في ندوة كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان :
العقل والإيمان... من أجل عالم متضامن
خاصّ ـ "أفكار أونلاين" – حياة السميري.
ربّما نجح اتباع الديانات المختلفة في معاندة الجموح التنويري إلى إقامة مدينة بلا إله، ولكن الرأسمالية المتوحّشة قضت تقريبا على كلّ الآمال في إيجاد عالم يستند إلى القيم الإنسانية الجامعة في ترتيب العلاقات بين الإنسان والإنسان، وبالتّالي في تجنيب البشريّة ما عرفته من مآسي ومن حروب انفجرت في عقول البشر قبل أن تنفجر على أرض الواقع .. فلقد قام النظام الرأسمالي على منطق النفعية والربح المطلق دون اعتبارات أخلاقية وإنسانية، ورُتِّبَتْ السياسات العامّة للقوى العظمى خدمة لبعض الأقطاب الاقتصادية والمالية ـ واستُنْزِفتْ مقدّرات الشعوب تحقيقا لهذا الهدف، واستُبيحَتْ السيادات الوطنية والحريّات، وأُطيح بالحدود ليتحوّل العالم إلى سوق كبرى للاقتصاد الحرّ، الأمر الذي أذكى مشاعر الإحباط والإحساس بالضيْم وفجّر ردود الفعل غير المدروسة وتغذية ثقافة انتكاسية هي ثقافة الأصوليات المتطرّقة التي تحطّمت معها قيود العقل وانفلتت الأهواء ومشاعر التعصّب والكراهية والعنف، وما نتج عن ذلك من مواجهات عنيفة لهذه الأصوليات الأمر الذي أدخل العالم في دائرة جهنمية من العنف والعنف المضادّ،هو صورة من صور استبداد العقل وضلالات الإيمان عندما ينحرف عن مرجعياته الأصلية والأصيلة ويدفع بأصحابه إلى منطق الثأر والايطوبيات التي تمثّل جحيما للبشر بدلا أن تكون فردوسهم المنشود .
كرسي بن لحوار الحضارات والأديان بتونس دعا إلى تفكيك هذه الدائرة الجهنمية وذلك من خلال «ندوة العقل والإيمان من أجل عالم متضامن» والتي شارك فيها أكثر من سبعين باحثا ساهموا في تقصّي العلاقة بين العقل والإيمان من زوايا نظر متعدّدة منها الفلسفي والاجتماعي والديني والسياسي وتحديد دور كلّ منهما في إكساب عالم ما بعد الحداثة الذي تعيشه معنى بعد أن خلا من كلّ معنى .
التأسيس العقلي للإيمان
القراءة الفلسفية الأولى لهذه العلاقة كانت قراءة الأستاذ محمد محجوب أستاذ التآويلية والفلسفة المعاصرة بتونس . وهذه القراءة حسب الأستاذ محجوب لا تخرج عن نماذج ثلاثة يمكن توصيفها حسب العلاقة بين الإيمان والعقل كالتالي : النموذج المجازي أو التأسيسي العقلي أو الفلسفي للإيمان، والنموذج النقدي بالمعنى الكانطي، وأخيرًا النموذج الايطيقي الذي يقوم على الفهم والتسامح .
