القيم الجمهورية وقيم المدرسة، أيّ تلازم ؟

د.منصف المحواشي
أستاذ باحث في علم الاجتماع
كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس . تونس.

لقد بات من البديهي القول إنّ الجمهوريّة هي النظام السياسي الأكثر اكتمالا لتحقيق الديمقراطية بأبعادها المختلفة. وقد ارتبط مفهومها الجوهري تاريخيا بالنظام الذي يضمن تقليصا حقيقيا من سلطة أيّ شخص أو هيئة أو جهة– مدنية كانت أو دينية– قد تعلو على سلطة مجموع المواطنين. ويجعل شرعية السلطة وممارستها يتمّ عن طريق الاقتراع والانتخاب.

لكن الجمهورية كما سنرى ليست مجرد شكل نظامي وسياسي حتى ولو ضمنت تحقيق الأهداف النبيلة التي أشرنا إليها، إنما هي في الجوهر روح من العقلانية وضرب من الإدارة الجماعية التي تسري في أوصال الحياة العامّة، ونمط من التنظيم السياسي الذي يعمل على أن يضع موضع العمل الجماعي مثالا أرقى للحياة السياسية انطلاقا من مفهوم جماعة المواطنين. ويقف وراء اختيار المواطنين للجمهورية كنظام أوّلا اختيار سابق لجملة من القيم والمثل العليا التي يتمّ تبنّيها. ولعل أهمّها قيمتين جوهريتين تمثلان في واقع الأمر حصيلة المكتسبات التي حققتها حركة الحداثة الكونية في بعديها الاجتماعي والسياسي، ألا وهما العقلانية والديمقراطية.

والعقلانية في مفهومها البسيط تعني في المقام الأول إحلالا للعقل في الحياة العامّة وإدارة المؤسّسات والحياة الجماعية، وكما تعني تقيّدا كلّيا بروح القوانين بما هي أعلى تمظهرات هذا العقل. والعقلانية هي إلي جانب ذلك أيضا نوع من الرّشاد الذي يحلّ النجاعة في إدارة الحياة العامة وحكم الناس وتسيير الشؤون، وإحكام للتنظيم في إدارة الهيآت الإنتاجية والمؤسّسات وقدرة على وضع أجهزة التسيير العامّة موضع العمل وفق ما يحقّق علوية القانون. وإن نحن لخّصنا مهمّة رئيس الدولة باعتباره يدير أعلى الأجهزة العقلانية، قلنا إنّها أوّلا وقبل كلّ شيء تأمين الشروط العامّة لممارسة العقل في الحياة الجماعية. وتمثّل الدولة التي يقوم على رئاستها الأداة الأرقى لتحقيق وظائف العقل في حياة الناس. إذ يكمن دورها ودور المؤسسات التي تتفرّع عنها في تأمين أنجع لممارسة الحكم الرّشيد وفق منظومة القيم التي يتبناها مجموع المواطنين. ومثل هذا المعنى قد أكّده الدستور التونسي، حيث يقول في توطئته ما يلي: " إنّ النظام الجمهوري خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ولتوفير أسباب الرفاهية بتنمية الاقتصاد واستخدام ثروة البلاد لفائدة الشعب وأنجح أداة لرعاية الأسرة وحقّ المواطنين في العمل والصحّة والتعليم"( 1 ). ويسهر رئيس الدولة "على تنفيذ القوانين ويمارس السلطة الترتيبية العامّة"(2). كما من مهامّه أن "يضمن استقلال الوطن وسلامة ترابه" (3)، و"أن يوجّه السياسية العامّة للدولة ويضبط اختياراتها الأساسية"(4). بهذا المعنى تمثّل الدولة الأداة الأكثر تبلورا التي ستجسّد خيارات العقل الكبرى. ومع تعمّم سيادتها وأدائها الرشيد توضع القيم الجماعية التي تبنتها الجماعة موضع التحقيق والتنفيذ.

وفي الحقيقة، انبثق من نفس هذه الدلالة مفهوم "دولة القانون"، كمصطلح جديد ظهر حديثا خلال وبعيد الحرب العالمية الثانية، ليشار به إلى النظام السياسي الذي ينهض على التقيّد بسيادة القانون وعلويته بما يوافق مبدأ سيادة الشعب. وقد تبلور هذا المفهوم في أعقاب جدل سياسي حاد ساد خلال الحرب العالمية الثانية مع ظهور الدولة الشمولية والدكتاتورية التي استلمت الحكم باسم الديمقراطية (5) في ألمانيا وإيطاليا وفي الدول الاشتراكية وتعارضت مع ما تنهض عليه الديمقراطية.

