مثّلَ قناةً أساسيةً لترسيخ قيم الجمهورية:
أدوار التعليم و رهاناته في تونس الحديثة

د. الحبيب الدرويش
أستاذ علم الاجتماع- كلّية الآداب و العلوم الإنسانية بصفاقس
نائب رئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع

I - الدولة الفتية و المراهنة على التعليم

أبدت النخبة التونسية التي تولّت مقاليد الأمور غداة الاستقلال و أعلنت إثره قيام النظام الجمهوري رغبة كبيرة في تحديث المجتمع و تحقيق تنمية كانت شبه غائبة معتمدة في ذلك على عمل تشريعي ضخم مسّ مختلف قطاعات المجتمع إلى جانب المراهنة على التعليم الذي اعتبرته هذه النخب آلية مهمّة تساعد على إحداث جذبة فوقية للمجتمع التونسي وتمكّن من إنجاز مشروع التحديث و بناء النخب الضرورية لعملية التنمية و التقدّم.

لقد حصلت قناعة لدى النخب الوطنية التونسية أنه لا يمكن الانخراط في مشروع تنموي دون إعطاء دور أساسي للتعليم فيه ذلك أنّ بلدا متكوّنا من أفراد غير متعلّمين لا يمكن أن ينعم باستقلال حقيقي 1، لذلك اعتُبِرت مهمّة الرفع من مستوى الموارد البشرية الهدف الرئيس في المشروع التنموي التونسي.

و انطلاقا من هذه الخلفية التحديثية المتّخذة من التعليم منهجا و هدفا كان لتجربة البناء الوطني بتونس خصوصية إذ قدّمت نفسها مشروعا تنمويّا ينهض على مبدأ بناء الذات و الرفع من مستوى حياة الأفراد المادية و المعنوية من خلال توسيع فرص العمل والاستثمار و التكسّب وتعميم ثقافة متجانسة تتوفّر على الطاقة الإدماجية الكافية لصهر التونسيين ضمن بوتقة واحدة تُعزّز قيم الوطنية و المواطنة و تكون بديلا عن تلك الثقافات الفرعية و الجهويّة و الانتماءات القبلية، و هذا يعني أنّ رهانات التعليم التونسي الحديث اتخذت بعديْن:

- بعدا تقنيا إجرائيا يتمثّل في تركيم المعارف و التقنيات التي تساعد على توفير المهارات اللازمة لتنفيذ المشروع التنموي و توسيع النسيج الاقتصادي و توفير فرص العمل و سبل الرفاه.

- بعدا إنسانيا حضاريا يتضمّن مهمّة الرفع من مستوى الأفراد و تغيير صورة المجتمع من خلال نشر ثقافة العقلانية و التفكير بالسببية التي من شأنها أن تحاصر التفكير الخرافي والتقاليد البالية و تمهّد الطريق لنحت معالم مجتمع يثمّن العلوم والمعارف و يتفتّح على المجتمعات الأخرى ليعطيها و يأخذ عنها.

ليس غريبا إذن أن تصدر تونس منذ السنوات الأولى للاستقلال (04 نوفمبر 1958) قانونا ثوريا في مجال التعليم تحدّدت أهدافه كالآتي 2:

ـ تزكية الشخصية وتنمية المواهب الطبيعية عند جميع الأطفال ذكورا وإناثا بدون أي تمييز بينهم لاعتبار جنسي أو ديني أو إجتماعي..
ـ المساهمة في العمل على ترقية العلوم وتمكين جميع الأطفال من التمتع بفوائد ذلك الرقي.
ـ المساعدة على تنمية الثقافة الوطنية وتحقيق ازدهارها.
ـ إعداد الطفل للقيام بدوره كمواطن وكإنسان وتكوين الإطارات الصالحة الكفيلة بنمو النشاط الوطني على مختلف وجوهه وفي جميع الميادين.

لقد ارتكز قانون إصلاح التعليم على جملة من المبادئ الأساسية من مثل توحيد التعليم وجعله عصريا، إجباريا و مجانيا و هي مبادئ تنسجم مع طبيعة المرحلة التي واجهتها تونس كدولة ناشئة تسلّمت إرثا استعماريا ثقيلا اتسم بارتفاع معدّل الأمية و انخفاض نسبة التمدرس في صفوف الجنسين و خاصّة لدى الإناث .

و يمكن القول إنّ قانون إصلاح التعليم الذي أُعلِن بعد أكثر من سنتين على حصول الاستقلال و سنة واحدة على إعلان قيام الجمهورية قد أعطى أكله على اعتبار ارتفاع نسب التمدرس و تقلّص الفوارق بين الجهات و تمكّن الفئات الاجتماعية الواسعة من ولوج مجالات التوظيف واحتلال مراكز و مكانات في صلب هياكل الدولة و مؤسّسات المجتمع متّخذين من التعليم قناة للصعود الاجتماعي و تحسين المستويات المعيشية.

لكن ما ينبغي التنويه إليه هنا هو أنّ تونس واصلت على امتداد العقود الخمسة للاستقلال مراهنتها على التعليم و بالتالي تواصلت الخدمات التعليمية الموجهة للفئات الاجتماعية الواسعة وتتالت الإصلاحات التي تصبّ في خانة الرغبة في مواكبة التحوّلات المتسارعة إنْ في مجالات العلوم و التكنولوجيا أو في مجالات المال والأعمال و الاقتصاد و أشكال العمل. و لئن مثّلت المراهنة على التعليم خيارا ثابتا فإنّ التغيّرات ظلّت تمسّ نوعيّة البرامج التعليمية و مضامينها وهي ميزة تنسجم مع التوجّه الانفتاحي المرن الذي ما فتئت تونس تعبّر عنه.