ويقوم التأسيس العقلي للإيمان ضمن النموذج المجازي على عدم وجود تضارب بين العقل والإيمان، والمثال على هذا النموذج هو مثال ابن رشد في «فصل المقال» . وتتحكم في عملية التأسيس هذه عدّة مسلّمات منها أنه يجوز التأويل، أي عدم توقف المعنى على الظاهر من الكتاب . والفكرة التي يدافع عنها ابن رشد في «فصل المقال»، والتي يعود إليها سبينوزا أيضا، أنه كلّما ظهر تناقض في النص بين البرهان العقلي والايمان الديني يجب حمله على أنه ظاهري وتأويل النصّ الشرعي على ما يؤدّي إليه البرهان الفلسفي . أما المسلّمة الثالثة فهي أن الشعوذات التي لا تمتّ للإيمان بصلة، قد زيفت الإيمان الديني، فهناك تسليم بآن هذا الأخير ليس محضا بل ينبغي تطهيره من الاعتقادات والأهواء الفاسدة، وهكذا يشرّع التأويل الفلسفي للنصّ الديني، ويتمّ الإقرار بآداتية العقل الفلسفي . وهذه مسألة خاصة بالعقل العربي، كما يرى الباحث . وهذا التمييز بين نظام المعرفة والغايات كما يقول الأستاذ محجوب بلغ من الوضوح ان الإيمان يبدو غير تابع لاي نسق معرفي، وحدّ الاعلان ان المعرفة ليست معرفة لأمّة بعينها، ولا تحمل علامة، فهذا النموذج صامت ايطيقيّا .
إن قوّة ابن رشد إذن هي في تشريع المعرفة الفلسفية كأداة للإيمان . إلا إن هذه الأخيرة لا ترتبط بالمعنى إلا بتوسط، فليس للعقل الفلسفي بمعنى في حدّ ذاته، لأن مجال المعنى هو مجال الإيمان، وهكذا تبدو العلاقة بين العقل والإيمان مزدوجة، فمن جهة العقل هو ما يؤسس الإيمان، لأن الإيمان لا يمكن أن يتفكّر ذاته إلا مجازيا، ومن جهة ثانية العقل لا يمكنه ان يشتغل على النصّ إلا كأداة .
أما النموذج الثاني للعلاقة بين العقل والإيمان فهو نموذج الإقامة الجغرافية والمدنية لمنطق السلم بين العقل والإيمان . ومسلماته ان العقل الإنساني تطرح عليه أسئلة ما ورائية، ولا يمكن ان يتجاوزها، إلا أن العقل الإنساني محدود وهو لا يعرف ذلك . ولما كان لا يعرف أنه محدود فهو يتجاوز حدوده إلى مسائل ليست في طاقته . لقد حكم هذا المنطق القرن الثامن عشر، وكان الموقف من العلاقة بين العقل والإيمان هو تسطير الحدود بينهما وإلزام كلّ منهما بحدوده . ونجد في هذا التسطير للحدود مقدّمات لسياسة جديدة ولتدبير جديد للمدينة شقّ طريقه من الأنوار إلى أيّامنا هذه .
أما النموذج الثالث فهو التشكّل الحديث لعلاقة العقل بالإيمان، وهو يقصي مسألة التأسيس العقلي للإيمان أو الإيماني للعقل ليعوّضها بإشكالية الامكان وبإشكالية الحدود . فهو يلتزم بالحدود القائمة بينهما، ويتميّز بالغيرية بين العقل والإيمان وبضرب من العلاقة يسودها الفهم وإمكانيّة التعايش بين العقل والإيمان .
