتْرى إلى أن تمكنّ الناقد من أن يقول بالخصوصيات وتمكنت الكاتبة من أن تبحث عن كيانها ضمن الخارطة الأدبية التونسية وتبحث عن موقعها في الأدب العربي، وربما في الأدب العالمي، فلا ننسى أن عددا من كاتباتنا ينشرن باللغة الفرنسيّة (فوزية الزواري، آمنة بلحاج يحيي، وعليا مبروك، وفائزة الجيلاني وهالة الباجي) وبعضهن أصدرن مؤلفاتهن القصصية والروائية في فرنسا، وبعضهن استقر بهن المقام في باريس نهائيا مثل فوزية الزواري وهالة الباجي.
ذلك يوضّح أن الكتابة السرديّة النسائية في تونس هي وليدة الاستقلال والجمهورية، وتطوّرها مرتبط ارتباط وثيقا بتطوّر المجتمع التونسي من سنة 1956 إلى اليوم بما عرفه من مراحل في بناء الدولة الحديثة المستقلة وتوجّهات في المسار السياسي والاجتماعي والحضاري والاقتصادي.
ولذا فإنه لزاما على الدّارس إذا ما عنّ له البحث في مميّزات وخصوصيات الكتابة النسائية في تونس، وأنّ يلقى بالأسئلة الكبرى حول هذه المسألة. أن ينظر في محتوى الكتابات هذه وأهدافها انطلاقًا من المسيرة التاريخية للدولة الحديثة.
II – بين أدب الوعط وتفتح الوعي ... وتشكل الكيان
ما ان عاد الزعيم بورقيبة من المنفى حاملا معه وثيقة الاستقلال الداخلي حتى بدأ يثير قضيّة المرأة التونسيّة ويدعو إلى تعليمها وتحريرها من جملة المعوقات التي تكبّلها، وكان في الأثناء يعدّ مجلة الأحوال الشخصيّة التي أعلى عنها رسميا في 13 أوت 1956، أي بعد 4 أشهر فقط من التوقيع على وثيقة الاستقلال التامّ، ولم يكن ذلك عجيبا في وطن مثل تونس عرف فكرا إصلاحيا أصيلا منذ بداية المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما صدر أول دستور يقرّ بالحرّيات وحقوق الإنسان.
ولئن فشل تطبيق هذا الدستور فإنه غرس الروح الإصلاحية التي نشأ عليها عدد كبير من المصلحين أمثال محمد بيرم التونسي وخير الدين باشا وسالم بوحاجب. وهي الروح التي أهدت لتونس مناضلا فذًّا من أجل حرية المرأة ألا وهو الطاهر الحدّاد. وشاعرا كبيرا مؤمنا بالحرية وبالمرأة ألا وهو أبو القاسم الشابي وكلاهما ظهر في نهاية العشرينات وذاع صيته بسرعة لما في أعماله من جرأة وخاصّة الطاهر الحدّاد الذي كان وراء ظهور بعض النساء اللاتي قرّرت النضال من أجل الحرية والمساواة.
لم يكن من السّهل على نظام جديد بدأ يتأسس على أنقاض الاستعمار الفرنسي والإدارة الملكيّة التي تعود إلى "هيمنة" الباي الواقعة تحت الحماية الفرنسيّة، أن ينجح في توعية الشعب بضرورة الأخذ بما جاء في مجلة الأحوال الشخصيّة من قوانين جديدة تحمي المرأة وتسويها بالرجل في جلّ مجالات الحياة ان لم تواكبها حركة أدبيّة وفنيّة على أوسع نطاق، تلعب دور التوعية وتنشر القيم الجديدة الداعية إلى تحرير المرأة وتعليمها وتشغيلها، وتشريكها في الحركة الاجتماعية والاقتصادية وإخراجها من سجن البيت إلى فسحة الحياة الرحبة دون أن ننسى إعطائها حق الانتخاب مثلها مثل الرجل.