لقد بدا واضحا في الخطاب الرسمي التونسي الحالي وجود قناعة راسخة في أنّ الأخذ بأسباب المعارف الجديدة التي أعطتها الوسائل الحديثة للإعلام و الاتصال أبعادا أخرى يُعدّ الشرط الرئيس لتحقيق التنمية المستديمة و مواكبة التحوّلات الحديثة المتّسمة بتنامي تيار عولمي ينحو إلى إعادة تشكيل الزمان و المكان ويتّجه على إنتاج عالم تتشابك فيه الاتصالات و التبادلات المادية و الرمزية. و ترجمةً لهذه القناعة أَوْكلت تونس للتعليم مهمّة تنمية القوى البشرية و توفير المحيط الملائم للإبداع والجودة و المحافظة على التدفّق المجاني للمعرفة. و لعلّ هذه الوظائف تتّفق مع تلك التي تضمّنها تقرير "نادي روما" الذي حدّد الوظائف الأساسية للتعليم في الجوانب التالية:

- اكتساب المعرفة

- بناء الذكاء و تنمية القدرات و بناء القدرات العقلية

- تنمية معرفة الذات وإدراك الفرد مواهبه و حدوده

- تعليم كيفية التغلّب على النزوات غير المرغوب فيها

- إيقاظ القدرات الخلاّقة و الإبداعية لدى الفرد

- تعلّم كيفية الاضطلاع بدور مسؤول في حياة المجتمع

- تعلّم كيفية الاتصال بالآخرين

- تمكين الفرد من التكيف مع التغيرات و الاستعداد لها

- تمكين الفرد من اكتساب رؤية شاملة للعالم

- تدريب الفرد لكي يصبح عمليا و قادرا على حلّ المشكلات 3

نستطيع القول دون مبالغة أنّ هذه الوظائف المسنَدة إلى التعليم من قِبَل تقرير "نادي روما" هي ذاتها التي تضمّنتها السياسة التعليمية التونسية قولا و ممارسة و هو ما جعل التعليم عنصرا مؤثّرا في المشهد التونسي ثقافيا و معرفيا و اجتماعيا واقتصاديا... . فقد ساهم في تقديم جيل من المتعلّمين المتشبّعين بقيم العقلنة والحداثة و الاعتدال و هي قيم تعبّر عن روح النظام الجمهوري الذي اختارته تونس و عن معاني التوجّهات التي تبلورت خاصّة في المبادرة و السلوك الحضاري.

هكذا إذن بدا التعليم التونسي في المستوى الإجمالي ( Macro ) حمّالا لمشروع مجتمعيّ اضطلع به بامتياز، و المؤشرات الكمّية و الكيفية تدلّل على النقلة النوعية التي تحقّقت في مختلف قطاعات المجتمع، أمّا إذا حاولنا تناول المنظومة التعليمية في المستوى الإفرادي Micro) ) فإنّ عدّة قضايا تبرز، وهي تحتاج إلى المعالجة المستمرّة مسايرةً العشريتين الأخيرتين المتمثّلة في السعي إلى تنشئة الأجيال على حبّ المعرفة و نبذ التعصّب وتحمّل المسؤولية و التحلّي بروح لواقع متحرّك، وقد اخترنا في هذه الورقة التطرّق إلى قضيّة التشغيل و هي قضيّة مهمّة طالما مثّلت هاجس الدول والحكومات محاولين ربطها بالتعليم العالي بغرض الوقوف على دور الجامعة التونسية خلال المرحلة الراهنة فيما يتصل بتوفير الحلول لتحريك سوق الشغل و توفير الأنساق التشغيلية القادرة على الاستجابة لحاجات المجتمع وإدماج طالبي الشغل خاصّة إذا علمنا أنّ الجامعة كانت من المؤسّسات المتميّزة التي طالما انخرطت في برامج التنمية واعتمدت عليها الدولة في تعزيز مكاسب الاستقلال و إيجاد الحلول للمشاكل و الصعوبات التي تواجهها كتلك التي فرضها النظام العالمي الجديد، فكيف السبيل إلى تحقيق تواصل بين الجامعة ومحيطها يمكّن من استيعاب الخرّيجين والاستفادة من طاقاتهم ويساهم في تسهيل انخراط تونس في ما صار يُعرَف بالاقتصاد المعولم ؟

II - الجامعة و مسألة التشغيل بتونس

أمام التحوّلات اللافتة التي شهدها العالم مع تسارع نسق العولمة في بداية هذا القرن وجدت تونس نفسها مدعوّة أكثر من أي زمن مضى إلى مزيد الانخراط في علاقات التبادل الحرّ خاصّة مع الاتحاد الأوروبي. ويمكن القول إن هذه الوضعية الجديدة تقتضي توفير شروط الاندماج والمنافسة والجودة وهي رهانات تبدو موكولة إلى مؤسسات المجتمع بمختلف تخصّصاتها . في هذا الإطار تبدو مساهمة التعليم العالي ضرورية للإجابة على مختلف الإشكاليات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تطرحها التحوّلات الجديدة، فهذه المهمّة تبدو نظريّا في متناول المؤسّسات الجامعيّة التي إليها تعود مسؤولية توفير المعارف والمهارات ووضع المعايير وتحقيق الجذبة الفوقية المطلوبة لصعود أيّ مجتمع - كما سلف وأشرنا- . في المقابل، يمكن لهذه الإمكانات والفرص الكامنة في التعليم العالي أن تتلاشى ولوظيفة الجامعة أن تتعطّل إذا لم يتوفّر الإطار الملائم لاحتضان الكفاءات الجامعية واستثمارها، و في هذه الورقة تُطرَح علاقةُ التعليم العالي بالتشغيل في تونس من زاويتين:

- الأولى تتعلق بمدى قدرة المجتمع التونسي ( الجهات الرسمية و قوى المجتمع المدني) على خلق أنساق تشغيلية وآليات إدماجية جديدة تمكّن الأعداد المتزايدة من الخرّيجين من ولوج ميدان الشغل والخروج من حالات البطالة المستمرّة أو البطالة المقنّعة.

- الثانية تتصل بمسائل التوجيه الجامعي والتجديد البيداغوجي لجعل الجامعة في قلب القضايا الاجتماعية والاقتصادية الراهنة. بعبارة أخرى نتساءل من هذه الزاوية عن أهميّة تطوير شعب التعليم العالي ذات الطابع المهني وهو موضوع يمثّل اليومَ قطب الرحى و مركز النقاش في مشروع إصلاح التعليم العالي بتونس.

