في ثقافة الحرية
صلاح الدين بوجاه
أستاذ جامعي - روائي - تونس
لقد تأكّد أن التحولات
الثقافية الكبرى في تاريخ الشعوب قد دأبت على أن تنشئ
- بهدي من قادتها وأصحاب الرأي فيها- منظومة قيم جديدة،
تبلور رؤيتها وتبرز مبادئها وتعمل على تحقيق خياراتها
الاستراتيجية إيذانا بإرساء دعائم العهد الجديد التي
تصبو إلى نحت سماته وملامحه.
والتغيير في تونس، هذا
الذي أضحى حقيقة ثابتة راسخة، قد صاغ معجمه الثقافي
المخصوص بالاستناد إلى نضالات التونسيين وبالنهل من
إرثنا الاصلاحي الغزير - بمدونتيه القديمة والوسيطة
- فضلا على فلسفات التنوير وشتى العهود العالمية المؤذنة
بميلاد عصر الانسان.
ولئن كان من نوافل القول
أن نتوسع ههنا في مثل هذه المسوّغات العامة، فإن مستلزمات
السياق تقتضي منا أن نتأنّى لدى بعض الحواف الأساسية،
ومن أولاها بالاشارة:
أ - التغيير
الثقافي الشامل في بلادنا نتاج تأليفي لكل العوامل الداخلية
التونسية والخارجية العالمية بجميع مستوياتها الاقتصادية
والاجتماعية والحضارية.
ب - بهدي من
الرئيس بن علي لبثت الانتلجنسيا التونسية منصتة إلى
التجارب الثقافية الكبرى، القديمة والحديثة، ايمانا
بأن الانفتاح على العالم والأخذ باقتصاد السوق لا ينبغي
ان يؤولا، إلى اهمال التوازن الاجتماعي ووجوب دعم الهوية
والاعلاء من شأن الرصيد الثقافي التونسي.
ج - التغيير
مشغل عام، من قبيل فرض العين، الذي لا يسقط عن البعض
إذا ما أداه البعض الآخر. فهو من واجبات التونسيين جميعا
في فعلهم وتفاعلهم مع من وما يحيط بهم، وهو مولّد الترسبات
الثقافية الواسعة.
د - المجتمع
المدني القائم على المؤسسات هو غاية الجميع بكل ما يستلزمه
من توازن بين الفئات والجهات والأجيال، وما يقتضيه من
ايمان بأن الانسان هو قيمة القيم ومن سعي إلى تحقيق
الامتياز المرجو، الانسان من حيثُ هو كائن ثقافي.
فالثقافة التونسيّة
اليوم تتسم بالشمول والإحاطة، فهي ثقافة علمية وسياسية
وهي ثقافة بيئية، وهي ثقافة تؤمن بحقوق الإنسان، وهي
في كلمة ثقافة المستقبل.
ويعنينا هنا، أن نرصد
شطرا من مفردات معجم التغيير - ذكرا لا حصرا - عسىأن
نسهم بهذا المدخل اليسير في لفت أنظار الباحثين إلى
هذه الوجهة في التناول والنظر.
ولقد رأينا ان نوردها دون ترتيب قيمي - أو ابجدي - ملين
ان تكون لنا إليها عودة في مقالة قادمة:
الانتماء الثقافي
بعد حدوث المصالحة الواسعة
بين التونسي وتاريخه وحضارته استعاد المصطلح معانيه
الفعلية. فمن الثوابت العليا الدين واللّغة والتاريخ
- بمراحله وأطواره جميعا - ومن المتحولات الانتماء إلى
هذه المنظومة الاقتصادية أو تلك والالحاح على الاعتزاز
بهذا الارث الثقافي أو ذاك. ويعنينا ههنا ان نلحّ خاصة
على البعد المتوسطي الذي أضحى يضاف في سخاء إلى الأبعاد
العربية والمغربية والافريقية... إشارة إلى دور بلادنا
في صلب منظومة العالم القديم وترسيخا لقدمها في التفاعل
مع مستلزمات العالم الجديد.