لقد انطلقت السيّدة ناجية ثامر، والسيدة هند عزّزو عبر بعض الصحف، وعبر الإذاعة في مساندة حركة التوعية الشاملة بالقيم الجديدة التي جاء بها الاستقلال ورسخّتها الجمهورية التي قامت يوم 25 جويلية 1957 في لحظات مشهورة لا يمكن لأي كان أن ينساها ان كان شاهدا عليها أو متفاعلا معها أو كان من المستفيدين منها وهم الذين ولدوا في بداياتها.. أو من الأجيال التي جاءت فيما بعد والأجيال الآتية...
إنها قيم الحرية والمساواة، ومبادئ العمل والانتصار على الخنوع والتواكل، ومبادئ التقدم والتحديث.
ولا يمكن لهذه القيم أن تترسخ وتنغرس في الأذهان، إلاّ بنشر التعليم، وبنشر الثقافة في شتى مجالاتها.
التعليم للجميع.. والثقافة للجميع.. والحريّة للجميع.. والوطن للجميع.
والتحقت البنت بالتعليم، وهذه ابنة الاستقلال والجمهورية هي التي أصبحت فيما بعد عروسيّة النالوتي، وخيرة الشيباني، و جميلة الماجري ثم تطوّر التعليم وتوسّعت المعاهد.. والجامعات وأصبحنا اليوم نقرأ لعشرات الكاتبات.. وأصبحنا نتحدث عن الخصوصيات وتطرح الأسئلة الكبرى التي أصبحت جريئة ربما مازالت تصدم بعض العقول التي قد تكون تؤمن بحرية المرأة وتحبّ ما تكتبه إلاّ ما "خرج عن الأدب".
لا يمكن إذن أن ننسى أنّ "الإبداعات" الأولى التي كانت ولو صدرت بفنيات بسيطة ولغة ينقصها الثراء فإنها لعبت دور توعية الرجل والمرأة على حدّ سواء.
الحقيقة أن كتّابا من مثل محمد المرزوقي وإبراهيم عبد الباقي ومحمد العروسي المطوي قد ساهموا بالقصص والتمثيليات في معاضدة مشروع الدولة الحديثة في نشر القيم الجديدة في الأوساط الاجتماعية والسياسية ففي البداية لم يكن المجتمع مهيئا لتقبل الفكر الجديد وكان من الضروري أن يتحرك الأدباء لصياغة القصص والمسرحيات للتعريف بأهمية التعليم والحرّية، ولاستهجان الجهل والظلم والاضطهاد.. وهذه هي المعاني التي نستكشفها من قصص ناجية ثامر وهند عزوز.
هذه القصص دعت المرأة والرجل على حدّ سواء إلى التعليم وأشادت بالحريّة.. وأرشدت المجتمع إلى ما هو خير.. ودعتهم إلى نبذ ماهو شرّ، (2).
وضمن القصص هناك حديث عن مخاطر الطلاق.. ومخاطر الجهل، ونبذ العنف (2ب) تلك هي المرحلة الأولى في الكتابة النسائية.
III – المساواة ...والانعتاق..
إذا كانت المرحلة الأولى في الكتابة النسائية هي مرحلة التوعية في أدب قصصي قد اتّسم بالبساطة في التعبير مع تقريريّة قد تكون ممجوجة أدبيا وفنيّا. فإن المرحلة الثانية مع حياة بن الشيخ وفاطمة سليم ونافلة ذهب وليلى مامي هي مرحلة الدعوة إلى المساواة.. والإشادة بالإنعتاق.
فاطمة سليم نشرت كتابها الأول وهو مجموعة قصصيّة بعنوان "نداء المستقبل" (دار الكتب الشرقية) عام 1972، ولكنها بدأت بنشر قصصها في منتصف الستينات، مثلها مثل حياة بن الشيخ ونافلة ذهب وليلى مامي.
هذا الرباعي عبّر بوضوح تام أن منتصف الستينات لم يعد منتصف الخمسينات فلم تعد القضايا نفسها، ولم تعد الكتابة وأساليبها هي نفسها، ولم يعد الزمن ولا سياقات المجتمع هي ذاتها.
