الخيار الجمهوري وتجديد الوعي

د. عبد السلام المسدي
أستاذ اللسانيات – جامعة تونس

ليس عندي – وأنا أهُمّ بالكتابة عن الذكرى الخمسين لقيام الجمهورية في البلاد التونسية – معلومات جديدة حجبتها عني أو عن غيري ستائر النسيان، وأغلب ظني أن المؤرخين – وأنا لست منهم – قد انتهوا إلى استفراغ كل مدوّنات الأرشيف، فأماطوا الغطاء عن المحجوب والمتواري من البواعث والأسرار بما لا يدع على هامش المتن فضاءً متسعا من الاجتهاد الفردي.

إنما الذي عندي هو بعض الأفكار تمتزج فيها الخواطر والتقديرات، وأستعين عليها بجمع القرائن مجتهدا في إنجاز قراءتي الخاصة لبعض نتوءاتها. فإن لم تظفر معي – أيها القارئ – بما يفتح لك سبيلا في الرؤية فلا أقل من أن نظفر معا بلحظة من لحظات تجديد الوعي، وفي هذا سنستوي جميعا : من عاش منا زمن الحدث ومن لم يعش، وقد تعلم – مثلما أعلم – أنه كلما ضاق فضاء الاجتهاد اتسعت بضيقه فضاءات التأويل.

إن في مرور خمسين عاما على "الحدث" إيذانا بأن موكبه قد اجتاز – على نهر الزمن – مسافة ما بين المَرفإ الفضيّ والمَرفإ الذهبيّ، وإرهاصا يبشر بالاتجاه صوب مرافئ الضفة الماسيّة على مركب الأمواج الهادئة. وإذا كان همّ المؤرخ أن يدوّن المنجزات كي يُرسِل من خلالها حكمه المعياريّ على الحدث وعلى صانع الحدث فإن المثقف الذي لا يحترف التأْريخ بقدر ما يحترف تأويلَ التاريخ يَهمّه البحثُ في القيم وما يمتدّ منها بين حيثيّات الحدث سواءٌ في حوافزه التي هيّأته أو في غاياته التي تتعاقب من بعده.

وأول ما يحضرني خاطرةٌ إن أكُنْ قد سُبقت إليها فأنا المقصّر إذ فاتني أن أطلع عليها عند من سبقني إليها، أما فحواها فيتلخص في أن تونس قد فارقت – بتجربتها في هذا المجال – شقيقاتها عند نقطة البدء، وعن هذه المفارقة سينجُم مسارٌ مغاير يتيح قراءةً مغايرة. لقد ارتبطت نشأة الجمهورية في كل أقطارنا العربية الأخرى بالخيار الثوريّ، فتخلقت فكرة النظام الجمهوريّ – بحد ذاتها – في المدّ الانقلابيّ، واقترنت ولادتُه بنزيف الدماء القانية، فكان صورةً عالية الرمز لمجازات الولادة القيصرية. كذا حصل في اليمن وفي العراق وفي ليبيا، بل كذا حصل في مصر إذا ما أحسنا مراجعة السياق الأصغر في ضوء السياق الأكبر.

إن طبيعة هذه النشأة قد وَصَمت فكرة انبثاق الجمهورية بطابع الصّراع الدمويّ الذي يكون الملاذَ الأخيرَ لاستفحال اليأس، وبناءً على ذلك كان إعلان الجمهوريات ألصقَ بقانون رد الفعل منه بآليات تطور المجتمعات بحسب نواميس الحركة التاريخية. فلم يكن الخيار الجمهوريّ قيمة يُبحث عنها في ذاتها بقدر ما كان أداة لتحريك سكون التاريخ، لم يكن هو الشرعيّة المفقودة التي يُسعَى إليها وإنما كان مطية لإثبات فقدان الشرعيةَ في الأنظمة القائمة.