1- التعليم و سوق الشغل في تونس: عرض توصيفي

سبق و أشرنا إلى أنّ المنظومة التربويّة التي اعتمدتها تونس إثر حصولها على الاستقلال وشروعها في عمليّات التنمية و البناء الوطني كانت متأسّسة على مبدإ تعميم التعليم و مجانيته للرفع من مستوى المواطن و تخليص المجتمع من إرث استعماريّ ثقيل متّسم بتفشّي الجهل و الأمّيّة ، و قد بُذلت لأجل تنفيذ هذا التوجّه الحضاري جهود لافتة تجد تعبيراتها في ارتفاع ميزانيّة التعليم من مجموع ميزانيّة الدولة التونسية مقارنة مع غيره من القطاعات، و قد تحقّقت بفضل تلك الجهود مؤشّرات جيّدة من مثل ارتفاع نسبة التمدرس و تراجع نسب الأمّية حتّى صرنا نتحدّث عمّا يُسمّى بظاهرة "الانفجار المدرسي" L'explosion scolaire في إشارة إلى الطفرة التي عرفتها تونس فيما يتعلّق بأعداد المتعلّمين و الخرّجين كتتويج لسياستها التربويّة ذات البعد الشعبي ، لكنّ هذه الطفرة الإيجابيّة حفّت بها بعض الصعوبات المتّصلة بمسألة تشغيل الخرّيجين و استثمار طاقاتهم،وهي صعوبات اتّخذ نسقها منحى تصاعديّا.

تقتضي الإحاطة بسوق الشغل عموما القيام بعمليّة توصيف لها بالاعتماد أساسا على بعض الإحصاءات المتّصلة بمفاهيم من مثل اليد العاملة النشيطة، التشغيل، البطالة وغيرها....، هذه المفاهيم تمكّن من فهم خصائص سوق الشغل وتطوّراته في الزمن والفضاء بالإضافة إلى تبيّن الرهانات الكبرى المتصلة به 4.

وبالعودة إلى سوق الشغل بتونس نجد أنّها شهدت تحوّلات عميقة إنْ في المستوى الكيفي أو الكمّي:

ففي المستوى الكيفي شهد العقد الأخير من القرن الماضي تبدّلا في نوعية طالبي الشغل ، فقبل هذه الفترة كان أغلب طالبي الشغل من سنّ تحت العشرين سنة و ذلك بسبب تفشّي ظاهرة الانقطاع المبكّر عن التعليم بالإضافة إلى اعتماد المنظومة التربويّة آنذاك على شُعَب التعليم الثانوي المهني و شُعَب التعليم التقني كإحدى قنوات الإعداد للحياة المهنية، و هي شُعَب أفضت إلى بروز شريحة من الخرّيجين الباحثين عن شغل لا تتجاوز أعمارهم العشرين سنة ،هذا بالإضافة إلى كونهم من ذوي التحصيل العلمي المتوسّط و المهارات المتواضعة بالنظر إلى قصر المدّة المقضّاة للدراسة و التأهيل المهني ( ثلاث سنوات بالنسبة إلى التعليم الثانوي المهني و ستّ سنوات بالنسبة إلى التعليم التقني منها ثلاث سنوات تعليم ثانوي طويل قبل التوجيه نحو التعليم التقني الذي تؤمّنه ما كان يُعرف بالمعاهد الفنّية) و إلى وقوع هذه المنظومة في خطإ الإغراق في التكوين النظري الجافّ و ضعف التكوين المهني وهو ما لم يهيّئْ المتعلّم كما يجب للحياة المهنية و بالتالي صعّب عمليّة ولوجه سوق الشغل لتعاطي عملٍ مأجور، كما جعل من إمكانية مشاركته في الفعل المشاريعي من خلال عملٍ مستقلّ أمرا عسيرا.

ويبدو أنّ مسألة التكوين المهني قد مثّلت هاجسا مستمرا بالنسبة إلى الجهات الرسمية المكلّفة بشؤون التربية و التعليم في تونس، يتجلّى ذلك من خلال تعدّد تلك التجارب المعبّرة عن التردّد و ذلك السعي المستمرّ من أجل التوفّق إلى منظومة تعليمية وثيقة الصلة بالحياة المهنية و الواقع الاجتماعي المتحرّك، فقد كان "التكوين المهني" ضمنيّا من مشمولات وزارة التربية خلال العشريات التنمويّة الأولى قبل أن تُنشَأ لأجله خلال عشريّة التسعينات من القرن الماضي وزارةٌ تُسمّى "وزارة التكوين المهني و التشغيل" لينفصل عنها في السنوات الأولى من القرن الواحد و العشرين و يعود إلى وزارة التربية التي صارت تُسمّى " وزارة التربية و التكوين" في حين تغيّرت تسمية الوزارة الأخرى لتصبح " وزارة التشغيل و الإدماج المهني للشباب" كما أُدمج عنصر" العمل المستقلّ" ضمن تسمية هيكل وطنيّ تابع لها و هو " الوكالة الوطنيّة للتشغيل و العمل المستقلّ".

إنّ مسائل من مثل تغيير اسم وزارة أو إدماج عنصر جديد من ضمن تسمياتها لا يجب أن تؤخذ على أنّها تلاعب بالألفاظ أو تأنّق في اللّغة بل هي تعبّر عن توجّهات حقيقيّة و عن وعي متعاظم بضرورة ترسيخ قيم جديدة في المنظومة التعليميّة الحاليّة تقوم على تثمين العمل التقني و العمل المستقلّ و هي قيم عانت – إنْ بقصد أو دونه – من التهميش و اللاّمبالاة خلال العشريّات الثلاث الأولى التي عقبت الاستقلال.

ويمكن القول إنّ بخس ما هو تقنيّ يدويّ تعود جذوره إلى ثقافة اجتماعية موروثة راسخة عبّر عنها ابن خلدون أحسن تعبير في الفصل الخامس من المقدّمة الموسوم بـ"في المعاش و وجوهه من الكسب و الصنائع" 5وقد تجلّت في مستوى الممارسة في ذاك السلوك الذي كان يبديه العديد من أولياء التلاميذ الناجحين آنذاك في مناظرة السنة السادسة من التعليم الابتدائي و الموجَّهين للتعليم الثانوي المهني، فقد كان هؤلاء يرابطون أمام المعاهد و الإدارات الجهويّة للتعليم أملا في تغيير توجيه أبنائهم نحو التعليم الثانوي الطويل لاعتقادهم أنّه الضامن الأمثل للحصول مستقبلا على وظيفة مرموقة و تحقيق الصعود الاجتماعي.