لقد تحركت هند عزوز وناجية ثامر من منطلق نضالي من أجل معاضدة الدولة على ترسيخ القيم الجديدة في حين أن حياة بن الشيخ وفاطمة سليم ثم نافلة ذهب وليلى مامي تحركن من أجل ترسيخ القصة التونسية و إثباتها ضمن الخارطة الأدبية التونسيّة ذات المشهد الذكوري بنسبة تكاد تكون مطلقة.
انطلقت هذه الكاتبات في ممارسة القصة وهن في مرحلة الأولى من التعليم الثانوي، ثم التحقن بنادي القصّة بالوردية.. ووجدن أمامهم الطريق مفروشة بكل الأصوات الباحثة عن أدب نسائي في تونس، فالجرائد ترحّب بهن، والنوادي مبتهجة بحضورهن وعضويتهن.. والمجلات فتحت صفحاتها لهن مع الإشادة والتصفيق بل أن ليلى مامي أصدرت مجلتها الخاصة بعد أن نشرت في مجلة المرأة الناطقة باسم الاتحاد النسائي التونسي.
وما هو واضح من خلال ما نشرته هذه الكاتبات أنهن أصبحن يناضلن من أجل فرض كيانهن واحتلال الموقع الذي تستحقه المرأة وذلك في قصص وروايات ارتقى أسلوبها من تقريرية مجحفة إلى صياغة فنيّة لا تخلو من إبداع وهو أمر ينمّ عن مستوى تعليمي متطوّر، وعن إطلاع جيّد على كتابات تونسيّة وأخرى قادمة من الشرق العربي كان لها التأثير الكبير عليهن.
لم تعد فاطمة سليم أو ليلى مامي، أو حياة بن الشيخ ينشدن الحرية و يؤكدن على أهمية هذه الحرية، وأهمية التعليم وأهمية هند عزوز وناجية ثامر بل نهن أصبحن يدافعن عن هذه القيم كمكاسب ويندّدن بالرجل الذي يرفضها.
حياة بن الشيخ في مواقع كثيرة من قصصها في كتابيها "بلا رجل" و "غدا تشرق شمس الحرية" ثائرة على الرجل حدّ النقمة، فهي تريده أن يتحرك أكثر، وأن يخرج من تقوقعه وأن يكون مساندا للمرأة.. مسايرا للنهضة التي تعيشها.
وقصص فاطمة سليم في مجموعتيها "نداء المستقبل" و"تجديف في النيل" تمثل بداية وعي بالشراكة مع الرجل، من خلال قصص حبّ، أو مواقف اجتماعية.
أمّا ليلى مامي فهي كانت قريبة جدّا من روح الطليعة الأدبية..لها رغبة واضحة في أن تتموقع على الساحة النقابية وأن تفتك مكانها من الرجل وأن تنحت كيانا ينافس الرجل. وقصصها في "صومعة تحترق" تَنَْضَحُ بالثورة والرغبة في تغيير أوضاع المرأة.
وإحقاقا للحق فإن الكاتبة نافلة ذهب كانت متطوّرة في أسلوبها وفي القضايا التي تطرحها في مجموعتها القصصية الأولى وربما يعود ذلك إلى أنها أنهت تعليمها الجامعي مع نوعيّة خاصّة لهذا التعليم، فهي حقوقيّة نالت الإجازة في القانون.
ويمكن أن نعتبر نافلة ذهب هي الحلقة الحقيقية التي أنشأت المرحلة الأدبية الثالثة في الكتابات النسائية الجديدة التي تبلورت في النصف الثاني من السبعينات على إثر نشر مجموعة قصصية بعنوان "البعد الخامس" للكاتبة عروسية النالوتي.
ونقول بأن نافلة ذهب حلقة حقيقية في الربط مع الجيل النسائي الجديد ومنه عروسية النالوتي لأنها ستتطوّر في قصصها... وما نشرته في التسعينات وفي بداية الألفية الثالثة ويؤكد أنها تحمل رغبة واضحة في التحديث السردي وهي تتبني مفاهم الحداثة لا في الكتابة القصصية والروائية فحسب بل أيضا في الفكر والسياسة.