أما لحظة ولادة الجمهورية في تونس فتكاد تتفرد بحيثيات نوعية لا تضاهيها في خصوصياتها لحظاتُ النشأة في التجارب العربية الأخرى. فلقد نرى في سياق التاريخ صُورًا متماهية بين الظرف التاريخيّ الذي عرفته تونس وما عرفته الأقطار الأخرى، ولكن يبقى يقينا أن التجربة العربية الوحيدة التي يمكن أن نقول عنها "إن الجمهورية قد كانت فيها قيمة وخيارا" هي تجربة تونس.

إن جنين الجمهورية في البلاد التونسية – على نقيض جل المشاهد العربية – قد تخلّق في رحم الاستفتاء الذي احتكم فيه السياسيّ إلى الاختيار الشعبيّ عن طريق العملية الانتخابية، وعنها انبثق "المجلس القوميّ التأسيسيّ" فكانت مهمته صياغة نص الدستور الذي حدد نظام الحكم للبلاد وأصدر قراره طبقا للصلاحيّة المستمدة من إرادة الشعب ونصّه :

"نحن، نوّابَ الأمة التونسية، أعضاءَ المجلس القوميّ التأسيسّ، بمقتضى ما لنا من نفوذ كامل مستمَدّ من الشعب، وتدعيما لأركان استقلال الدولة وسيادة الشعب، وسيرا في طريق النظام الديمقراطيّ الذي هو وجهة المجلس في تسطير الدستور، نتخذ باسم الشعب القرار التاليَ النافذ المفعول حالا :

أولا – نلغي النظام الملكيّ إلغاءً تاما،

ثانيا – نعلن أن تونس دولة جمهورية (...)

أصدرناه في قصر المجلس "بباردو" يوم الخميس 26 ذي الحجة سنة 1376 وفي 25 جويلية 1957 على الساعة السادسة مساءً".

وبصرف النظر عن مدى أهمية تلك الخاطرة، وما قد تتيحه من قراءة للحدث تتأوّلُهُ وَفقا لما سَبقه وهيّأ له، ولِما لَحِقه فأعقبه، فإن البحث في فرادة التجربة التونسيّة لا صلة له بأيّ حميّة شوفينيّة لأن تفكيك مكونات الحدث بالمنهج المقارن تحمي الخطاب من تجاعيد النرجسيّة الجمعيّة، بل لا يمكن لأي عربيّ موغل في أعماق الوعي القوميّ إلا أن يتحلى بالإنصاف فيَشهدَ على ما نحن بصدد إجلائه. ويكفي – لتتويج تلك الخاطرة – أن نستنبط بعض ملامح النظم العربية طيلة عقود دولة الاستقلال التي بلغت الآن في عمرها نصف القرن، أو تزيد، متوسلين بالمناظرة بين ما كان هنا وما كان هناك.

لقد رَسّخت تجربة انبعاث الجمهوريات العربية – انطلاقا من ردة الفعل الثورية وانطلاقا كذلك من سطوة الفكر الانقلابيّ الثأريّ – سلطة المؤسّسة العسكرية فانبعثت حامية للأنظمة السياسية المتعاقبة، ومن أغرب ما حصل وأعجبه أن الفكر العسكري انبرى – في مستوى الخطاب – ناطقا باسم الخيار الجمهوريّ، وهكذا قفزت الممارسة السياسية فوق "منطق" التاريخ إذ أمست ترتدي أقنعة النظام المدنيّ لتغطيَ به أزياء السلوك العسكريّ، وفي هذا الملمح الدقيق تفارق التجربة التونسيّة كل التجارب العربية التي انبثقت فيها الأنظمة الجمهورية بالولادة القيصرية.