وإذا أجملنا القول في علاقة الجمهورية بالعقلانية قلنا إنّ الأولى تفسح المجال لحضن التعدّد والتناثر الذي تظهر عليه أطياف المجتمع لخلق وحدة متناغمة تنتج عنها إرادة عامّة وتشرف الدولة على تسييرها وإدارتها. أما الثانية فتتمثّل في هذه الروح المحركة التي تسيّر وتنظّم الحياة العامّة وفق القانون بما هو أعلى تمظهرات العقل لضمان تساكن جماعي حرّ وتعايش أرقي بين المواطنين.

هكذا ينهض بين العقلانية والجمهورية ارتباط وثيق، فلا حكم رشيد دون قوانين ودون ثقة في تلك القوانين وفي النظام العقلاني المجرّد الذي يسيّرها، ومفهوم الثقة هذا ترجمت عنه فكرة العقد الذي قامت عليه الدولة في الأزمنة الحديثة: تنازل من قبل مجموع المواطنين الأحرار عن حريتهم لصالح الدولة التي ستتكفّل بحماية الحرّيات جميعها وفق القوانين الضابطة للحياة الجماعية والنظام العقلاني المسيّر. إنّ تعريفا بهذا المعنى للدولة وجهازها العقلاني يتوافق كليا مع طبيعة المجتمعات الحديثة أو "مجتمعات العقد" حيث أصبحت العلاقات الاجتماعية تنهض على ميثاق الثقة كما سمّى ذلك "أنطوني قيدنز" (6). ويتترجم ذلك عندما يضع الجميع ثقتهم في المؤسسة المالية لتحفظ أموالنا، وفي المؤسسة التربوية التي تربي الأبناء وتنشئهم، ونضعها في المؤسسة القضائية التي تحفظ حقوقنا وأمننا، ونضعها في المصعد ليحملنا من طابق إلى طابق ضمن بناية تناطح السحاب، ونضعها في الطبيب الذي نضع بين يديه ابدأننا يشرّحها ليداوينا ويضمن لنا الحياة والسلامة والشفاء. فثقتنا الكبرى من خلال هذه الأمثلة وغيرها إنّما توضع بارتياح في هذه الذات المجرّدة التي نسميها النظام العقلاني الذي يسيّر حياتنا وينظّم علاقاتنا مقابل أن نتنازل ونضع ثقتنا كلّها في النظام والعقل والقانون.

القيمة الثابتة الثانية التي ترتبط بها الجمهورية هي الديمقراطية. وها هنا يجب أن نذكّر بأنّ الديمقراطية والثورات الديمقراطية الكبرى في التاريخ الحديث والتي تبنّت مبادئ الحرية والعدالة والمساواة كالثورة الانكليزية(1688) والثورة الأمريكية (1778) والثورة الفرنسية (1789) وثورات التحرّر الوطني في العالم الحديث التي رفعت– رغم اختلاف القراءات والأولويات- شعار الديمقراطية، وانتهت في أغلبه عند التحرّر إلى تبنّي النظام الجمهوري ورفعت معه أهمّ الشعارات الكبرى التي تاقت إليها الشعوب كالحرية والمساواة والعدالة. معنى ذلك أن الجمهورية كنظام سياسي إنما جاءت لتجسّم وتضع موضع العمل المكتسبات التي ناضلت لأجلها الشعوب وتحقّق مبادئ الديمقراطية. ولئن قامت الديمقراطيات التي تأسّست أواخر القرن 19 وبداية القرن العشرين جميعها على مبادئ أساسية كالفصل بين السلطات الثلاث وإقرار التداول على السلطة بواسطة الانتخابات العامّة وتبني التعدد السياسي والاجتماعي وإرساء دولة القانون والمؤسسات، فإنّ جوهرها الأساسي بقي دوما الحرية والمساواة، فهاتان القيمتان تبقيان الجوهر العملي والحقيقي الذي يجسم حقوق الإنسان.