تديّن دولي
ويوضح عالم الاجتماع التونسي الأستاذ رضا بوكراع في بداية مداخلته «تطوّر إشكالية العلاقة بين العقل والإيمان» أن هذه الإشكالية ليست كونية بل هي خاصة بمجال جغرافي هو المجال المتوسّطي الذي يغطي الديانات الكتابية الثلاث، كما أوضح ان هذه العلاقة تتجذر في مؤسسات وأشخاص وفاعلين اجتماعيين، وعندما نتحدّث عن مؤسسات وعن فاعلين اجتماعيين فإننا نتحدث عن دولة، ذلك أن للإيمان، حسب قول الباحث التونسي، وظيفتين : وظيفة دينية وأخرى سياسية وبين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت . كما أن العلاقة بين العقل والإيمان تخضع لثلاثة مقومات : المقوّم المعرفي والشعوري والخضوع للدولة وهذه التركيبة تتغير حسب الفترات التاريخية . وفي إطار ما قبل الحداثة يتناول الأستاذ بوكراع مكانة العقل والإيمان عند ابن خلدون فيشير إلى أن العلاّمة يضع العقل في مرتبة ثانية ذلك ان العقل حسب رأيه لا يوصل إلى الحقائق الغيبية، وهكذا نرى ان ابن خلدون يجدد في نظرته إلى المعرفة التاريخية ولكنه لا يجدّد دينيا ومردّ ذلك كما يرى الباحث هو ان مجتمع ابن خلدون كان مجتمعا محافظا دينيا، وأن التفكير دينيا بشكل مغاير لما هو سائد يمسّ البنية السياسية للدولة، ذلك ان الديني والسياسي يتعالقان، وما هو ملفت، كما يضيف الأستاذ بوكراع ان هذا التعالق أو حتى الانصهار بين الديني والسياسي في الدولة عرفته دول الغرب المسيحي مع محاكم التفتيش في أسبانيا، وكان غاليلي ضحية هذا التداخل واضطر لمراجعة آرائه لينقذ حياته، أما برونو فقد احرق لأنه عدّ متجاوزا لحدود الدين .
ومع دخول أوروبا مرحلة الحداثة، وظهور الدولة الرأسمالية وعلمنة الدولة تراجع الديني إلى المجال الخصوصي وبدلا من الحروب الدينية قامت حروب الأمم . وانتشرت ظاهرة العلمنة حتى في المجال الإسلامي مع التجربة التركية مثلا، أو إقصاء الدين تماما كما التجربة البلشفية .
أما مرحلة ما بعد الحداثة فقد تميّزت بظاهرة عودة الديني، وأصبحنا نتحدّث عن تديّن دولي، واستعادت الكنيسة في العالم الثالث وفي أمريكا اللاتينية دورها، وتجدّدت كما تطوّرت الحركة التبشيرية المسيحية والإسلامية ولم تعد العقلانية مطلقة، تتحكّم في منطق العلوم التي تجاوزت مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض، بل يمكن القول ان العقلانية أصبحت انفعالية عاطفية والانفعالية أصبحت عقلانية . وإننا أصبحنا نتحدث عن عقلانيات، تتجاور مع الروحي والانفعالي الذي أخذ اعتباره وموقعه في عالم ما بعد الحداثة .
الإرث الرشدي
في هذه الندوة كان هنالك أيضا احتفاء بالفلاسفة والمفكّرين الذين كانوا سباقين إلى النظر إلى هذه العلاقة مثل ابن رشد المسلم وابن ميمون اليهودي وتوما الاكويني المسيحي .
ولقد قدّم الأستاذ حسن حنفي المفكّر المصري المعروف مقارنة لمقاربة هؤلاء الفلاسفة الثلاثة لهذه العلاقة، حيث ان الإيمان عند ابن ميمون الحبر الأعظم وليس موسى بن ميمون الفيلسوف تلميذ المسلمين قرار مطلق من الله لا تبرير عقليا له مثل الاختيار وشعب الله المختار والميثاق وأرض الميعاد، فيما ان العقل يستطيع، عند توما الاكويني ان يصل إلى الإيمان الطبيعي بوجود الله عن طريق الأدلة العقلية ولكن يظل جوهر الإيمان مثل التثليث والخطيئة والفداء سرّا لا يدرك إلا بالإيمان، أما بالنسبة لابن رشد فإنّ الحكمة والشريعة شيء واحد .
ومن جهته يرى الأستاذ أو ليفييه تومافيرنار المختص في الدراسات الفلسفيّة والإنجيلية أن توما الاكويني الذي يمثل ثمرة تلاقح بين فلسفة ابن ميمون والفلسفة العربية والأوسطية قد نجح في أن يكون عابرا للأديان، وقد قدم نموذجا للعلاقة بين العقل والإيمان يمثل أساسا لتضامن حقيقي بين حكماء اليهودية والمسيحية والإسلام .