أفنقول إن للشعوب طبائعَ، وإن تلك الطبائع قد تتباين كليّة حتى بين أقطار الأمّة الواحدة ؟ أم نقول إن أقاليم المعمورة تطبع من يَعمرها بميزات وخصائصَ تباعد بينها وبين أبناء عمومتها القاطنين في أقاليمَ أخرى ؟ أم سيَجمُح بنا التأويل حتى نرى في الشعوب "جنات" تكوينية يتوارثها أبناءها توارثا جمعيّا ؟

ليس شيء من ذلك يَثبت بمنطق التحليل العلميّ الصارم، ولكنها قرائن وإرهاصات لا يهملها المتأولون للتاريخ، ولا الطارقون لأبواب علم العمران، وربما أيضا بعض المجتهدين الحاليّين في مجال الأنتروبولوجيا. منذ ستة قرون تحدث عبد الرحمان ابن خلدون عن طبائع الشعوب وربطها بمكونات عديدة منها المكوّن الجغرافيّ بما يعتريه من الخصائص المناخيّة. وفي العصر الحديث انكبّ العالم الجغرافيّ الموهوب جمال حمدان على دراسة "شخصيّة مصر"، فنكاد – مع هذا وذاك – نسلّم بأن الحديث عن خصائص الشعوب حقيقة علمية ساطعة.

فإن نحن عدنا إلى سياقنا أفلا نرى في شعب تونس خصيصة ذاتية تُحايِث مكوناتِه فتجعله بطبعه أميلَ إلى السلم منه إلى العنف، وأقربَ إلى السلوك المدنيّ منه إلى الإيقاع العسكريّ، وأكثرَ التئاما مع الحكم الجمهوريّ منه مع أيّ حكم استبدادي ؟

ثمّ ألا نرى كيف يستأنف الشعب موعده مع التاريخ : حين آل الأمر بدولة الاستقلال الأولى إلى التداعي، وتكشفت تجاعيد الوهن بعد أن اعتورتها الأعراض والعلل، انبعثت دولة الاستقلال الثانية لإنقاذ المشروع الحضاريّ الذي راهن فيه الشعب على اجتياز مناظرة العصر لإدراك منزلة الحداثة من أوسع أبوابها، ولكن الأهم في ذلك – والذي يعنينا تخصيصا في هذا السياق – هو أن الجسر الواصل بين الدولة الأولى والدولة الثانية قد كان سلسا، وأن عبوره كان منسابا، ولم يخف على أحد أن الحكم الجمهوريّ في هذه البلاد قد قام على سنن وعلى أعراف لم تألفها دول العالم الثالث على مدى خمسة عقود، ولا يقوَى أحد مهما يكن حسَدُه أن يماريَ في أن تلك اللحظة كانت درسا قطعَ جذريا مع تراكمات مكينة ترسبت في كثير من الأقطار العربية تحديدا.

إن الأرضية التشريعيّة التي تهيّأت كمنصّة تنطلق منها حركة الفعل التاريخيّ والتي تجسمت في "المجلس القوميّ التأسيسيّ" فأتاحت للشعب التونسيّ عبر نوّابه المنتخبين أن يعلن لحظة ولادة الخيار الجمهوريّ هي نفسها قد هيّأت الأرضيّة الدستورية التي أتاحت حماية ذلك الخيار من فوضى المآل لو تركت الأحداث على عواهنها تنفلت بلا حَكَمٍ وبلا معيار.

أفتكون الخاطرة – سواءٌ صحّ انسجامها في ذاتها أو صحّ بعد تركيبها وتأوّلها – ضربا من الإسقاط التاريخي نفسّر فيه السابقَ باللاحِق بدل أن نفسر اللاحقَ بالسابق ؟ أم تراها لونا من ألوان الأدبيات في السياسة تحوّل الخطاب من مجراه العقلانيّ إلى مجاري الترسب الإيديولوجي فيتخالط فيه الذاتيّ بالجمعيّ، ويتوالج الانتماء الأصغر مع الانتماء الأكبر، فإذا هو بين نرجسيّة الفخر وعُقدة الاستعلاء ؟

إن انبعاث الوعي الجديد بالقيم التاريخية يستوجب إعادة قراءة لحظات النشأة في ضوء مقارنة أوسع مما فعلنا. فالأنظمة الجمهورية – من خلال نماذجها في بعض أقطار الوطن العربيّ – قد اقترنت في نشأتها بمعادلة خاصة تختلف عن المعادلة التي نشأت فيها الأنظمة الجمهورية في أوربا عامة ولا سيما في مهدها الأول، فرنسا. صحيح أن الجامع المشترك بين ضفة الغرب وضفة الشرق هو التخلص من نظام الحكم الوراثيّ الذي جسمته الملكيات على الوجه الأخصّ حتى تحولت عبر العقود والقرون إلى نظم استبداديّة ساحقة، فأصبحت الشعوب خادمة للأسرة المالكة بدل أن تكون أسَرُ الحكام هي الخادمة لشعوبها.