وإذا كانت المبادئ العامّة التي تنهض عليها الجمهورية أميل إلى الثبات في جوهرها فإنها تبقى تتدعّم بالاستفادة من مكاسب العصر المتجددة. وهنا يأتي دور السياسة التي تجسّم الخيارات والمبادئ وتضعها موضع التنفيذ . ويتمّ ذلك عبر عمليتين جوهريتين هما التحديث والتنمية. وهاتان العمليتان هما في المقام الأول عمليتا تحويل وتعديل: تحويل القوى المنتجة وتطوير وسائل الإنتاج والمعارف وتنمية أسلوب معاش الناس وتحقيق نماء أكبر لطاقات الأفراد وقدراتهم النوعية والكمية.

ولعلّ من أهمّ أدوات التنمية التي تنهض بها سياسة التحديث الاجتماعي في المجتمع على الإطلاق هي المدرسة، لأنّها تنهض بأهمّ العمليات التنموية والتغييريّة على الإطلاق. لذلك فإنّ بين ثلاثي السياسة والتنمية والمدرسة ارتباطات أكيدة ووشيجة. بل إنّ الحديث عن المدرسة هو بالضرورة حديث عن السياسة والتنمية ومن ثمّة عن القيم الديمقراطية، إذ أنّ تنمية قدرات الأفراد وفكرة المساواة في الحظوظ لهي في صلب الأهداف التنموية والتحديثية. والإنسان لا يصبح إنسانا ولا يرقي في تحقيق إنسانيته إلا بالتربية والمدرسة. وكم تصحّ هنا قولة " فيليب ميريو" احد علماء التربية المحدثين عندما صرّح يقول: "لا يمكن لي أن أتعلّم إلاّ إذا مدّني من خارج ذاتي كائن أو مؤسسة أو أداة ما بالعناصر التي سأبقى من دونها أعشى وأصمّ وأبكم ... لذلك وجب على المعلّم ( والمدرسة ) أن يضطلع بوظيفته... فينقل إلي معارف العصر وكفاءاته ... ولا يمكن لهذا النقل أن يدرج ضمن الامتداد المباشر لما أنا عليه...إنّما يفترض قطيعة لا أقدر... على أن أنجزها بمفردي بالسرعة الكافية" (7). . إنّ تعريفا كهذا يكشف عن الأبعاد العميقة التي تنهض بها المدرسة والدور المهمّ الذي يناط بعهدة المدرّس. ومن هنا يثار السؤال المهمّ مستحضرين الدلالات الأساسية للتنمية التي أشرنا إليها آنفا: ما هي أهداف التربية والمدرسة في مجتمع متحوّل ؟

في وظائف المدرسة:

تنهض المدرسة أولا وأساسا بوظيفة التربية، ونعني بذلك تمرير المعارف والخبرات والقيم التي يختارها المجتمع ويراها الأمثل في تكوين أجياله من الناشئين ونحت معالم شخصيتهم الجماعية. ولعلّ أكبر معركة حضارية يمكن أن يخوضها مجتمع ما لأجل التنمية الشاملة وتحقيق أهدافه العليا، إنّما تنهض بها مؤسسات التنشئة والتربية بدءا بالمدرسة. ولذلك عدّ ظهور المدرسة في الأزمنة الاجتماعية الحديثة أهمّ ابتكار جديد، فمع ظهورها وقعت ثورة حقيقية في أنماط التنشئة، لأنها بالأهداف التي تتصل بها والوسائل الجديدة التي تنقل بها المعرفة، وبالمضامين الثريّة المدعوّة إلى تقديمها إلى المتعلمين، جعلتها ترقى إلى أهمّ المؤسّسات التي توليها المجتمعات الحديثة مكانة خاصّة تستثمر فيها طاقاتها المادية لتربية الأجيال القادرة على تحمّل مسؤوليات المستقبل. فالمدرسة بهذه المعاني إنّما تنهض بأخطر المهمات في التاريخ. فبينما كانت المعارف في المجتمعات التقليدية تنهض على النقل (8) وتكرار المعارف وخبرات الأجداد، أضحت التربية الجديدة اليوم تقوم أكثر فأكثر على الإبداع والابتكار وتكوين العقول المفكّرة. بهذا المعنى إذن تتخذ المدرسة مكانة متميّزة، فبواسطتها تزوّد المجتمعات الحديثة أفرادها من الناشئين بالكفايات والمكتسبات النوعية ليكونوا في مستوى الزمن والعصر الذي يعيشون فيه وفي مستوى التحديات الذي يواجهونها. ولا تقف وظيفة المدرسة عند هذا الدور فقط، لأنها في الأصل مؤسّسة الوفاق والحفاظ على اللحمة وإدماج الأفراد في الحياة الاجتماعية بكل امتياز. فوظيفتها الظاهرة -على الأقل- (9) هي إدماج الأفراد في المجتمع وإعدادهم نوعيا وكميا ليحتلّوا فيه لاحقا مواقع ومكانات. ولهذا يكون من شأن المدرسة أن توحّد القيم الوطنية العامّة وتربي الأجيال الصاعدة على القيم الفضلى، وتكوّن الأفراد التكوين الذي يسمح لهم بالانخراط في الحياة المهنية والإنتاجية والمدنية بشكل عامّ.

