رهانات الفكر.. أسئلة الواقع:
قراءة في المشروع الثقافي التونسي

عبد المجيد الجمني
رئيس تحرير مجلة "الوفاق العربي
"

قد لا نأتي بجديد عندما نقول ان العرب لم يبلغوا درجة من اليأس والاحباط مثل هذه التي يعيشونها اليوم، ليس فقط بسبب احتلال دولة عربية ذات سيادة وتحتلّ مكانة فريدة في التاريخ العربي، أو بسبب كسر الارادة العربية وإحساسها بالعجز أمام هذا الاحتلال الذي عجز النظام الاقليمي العربي على ما هو عليه من تمزّق وتشتّت عن صدّه ومقاومة حدوثه، بل أيضا بسبب ما بدا واضحا من تشكيك، بل فقدان شبه كلّي للمراجع الفكرية والثقافية التي قادت الأمة منذ منتصف القرن الماضي أثناء حركة تحرّرها وبناء كياناتها السياسية الحديثة بعد حصول دولها على استقلالاتها.

ولعلّنا لا نغالي ان أشرنا من جهة أخرى الى ان الحالة التي يجد عليها المفكرون والمثقفون العرب أنفسهم بعد سقوط بغداد وما تمثّله هذه الهزيمة العربية الجديدة من دلالات على المستوى القومي والدولي هي حالة تتجاوز الإحباط واليأس بكثير، بل إنها تتجاوز حالة اليُتم أو الانفصام الفكري، الى حالة من الضياع لا يجد معها هؤلاء المفكرون والمثقفون سبيلا لمواجهة أسئلة الواقع الجديد الذي خَلّفَهُ تمركز احتلال غربي بأراضٍ عربية وسقوط أحلام وأوهام عديدة مع سقوط بغداد، ولا يجدون سبيلا للتفكير الهادئ بعيدا عن مشاعر الحُرقة أو حتى الشماتة أحيانا في ما يمكن به إحداث التغيير المطلوب قبل أن يجد العرب أنفسهم في قاع الهاوية وهم يقفون اليوم على حافّتها.

ودون الدخول في تفاصيل العلاقة بين الفكر والايديولوجيا من جهة والسياسة من جهة ثانية، والتساؤل عن قيمة المرجعية الفكرية والثقافية، وقد وضعت على محك الفعل السياسي اليومي، فإنه لا مناص من معاينة أمرين اثنين لا يمكن تجاهلهما:

أوّلا: ان العديد من الأسئلة يُطرح اليوم على الساحة العربيّة حول هذه العلاقة التي أشرنا إليها بين الفكر والسياسة وهي أسئلة ذهب بعضها في اتجاه التشكيك في قيمة المرجع الفكري ونقد الأداء السياسي معا، فيما فصلت الأخرى بينهما مبرّئة المرجعية الفكرية من أخطاء الأداء السياسي.

ثانيا: ان هذه الأسئلة مهما كان الموقف العدمي الذي يقف وراءها أو ذلك المثالي الذي يظل يُنكر أسئلة الواقع ليتمسّك بثبات الموقف المبدئي دون إدراك للسياقات التي تحكم تحقّقه، أو تجسيده على أرض الواقع، ومهما كانت الخلفيات التي تحرك هذه الأسئلة فإنه لا يمكن في الردّ عليها أن نُهمل قيمة المشروع الفكري الثقافي في أية تجربة سياسية باعتباره الاطار النظري الذي يحدّد القيم والمبادئ التي ترسم منطلقات تلك التجربة وتُحدّد أهدافها الانسانية العليا.

فبقدر ما تمثّل السياسة إدارة وتصريفًا للشأن اليومي وغوصا في قضاياه وتفاصيله، فإن السياسة لا يمكن ان تدير شؤون المجتمعات وتبني حاضرها وتسطر مستقبلها دون ان تكون مستندة الى جملة من الأهداف والمبادئ والتصوّرات والرؤى التي تنهل من واقع المجتمعات التي تديرها ومن ثقافاتها ومن المبادئ والتطلعات التي تنبني عليها تلك الثقافة.

وان هذه المبادئ والتصورات التي تصوغ تطلعات مجتمع ما، وترسم الأهداف لتحقيق هذه التطلعات التي تكوّن المرجعية الثقافية والفكرية التي يستند إليها اي مشروع سياسي لا تمثّل السند النظري المجرّد فحسب، بل انها بلغة بسيطة تمثل بصيرة السياسي التي يهتدي بها لفهم الواقع ويسترشد بها ليرى سبل الغد وطرق الدخول إليه.