الإنسان .
أضحت تونس رائدة في
هذا الباب، إذ صادقت على أغلب العهود الدولية في المجال،
وأولاها بالعناية والترسيخ. ولقد تمكنت فضلا عن ذلك
من بلورة مفهوم تونسي واسع مرن يتّسم بالشمول ويتخطّى
مجرّد الحقوق السياسية العامة الفضفاضة ليلحّ على الحقوق
الاجتماعية والاقتصادية والثّقافية.
ضمن هذه الوجهة ندرك
أبعاد الجهد الاجتماعي الشامل القائم على العناية بصحة
التونسي، وسكنه، وأوقات فراغه، وجميع حقوقه القريبة
والبعيدة، وندرك أيضا العمل على نشر ثقافة حقوق الإنسان
الوطنية .
يحيلنا هذا الجذر على
قيمة القيم، تلك التي منها الصدور، وعندها التأنّي والنزول،
وإليها التسيار، وفيها المقام... .
ألم تكن في العهود السابقة
جميعا مستلبة المضمون منوطة بغير تونس وبغير التونسيين...
وبغير الوطن في أبعد مفاهيمه وأضربها غورا في العلوية
والقداسة؟! .
لقد كان "الوطن"
في الحقب الأولى ولاية تابعة للمشرق، ثم أضحى "إيالة"
عثمانية، ثم تحول إلى "محمية" فرنسية. اما
بعيد الاستقلال فلقد "اندغم المفهوم بشخصية القائد"...
حتى استُفرغ من كل علوية... واضحى قابلا لكل ضروب الشد
والجذب والدفع والتحويل والتمطيط... فكادت السبيل تغيب
والغاية تمحى...! .
بعد التحول استعاد المفهوم
جملة معانيه الأولى، ودلالاته الجانبية الحافة، وأضحى
يختزل قيمة القيم، تلك التي يكون بها التونسي مواطنا
تونسيا عميق الاحساس بوطنيته... بل ذائدا عن حقه الشرعي
في مواطنة سخيّة مستندة إلى منظومة واسعة من الحقوق
والواجبات في المجتمع المدني .
الثقافية العامة.
هو غير المجتمع التيوقراطي،
وغير المجتمع العسكري أو البوليسي وهو المجتمع المحافظ
على مناعته الذاتية بتوسيع نطاق نسيجه الجمعياتي.
فبعد أن أخذ دور الدولة
- فلسفيا وعمليا - يتقلص في جميع بلاد العالم... تأكدت
جدوى خدمة الأبعاد المدنية الثقافية وتنويع نسيج الهياكل
التي تجعل المجتمع قيّما على أمر نفسه بنفسه.
حرية الرأي
هو من المفاهيم التي
يقدسها العهد الجديد ويعمل على المرور التدريجي بها
من حيز التصوّر والإيمان إلى مجال الواقع اليومي داخل
الأسرة والمصنع، وفي الحقل والمعهد، وضمن هياكل الأحزاب
الوطنية، والجمعيات والمنظمات الكبرى.
ونودّ ان نجزم بأن هذا
التوق هو الذي يخصص المجتمعات الحديثة الضاربة بسهم
مكين في دنيا الأخذ بقيم العصر الثقافية العليا.
فاحترام الرأي المغاير،
والأخذ بثراء الاختلاف البنّاء هما الموطّدان لدعائم
المواطنة الحق والمُرْسيان أسس مجتمع الوفرة.
فالمسألة الاقتصادية
- في زعمنا - غير منفصلة عن المسألة الثقافية، وبالتالي
فلقد تأكد الأخذ بجميع ايجابيات حرية تنقّل الأفكار
والسلع... مع العمل الدؤوب على الاحتراز من تبنّي سلبياتها.
ثقافة الشغل
انتقل العمل من مجال
النوافل إلى حيز القداسة، فأصبح من أوكد القيم التي
يؤمن بها التونسي رفعا للتحديات الاقتصادية، وإلحاحا
على ان العمل هو الجهد الذي يضيفه الكائن البشري إلى
الطبيعة... فيكتسب بذلك المزيد من العناصر التي تجسّم
انسانيته وتيسّر له أن يحظى بشرف التمايز من بقية "الممالك
الطبيعية".