على أنّ تهميش التعليم المهني و التقني خلال الفترة المشار إليها ( العشريّات الثلاث الأولى من تجربة البناء الوطني) قد ساهمت فيه عوامل أخرى متّصلة بمضامين برامج التعليم المهني و التعليم التقني و بالآفاق المفتوحة لهما اجتماعيّا إنْ في مستوى التشغيل أو بعث المشاريع المهنية ، وهو ما جعل المضامين التعليمية فيما بين عشرتيْ الستّينات والثمانينات تتعرّض إلى النقد و المحاسبة و المراجعة على اعتبار أنّها لم تكن وثيقة الصلة بالحاجات الاجتماعية المتجدّدة من خلال إغراقها في التنظير على حساب التطبيق و الإعداد المهني.

من التحوّلات الكيفيّة الأخرى التي طبعت سوق الشغل الحالية بتونس هو ازدياد طلبات الشغل من قِبل أعداد كبيرة من النساء و الفتيات، فعمل المرأة صار يمثّل رهانا حضاريّا و توجّها رسميّا ثابتا، فلا غرابة أن يمثّل حضور المرأة ضمن اليد العاملة النشيطة أكثر من الربع، وهي نسبة مرشّحة للارتفاع خاصّة إذا علمنا أنّ نسبة الإناث في صفوف الطلبة تفوق نسبة الذكور، فإحصاءات سنة 2001 مثلا تؤكّد أنّ نسبة الطالبات هي في حدود 51.9 % من مجموع الطلبة 6 وهذه النسب آخذة في الارتفاع المطّرد سنة بعد أخرى فقد بلغت بعد سنتيْن (أي سنة2003) 55.1% 7 . لقد لمسنا تبدّلا في انتظارات التونسي من تعليم المرأة، فبعد ما كانت الغايات قديما تُختزل في الرغبة في التنشئة السليمة و رفع الأمّيّة و الإعداد الجيّد للمسؤوليّة العائليّة، صار طلب المرأة للعلم مدفوعا بالرغبة في الحصول على شغل و تحقيق الصعود في سلّم المراتبية الاجتماعية على غرار الرجل، ليس غريبا إذن أن يتطوّر متوسّط العمر عند الزواج الأوّل بالنسبة إلى المرأة التونسية من 19.5 سنة في عام 1956 إلى 26.2 سنة في عام 2002 8 على اعتبار انصرافها إلى التحصيل العلمي و العمل قبل الإقدام على الزواج .

أمّا عن بعض التحوّلات الكمّية التي تؤشّر على تزايد طلبات الشغل في تونس فهي تلك المتّصلة بارتفاع ظاهرة البطالة في صفوف أصحاب الشهائد، فالأرقام الرسمية تشير إلى أنّ عدد العاطلين في صفوف الخرّجين قد ارتفع من 6.3 ألف عاطل سنة 1994 إلى 21.1 ألف سنة 1999 و يُقدّرسنة2004 بحوالي50 ألف عاطل من مجموع 433 ألف عاطل أحصاهم التعداد العام للسكّان في أفريل 2004 9.

لقد بدا أنّ مبدأ الدولة التونسية بخصوص مسألة التعليم قد انتقل منذ التسعينات من القرن الماضي من رفع شعار " الحقّ في التعلّم" إلى شعار " الحقّ في النجاح" ما جعل أعداد الطلبة تتضاعف بصورة لافتة في السنوات الأخيرة بفضل بعض المرونة التي أُدخِلت على امتحان شهادة الباكالوريا، و في هذا الإطار يتنزّل ما صرّح به محافظ البنك المركزي التونسي توفيق بكّار في إحدى الندوات المنتظمة سنة 2006 بمناسبة إحياء الذكرى الخمسين للاستقلال:"كان بالإمكان أن نفرض حصّة معيّنة من الحاصلين على شهادة الباكالوريا لكنّنا اخترنا أن يدخل كلّ أبناء تونس إلى الجامعات دون استثناء، و مشكلة البطالة لا تقتصر على تونس و إنّما هي معضلة عالمية" 10. ويمكن التأكيد بكلّ تجرّد على صواب هذا التمشّي الذي لم يتّخذ من بطالة الخرّيجين ذريعة لتقليص أعداد المقبولين بالتعليم العالي على اعتبار أنّ ذلك سيؤدّي إلى بطالة ذوي المؤهّلات المتوسّطة الذين يصعب إدماجهم ضمن الأنساق التشغيلية الحديثة التي تقتضي الكفاءات العالية.

و لنا في الجدول الآتي ما يلخّص هذه الطفرة الكمّية التي عرفها قطاع التعليم العالي في تونس بعد حدوث تطوّر لافت في الإمكانات المادّيّة و البشريّة المسخّرة للتعليم فضلا عن تغيّر الرؤى و تأكيد مبدأ "الحقّ في النجاح" الذي عوّض ذلك الانتقاء الصارم عبر مختلف المناظرات و الامتحانات :


السنة الجامعية


عدد الطلبة


نسبة الطالبات

نسبة التمدرس في الفئة العمريّة 20-24 سنة

1956- 1957

2140

17%

0.5 %

1986- 1987

40830

36.7 %

5.7 %

2005- 2006

332000

59 %

35.5 %

المصدر: انظر الموقع الإلكتروني المحدَث بمناسبة الذكرى الخمسين لاستقلال تونس: www.independance.tn

(باب: المؤشرات 1956- 2006، ص2)