ويجب أن نؤكّد هنا أيضا وظيفة أساسية أخرى تدعى المدرسة إلى أن تملأها، وهي أن تربي الناشئين على القيم الأساسية التي ينبني عليها النظام السياسي والديمقراطي كالعقلانية والتفكير النقدي المنظّم والتفكير بالسببية، والاعتراف بالآخر والانفتاح على الرأي الآخر. وبهذا المنظور تساهم المدرسة في إرساء أهم شروط تكوّن عقلانية عامّة، وتهيئ الأذهان الغضة لتتبني روح العقل والحكمة. وإذا ما تحدثنا عن المدرسة التونسية نجد أن كل برامجها التعليمية ومن خلال مشاريع الإصلاح الكبرى الثلاث( 1958، 1991، 2002) تتضمن في مقاصدها التربوية العامّة ما يدعو إلى غرس القيم التي تثمّن العلم والعمل والتضامن والتسامح والاعتدال والتفتّح على الحداثة واستلهام المثل العليا والمبادئ الكونية. وهي قيم تدعو أساسا إلى ترسيخ الفكر النقدي وجعل المتعلّم في جوهر العملية التعلمية (إصلاح 1991 وخاصة إصلاح 2002). كما تدعو إلى تقويم التفكير الخرافي ومعالجة التفكير القدري وتعليم الناشئين أنه بإمكانهم لو يأخذون بأسباب العلم والمعرفة والتفكير الرشيد أن يصنعوا مصائرهم ويلعبوا دورهم الحاسم في توجيه أفعالهم والتحكم في مصائرهم، كما بإمكانهم لو تشرّبوا بقيم العقل والوطنية والحوار أن يكونوا مواطنين أحرارا ضمن وطن يحضن الجميع( وجميع هذه الأهداف تمسّ مختلف مستويات الشخصية سواء في جانبها المعرفي أو الأخلاقي أو الوجداني).

بهذا المعنى تتخذ المدرسة دورا مهمّا وحاسما في حركة التنمية، لأنها وهي تنهض بهذه الوظائف إنّما تنجز دورا توحيديا facteur d'uniformisation بكل امتياز، وعندما تؤديه بعيدا عن الصراعات السياسية سيكون بالإمكان أن تنهض بأكبر مهمّة ثورية على الإطلاق في حياة الناس لأنّها بذلك ستكوّن مواطنين أحرارا. وإن دلالات بهذه المعاني نجدها ماثلة في ذهن المشرّع في صياغته للنصوص التشريعية لمشاريع الإصلاح (10) الثلاث. وفي ما سيأتي نحيل إلى أمثلة منها.