الكاتبة عروسية النالوتي منذ مجموعتها القصصية الأولى، ثم روايتها "مراتيج" و "تماس" لا تهدف إلى النوعية، ولا تحمل رسالة تريد من خلالها ترسيخ أدب نسائي..إنها كاتبة وحسب، وهي في نصوصها الإبداعية كما في تصريحاتها ترفض أن تحشر في الكتابة النسائية وتدعو إلى أدب تونسي عربي ليس فيه ذكورة و لا أنوثة، أي أدب ذكوري وأدب أنثوي.
لقد تبنت ابنة الجامعة التونسيّة، وابنة قسم العربية عروسية النالوتي قيم الحداثة وهي لا تدافع عنها بل تمارسها، وهي في تبنيها للفكر المتطوّر الفاعل والمغيّر لا تحسّ باضطهاد الرجل، بل هي تعيش المجتمع وتنتقد مظاهره السيئة المختلفة التي تتسبب في اضطهاد الرجل و المرأة على حدّ سواء.
فالرجل عندها ليس بالضرورة مخلوقا لاضطهاد المرأة، إنما المجتمع هو الذي يدفعه إلى أن يكون كذلك لأنه مضطهد أصلا ولذا لا بدّ من أن يتبنى المجتمع القيم الحديثة إلتي تخرجه من الدعوة إلى التحرر إلى التحرّر الحقيقي، ومن الإيمان بالديمقراطية إلى ثقافة ديمقراطية حقيقية فكرا وممارسة.
وبما أن عروسية النالوتي عاشت فكرة صعود اليسار بقيمه الاشتراكية وأفكاره الثائرة التغييرية.. ثم عاشت فترة انهياراته فإنها كتبت رواية "مراتيج" لتبحث عن أسباب هذه الانهيارات في مجتمع يحتاج دوما إلى الثورة وإلى الأفكار التحديثيّة والتغييرية.
الناقد الكبير محمود طرشونة يعتبر عروسية النالوتي صوتا مخالفا في الأدب التونسي وهو الصوت العالي الذي جاء بكاتبات من مثيلات عليا التابعي "في زهرة الصبّار" فهذه الكاتبة تحدثت عن اليسار هي الأخرى وبحثت في أسباب انهياره في تونس مؤكده أنه يحمل تنظيرات لم تستطع مواكبه حقيقة المتغيرات الاجتماعية والواقع الحضاري التونسي.
وهنا لا بدّ أن نذكر أن آمنة ابن الحاج يحي التي تكتب بالفرنسية، ثم هالة الباجي.. وفوزية الزواري اللتين اختارتا الفرنسية والعيش في فرنسا نهائيا "ناضلت" من أجل التحديث في تونس، ومن أجل ممارسة الفعل ولا فقط المطالبة به. لكن لا بدّ من أن نشير إلى أن تأثير الإبداع المكتوب بالفرنسية في المجتمع التونسي غير ذي بالٍ.. ولكن لا يمكن أن نتجاوزه فهو جزء من الإبداع التونسي بشكل أو بآخر.
IV – تحولات المجتمع والحداثة...
لقد جاء التغيير في نهاية الثمانينات بتونس للمحافظة على المبادئ التي قام عليها الاستقلال ولترسخ قيم الجمهورية، تلك المبادئ وتلك القيم التي كادت تندثر في نهايات حكم الزعيم بورقيبة لتزايد الأخطاء السياسية، وهو ما عبّرت عنه الكثير من القصص والروايات التونسيّة.
فليس من قبيل الصدفة أن تزدهر الرواية في تونس منذ بداية التسعينات و تأتي معها بروايات نسائية كثيرة.