يبدو جليّا من خلال هذا الجدول أنّ عدد الطلبة بتونس تضاعف أكثر من 150 مرّة منذ الاستقلال، و هو ما يطرح تحدّيا حقيقيّا يتمثّل في التدفّقات العدديّة الكبيرة على سوق الشغل من بين الشرائح العمريّة الشبابية، و التقديرات تشير إلى أنّ حاملي الشهائد الجامعيّة سيمثّلون ثلثيْ طلبات الشغل سنة 2009 11 . لكنّ هذا التزايد في أعداد الخرّيجين من أصحاب الشهائد الجامعية اصطدم بانحسار سوق الشغل و تراجع الانتدابات في القطاع العمومي في ظلّ المنحى التصاعدي الذي اتّخذه انخراط تونس في الاقتصاد المعولم، هذا الانخراط الذي سرّع من نسق الخصخصة Privatisation و فرَض سياسة ما يُعرَف بتطهير المؤسّسات Assainissement التي ساهمت بدورها في تشريع اعتماد أسلوب تسريح العمّال كإحدى الحلول للضغط على النفقات و تجاوز الصعوبات و مجابهة واقع المنافسة الذي اقتضته الظروف العالميّة الراهنة المتّسمة بالتّخلّي التدريجي عن أسلوب الاقتصاد المحمي من قِبل الدولة. إنّ انضمام هؤلاء المسرّحين إلى صفوف العاطلين يُؤذِن بصعوبات اجتماعيّة جمّة، فالكلّ يعلم ما لظاهرة فقدان الشغل من آثار سلبية على الفرد و المجتمع سمّاها " Marcel Pochard " بـ " كارثة فقدان الشغل " بسبب معاناة فاقد الشغل من الإقصاء و التهميش و العوز المادّي 12، هذا إلى جانب كون المسرّحين سيكونون في وضع المزاحم الجدّي لطالبي الشغل من الخرّيجين الجدد على اعتبار ما يتوفّرون عليه من خبرة محبّذة لدى عارضي الشغل.

أمام هذه التحوّلات التي أشرنا إليها و التي بدت فيها سوق الشغل في تحوّل مستمرّ و متسارع إنْ كيفيّا أو كمّيّا، يُطرَح السؤالان الآتيان :

ما هي المسارات الجديدة التي اتّخذتها أنساق التشغيل في تونس؟ و أيّ دور للتعليم العالي في تفعيلها؟

2- أنساق التشغيل الجديدة و موقع الجامعة منها

أ- أنساق التشغيل الجديدة 13

ذكرنا آنفا أنّ تونس راهنت منذ السنوات الأولى للاستقلال على التعليم وأقرّت مجانيته و إجباريته ما أفضى إلى الحصول على مؤشّرات جيّدة تتمثّل في ارتفاع نسبة التمدرس، و اتساع قاعدة أصحاب الشهائد العليا. و اللاّفت أنّ تعامل الدولة مع الخرّجين في مجال التشغيل خلال السنوات الأولى من تجربة البناء الوطني لم يكن انتقائيا، فقد كانت قادرة على استيعابهم جميعا لسدّ وظائف ملحّة تحتاجها الدولة الناشئة. و تواصلَ انتداب الخرّيجين في القطاع العمومي بنسب مرتفعة إلى غاية أواسط الثمانينات من القرن العشرين حين بدأت ضغوط طلبات الشغل على القطاع العمومي تتفاقم مقابل هشاشةٍ في القطاع الخاصّ و بطءٍ في نسق توسيع النسيج الاقتصادي بسبب عدم ترسّخ قيم المبادرة و بعث المشاريع الخاصّة في ثقافة التونسي ( هذه القيم ستمثّل جوهر إصلاح التعليم العالي لاحقا). هذا الوضع تزامن مع بروز تحوّلات عميقة في المنظومة الاقتصاديّة العالميّة المتّسمة بهيمنة النموذج اللّيبرالي و سيادة اقتصاد السوق، و أمام هذه التحوّلات بدأنا نلمس تبدّلا في تدخّل الدولة، فقد شهد هذا التدخّل تقلّصا حوّلها إلى مجرّد طرف من ضمن أطراف أخرى داخل سوق الشغل ،وهي بهذا المنطق غير ملزمة بانتداب كلّ طالبي العمل، فهي تكتفي بانتقاء حاجتها من الكفاءات في القطاع العامّ لتترك البقيّة من طالبي الشغل يتقدّمون للمؤسّسات الخاصّة الإنتاجيّة منها والخدميّة، أو يسعَوْن إلى تأسيس مشاريع خاصّة في إطار ما يُعرَض عليهم من آليات إدماجية وأنساق تشغيلية تصبّ في خانة العمل المستقلّ الذي مازال أغلب الشبّان الخرّيجين لم يضعوا فيه ثقتهم بعد ، فالمشروع الخاصّ بالنسبة إلى البعض منهم لا يعدو أن يكون إلاّ حلاّ لجؤوا إليه اضطرارا لا اختيارا، وهذا السلوك يتباين مع المنطق الجديد للدولة الحاثّ على بعث المشاريع و تنشيط نسق المبادرات الخاصّة ، ولعلّ في هذا الإطار تتنزّل التوصيات الجديدة الداعية إلى ضرورة إدراج مادة " بعث المؤسّسات" في كلّ شعب التعليم العالي بما فيها شعب الآداب و العلوم الإنسانية أملا في أن يكون المتخرّج متشبّعا بفكرة بعث المشروع الخاصّ ملمّا بأساليبه و تقنياته، و حتّى لا يبقى رهن فكرة اللّهث وراء شغل قارّ (في القطاع العمومي خاصّة) .

إنّ القول بانحسار القدرة التشغيلية للدولة لا يعني استقالتها من هذا المجال و إنّما يعني تحوّلاً في السياسة التشغيلية التي صارت تعوّل أكثر فأكثر على حركيّة المجتمع المدني و تعتمد على تدخّلات الوسائط المستحدثة لإدماج العاطلين ضمن أنساق التشغيل مع محافظة الدولة على دورها الأساسي توجيها و مراقبةً، ها هنا يحضُرنا قول الباحث و السياسي التونسي "مصطفى الفيلالي "عندما أكّد على " أنّ سياسة التنمية المجدية و الأكثر توفيرا لمواطن الشغل، عمل إراديّ لسلطة مسؤولة، و ليس حصيلة آليات تلقائية لمنطق السوق، و أنّ هذا العمل الإرادي يبني الترابط و التناسق الصعب بين المؤشرات الأساسية للعمل الاقتصادي داخل معقولية متماسكة..." 14

من هذه الوسائط التي أحدثتها تونس تباعا في محاولة للتوفّق إلى صيغ تشغيلية و إدماجية تساعد على التكيّف مع المتغيّرات الجديدة و تخفّف من الضغط المتزايد للبطالة عامّة و بطالة الخرّيجين خصوصا نذكر:

- البنك التونسي للتضامن الذي تقرّر إحداثه في 21/05/1997

- الصندوق الوطني للتشغيل 21-21 الهادف إلى مساعدة أصحاب الشهادات من خِرّيجي الجامعات و مراكز التكوين المهني على الاندماج في أنساق التشغيل من خلال توسيع شبكة المشاريع و بالتالي اجتثاث فكرة الاقتصار على البحث عن عمل مأجور.