ولكن الفارق العميق تَمَثل في أن الحركات الشعبية التي جسمت الثورة – في فرنسا على الملكية وحتى في روسيا على القياصرة – قد كانت شعوبا مستقلة، دار صراعها الوحيد بين قواعد الهرم المجتمعيّ وقممه. أما في الأقطار العربية – حيثما انبثق الحكم الجمهوريّ – فإن نشأته قد ارتبطت بمعادلة ثلاثية : فيها الشعب، وفيها نظام الحكم الوراثيّ، وفيما المستعمر المتنفذ، ذاك الذي توسّل – في أغب الأحيان – بأنظمة الحكم الملكيّة كي تفتح له مسالك بسط النفوذ الاستعماريّ، ثمّ استخدمها ذريعة يموّه بها في خطابه المزدوج بين المهمة الاستعمارية والتبشير بنشر الحضارة والمدنية، وهكذا أوغلت الملكيات في التستر على أكذوبة التاريخ الكبرى، وأسلمت رقابها إلى المستعمر المستبد مقابل إبقائها على عروشها، والذين كانوا – من بين الملوك – على وعي خاص بأمانة شعوبهم فسعوا إلى كسر أضلاع المثلث (شعب، ومستعمر، وملك) فتماهَوْا مع شعوبهم في صراع ثنائي مع المحتل لم يتوان الاستعمار في تأديبهم سواء بالعزل كما حصل في تونس مع محمّد المنصف باي (13 ماي 1943) أو بالنفي كما حصل مع سلطان المغرب محمّد ابن يوسف الملقب بمحمّد الخامس الذي رحل به الفرنسيّون إلى مدغشقر (1953 – 1955).

إن ثلاثية المعادلة التاريخية هي التي سوّغت لأغلب التجارب العربية بأن تكون ولادة الحكم الجمهوريّ فيها عن طريق العملية القيصريّة بينما تميزت نشأة الجمهورية في البلاد التونسية بأن كانت ولادة بدون ألم.

فإذا ما قلنا إن الحكم الجمهوريّ في تونس هو اختيار يحمل بين طياته قيمًا فليس ذلك من الأدبيات التي يبرّرها الانتشاء المرافق للبهجة الاحتفائية، ويكفي – إن كنا في حاجة إلى التأكيد – أن نعود إلى متن النصّ لنرى كيف توَظبَ. لقد اتخذ المجلس القوميّ التأسيسيّ بكل الشرعية التمثيلية قراره الذي أسلفناه آنفا، ثم عكف على إعداد دستور للبلاد، فانتهى من صياغته وأصدره بتاريخ 1 جوان 1959، ثمّ توالت التعديلات بموجب القوانين الدستورية في 1965 و 1967 و 1969 و1975 و 1976 و 1981 وفيه تغير اسم "مجلس الأمة" إلى "مجلس النواب" ثم 1988 و2002.

إنه ليكفي أن نعيد قراءة "التوطئة" في ضوء خواطرنا التأملية هذه حتى نتبين بجلاءٍ مغزى المرجعية القيمية في الخيار الجمهوريّ، فقد تأسست ديباجة الدستور على فاتحة وجيزة لخصت الحيثيات التاريخية الحافة :

"نحن ممثّلي الشعب التونسيّ المجتمعين في مجلس قومي تأسيسيّ، نعلن أن هذا الشعب الذي تخلص من السيطرة الأجنبيّة بفضل تكتله العتيد وكفاحه ضد الطغيان والاستثمار والتخلف، مصمّمٌ..."