ندرك ذلك في اعادة تنظيم
قطاع التكوين المهني، ونلمسه في العناية بالقطاع الفلاحي،
ونظفر بالكثير من عناصره أيضا حين ننتبه إلى ازدهار
قطاع الخدمات.
ثقافةُ التسامح والتضامن
حقل دلالي فسيح بأبعاده
الداخلية والعالمية، فهو تسامح حزبي، وهو تسامح عرقي،
وهو تسامح ديني، وهو تسامح شامل ضارب بجذوره في التربة
التونسية التي ألفت الكثرة والتعدد ودأبت على التعامل
الثقافي مع شتى الحضارات الأخرى تعاملَ تفاعلٍ وتواشجٍ
لا تعاملَ أخذٍ وتقبّل.
لقد اكتسب هذا المسعى
الجليل بعد التحوّل خصائص المنظومة الفكرية، فقام على
تصوّر مرن لوضعية المرأة ولمنزلتها في الأسرة، واستند
إلى وجوب حفظ المسنين وضرورة العناية بالطفولة... وهي
جميعا من المبادئ التي ترقى إلى حدود القداسة.
وحريّ بنا ان ننوّه
بأن المسألة قد تجاوزت الخيار السياسي - على قيمته وجلالة
قدره - لتصبح ضربا من الثقافة العامة التي تسري بين
الناس، فتلوّن رؤيتهم وتطبع تصرّفهم وتعدّل سلوكهم.
ونلحّ ضمن السياق ذاته
على صندوق التضامن الوطني وبنك التضامن، وغيرهما من
البرامج الانسانية التي تحظى بعناية سخية من قبل الرئيس
زين العابدين بن علي مباشرة... تأكيدا لجدواها وقيمتها
ونجاعتها في معالجة مظاهر الفاقة والتهميش والإقصاء
التي لبثت عديد المجتمعات تشكو من ويلاتها.. ودعما لإسهامها
في نشر ثقافة الوفرة.
من الشراكة إلى التأهيل الشامل .
هذه جملة من المفاهيم
المستحدثة، والمتسمة بالترابط الدقيق فيما بينها. وقد
لا يعنينا أن نعرّفها بقدر أن نؤكد انها ظاهرة شاملة
واجهتُها اقتصادية عامة، وعمودها الفقري تجاري صرف،
وأركانها سياسية... أما أسسها ففكرية حضارية ضاربة في
القدم تجدّدت وتدعمت بفعل التغيير الشامل الذي فاض على
تونس منذ 1987 خيرا ونماءً... حتى انه يصعب ان ندرك
أبعادها دون العودة إلى المباحث الفلسفية التي صاحبت
نشوءها منذ عصر الثورة الصناعية.
وفي إمكاننا ان نعمد
إلى اختزال سريع لنبلور ظواهرها الأساسية الراهنة كالتالي:
أ - حوسبة جميع القطاعات.
ب - سرعة انتشار الدوائر المالية.
ج - تساؤلات مستحدثة حول مفاهيم الهوية والتكتلات
الاقليمية.
وكم يبدو مفيدا في هذا
المستوى أن نؤكد ان المقاربة التونسية للعولمة، وما
يحف بها من مسائل الشراكة والتأهيل الشامل وسواها، تتسم
بالشمول والعمق ومراعاة التواصل الوظيفي بين المجالات،
على الرغم من ان ظاهرها الجلي للعيان يمكن ان يوحي بغير
ذلك.
لذلك يلح الدارسون على
طابع النضج والجرأة اللّذين يمتاز بهما الحل التونسي،
هذا الذي لا يركن إلى ربوة الانتظار ولا يقنع بمجرّد
تقبل المتغيرات إنما يستبق الأحداث ويسهم - بما أوتي
من جهد - في اتخاذ القرارات.