في الفكر الإصلاحي التونسي
وغير بعيد عن عصرنا، بل في قلب مشاغل هذا العصر، يتنزل موقف مصلحيْن تونسيين هما خير الدّين التونسي والطاهر الحدّاد من خلال مؤلفيهما «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» و»امرأتنا في الشريعة والمجتمع» وهو موقف قام بعرضه الأستاذ العروسي الميزوري مدير المعهد الأعلى لأصول الدين بجامعة الزيتونة . وقد اعتمد الباحث في دراسة هذا الموقف على مدى تداول مصطلحي العقل والإيمان ومشتقاتهما والحقول الدلالية المرتبطة بهما في مؤلفيْ المصلحين . ويخلص الباحث من عملية الجرد الدقيقة التي قام بها إلى أنه قد تمّ استعمال مصطلحي «إيمان» و»عقل» والحقول المرتبطة بهما في كلّ من الكتابين بصورة شبه متماثلة . كما ان المصلحين ربطا بين مفهوم العقل من جهة ومفهوم الإيمان من جانب ثان باعتبار أن معظم مصطلحات العقل لديهما لا تخرج عن إطار المصطلحات الدينية في الثقافة الإسلامية كالاجتهاد والحكمة والاستقراء وأولو الأبصار والبصيرة والتأمل والاستشهاد بالمنقول والمعقول الخ .. ويمكن أن نعزو مثل هذا الطرح لدى المصلحين كما يضيف الأستاذ الميزوري إلى عاملين أساسيين لهما أهمية أكثر من غيرهما : العامل الأول هو تدهور الأوضاع الداخلية في عصريهما . أما العامل الثاني فيكمن في التأثر بمظاهر التمدّن الأوروبي .. إلا أنه يبدو أيضا من خلال المدونتين ان الإيمان أمر مألوف ومسلّم به لدى كلّ من خير الدين التونسي والطاهر الحدّاد وان إعمال العقل هو الذي أصبح لديهما المطلب الضروري الذي يجب إعادة الاعتبار إليه في ضوء الضوابط الشرعية والمصالح الوطنية قصد تحقيق التقدم واللّحاق بركب الحضارة . ولقد تمثلت ابرز إجراءات خير الدين المبنية على المواءمة بين الدين والعقل في إصلاح نظام الحكم وإصلاح التعليم وتحديث البنية الاجتماعية والاقتصادية، فيما تمثلت هذه الإجراءات لدى الطاهر الحداد في الإصلاح الاجتماعي وإصلاح النظام التعليمي وتمكين المرأة من حقوقها المشروعة . كما يظهر حرصهما على المواءمة بين العقل والنقل في مصادرهما ومراجعهما في الوصف والتحليل والتأصيل والتأسيس والاستشراف وقد اعتمد كل منهما على القرآن والسنّة والدساتير الحديثة وأمهات المصادر والمراجع في مختلف ميادين المعرفة . وقد أصبح الفكر المستنير للمصلحين خير الدّين التونسي والطاهر الحدّاد مرجعيّة دائمة للتحديث في المجتمع التونسي فكرا وممارسة .