ولا يخفى ما في هذا التقويم من إبراز للبطولة الجماعية وهو ما يلغي كلّ نزوع إلى جعل الزعامة الفردية في مرتبة تعلو مرتبة جمهور الشعب، ومعلوم – في بدائه العقل الأولى – أن الشعب يظل شعبا سواءٌ تزعمته قيادة أو لم تتزعّمْه، أما الزعامة فلا معنى لها، ولا وجود، إلا إذا انضوى حولها الشعب.

ثمّ تأتي "التوطئة" إلى ذكر ثلاث حيثيّات غائيّة هي تلك التي "صمّم" عليها الشعب، وجاءت في فقرات ثلاث، وهي متعلقة بلفظة "مصمّم" السالفة الذكر :

– "على توثيق عرى الوحدة القومية والتمسك بالقيم الإنسانية المشاعة بين الشعوب التي تدين بكرامة الإنسان وبالعدالة والحرية وتعمل للسلم والتقدم والتعاون الدولي الحر،

- وعلى تعلقه بتعاليم الإسلام وبوحدة المغرب الكبير وبانتمائه للأسرة العربية والتعاون مع الشعوب الإفريقية في بناء مصير أفضل وبالتضامن مع جميع الشعوب المناضلة من أجل الحرية والعدالة،

- وعلى إقامة ديمقراطية أساسها سيادة الشعب وقوامها نظام سياسي مستقر يرتكز على قاعدة تفريق السلط"،

وهكذا – كما نصت الفقرة الثالثة – يتضح أن الغايات الحضارية المرسومة هي التي تستوي مُثلاً مقصودة لذاتها، وعلى هذا الأساس يأتي اختيار نظام الحكم كالنتيجة الطبيعية للأسباب المخصوصة، وفعلا تأتي الديباجة مباشرة بعد ذلك إلى التنصيص على الذي من أجله اختير الحكم الجمهوريّ :

"ونعلن أن النظام الجمهوري خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ولتوفير أسباب الرفاهية بتنمية الاقتصاد واستخدام ثروة البلاد لفائدة الشعب وأنجع أداة لرعاية الأسرة وحق المواطنين في العمل والصحة والتعليم.

وبعدئذ يغدو طبيعيا أن ينص الفصل الأول من الدستور (ضمن فقرة الأحكام العامة من الباب الأول) على أن :

"تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها"

إنّنا بعودتنا إلى متن النص نستنطقه إنما نروم تثبيت الخاطرة التي جعلناها تحت مظلة تجديد الوعي بأن النظام الجمهوري، في تونس تحديدا، له حيثيات تاريخية لا تتطابق بالضرورة مع الحيثيات التي عرفتها تجارب الآخرين، وأهم فارق يكمن في مرجعية القيم، فمعلوم أن النخبة التونسية التي ناضلت في سبيل استرداد الحرية، فتصدت لضراوة المستعمر، قد كانت أمام معادلة دقيقة جدا: كانت تؤمن بسموّ القيم الإنسانية العامة التي عليها أنجز الغربُ نهضته الحديثة بعد أن استوعب بالهضم والتمثل المنجزَ الإنسانيَّ في مناهله اليونانية ثمّ العربية الإسلاميّة، وكانت في نفس الوقت تؤمن أن الحركة الاستعمارية نشازٌ فظيع انحرف فيه الغربُ الأوربيّ عن مدار شموس الأنوار، وبناءً على ذلك كله اجتهدت النخبة السياسية في اقتلاع حق شعبها في الحرية، وما أن أرغمت المستعمر على ترك البلاد لأهلها حتى اتخذت من القيم الإنسانية العامة المرجعيّة الأولى لتأسيس دولة الاستقلال، وكان في مقدمة ذلك تركيزُ نمط الحكم الذي يستجيب لمهجة الشعب ويؤسس له سلامةَ الحياة الديمقراطية كما نصت على ذلك ألفاظ المتن.