والحقيقة أن الرواية في تونس ظهرت بشكلها الكلاسيكي منذ عام 1956، وهي "ومن الضحايا" للكاتب محمد العروسي المطوي صاحب "حليمة" لكن كان يحب أن ننتظر عام 1983 لتخرج أول رواية كتبتها امرأة وهي السيّدة زكية عبد القادر المعروفة في الوسط الفني باسم "وفاء" وهذه الرواية هي "آمنة". وهي "تجمع في متنها خصائص كل تجربة أولى، هي أوّل رواية نسائية في تونس، وأوّل رواية للمؤلفة وآخرها مع الأسف، وهي متردّدة بين صفاء هذا الجنس الأدبي ومزجه بالسيرة الذاتية وبين بلاغة اللغة وعثراتها وفصاحة الحوار ودارجته، وهي شهادة تبشر بميلاد الرواية النسائية بتونس بمحاسنها وعيوبها (3).
لكن الحقيقة التي نخالف بها رأي الأستاذ محمود طرشونة أن هذه الرواية لم تكن أمّ الروايات النسائية التي جاءت بعدها.. فالأمّ الشرعية لهذه الرواية هي القصّة النسائية للكاتبات اللاتي ذكرتهن في البداية وهن حياة بن الشيخ ونافلة ذهب وفاطمة سليم وعروسية النالوتي وليلى مامي ذلك أن زكية عبد القادر لم تكتب القصّة وبدأت برواية لم تردفها بثانية، في حين أن عروسية النالوتي التي جاءت روايتها على إثر "آمنة" وهي بعنوان "مراتيج" هي في نفس مسارها الأدبي والفكري جاءت "ناضجة" أدبيا ومتطورة فكريا وجريئة سياسيا. وهي الرواية التي أنشأت روايات نسائية في تونس تتمتع بالنضج.
وليس من قبيل الصدف أن تأتي روايات كثيرة بداية من التسعينات فلقد عمل التغيير على فسح مجال النشر ودعم الكتاب وإلغاء الرقابة المسبقة بالإضافة إلى تزايد عدد الكتاب في الثمانينات وهو ما سيثري التسعينات وبدايات العشرية الأولى من الألفية الثالثة.
لقد عبرت عليا التابعي بكلّ وضوح من خلال روايتها "زهره الصبّار" عن لحظة جديدة في حياة تونس بدأت عام 1987، فهي ترى أن كل الذين أمنوا بالتغيير والثورة في الستينات والسبعينات وحتى بداية الثمانينات كانوا منقطعين عن الواقع الاجتماعي والحضاري في تونس وبالتالي التغيير الحقيقي جاء على رأس النّظام وهو الذي أحدث التأثيرات الكبرى في المجتمع.
لكن أولئك الذين آمنوا بالثورة وبالتغيير لم يكونوا على الهامش فيها بعد ووجدوا مكانا لهم تحت شمس المجتمع الجديد في تونس التي بدأت مع التسعينات ترسّخ ثقافة للديمقراطية والحرية وكامل حقوق الإنسان من أجل أن تكون الممارسة لها حقيقة وفاعلة وخلاقة ومبدعة.
تلك هي القيم التي ظهرت بشكل أو بآخر في روايات نتيلة تباينية (طريق النسيان – 1993) وآمال مختار (نخب الحياة بيروت 1992) وعروسية النالوتي "تماس" (دار الجنوب – 1995) ومسعودة أبوبكر في رواية "ليلة الغياب" (دار سحر( - 1997 – وروايتها "طرشقانة ( دار سحر) 1999 ورواية حفيظة القاسمي "رشوا النجم علي ثوبي (دار صامد 2000). ورواية "جمر وماء" لآمنة الوسلاتي، ورواية "دروب الفرار" لحفيظة قارة ببيان على نفقتها الخاصّة (2003).