معركة العقل
ولكن إذا كان للعقل والإيمان هذا المقام في الديانة المسيحية وفي الديانة الإسلامية وهذا المقام لدى حكماء اليهودية وفلاسفة الإسلام والعالم الغربي، فلماذا نشأت الحروب في عقول البشر قبل أن تجعلهم يتصارعون على أرض الواقع؟ ولماذا سادت الفوضى وعمّ العنف والصراع الحضاري والدّيني وظهرت أشكال جديدة من استعمار البشر للبشر واستشرت العولمة المتوحشة بعد ان خلنا أن البشرية قد تعلّمت من حروب الماضي وبالذّات حروب المنتصف الأوّل من القرن العشرين وبعد أن ذاقت ويلات الأصوليات السياسية والأنظمة الشمولية مثل الفاشية والنازية وغيرهما؟ ولماذا ظهرت أشكال أخرى من هذه الأصوليات مثل الأصوليات الدينية التي ازدهرت شرقا وغربا وتسبّبت في مزيد من الصراعات الحضارية والثقافية وفي قدر كبير من سوء الفهم والتقدير وعمليات العنف والإقصاء؟
لنقف عند بعض الأجوبة على هذه الأسئلة وأولاها تلك التي قدّمها المفكر محمد أركون عندما دعا العرب أن يتوجّهوا إلى المكتبات والجامعات ليقرأوا النصوص الدينية المؤسسة والدراسات الجادّة عنها وأن يتثقفوا ويجتهدوا في معرفة الآخر بدلا من الخطابات التحريضية والتعبوية التي تدعوهم إلى النزول إلى الشوارع والاحتجاج على هذا الموقف او ذلك الصادر من جهة مسيحية ما تشتمّ منها رائحة العداء للإسلام أو التعصّب ضده كما اتضح لبعض المسلمين وهم يطلعون على المحاضرة التي ألقاها البابا بندكتوس السادس عشر حول اللوغوس والإيمان
ان الردود الانفعالية التي شهدتها بعض العواصم العربية على هذه المحاضرة تعكس، كما يقول المفكر الجزائري، انفصاما أو انفصالا داخل الفكر الإسلامي بين اللوغوس والميثوس، بين العقل والإيمان، وقد نجح بعض الغلاة من إتباع الأصولية الاسلاموية المتطرّفة في تحريك المخيال الجماعي وتعبئته فنتج عن ذلك تعبيرات فولكلورية شعبوية للإسلام، حسب الأستاذ أركون، هي أكثر ما يعرفه الغرب عنا . لذلك يتوجب على المسلمين، حسب رأيه، وقد كان الاتصال باللوغوس عابرا في تاريخهم ولم يستمرّ أكثر من 3 قرون، أن يجذروا هذا اللوغوس في حياتهم وان يواصلوا، كما خلص إلى ذلك، معركة العقل، إذ لا يمكن بناء مشروعية سياسية اذا لم نواصل هذه المعركة . كذلك لا يمكن ان نبني مشروعية علمية او معرفية اذا لم نخض هذه المعركة أيضا .
وبدوره تساءل الأستاذ محمد الحداد الباحث التونسي المختص في الإسلاميات والدراسات المقارنة للأديان : هل أن النظرة المسيحية لعلاقة الدين بالعقل بعيدة عن نظرة الإسلام لها وذلك انطلاقا من نصّين مسيحيين وهما العقل والإيمان ومحاضرة البابا بندكتوس السادس عشر بجامعة ريجنسبيرغ وتعليق كل من دي ليبرا وهابرماس عليهما . وقد ذهب الأستاذ الحداد إلى ان هذه الإشكالية مازالت مرتبطة بالنظرة الرشدية للعلاقة بين الشريعة والفلسفة، واعتبر ان من مصلحة المسلمين الذين يعودون في هذه المسألة دائما إلى ابن رشد، أن يكون ابن رشد فقط منطلقا للتفكير في هذه العلاقة وليس نهايته وان فهم الوضعية الحالية لهذه المسألة في الفكر الغربي المسيحي لا يمكن إلا أن يساعدنا على فهم تلك العلاقة، وعدم إقصاء الإسلام من هذا الجدل . وقد جدّد الباحث التونسي دعوة الأستاذ أركون المسلمين إلى ارتياد الجامعات والمكتبات لفهم النصوص الدينية والتفكير فيها، كما خلص إلى القول إنه إذا ما اعتبرنا إبراهيم الذاكرة المشتركة للأديان التوحيدية فإن ابن رشد هو الذاكرة المشتركة لأزمة ما تزال تسيل مزيدا من الحبر، أزمة الإنسان الذي لم يعثر بعد على أجوبة نهائية على أسئلته، في كل الموروثات الدينيّة .