ففي أوّل قانون إصلاحي للمدرسة في تونس (صدر في نوفمبر سنة 1958) (11) يقول المشرّع في البند الأول من الفصل الأول: "تهدف التربية والتعليم إلى ... تزكية الشخصية وتنمية المواهب الطبيعية عند جميع الأطفال ذكورا وإناثا بدون أي تمييز بينهم ..." ويقول في البند الرابع "تهدف...إلى إعداد الطفل للقيام بدوره كمواطن وكإنسان، وتكوين الإطارات الصالحة الكفيلة بنحو النشاط القومي على مختلف وجوهه...". ويقول في الفصل الأول من قانون الإصلاح الثاني (12)ما يلي " يهدف النظام التربوي في إطار الهوية الوطنية التونسية ...إلى تحقيق الغايات التالية : تمكين مند حداثة عهدها بالحياة مما يجب أن تتعلّمه حتى يترسخ فيها الوعي بالهويّة الوطنية التونسية وينمو لديها الحسّ المدني ..." ويقول في البند الثالث : " ...إلى إعداد الناشئة لحياة لا مجال فيها لأي شكل من أشكال التفرقة والتمييز على أساس الجنس أو الأصل الاجتماعي..."ويقول في الفصل الثالث من قانون إصلاح سنة 2002 ما يلي "...تهدف ...الى غرس ما أجمع عليه التونسيون من قيم تنعقد على تثمين العلم والعمل والتضامن والتسامح والاعتدال ...".

وثمّة وظيفة كامنة يقع ملؤها بمجرّد ذهاب الناشئ إلى المدرسة وقد لا نـفطن إليها، وهي أنه عندما يذهب الطفل للتعلم في المدرسة ويخرج من حياة المنزل المغمور بالعواطف، لتحتضنه مؤسسة تتعامل معه على أنّه واحد من مجموعة مجرّدة ليست المنزل ولا العائلة ولا الجماعة القرابية، فإنّ ذلك يجعله يستشعر مبكّرا الفرق الجليّ بين أن يعيش ضمن الحياة العامة من جهة وأن يعيش ضمن الحياة الخاصّة، وهذا التفريق المهمّ الذي يدركه ويعيشه في المدرسة سيكون من العوامل التي ستعدّه بحقّ مبكّرا للحياة المدنية والمواطنة.

ويمكن التساؤل هنا، إذا ما أنجزت المدرسة أدوارها بهذه الدلالات أفلا يتناغم ذلك في جوهره مع قيم الجمهورية والروح العقلانية ومبدأ الديمقراطية؟ ثمّ ألا تمهّد مضامين المدرسة بالأهداف التي أشرنا إليها إلى أن تشكّل لدى الناشئين عقولا حديثة تجعلهم ولو من حيث المبدأ في مستوى العصر الذي يوجدون فيه وفي مستوى التحديات الحضارية التي تواجه الأجيال الصاعدة؟

لقد بقي الآن أن نعود إلى التاريخ الاجتماعي التونسي القريب وننظر كيف وضعت المبادئ والأهداف كالتي بيّناها في موضع الممارسة، وكيف حضر الإصلاح التعليمي والمدرسة ضمن مشروع التحديث الاجتماعي.

نظام التعليم و مكانته في مشروع التحديث في تونس:

يجب أن نقف أوّلا عند وضع المدرسة والتعليم في تونس غداة الاستقلال، لنتبيّن أيّ تحدّ واجهته الدولة التونسية الناشئة صبيحة الاستقلال. فالأميّة في تونس كانت مرتفعة جدّا، حيث بلغت النسبة آنذاك 847 أميا يجهل القراءة والكتابة على ألف. ولم تكن نسبة التمدرس والتعليم تتجاوز 29 % بالنسبة إلى مجموع السكان الذين هم في سنّ العليم. وكانت جل المدارس متركّزة في الأقاليم العمرانية الكبرى وخاصّة في السّاحل التونسي ومحيطه (61 % ) (13)، وكان التعليم محكوما بمناهج تعتمد الحفظ والنقل والتكرار والتعليق على النصوص المورثة، وتصبّ أساليبها التعليمية على الاكتفاء بحفظ نصوص التراث وتأويلها. وإجمالا لم يكن في تونس غداة الاستقلال سوى 26288 تلميذا في التعليم الثانوي، وكان التعليم العالي آنذاك جنينيّا وحكرا على الطبقات الموسرة.

