من الإعلان عن الجمهوريّة إلى جمهورية الغد

بقلم أحمد الحذيري
جامعي – مدير إذاعة تونس الثقافية

مثّل إعلان الجمهوريّة منعطفا حاسما في حياة الشعب التونسي، به استرجع إرادته وسيادته ليأخذ بأسباب الديمقراطية والحداثة .

خمسون سنة مرّت على هذا الإعلان التاريخي عن انتقال تونس من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري بعد تضحيات جسام من قبل جيل التحرير وبناء الدولة الحديثة...

.فقد بذل هذا الجيل جهودا كبيرة من أجل تكريس إرادة شعب تونس الأبيّ وإغناء رصيدها الفكري والإصلاحي والنضالي الزاخر بالمآثر والأمجاد .. ونخصّ بالذكر من هذا الجيل - دون الاستهانة بجليل أعمال مناضلين خلّص غيره- الدور المتميّز الذي قام به الرائد المؤسس الزعيم الحبيب بورقيبة أوّل رئيس للجمهورية.

و تقف تونس اليوم ، وبعد خمسين سنة لاسترجاع ذكرى إعلان الجمهوريّة هذا المكسب الوطني العزيز الذي ناضلت في سبيله أجيال بررة من أبناء تونس وبناتها واستكمل به الشعب حريّته وكرامته في كنف الرشد والمسؤوليّة. فلا ينبغي أن نغفل عن كون إعلان الجمهوريّة تماما كالحصول على الاستقلال – حدث تاريخي ومكسب وطني- ولكنّ التضحية من أجل تونس والدفاع عن مناعتها والذود عن حرمتها مسؤوليّة نبيلة . وهذه معان تستلهم اليوم للاعتبار والتدبر واستذكار القيم التي صدر عنها هذا الإعلان و التي يمكن اختزالها في ثلاثة أبعاد إطارية مبدئية وهي البعد الإنساني والبعد الديمقراطي التعددي والبعد القانوني المؤسساتي. وهي تلك التي دفعت الرئيس بن علي إلى إنجاز ما أقدم عليه بجسارة لافتة يوم 7 نوفمبر 1987 حبّا لتونس وغيرة على مكاسبها وأمجادها وحفاظا على استقلالها وسيادتها مستندا إلى مشروع إصلاحي تحديثي يزاوج بين مآثر الماضي ومكاسب الحاضر متجدّدا ومجدّدا مع مراحل التطوّر المعاصر ويقوم على فكر حصيف ويستند إلى رؤية ثابتة على التغيير وبعد إنسانيّ يجعلان الإنسان منبع الإلهام وغاية الجهد .

ولا مراء في أن ّ الإصلاح متواصل بخطى حثيثة منذ مطلع التغيير يواكب فيه التطوّر الديمقراطي حركة التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.

إنه " شيء من صناعة التاريخ " على حد عبارة أحد الدارسين لمسيرة تونس من خارج تونس .

و يدرك ذلك بوضوح من واكب المسيرة بنزاهة فيتبيّن أنّ القول والممارسة لا يفترقان إطلاقا بل يظلّ الاستشراف رؤية ثاقبة ويبقى الاستباق طبعا ثابتا ويلي القول إنجاز فعليّ وتترسّخ الأفعال مكاسب يغنمها الشعب التونسي على مستوى المبادئ والقيم والهياكل التشريعيّة والمؤسسات الاقتصاديّة والثقافيّة والتربويّة.

وكم هي عديدة هذه المكاسب في سنوات قليلة هي أقصر من طرفة عين في عمر الشعوب . وقد كان من أهمّها الإصلاح الدستوري الذي أقرّه الشعب التونسي خلال استفتاء 26 ماي 2002. وكان يوم 24 أكتوبر 2004 انطلاق التجسيد الفعلي لهذا الإصلاح لبناء أوّل لبنة في صرح " جمهوريّة الغد" ، جمهوريّة الإسهام والمشاركة جمهوريّة الحقوق والواجبات ، جمهوريّة الرقيّ والمعرفة

وإذا كانت الديمقراطية هي مكسب الإنسان المعاصر في العمل السياسي فإنّها في " جمهوريّة الغد " وسيلة لتجسيد الحريّة عن طريق التعدّدية فكرا ومنهجا . وهي ضمان لحقوق الإنسان وحماية كرامته، هي تجسيم يومي لسيادة الشعب في نطاق المسؤولية ، هي منهج لإرساء مجتمع المعرفة وبناء النموذج الاقتصادي الأفضل في عصر العولمة.

ذاك ما بوّأ تونس المكانة المرموقة التي تحظى بها بين الدول بفضل ما توفّر لقيادتها من قدرة على تفعيل التطلعات الوطنيّة وتحويل الطموح إلى إنجاز ناجح وامتياز على كافّة الأصعدة ، وذلك بالمبادرة المتواصلة إلى الإصلاح على أساس إعادة السيادة للشعب وردّ الاعتبار للنظام الجمهوريّ ومؤسساته وترسيخ قيمه ونواميسه وتحرير إرادة الإنسان وطاقاته باعتماد الديمقراطية مبدأ والتعدديّة منهجا لتشريك كافة القوى في بناء الحاضر ونحت المستقبل.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org