سلطة الفتْوى
ان هذا الانغلاق الديني الذي أشار إليه كلّ من الأستاذ محمد أركون ومحمد الحدّاد هو الذي فتح الطريق إلى ازدهار الفتاوى في عصر أتيحت فيه المعرفة العلمية والدينية للجميع مع انتشار التعليم في المعاهد والجامعات، إلا أن «فقهاء البلاط وشيوخ الظلام»، كما تقول الأستاذة منجية السوايحي أستاذ علوم القرآن بالجامعة الزيتونية، نصّبوا أنفسهم سلطة على من نجحوا في اجتذابهم خاصة من متابعي برامجهم التي أصبحت تتزاحم في عرضها بعض القنوات التلفزية العربية بل وحتى شبكات الانترنات، وفي غياب معرفة علمية دقيقة بعلوم الدّين وجد هؤلاء صدى كبيرًا لدى بعض الأذهان ووجدوا حريتهم في الإفتاء ولا يكادون يجدون معارضة أو تصديا لفتاويهم . ومن فتاويهم قتل المرتدّ واستباحة إهدار دم المسلمين باسم الدين . وقد ذكرت الباحثة ان هنالك ما يقارب مائتي آية واضحة وبيّنة في القرآن تخصّ حرية المعتقد وان الرسول محمد صلى الله عليهم وسلم لم يقتل مرتدّا، وأنه إذا ما وجد هنالك حديث يقول نصّه «من بدل دينه فاقتلوه» فإن هذا الحديث هو حديث آحاد، وان هذا الحديث لا يمكن ان ينسخ القرآن القائل «لا إكراه في الدين»، هكذا أقرت قواعد أصول الدّين، وأنه حتى لو قتل بعض المرتدة فلأنّهم قتلوا مسلمين بعد أن ارتدّوا . وطالبت الأستاذة السوايحي بتغيير مناهج التعليم الديني التي تدرّس حكم قتل المرتد كحكم شرعي مقدّس من العقائد، وخلصت إلى أن العالم الاسلامي شهد في الفترة الأخيرة أحكاما جائرة بقتل بعض المفكرين من المسلمين، لأنهم ابدوا جرأة في تفكيرهم الديني وان الاسلام لم يقيّد حرية الفكر، وشدّدت على ضرورة التمييز بين الأيمان بالنص القرآني وبين الفتاوى الذاتية، التي يمكن ان يصدرها بعض المنغلقين دينيا الذين ينبذون استعمال العقل خاصة ان هذه الفتاوى أصبحت من العقائد وانجرّت إليها جموع المسلمين وهي تلك الجموع التي تهرع إلى الشوارع مدفوعة بالتعصّب وبالغلو بدلا من أن تذهب الى المكتبات كما يقول الأستاذ اركون لتجدّد صلتها بالعقل .