و يمكن القول إنّ ما قامت به الدّولة المستقلّة من تعصير للتعليم وتوحيده ونشره يعدّ من أبرز نجاحات الدّولة الفتيّة في بداية الاستقلال. ففي نوفمبر سنة 1958 صدر قانون وطني متقدّم جدّا في مجال التعليم (14)يتضمّن مبدأين جوهريين: إجبارية التعليم ومجانيته. فقد جاء في الفصل الثاني من أوّل مشروع لإصلاح للتعليم في تونس (القانون رقم 118 لسنة 1958) ما يلي: "أبواب التربية والتعليم مفتوحة في وجوه جميع الأطفال ابتداء من السادسة ". ويقول في الفصل الثالث: "التعليم مجاني في جميع درجاته والغرض من مجانيته تمكين جميع الأطفال من تكافؤ الفرص أمام التربية والتعليم ". ودعا القانون الجديد إلى توحيد المضامين التعليمية وتعصير محتواها وأساليبها وفق حاجات المجتمع المنشود ووفق القيم الوطنية التي اتّجه إليها التحديث، كما جعل التعليم حقّا لكل طفل أو فتاة وصلا سن السّادسة، ودعا إلى أن يتعمّم في كل جهات البلاد التونسيّة ويتنوّع على الاختصاص كلّها.

ثمّ إنّ الفوارق بين الجهات أخذت - خلال مدّة قصيرة من الخدمات التعليميّة - تتقلّص، وارتفعت نسبة التمدرس بالنسبة إلى الأطفال الذين هم بين السنّ السّادسة والرّابعة عشرة بـ 7،59 % بالنسبة إلى الجنسين (4،73 % بالنسبة إلى الذكور و7،44 % بالنسبة إلى الفتيات).

أمّا بالنسبة إلى التعليم الثانوي فقد ارتفع العدد العام للتلاميذ سنة 1971 ليصل حدّ 522،180 تلميذا، وستبقى هذه النّسب متصاعدة في كلّ مستويات التعليم الابتدائي والثانوي والعالي. ويمكن القول إن قانون التعليم الجديد قد آتى أكله وحقّق نتائج مهمّة. وسيكون لتنامي ظاهرة التمدرس هذه الآثار الكبيرة على تحديث المجتمع التونسي، وكان للمدرسة الدور الكبير في ذلك حيث أقامت بحقّ كسرا عميقا في المشهد الثقافي التقليدي السائد. فبمضامينها الجديدة أخذت قيم المثل التقليديّة تتقلّص و وضع جانب كبير منها موضع التساؤل والمراجعة. كما أخذت المدرسة تربي الأجيال الصاعدة على عقليّة جديدة تقيم الفصل بين مجال المنطق والمعرفة العقلية من جهة، ومجال الخرافة والرؤى السحرية للأشياء والظواهر من جهة أخرى. ليأخذ التفكير النقدي والتحليل بالسببيّة من ثمّة مكانه في مسار التطوّر الذهني والفكري لدى الأجيال الجديدة.

وقد ساهمت المدرسة بالإضافة إلى ذلك عندما عمّمت التعليم في كامل البلاد التونسية، في محاصرة الثقافات "الفرعيّة" والجهويّة، مما دفع إلى مزيد من التجانس الثقافي والمعرفي بين الشباب والناشئين، وساعد على نشر ثقافة العقلانية والتفكير بالسببيّة وحدّ من مساحة التفكير الخرافي والإيمان السّلبي بالقضاء والقدر، وقاوم أشكال التّمسّك الأعمى بالتقاليد التي فقدت وظيفيّتها وأصبحت معيقة لنشر القيم الجديدة وكابحة للتطوّر.

ويجب القول هنا إنّ تغييرات في الحقل المدرسي بهذه المضامين التي أشرنا إليها إنّما كانت تندرج ضمن مشروع تحديثيّ معمّم يتّجه أساسا إلى إعادة صياغة الحسّ المدني والذوقي العام لدى الأجيال الجديدة، أي إنّه يتّجه إلى تجسيد ما كنا أسميناه سابقا بتعديل ملامح الشخصية العامّة وتجديد الصفات الاجتماعية والفكرية للجماعة وإعادة رسم صورتها النموذجية الكبرى، بما يسمح بإعادة بناء هيكل مفاهيم الثقافة وشبكة المعاني الكبرى للهويّة. وهنا نتوقف بنظرة سريعة من جديد في التاريخ الاجتماعي، عند العمليات الأساسية التي تمّ من خلالها التجديد الثقافي الذي تضمنه مشروع التحديث الاجتماعي.فقد خلقت التغيّرات التي تمّت منذ الاستقلال ثقافة وإنسانا جديدين. ومسّت التغييرات الواقعة طبيعة الوعي العام للضمير التونسي يمكن تحديد مظاهرها في أهمّ النقاط التالية:

- تقلّص أشكال ولاء الأفراد إلى الكيانات والمرجعيات التقليدية( القبيلة، الجهة…) وترسّخ في المقابل ولاء أمتن إلى الدّولة الوطنيّة، وقد اتّخذ هذا التغيّر دلالة عميقة ضمن مسارات التحديث الاجتماعي والثقافي لأنه ساهم في بلورة مفهومين جديدين سيتخذان لاحقا قيمة كبيرة في شخصية التونسي وهما بالأساس مفهوما المواطنة، والحسّ المدنيّ.