في الأمن الثقافي
يختزل هذا المفهوم أغلب
المفاهيم السابقة التي تناولناها بالإلماح السريع. ذلك
أن معضلة الانخراط في العولمة تقتضي من التونسيين بلورة
واسعة "للأمن الشامل".
ويقوم - فيما نرى -
على وجوب مراعاة التوازن بين رصيد الهوية "بثوابتها
ومتحولاتها" وأرصدة العولمة الوافدة "بثوابتها
ومتحولاتها أيضا".
ومن مستلزمات هذا التوازن
أيضًا وجوب مراعاة الجوانب الأمنية الصرف والاقتصادية
والثقافية ضمن تصور عام يتصف بالدوام والاستقرار.
وقُصارنا أن نذكر بأن
أمننا الشامل لا يصان في المواجهة بقدر ما يصان في التكامل،
فالعلاقات المتحكمة في هذا العالم الجديد المتسم بسرعة
الأنساق خاضعة لمنطق "مع" لا لمنطق "ضد"
! ونرى ان مفهوم الأمن الشامل هذا الذي نحن بصدده يمكن
ان يكتسب الكثير من الثراء إذا ما عمدنا إلى معالجته
ضمن علاقته بالمسألة الثقافية.
في المسألة الثقافية
لهذا انتبهت بلادنا
إلى وجوب ايلاء المسألة الثقافية من ناحية والمسألة
البيئية من ناحية أخرى عناية موصولة نابعة من خصوصيات
بلادنا وسمات شعبنا وما نستشرف من طريق مستقبلنا. لقد
ثرنا ان نعالج هذه المفردات مع مراعاة لمقتضى الحال
أولا، وايحاء بأنها - هي ذاتها - في صيرورة وتحول دائمين،
حتى اننا نكاد - في هذا المستوى المفهومي - أن لا نستحم
في النهر الواحد مرتين - مثلما يقال - !
ولا يخفى عن المتأمل
انّها تتسم جميعا بالتداخل بينها، فهي عميقة التواشج
فيما بينها، وهي ذات صلات تأثير وتأثّر تجعلها ضمن شبكة
من العلائق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والحضارية
الشاملة.
ومنتهى القول أن نلاحظ،
لدى منعطف الختام، ان التغيير في تونس قد استنبط مفاهيمه
وشكّل مصطلحاته الثقافية الأساسية النابعة من فلسفته
في الحكم، وتمثّله للحدث السياسي، والحدث الحضاري الراهن...
واستشرافه المستقبل، في مستوييه القريب والبعيد. فكانت
هذه المفردات بمثابة رد الفعل النظري والاجرائي ازاء
مستلزمات التحول الداخلية والخارجية.
فهل نقول ان هذا الوطن
قد تمكّن لدى منتهى القرن العشرين، من اقتراح أدوات
معالجة تونسية لمعضلات شتى اضحت تقض مضاجع الكثيرين،
من قبيل: صراع الحضارات/فخ العولمة!/نهاية التاريخ/موت
الايديولوجيا/... وما شاكلها من مستجدّات الاقتصاد والسياسة
والتاريخ؟
ونحن لا نؤمن بالطفرة
من عدم، كما أننا لسنا من القائلين بالعصا السحرية التي
تحوّل المعادن الشائعة إلى معادن نفيسة لهذا فإنه لزام
علينا أن نشير إلى أن التحوّل الذي أذن به العهد الجديد،
هذا المتجذّر في تربته الثقافية الاصلاحية العريقة،
قد أسهم اليوم لدى مفتتح الألف الثالثة في اضافة حلقة
جديدة ثابتة إلى حلقات التحديث في بلادنا... تلك التي
استهلّت منذ قرنين من زمان.
كذا التغيير في بلادنا،
بقيم التحرر التي أنشأها، يتوق إلى صياغة التجربة التونسية،
ضمن محيط متحول، بكيفية خاصة به تنبع من فكره وفلسفته
ورؤيته العميقة للناس والتاريخ والأشياء...