غفران متبادل
يبقى السؤال قائما، كما ينتبه إلى ذلك أسقف تونس حول ما إذا كان إنسان الألف الثالث قادرا على على تفجير الطاقة «الرمزوية» التي تسمح للمؤمن بآن يقيم علاقات هوية وانتماء مع الكتب المقدّسة، ومع الآخرين من حوله؟ وكيف يمكن للإنسان أن يستعيد بعده الروحي إذا ما كانت العولمة قد أفقدت العلاقات بين الشعوب والأمم بعدها الأخلاقي ورسخت قيم النفعية وأطاحت بمُثل روجت لها الفلسفات والأديان منذ القدم كالعدالة والمساواة، كما قال المفكر الاقتصادي برنار ايزامبار في مداخلة دعا فيها إلى أنسنة العولمة وهو الذي يعدّ أحد الفاعلين في المشهد الاقتصادي والنقدي العولمي؟
مقاربات عديدة قدمت في هذا الاتجاه منها التربوية والثقافية كتلك التي قدمتها الباحثة التونسية ليلى غريسة ووزيرة الثقافة السلوفينية السابقة لوسيا كوك التي اعتبرت ان التبادل الثقافي يمثل فضاء مُبجّلا للقاء العقل والإيمان أو لحوار بين الأديان كما دعانا إلى ذلك الأستاذان غابريال كابلا وروبير بيزميت اللذان عملا كثيرا من أجل ترسيخ علاقات حوار وتضامن بين اليهود والمسلمين، وكذلك الباحث السوري المعروف الأستاذ جورج جبّور الذي جمع بين الجهد الأكاديمي والعمل السياسي عقودا طويلة . وهو يرأس حاليا الرابطة السورية للأمم المتحدة . وقد قدم في هذا الملتقى بحثا بعنوان «الغفران المتبادل بين المسيحية والإسلام طريق للتضامن بينهما من اجل عالم أفضل» .
وقد انطلق الأستاذ جبّور من واقع مفاده أن التنافس بين أتباع الديانات المتعدّدة يعتبر ناظما هامّا للكثير من احداث التاريخ الإنساني منذ القدم وإلى اليوم . ولا تشذّ العلاقة بين إتباع المسيحية وأتباع الإسلام عن هذه القاعدة . وأضاف الباحث السوري أن الوضع العالمي الراهن لا يسمح لأيّ من أتباع الديانتين ان يداعب تخيلاته حكم الانتصار النهائي على أتباع الديانة الأخرى بل ان ما نشهده منذ عام 6581 ، انما يكشف عن جهد نبيل يقوم به بعض أتباع الديانتين باتجاه زيادة وعي ما هو مشترك بينهما . ويمثل عام 6581 تاريخ دخول الدولة العثمانية في المنظومة الأوروبية، وهو ما يتضمّن إشارة معلنة إلى ضرورة أن تتحوّل العلاقة بين المسيحية والتي تعتنقها كل دول المنظومة الأوروبية وبين الإسلام والذي تعتنقه الدولة العثمانية من الحرب إلى السلم . الا ان أحداث 11 سبتمبر 1002 مثلت ضربة قاصمة لهذا الاتجاه في العلاقات المتبادلة، ويمكن ان نقول ان جسورًا من علاقات التفاهم المتبادلة قد ضعفت بين المسلمين والمسيحيين في الغرب، وهكذا أصبح من أول الأولويات العمل على إعادة الثقة المتبادلة بين إتباع الديانتين، ومن هنا تنبثق أهمية هذه المداخلة التي قدّمها الأستاذ جبور والتي تضمّنت ست نقاط يعتبرها أساسية لتوطيد التضامن بين المسلمين والمسيحيين من أجل عالم أفضل، وفي مقدّمة هذه النقاط يآتي الغفران المتبادل .
ويستعرض المفكّر السوري جهد الكنيسة وبعض المفكّرين المسلمين في هذا الاتجاه وجهده الخاص، كرجل فكر مسيحي في مخاطبة الفاتيكان من أجل شرح يقترب من الاعتذار عن حروب الفرنجة ( الحروب الصليبية ) حيث يقرّ المفكر المسيحي بأمانة العالم أن المسلمين قد عانوا كثيرًا من الحروب الصليبية مضيفا أن هذا الاعتذار قد يساعد على تلييين بعض المواقف الإسلامية من المسيحيين . ويلتقط الباحث في خطب وتصريحات البابا الراحل تلميحات إلى هذا الاعتذار ومن ذلك قوله لدى زيارته إلى الجامع الأموي عام 1002 «علينا ان نطلب الغفران من القادر على كلّ شيء، عن كلّ مرّة أهان فيها المسيحيون والمسلمون بعضهم بعضا، كما علينا ان نغفر لبعضنا البعض» .