- ترشّد التعامل مع التراث الفكري والديني بنوع من التوفيق بين قراءة متجدّدة للدّين الإسلامي وحداثة تأسست من خارج إطار الفكر الدّيني التقليدي نفسه. فالدولة بنفسها هي من سيتكفّل بالعمليّة التجديدية للفكر الديني ويمنع أصحاب الرّؤى القديمة من القيام بهذه العملية الخطرة. فقد كان المرجوّ يتمثّل أساسا في أن تترسّخ قيم الدّنيوة Sécularisation وروح العقل وتسود الرّوح الإنسانية المرتبطة بفكرة الإرادة، ويتعمّق في الآن نفسه الإيمان بقدرة الإنسان على الفعل والإنجاز( l'acquisition ). وقد انعكس مردود هذه الأيديولوجية على طبيعة التشريعات ومضامينها وخاصّة على الأحوال الشخصيّة والتعليم والسّياسة الإنجابية.

- في ظلّ هذه التغيرات تبلورت رؤية مخصوصة لدى أجيال ما بعد الاستقلال للعلاقة القائمة بين الإنسان والله وخاصّة ما بين الفرد والدّولة، فقد تعلّم المواطن التونسي طيلة عقود أن الدولة هي الرّاعي والحامي والرازق وأن مقاليد أموره ومستقبله ورزقه تقع بيدها (15). وهو ما سيجعله يتّجه إليها بالنداء والطلب ربما مع كثير من التعويل والاتكال.

وهنا نؤكّد أن أغلب هذه التغيّرات قد حدث بعمق وسرعة. وهو ما لفت انتباه المراقبين الذين يعرفون تونس وعاشوا فيها طويلا. فقد أكّد هذه حقيقة كهذه مراقبون مخضرمون لحركة تطوّر المجتمع التونسي وخاصّة خلال العقود الأولى من الاستقلال. يقول "أندرى ديميرسمان" (16)مثلا "...عندما أستعرض في مخيلتي الحياة التي أعيشها اليوم وأقارنها بالحياة التي عشتها( يقصد ما قبل الاستقلال)، يحصل عندي انطباع بأن قفزة كبرى قد تحقّقت إلى الأمام في الزمان والمكان إلاّ أنه منذ الاستقلال، كان التّغيّر من العمق والسّرعة بحيث أن إنسانا في سنّي يعجز على تصوّره" (17).

بعد هذا العرض السوسيو- تاريخي لتجربة التنمية في تونس ودور المدرسة فيها باعتبارها واحدة من أهمّ أدوات التغيير الاجتماعي الحاسمة في تونس، يتأكد الارتباط الوثيق الذي ينهض بين القيم الجمهورية كقيم عليا يقع تبنيها عندما يتمّ تبني الجمهورية كنظام سياسي، وبين المدرسة كأداة تضع موضع العمل والتنفيذ أهداف النظام الجمهوري والتنمية، وتصيّر قيما كالعقلانية والديمقراطية والمساواة في الحظوظ موضع العمل.

المدرسة والتحديات الجديدة :

لقد تبيّن مما سبق نوع الرباط الوثيق القائم بين التربية والتنمية، ولهذا فإنّ أمام المدرسة اليوم تحديات ضخمة تتمثّل أساسا في:

- مزيد تأصيل الكيان وتكييفه لمواجهة تحديات محيط معولم وثقافة كونية آخذة في الانتشار لتحاصر الثقافات المحلية وتذيب الاختلافات الثقافية وتعمّم نموذجا حضارياّ ذا سمات أنجلوأمريكية.