وهكذا تغدو الثقافة، بما هي تأسيسٌ للفعل السياسي وتأصيلٌ له في واقعه، ممارسة سياسية أو جزءا من الممارسة السياسية الشاملة التي لا يمكن أن تستغني عنها عملية تنمية المجتمعات والنهوض بها. ولعلّ العرب، على ما هم عليه من حيرة وتشتت وفقدان للبوصلة، لفي أشدّ الحاجة الى بلوغ مقاربات فكرية وصياغة مفاهيم جديدة من شأنها ان تدرك أبعاد الزلزال الذي هزّهم وهزّ تصوراتهم لواقعهم وللعلاقات في ما بينهم كما لعلاقاتهم الدولية ومكانتهم في السياسة الدولية، وفي اطار منظومات الأفكار السياسية والحضارية الرائجة اليوم، ومن شأنها أيضا أن تُجنّبهم تكرار حدوث هذه التجربة المريرة التي مازالوا يعيشون على وقعها، وتمكّنهم بالتالي من الانكباب على تطوير مجتمعاتهم وضمان أمنها واستقرارها ومشاركتها في الدورة التاريخية الكونية.

ولعلّه من الاجحاف العمد الى التبسيط والتعميم والقول ان العرب لم يفلحوا جميعا في تحقيق مشاريع تحديثية تنموية وانهم لم ينجحوا في صياغة مقاربات فكرية/ثقافية تمكّنهم من فهم واقعهم والعمل على الارتقاء به، بل لعلّ الذي حدث هو أنهم لم ينجحوا في تجديد أدوات ومناهج تفكيرهم بما يتناسب، لا فقط مع نموّ متطلبات مجتمعاتهم بما يحقق انسانيتها وكرامتها، بل أيضا بما يتناسب مع الثورات الفكرية والسياسية التي هزّت العديد من المفاهيم والثوابت لتصوغ مفاهيم ورؤى سياسية واجتماعية واقتصادية تروّج فيها مفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان والليبرالية وغيرها... وهكذا بدت العديد من السياسات العربية غريبة عن مجتمعاتها، وغريبة عمّا يحدث حولها، وهو ما جعلها هشّة غير قادرة على الصمود أمام استعداء الخارج سواء كان عسكريا أو سياسيا وذلك بسبب عجزها عن فهم واستشراف تحديات الخارج، أي عجزها عن تأمين أمنها الشامل الثقافي/الفكري، فالسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

ان عدم إدراك العرب لضرورة إحداث ديناميكية جديدة في الداخل قادرة على استيعاب مطالب هذا الداخل وتطلعاته واستشراف تحديات الخارج، يرتد الى غياب أو ضعف العقل السياسي القادر على الإصغاء الى الأسئلة المستجدّة ومحاولة صياغة الأجوبة المناسبة، وهو غياب أو ضعف لا يمكن ان نفسّره إلاّ بضعف المكانة المولاة الى الثقافة والفكر وبالتالي الى المفكرين والمثقفين في رسم تطلعات الشعوب وفهم متغيّرات العالم.

وهنا يستوقفنا النموذج التونسي في التعاطي مع المسألة الثقافية حيث اعتبرها الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الحجر الأساس في صياغة المشروع المجتمعي الجديد الذي اقترحه على التونسيين واعتبر الثقافة سندا للتنمية والتغيير، وتوفّق في صياغة معادلة التحديث والانفتاح على العصر دون انبتات بل بشحذ الهوية الوطنية بمستلزمات التعبير عن ذاتها المبدعة ومدى تفتّحها على إضافات الآخرين. والمتأمّل في الخطاب السياسي لحركة التغيير في تونس يلحظ بيسر تأكيد القيادة السياسية في هذا البلد على أهميّة دور المثقفين والمبدعين في تثبيت التوجهات والخيارات الوطنية، ورهانها المستمر على قدرة النخبة الوطنية بمختلف اتجاهاتها الفكرية والسياسية في مجال بلورة الرؤى، وصياغة الأفكار وإنتاج التصورات لإثراء الحوار الوطني ورفد مسيرة الاصلاح والمساهمة في استشراف المستقبل.

وتأكيد الرئيس التونسي على هذا الدور ينطلق من إدراك عميق بأن التحوّلات الثقافية التي يعيشها العالم اليوم هي تحوّلات ثقافية بالأساس، وانها ليست حكرا على مجتمعات دون أخرى وانما هي شأن إنساني عام ومن ثَمّ حَرِص على توفير المناخ الملائم وتوفير جميع الأسباب التي تحفزّ المثقف في تونس على الانشغال بهذه التحولات والتفكير فيها واستطلاع فاقها.

وحتى تتيسّر السبل أمام تحقيق هذه الغاية، عمل الرئيس بن علي من اجل استنهاض القدرات الحضارية الكامنة في شعبه وتوظيف الامكانيات الابداعية للنخب المثقفة، وحرّر الثقافة من قيود الفكر الواحد ومن الجمود والتهميش، وأعاد لدور المثقف اعتباره، وفتح امامه مسالك الابداع الفكري والمعرفي في مناخ من الحرية والاستقرار، مجسّدا من خلال اجراءات ومبادرات عملية وملموسة رفضه لتهميش الثقافة والمثقفين، انطلاقا من ايمانه الراسخ بأن "التغيير الحضاري، هو في جوهره ثقافة موصولة بجذورها، قويّة بتاريخها، تواكب عصرها وتبني للمستقبل".