كل هذه الروايات جاءت في أسلوب آخر، لم يغب عنها اضطهاد الرجل للمرأة..ولم يغب العنف والطلاق ولكن جاء كل ذلك في لغة جديدة ونكهة أخرى مع قناعات واضحة بفكر حداثي وإيمان عميق بالتجديد المتواصل، مع ثراء روائي ناتج عن فهم حقيقي لتطوّر المجتمعات وناتج عن إطلاع على ما يجري في العالم من متغيرات كبرى، وقضايا الحوار بين الشمال والجنوب وبين الفقراء والأغنياء وبين الشعوب المتقدمة والشعوب النامية أو المختلفة.. وهذه قضايا لم تكن موجودة في الروايات التي صدرت في الثمانينات مثلا للكاتب بلا تخصيص.
ويجب أن نشير أن الروايات التي صدرت من عام 2004 إلى 2007 مثلا لكاتبات مثيلات آمال مختار ومسعودة أبو بكر ونجاح زقية وبسمة البوعبيدي، وإلهام بوصفارة وحفيظة القاسمي جاءت على النفقة الخاصّة بنسبة تكاد تكون مطلقة.. وهذا العنصر (النشر على النفقة الخاصّة) شجع على توسيع نطاق الحرّيات وأصبحنا نتحدث بجرأة في تونس عن مسائل جديدة تتعلق بالجنس وبالجسد، وبالآخر، وهي مسائل لم تكن مطروحة تماما في الدولة التونسية أو هي مطروحة بشكل ليس محوريّا.. والطريف أن جلّ الرّوايات النسائية الصادرة في التسعينات والسنوات الأولى من الألفيّة الثالثة طرحت مسألة الجسد بجرأة وبحدّة كما أن بعضهن خضن بوضوح مسالة قضية الجنس مثل آمال مختار و مسعودة أبو بكر والهام بصفارة.
اليوم لنا في تونس 35 رواية نسائية.. وحوالي 75 مجموعة قصصيّة نسائية.. وبالتالي فإن الرصيد أصبح كافيا للدراسات الكبرى والبحوث المعمقة والأسئلة الحارقة.
وهنا نشير إلى أن الناقد بوشوشة بن جمعة طرح قضايا الرواية النسائية في المغرب الكبير منذ بداية الألفية الثالثة وخصّ عروسية النالوتي، وعليا التابعي وآمال مختار بفصول كاملة..ثم أصدر محمود طر شونة كتابا عاما عن أعلام الرواية في تونس وأردف 2004 بكتاب "نقد الرواية النسائية التونسية في تونس".
وقد توضحت لدى طرشونة مسالة الإبداع الروائي النسائي بكل تفرّعاتها وانطلاقا من قضاياها وهو يسأل "وبعد هل من صالح الكتابة النسائية أن تبحث عن الخصوصية والتميز والاختلاف؟ لهذه في الواقع مطامح يشترك فيها الرجال والنساء لتحقيق غاية أهمّ هي التجاوز والامتياز، تجاوز المعهود من الأشكال والمبتذل من المعاني والامتياز لتأسيس رواية عربية جديدة تختلف عن الرواية العربية التقليدية.... لذا نرى أنه من الأجدى أن تتحوّل إرادة التميّز إلى إرادة الامتياز، وهذه يشترك فيها الجنسان، امتياز الأدب النسائي الرديء وبالنسبة إلى الأدب الرجالي الرديء...".
ذلك على المستوى النقدي والنظري في الرواية، أما على المستوى التاريخي إننا نقول إن السرديات النسائية التونسية هي وليدة الاستقلال والجمهورية وابنة قيمتها الحديثة..، وهي في تطوّرها تواكب مسيرة البلاد لكن بأشكال مختلفة تخرج عن الالتصاق بالدفاع عن المبادئ إلى دخول عمقها الحضاري.. واقتحام التخوم والمجاهل التي لم يرتع فيها الأدب من قبل.
**************************
المراجع:
(1)محمود طرشونة.."نقد الرواية النسائية في تونس" عن مركز النشر الجامعي -2003. (التمهيد).
(2)هند عزوز –"في الدرب الطويل" الدار التونسيّة للنشر 1969 – ص 34.
(2ب) نفس المصدر.
(3) محمود طرشونة – نقد الرواية النسائية في تونس". (راجع1).
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>