- الجمعيات التنموية المحلّية التي بلغ عددها 515 جمعيّة سنة 2005 (من مجموع 8852 جمعية بتونس) 15 وهي مكلّفة بإسناد قروض المشاريع الصغرى.

- بنك تمويل المؤسّسات الصغرى و المتوسّطة الذي تمّ إحداثه في شهر مارس من سنة 2005 كإحدى آليات تنفيذ برنامج يتمثّل في إنشاء 70 ألف مؤسّسة إلى حدود سنة 2009 أي بمعدّل 14 ألف مؤسّسة سنويّا .

لقد اتّخذت مسألة التشغيل بتونس أبعادا جديدة و بدت متأثّرة بالتحوّلات الداخليّة المتّسمة بالتغيّر الكمّي و خاصّة الكيفي في صفوف العاطلين بعد أن انضمّت إليهم أعداد وافرة من خرّيجي الجامعات، كما بدت متأثّرة بالتحوّلات العالمية، حيث أفرزت العولمة توزيعا جديدا للتخصّصات المهنيّة و ظهور مفاهيم جديدة للعمل من مثل العمل الوقتي (العرضي)، مرونة التشغيل، مرونة الأجور و غيرها من المفاهيم التي أكسبت مفاهيم العمل و البطالة أبعادا جديدة ألزمت الدولة بضرورة تبنّي مناهج تنمويّة جديدة تُغيّر من خلالها طرق تدخّلها الاجتماعي و تنوّع أساليب فعلها في المجتمع دون أن تستقيل أو تترك منطق السوق يُضِرّ بالشرائح الاجتماعيّة الواسعة و هي شرائح تنتمي إليها فئة الشباب الطالبي موضوع دراستنا. من هذه الزاوية تبدو مسؤولية التعليم العالي جسيمة، هذه المسؤولية تتمثّل في الكيفيّة التي تتوفّق من خلالها المنظومة الجامعيّة الحالية - في ظلّ التدفّقات العدديّة الكبيرة على سوق الشغل- إلى المساهمة في تأهيل الخرّيجين و إعدادهم لحياة مهنيّة تمكّن من إدخال دم جديد على النسيج الاقتصادي التونسي لتتوسّع قدراته الإدماجيّة و التشغيلية و الإنتاجية و يتمكّن بالتالي من مسايرة الاقتصاد العالميّ القائم على المنافسة و معايير الجودة و الابتكار و التجديد.

ب- الاتّجاهات الجديدة في شعب التعليم العالي : هاجس التشغيليّة

إنّ المتمعّن في الخطاب التونسي الحالي الصادر عن الساسة و التكنوقراط المهتمّين بشؤون التعليم و التكوين يلاحظ حضورا لافتا لمفهوم "التشغيليّة" كخيار ترتكز عليه برامج الإصلاح وإعادة الهيكلة التي شُرِع فيها في السنوات الأخيرة لتأخذ مسارها الفعلي مع استكمال تطبيق نظام "إمد" (إجازة، ماجستير، دكتورا).

و لئن مثّل مفهوم التشغيليّة في بداياته مفهوما قانونيّا يبحث في قضايا العمل المتّعلّقة بفئات اجتماعيّة مخصوصة من مثل المعاقين و الأطفال فإنّه تحوّل مع التغيّرات الراهنة في ميدانيْ التعليم والتشغيل مفهوما ديناميكيّا يتّصل بتقييم القدرات الذاتيّة للفرد و تثمينها من أجل مساعدته على الاندماج في أنساق التشغيل المتاحة لممارسة عمل مأجور أو مستقلّ. بمعنى آخر، نلمس في تونس اتّجاها متناميا نحو " تمهين" أو " مهننة " شعب التعليم العالي Professionnalisation des filières de l'enseignement supérieur .

و يمكن القول إنّ مسألة "مهننة" شعب التعليم العالي كانت تُقابَل في السابق بنوع من التردّد من قِبل الجامعيين، هذا التردّد يعبّر عن حالة من التوجّس حول مدى انسجام الشعب المهنيّة Les filières professionnelles مع الشعب المسمّاة بالأكاديميّة Les filières académiques إذْ هناك منهم من يرى أنّ مهننة شُعب التعليم العالي ستُلحق الضرر بحرّية التفكير في الوسط الجامعي La liberté de penser و تمنعها من التطوّر 16، لكن إذا سلّمنا أنّ مؤسّسات التعليم العالي هي مؤسّسات وطنيّة تُصرف عليها أموالُ المجموعة الوطنيّة من أجل الاستجابة إلى الحاجات المجتمعيّة و الانخراط في قضايا التنمية جاز لنا تفهّم الاتّجاهات البراغماتية الجديدة المنادية باقتراب الجامعة من واقع المجتمع و التفتّح على محيطها من خلال تبنّي مقاربة تنزع الغموض عن مهمّة الجامعة و لا ترى تعارضا بين مهننة التعليم العالي و بين الصبغة الأكاديميّة للدرس الجامعي .

إنّ جوهر إصلاح التعليم العالي في تونس الذي انطلق منذ التسعينات من القرن الماضي ليأخذ أبعادا جديدة في هذه العشرية الأولى من القرن الواحد و العشرين يقوم على استحداث شعب ذات طابع تقني مهني تمكّن من تحريك نسق التشغيل ( بعث مشاريع، انتدابات...)، كما تساعد على اكتساب الكفاءة اللاّزمة للاندماج في الاقتصاد المعولم و الإيفاء بالالتزامات التي نصّت عليها اتّفاقات الشراكة مع الاتّحاد الأوروبي ، فبلدان هذا الاتحاد و غيرها انخرطت في إصلاحات تتّجه بالتعليم العالي نحو شعب ذات صبغة مهنيّة تساعد على توفير موارد بشريّة عالية الكفاءة للمؤسّسات و ذلك من أجل الرفع من قدراتها التنافسية في السوق العالمية، و من المفيد إذن الاطلاع على فحوى هذه الإصلاحات على اعتبار أنّ المؤسّسة التونسية معنيّة بالمنافسة التي تفرضها عليها المؤسّسات الأوروبية في إطار تراجع الأساليب الحمائية للاقتصاد المحلّي و ما نصّت عليه الاتفاقات من حرّية التبادل السلعي و الاستثمار، و مواكبتها لهذه الإصلاحات تمكّنها من الاهتداء إلى سبل مجابهة المنافسة.