ولكنّ منطق إحياء الوعي لابتعاث القراءة التأويلية الأصدق يقودنا إلى القول بأن رهانات التحديث التي انطلقت من نص الدستور ما كان يمكن لها أن ترسّخ قيمها في الفعل التاريخي لولا أنها وجدت شعبا آمن بها فانصاع إلى اقتضاءاتها، ولا يلزم في الاستدلال على ذلك إلا مثالٌ واحد هو الاستجابة المطلقة لخيار تعميم التعليم. وهذا أيضا من رقائق الأفكار التي تغيب عن الوعي الشائع فتستوجب – هي بحد ذاتها – ابتعاث وعي جديد. كلُّنا يعلم، من التاريخ أو من الحاضر، أزمة قياداتٍ حاولت أن تدفع بقطار شعوبها على سكة التحديث فلم تنصَعْ لها جماهيرُها، وتلكأت عجلات القطار عن الدوران حتى صدئت وصَدِئت معها أذرعُ السكك. وفي روائع الأدب العالمي سبق للشاعر والمسرحي المارتينيكي إيمي سيزير Aimé Césaire الذي احترف السياسة طويلا أن صوّر مأساة الزعيم حين لا يستجيب له شعبه في الانطلاق نحو التقدم الحضاري، وهو ما أجلته مسرحيته "مأساة الملك كريستوف" (1964).

لقد اندفع شعب تونس في مغامرة التحديث مبكرا جدّا، وسابَق في ذلك سائرَ الشعوب العربية بلا استثناء، وكان الحكم الجمهوري مقودا لتفعيل المؤسسات وإلهام المجتمع أنفاسَ المدنية، وكان من أولويات القيم الجمهورية تحديدُ وظيفة الجيش بحماية البلاد من أي خطر محتمل، فلم تُتَحَْ للمؤسسة العسكرية الأطماعُ التي فتحت لها في كل الأقطار العربية الأخرى حيثما كانت جمهورياتٌ متولدةٌ من أرحام مجالس الثورة، وكان من أولوياتها أن وظيفة المؤسسة الدينية الاجتهادُ في شؤون الناس الروحية بحيث تُيسّرُ لهم الانسجامَ بين الإيمان والعبادة دون أن تُمَدَِّد صلاحياتها إلى شؤونهم السياسية.

ولكن ما الذي آل بمشروع التحديث مع دولة الاستقلال الأولى إلى مآزق التاريخ ؟

ليس لي من جوابين، إنما هو واحد، وعبارته جلية واضحة: أن الممارسة السياسية قد جرّأت صاحبَ القرار على ميثاق الحكم الجمهوري في إحدى ركيزتيه الأساسيتين اللتين بفضلهما كان نقيضا للحكم الملكي: دوام الحكم بدوام الحياة وتوارث الحكم على أساس الانتماء السلالي. هكذا كانت القاعدة في الملوكيات، وهكذا بإلغائهما انعتق الحكم من سطوة الاستبداد. ولكن تجربة الحكم آلت إلى انتقاض صاحب الأمر على الدعامة الأولى، فتم تغيير الدستور بتاريخ (18 مارس 1975) مبتعثا من عَدَمها قاعدة دوام الحكم بدوام الحياة، أما عملية "الإخراج" فقد توظبت انطلاقا من مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري (المؤتمر التاسع – مؤتمر الوضوح – المنستير – 12 سبتمبر 1974).

صحيح أن البلاد عرفت في تلك الفترة مصاعبَ كأداءَ أقحمتها سريعا في مآزق مُضْنية، ولكن شيئا من ذلك لا يبرر إطلاقا الانتقاض على روح الخيار الجمهوريّ، ولا النيلَ من نُسغه الروحيّ، لأن البعد القيميّ – في هذه الاختيارات – كليّ لا يقبل التجزئة، ومَن قد يجادلُ في أن مأزق دولة الاستقلال الأولى مع التاريخ قد بدأ في لحظة اختراق الميثاق الجمهوري ؟ إن حلّ معضلة سياسية – مهما يكن حجمها أو عمقها أو إسقاطاتها – لا يمكن أبدا أن يكون بحفر ثغرة دستورية.