- مواكبة التحوّلات السريعة والعميقة الواقعة في العالم في ميادين المعرفة والتكنولوجيا وفنون الاتصال، وهو ما يستدعي مزيد المواكبة والتأهيل، لحماية الذات واكتساب أسباب القوّة المعرفية والتقنية. و تحدّ كهذا يستوجب تجديد المعارف وتطوير مناهج التفكير وأساليب نقل الثقافة الوطنية ومضامينها.

- معالجة أسباب التسّرب والرسوب التي تطال الآلاف من المتعلمين في سنوات مبكرة من تعليمهم بما يسمح أكثر فأكثر بمزيد أيجاد فرص التكوين المعرفي والعلمي لجميع الفئات الاجتماعية والأجيال وبما يسمح بتعميم التعليم الديمقراطي والمساواة في حظوظ التكوّن والنجاح والانخراط في سوق الشغل.

- عملا بمبدأ المساواة ومنعا لعمليات الانتقاء التي قد تقع فيها المدرسة لأشكال من الذكاء والكفاءات على حساب كفاءات وذكاءات أخرى، فقد وجب إرساء تمشيات بيداغوجية تأخذ بعين الاعتبار هذه الفوارق القائمة بين المتعلمين، بحيث يتمكّن الجميع من نفس فرص النجاح.

***************************************************

الهوامش :

1): الفقرة السادسة من توطئة الدستور التونسي.

2): الفصل 53 من الدستور التونسي.

3): الفصل 41 من الدستور التونسي.

4): الفصل 49 من الدستور التونسي.

5): تبلور هذا المفهوم أساسا ردّا على ما أظهرته الدولة الديكتاتورية في ألمانيا وايطاليا من تجبّر مما أدى إلى ظهور النازية والفاشية، وظهر معهم الطغيان والاستبداد واحتكرت الدولة السلطة وطغت على الحقوق الأساسية كالديمقراطية وحقوق الإنسان وفرطت في المكاسب الأساسية للشعب.

6 ): Anthony Giddens. Les conséquences de la modernité. (Trad. de l'anglais par Olivier Meyer) ed l'Harmattan. Paris.1994.

7 ) Philippe Meirieu : Apprendre …oui, mais comment ? E S F. Paris. 1995 .p 39.

8): ولذلك كان إذا ما توفي شخص مسنّ ، فكأنما احترقت مكتبة.

9): لا نغفل الدور الخطير الذي قد تنهض به المدرسة عندما تعيد إنتاج أشكال التفاوت الاجتماعي بين أبناء الطبقات، فتسمح لهؤلاء بالترقي الاجتماعي والنفاذ إلى المراكز الاجتماعية "النبيلة"، وتمنع أولئك بحيث يتسرب الكثير من التلاميذ والطلبة ولا ينفذ البعض منهم إلاّ إلى المراكز الاجتماعية الأقل حظا.

10) : صدرت في تونس ثلاث مشاريع إصلاح كبرى للمدرسة والتعليم: وكان ذلك أولا في سنة 1958 ثمّ في سنة 1991 ثمّ في سنة 2002.

11): هو القانون رقم 118 لسنة1958 والمؤرّخ في4 نوفمبر من نفس السنة، وقد اقترن صدوره باسم وزير التربية آنذاك محمود المسعدي.

12): القانون عدد 65 لسنة 1991 المؤرّخ في 29 جويلية 1991 المتعلّق بالنظام التربوي والصّادر عن رئيس الجمهورية.

13): الهادي التيمومي: نقابات الأعراف (1932-1956) دار محمّد على للنشر - تونس. 1983ص 239.

14): قانون إصلاح التعليم رقم 118 لسنة 1958الصادر عن مجلس النواب... مرجع ذكر سابقا.

15): نعتقد أن هذا الحسّ العام سيخلق لدى أجيال الشباب المتخرّجين في التسعينات وبداية القرن لاحقا صعوبات في التشغيل، فمع اتساع عددالمتحرجين في مقابل تقلّص سوق الشغل بقيت فكرة التعويل على الدولة قائمة لدى جيل الشبان وعائلاتهم، وهي فكرة أورثها سلوك الدولةللأجيال خلال العقود الماضية.

16) هو رئيس الآباء البيض المسيحيين في تونس.كان رئيسا لمكتبة " إبلا"( IBLA ) .

Demeersemann (André) : La famille Tunisienne et les temps nouveaux: (préface de J- Berque) 438p .ed M T E. Tunis. p:12.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org