ان دعوة البابا الراحل إلى الغفران ما تزال قائمة واذا كان رحيله قد أضعف من شأنها، كما أضعف من شأنها فتور استقبالها إسلاميا، فإنه من الواجب، كما يؤكد الأستاذ جبّور، إعادة إحيائها، وهنالك أفكار أخرى يمكن تفعيلها في العلاقات بين الديانتين، كما يضيف الباحث، منها الحوار بين الموقفين المسيحي والإسلامي في القضية الفلسطينية، وضرورة الاعتراف بالإسلام على أنه دين معادل للمسيحية وليس ناقصا عنها، في تمسّكه بالمثل الإنسانية العليا، وضرورة التضامن ضدّ شرور العولمة، وحين تتضامن الديانتان، كما يوضّح الأستاذ جبّور، فلن تكونا وحدهما بل سوف تتضامن معهما كل الديانات الأخرى وكل الفلسفات الأخرى وعن طريق هذا التضامن الشامل يمكن بناء عالم جديد قائم على العدل والقيم الروحية والمثل الإنسانية العليا وعلى انسانوية جديدة يهودية إسلامية مسيحية تمثل قاعدة صلبة لرابطة إنسانية جامعة .
نحو انسانوية جديدة
ولكن هل ان ظهور انسانوية جديدة يهودية إسلامية مسيحية تمرّ بالضرورة بمراجعة نقدية للمقابلة بين الدّين والعقل؟ .. يتساءل الأستاذ مازري حدّاد المتخصص في اللاهوت المسيحي وصاحب الكتابات السياسية وفي الفكر الإسلامي المعروفة؟
ان أزمة الحداثة، كما يوضح الباحث التونسي المقيم في فرنسا، هي أساسا أزمة الانسانوية الكونية والعلمانية التي تمثل القاعدة الفلسفية للحداثة . والأمر يتعلق أساسا بإنسانوية عصر الأنوار التي انبنت قيمها بصفة مطلقة على الإنسان وذلك في قطيعة واضحة مع إنسانوية عصر النهضة التي استعادت روح الفلسفة اليونانية لمحاربة المدرسة الوسيطة دون أن تنحو نحو القطيعة بين الإنسان والله .
ان مشروع الأنوار الذي جرّد الوجود الإنساني من كل حضور إلهي كان يهدف، حسب عبارة جول فيري الى بناء مدينة يغيب عنها الله، ويبدو ان هذا المشروع قد أخفق اذ إننا نشهد كما يضيف الأستاذ حدّاد، منذ سقوط الشيوعية، لا خيبة أمل العالم وزوال الوهم عنه كما يقول مارسيل غوشيه، بل نشهد توجها الى عودة الديني في المجتمعات الغربية والإسلامية على حد السواء وهو ما يهدّد بصدمة الحضارات . ومن هنا يمكن القول إن الإنسانوية الجديدة، التي هي انسانوية ما بعد الحداثة، لا يمكن ان تبْنى بشكل حصري حول العقل، ولكن حول الإيمان أيضا، ومن هنا تبدو ضرورة ان تجتهد الديانات الثلاث في الذهاب نحو الآخر، لا كشبيه بل كمختلف ومغاير يمكن التعايش معه . ويدعونا الأستاذ المازري حدّاد أن ننبذ الموقف التآليفي الذي يجتهد في التوفيق بين الأديان الذي هو موقف يقوم على النفاق حسب الباحث . اذ يجب علينا أن نتخلى عن هذا الموقف وأن نقبل الأديان على اختلافها، وأن نعرفها في نصوصها المؤسسة، وأن تكون علاقتنا معها قائمة على المعرفة، لأن التسامح مع الجهل لا يؤسس لعلاقة صحيّة، بل علاقة استعلائيّة تفضي الى التعصّب والإقصاء .
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>