إنّ البحث عن الامتياز في التعليم العالي - كما في باقي القطاعات- قد يبدو ظاهريّا غير منسجم مع طابع الجامعة الجماهيرية الذي تتبنّاه تونس،ذلك أنّنا اعتدنا الحديث عن الامتياز كصفة مقتصرة على النخبة ، لكنّ النظر إلى الأمر من هذه الزاوية قد يكون مجانبا للواقع و للتمشّي المطلوب في التعليم العالي ، فالامتياز في هذا القطاع يكمن خلال هذه المرحلة في مدى قدرته على تنويع شُعبه و تعصير مناهجه بما يمكّنه من ملاحقة التغيّرات السريعة التي تعرفها أسواق الشغل و العمل، بمعنى آخر، تبدو المهمّة الموكولة للتعليم العالي متعدّدة الأبعاد، فالمجتمع بحاجة إلى نخب تتعمّق في البحث و تقدّم للمجتمع ما يحتاجه من العلوم و المعارف وهي حاجة تؤمّنها الشعب الموسومة بالأكاديميّة ، لكنّه في الوقت ذاته بحاجة إلى فنّيين و مختصّين يجمعون بين المعرفة العلميّة و المهارات الفنّية، قادرين على سدّ وظائف جديدة فرضتها طبيعة التطوّر و مساهمين في الرفع من القدرة التنافسية للمؤسّسات التي ينتمون إليها وهي حاجة تضطلع الشعب المهنيّة بتلبيتها . هاهنا نحن نتحدّث عن تعليم عالٍ مرن مستعدٍّ للتطوّر و التجدّد خدمةً لخرّجيه من حيث إعدادهم لولوج سوق الشغل بيسر و استجابةً للحاجات المتجدّدة للمجتمع.

من جهة أخرى يمكن القول إنّ التعليم الأكاديمي ذا الطابع النظري المعمّق ليس في متناول الإمكانات الذهنيّة لكلّ الشرائح الطلاّبية وهو لا يمكن أن يمثّل مصدر رغبة و ميول للجميع ، إذ أنّ هناك من التلاميذ مَن أبان عن استعدادات تقنيّة و تطبيقيّة منذ المرحلة الثانويّة، ما يجعل أهمّيّة الشعب المهنيّة تتجاوز الضرورة الاقتصاديّة لتتّخذ بعدا إنسانيّا و اجتماعيّا يتّصل بقدرة المجتمع على حسن التصرّف في موارده البشريّة، ولعلّ هذا ما تعنيه تسميات جديدة بدأت تستخدم في بعض البلدان الأوربيّة و وجدت لها استعمالا لدى البعض في تونس من مثل " الجامعة المنتجة " 17القادرة – بفضل ما تتوفّر عليه من طاقات و كفاءات- على دخول مجال العمل و الاستثمار من خلال تأمين خدمات و عقد صفقات تجلب إليها دخلا ماديا يضمن لها استقلالية مالية نسبية و يساعدها على تنفيذ برامجها التعليمية على الوجه المطلوب، بالإضافة إلى تسميات أخرى كقطاع " التعليم غير الجامعي " Secteur " non universitaire" و " التعليم ما بعد الثانوي " Secteur " post secondaire " في إشارة إلى نمط من التعليم العالي المختلف عن التعليم العالي الكلاسيكي المغرق في الأكاديميّة 18

وفق هذه الرؤية المتّخذة من مفهوم " التشغيليّة " مبدآ و المرونة و التنوّع منهجًا يندرج إحداث المؤسّسات و الشعب الجامعيّة الجديدة، فالتركيز اتّجه إلى الشعب الواعدة والتخصّصات المطلوبة عند إحداث مؤسّسات التعليم العالي من ذلك أنّ المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية I.S.E.T و المعاهد العليا للفنون و الحرف انتشرت بأغلب المدن التونسية، كما أنّ برمجة التخصّصات الجديدة صارت تأخذ في الحسبان الشعب القصيرة و الممهننة من مثل الشعب المرتبطة بالإعلامية و تكنولوجيا المعلومات باعتبارها مناجم التشغيل الجديدة و الأرقام تقول إنّ هذه الشعب استوعبت سنة 2004 ما يناهز 10.5 % من مجموع الطلبة 19، أمّا الشعب و التخصّصات التي يعرف خرّيجوها البطالة و يعانون من صعوبة الإدماج المهني - و هي عامّة شعب الإنسانيات و بعض الشعب الأدبية - فقد بدأت تعالَجُ بطريقتيْن : أولاهما التقليص من عدد الطلبة المرسّمين في هذه الشعب ، و ثانيهما محاولة استحداث إجازات تطبيقيّة مستوحاة من هذه التخصّصات و متفرّعة عنها ، فلو أخذنا على سبيل المثال اختصاص علم الاجتماع لوجدنا أنّ العشريّة الحاليّة عرفت محاولات مكثّفة للتحسيس - من جهة - بإمكانيّة الاستفادة من علم الاجتماع في قطاعات اجتماعيّة و تربويّة واقتصاديّة مختلفة ، و من جهة ثانية من أجل إثراء النقاش وتعميقه حول مسألة بعث إجازة تطبيقيّة في علم الاجتماع ذات طابع مهني تتعايش مع الإجازة الأساسية ذات البعد الأكاديمي و ذلك في إطار منظومة " إمد " التي سيُشرَع العمل بها خلال السنة الدراسية 2007/ 2008 20 .