لقد سبق للطاهر بلخوجة أن أصدر كتابا بعنوان "الحبيب بورقيبة : سيرة زعيم" مضيفا إلى العنوان الأساسي عنوانا فرعيا هو "شهادة على عصر" سعى فيه إلى إماطة اللثام عن جملة من الحيثيات التي حفت بذاك التعديل الدستوريّ، وكان أعظمها خطرا ما كان يمور في منطقة المغرب العربيّ من مجاذبات متصارعة، ولم يكن منزعه في "شهادته على العصر" أن يفسّر الأحداث فقط، وإنما كان يوحي بتبريرها، فلم يكن مقنعا على الوجه الذي يتصوّره، وفي الذاكرة أن توصية الحزب إبان "مؤتمر الوضوح" قد زعزعت قناعة كثير من الوطنيين الدستوريين ولاسيما في صفوف النخبة، فانكفأ بعضهم، وتلاشى حماس البعض الآخر، ولكن شرف الانتماء يقتضي اليوم أن ينجز كل فرد ملتزم نقدَهُ الذاتيّ في ما يخص ذاك الحدث، ولا سيما إذا كان محسوبا على النخبة المفكرة، ولا يضيرُ الاعتراف النقديّ أحدا.

ولا أدل على تعذر التبرير – كما سعى إليه الطاهر بلخوجة – من أنه استهلّ الفصل الثامن من كتابه – وعنوانه "الجمهورية" – بالقول :

إن "غياب الديمقراطية في تونس عرقل التنمية الشاملة خلال العقود الثلاثة، وقد أعاقها نظامُ الحزب الواحد وطغيان الفكر الواحد الذي ولّد سلطة مطلقة اضطرت إلى مواجهات في مختلف الميادين من أجل المحافظة على نفوذها. فما انفكت النزاعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تنخر الجمهورية وتنعكس على سير مؤسساتها الشرعية التي لم تقم بدورها كمنتدًى للأفكار ومتنفَّسٍ للمجتمع. ولم ينتصب مجلس الأمة ولم تقف المنظمات الاجتماعية والمهنية والمجتمع المدني كجسور واقية أمام المتاهات والانحرافات".

ولا شك أن نص "الميثاق الوطني" الذي وَقَّعت عليه الأحزابُ السياسية والمنظمات الاجتماعية والمهنية بتاريخ 7 نوفمبر 1988 قد أحكم الموضوعَ وأوجزه في أدق عبارة :

"... مَا أن انتصر شعبُ تونس بتحقيق الاستقلال حتى أُعلنت الجمهورية وصدر دستورٌ ينص على أن السيادة للشعب يمارسها عبر الانتخاب الحر وأن نظام الدولة جمهوريٌّ يعتمد التفريق بين السلط ويضمن استقلالَ القضاء وحقوق الإنسان وحرياته الأساسية. غير أن نظام الحزب الواحد وتهميش المؤسساتٍ وشخْصََََنَةَ الحكم والانفراد بالسلطة كانت كلها ممارساتٍ مخالفة لدستور البلاد وسببا في عديد الأزمات".

إن استذكار منعرجات خمسين سنةً من النظام الجمهوري هو جزء من الاحتفاء، لا سيما إذا وضعناه تحت نجمة ابتعاث الوعي الجديد. ولأن الحكم الجمهوريّ – في تونس – قد كان خيارا متأسسا على قيمٍ مُثلَى فإن تلك القيم هي التي ردت الفعلَ على "التحريف" فانبثقتْ منها حركة "التصحيح" التي حلّت بها دولة الاستقلال الثانيةُ محلَّ دولة الاستقلال الأولى.

ويبقى بعد هذا وذاك أن التاريخ ليس أحداثا تتعاقب، ولا هو جدلية آلية تتلاحق، وإنما "التاريخ عِبَرٌ" كما نص عليه ابن هذه الأرض الطيبة عبد الرحمان ابن خلدون .

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org