إجمالا، يمكن القول إنّ التربية و التعليم و البحث العلمي في ظلّ دولة عصريّة كتونس تمثّل عناصر جوهريّة ثابتة في منظومة البناء الوطني على اعتبار أنها قنوات ترسيخ قيم الجمهورية وهي أيضا عناصر وثيقة الصلة بقضايا التطوير الاقتصادي و التنمية الاجتماعية من خلال تولّيها مهمّة إعداد النشء نظريا و تطبيقيا و تهيئته ثقافيا لتثمين العلوم و الصنائع ومختلف أوجه الكسب .

كذلك يبدو التشغيل الذي يمثّل أوكد مشاغل الشباب التونسي والهاجس الأكبر للدولة إشكاليّة جدّيّة تستوجب عمليّة الإحاطة بها تعاضد مجمل مؤسّسات المجتمع و الدولة ، و التعليم العالي قادر - بحكم ما يختزنه من طاقات و قدرات كامنة - على المساهمة في حلّ هذه الإشكالية و بالتالي تحقيق الجذبة الفوقيّة المطلوبة للمجتمع من خلال إتاحة الفرصة لاستغلال فئاته الدينامكيّة المتعلّمة و نقصد بها فئات الشباب من الخرّيجين، لكنّ تحقّق أهداف التعليم يبقى رهين التطوير المتواصل لتخصّصاته و مناهجه من اجل إكسابه القدرة الدائمة على مواكبة التحوّلات المحلّيّة و الدوليّة المتسارعة ، ولعلّ هذا ما انتبهت إليه تونس وعملت على تحقيقه قولاً و تشريعًا و ممارسةً.

***************************

الهوامش

1 ABDENNEBI (Azzouz): Pour un système éducatif efficient, Cérès Productions, Tunis, 1993, p25.

2أنظر قانون رقم 118 لسنة 1958 مؤرخ في 21 ربيع الثاني 1378 هـ (4 نوفمبر 1958) يتعلق بالتعليم. الرائد الرسمي للجمهورية التونسية الصادر في 7/11/1958، ص.1364 ـ ص1369.

3ألكسندر كينج: الثورة العالمية الأولى، تقرير نادي روما، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1992، ص195-200.

4 Tchibozo (Gay): Economie de travail, DUNOD, Paris, 1998, p9.

5عبد الرحمان بن خلدون، المقدّمة، دار الفجر للتراث، الطبعة الأولى، 2004، ص ص461-517.

6 Voir:Femmes et emploi en Tunisie, Pub. C.R.E.D.I.F, Tunis, 2002, p28.

7المصدر: وزارة التعليم العالي و البحث العلمي و التكنولوجيا.

8المصدر: المعهد الوطني للإحصاء

9عبد المجيد الجمل، التحوّلات الاقتصادية بتونس و آثارها على واقع التشغيل، ورقة مقدّمة خلال دورة تدريبيّة نظّمتها منظّمة العمل الدولية بإيطاليا بين 12 سبتمبر و 7 أكتوبر 2005، منشورة على شبكة الإنترنت تحت وثيقة WORD -Version HTML (http/training.it/actrav/courses/2005) ،ص5.

10إيهاب الشاوش: التشغيل هاجس التونسيين الأوّل، مقال منشور على شبكة الإنترنت، موقع إيلاف بتاريخ 22/03/ 2006 WWW.elaph.com

11محمّد حسّان المنّاعي: التشغيل في تونس: مقاربة وطنيّة لتحدّيات كبرى، المجلّة الإلكترونية أفكارأونلاين، العدد 13،مارس- أفريل 2005 www.afkaronline.org

12 Pochard (Marcel): L'emploi et ses problèmes, Que sais-je, Paris, 1980, p 60.

13 

أمام التحوّلات التي عرفتها مسارات التشغيل بفعل التحوّلات الاقتصاديّة و الاجتماعيّة نفضّل استعمال مصطلح " أنساق التشغيل" على مصطلح "سوق الشغل" على اعتبار أنّ المصطلح الأخير يقتصر على العمل المأجور و يرتكز على مبدإ العرض و الطلب الذي يقتضيه أيّ سوق، في حين أنّ مصطلح" أنساق التشغيل" يبدو أشمل لأنّه يشمل العمل المأجور والعمل للحساب الخاصّ الذي صار رهانا موكولا إلى آليات التشغيل المستحدثة و التي سنعرضها في هذا العنصر.

14مصطفى الفيلالي : مجتمع العمل ، نشر مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الأولى ، بيروت ، 2006 ، ص 287.

15نجيب بوطالب: دور المجتمع المدني الوطني في تونس: الرهانات و التحدّيات، مجلّة الحياة الثقافية،، العدد 177، نوفمبر 2006،ص11.

16 BEN SEDRINE (Saïd) : L'articulation du système d'enseignement supérieur au système d'emplois favorise l'employabilité des diplômés, Revue Travail et développement, N°23 – 2004, INTES, Tunis, p 78.

17محسن خضر:تطوير سياسات التعليم و التدريب العربية في ضوء معطيات الثورة العلمية و التقنية المعاصرة، مقال منشور ضمن مؤلّف جماعي: تربية العولمة و تحديث المجتمع،دار فرحة للنشر و التوزيع،ط1،القاهرة،2004،ص155.

18BEN SEDRINE (Saïd): op.cit, p85.

19محمّد حسّان المنّاعي: التشغيل في تونس . ..مرجع مذكور.

20نذكر في هذا الباب بعض المحاولات حسب تاريخ ظهورها :

•  عبد الوهّاب حفيظ: مهنة عالم الاجتماع اليوم: الموقع و الدور و الوظيفة، منشورات الجمعيّة التونسية لعلم الاجتماع، تونس، 2000.

•  ندوة: مهنة عالم الاجتماع: صعوبات التشغيل و ضرورات التخصّص، قسم علم الاجتماع بكلّيّة الآداب و العلوم الإنسانية بصفاقس،

20-21 أفريل 2001.

- منير السعيداني، ضرورة تدريس علم الاجتماع في التعليم الثانوي، الشعب، العدد 792، 18/12/2004، ص 28.

- ندوة: علم الاجتماع و التمهين، الجمعيّة التونسية لعلم الاجتماع، 05/02/2005.

- ندوة: راهن علم الاجتماع و الأنتروبولوجيا، الجمعيّة التونسية لعلم الاجتماع و قسم علم الاجتماع بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس 08-09/02/2007.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org