وعلى أساس هذه القاعدة اتّسعت دائرة مشاركة المثقف التونسي في نحت حاضر بلاده وتحديد ملامح مستقبلها. ولعل تنظيم الاستشارة الوطنية تحت عنوان "تونس الغد في فكر مثقفيها" وهي مبادرة قلّما تصدر عن رجل السياسة في الوطن العربي يقوم دليلا على العلاقة الصحيّة بين المثقف والسياسي في تونس.

وقد كانت تلك الاستشارة منبرا للحوار تجلّت فيه حرية التفكير والتعبير في ارقى معانيها، وترسّخ من خلالها مجتمع الحرية الذي جعله الرئيس بن علي خلاصة سياسة الاصلاح التي ينتهجه في شمولية أبعادها.

كما ان هذه المبادرة تترجم في وجه خر من وجوهها مدى وعي القيادة التونسية بأن ضخامة التحديات والتعقيدات المرتبطة بها بقدر ما تُحمّل الطبقة السياسية حكما ومعارضة مسؤولية الاستجابة لها، فإنها في نفس الوقت تحمّل المثقفين مسؤولية لا تقل اهمية عن الأولى باعتبار المثقفين الفئة الأكثر وعيا في المجتمع والتي على جهدها ومساهمتها يتوقف مستقبل الشعوب ومناعتها. وإنه اذا ما كان على الأوطان تمكين أهل الفكر والثقافة من الحقّ في المشاركة والتعبير، فإنه من حقوق الوطن عليهم المساهمة في معالجة الأسئلة الكبرى التي تطرحها ديناميكية الواقع الوطني فضلا عمّا ينعكس على ذلك الواقع جرّاء التحوّلات العالمية المتسارعة التي لم يعد فيها مكان لاستبعاد المثقف او لاستقالته واكتفائه بالمراقبة من فوق الربوة.

ومن خلال هذه الاستشارة بيّن الرئيس بن علي مدى رهانه على قدرة النخبة التونسية في مساعدته على الاستعداد للتحولات الجارية وتلك المتوقّعة، وعلى صياغة موفّقة لصورة تونس الغد، وعلى تشكيل القرار المطلوب والملائم لتجسيم تلك الصورة واقعا.
علما بأن المثقف التونسي قد تفاعل مع مشروع التغيير منذ ساعاته الأولى، وساهم في إبراز خصوصيات مقاربته الفكرية، وإضاءة الاضافات التي جاء بها في مسيرة الفكر والاصلاح في تاريخ تونس المعاصر.

ولم يقف استنهاض الرئيس زين العابدين بن علي لدور المثقف عند حدود الدائرة الوطنية من خلال تيسير مساهمته سواء في فهم مشاكل الحاضر او في وضع التصورات المستقبلية الاسلم، وإنّما تعداه الى الأفق الانساني الأرحب انطلاقا من إدراكه بأنّ تأثيرات العولمة وتحدياتها تتعدى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتطرح تحديا ثقافيا لعلّه الأكثر خطورة على المجتمعات النامية ومن بينها المجتمعات العربية بحكم ظاهرة تنميط المجتمعات وتقليص الأبعاد الثقافية في تكويناتها واتصالاتها بما قد يؤدي الى إحلال الثقافة بمعناها الانساني في مرتبة ثانوية.

وحتى يوفّر القاعدة المادية لكسب المواجهة الثقافية في زمن العولمة، كان قرار الرئيس التونسي بالوصول الى ميزانية الثقافة في بلاده الى نسبة 1% من ميزانية الدولة الى جانب مضاعفة الحوافز والتشجيعات في ميدان الفعل الثقافي بمختلف صنوفه وذلك بهدف تمكين الثقافة التونسية من التجاوب مع المتغيرات العاصفة التي يشهدها عالم اليوم والتي تبقى في جوهرها تحولات ثقافية بالمعنى الشامل، وحتى تكفل الدولة التونسية مساهمة مفكريها ومبدعيها في إثراء الثقافة الانسانية وتبرز قدرتها على الانفتاح على الآخر دون أن تفقد خصوصيتها الوطنية ومميزات هويتها الحضارية.

ويُذكر في هذا السياق ان الرئيس التونسي كان من أوّل المدافعين عن التعددية الثقافية في العالم ودعا بوضوح الى العمل من أجل أن تكون "التحولات الثقافية المسجلة في عالمنا اليوم أساس نظام ثقافي انساني يعكس ثراء الحضارات البشرية المختلفة.. واحترام مميزات المجتمعات وخصوصياتها.. فلا هيمنة لثقافة على اخرى ولا انغلاق أو تحجّر"، وانه "على هذا التطور الثقافي ان يكون القوة الحضارية المعدّلة لحدّة ثار العولمة" و"حتى يصبح الحوار بديلا للصراع بين الثقافات ووسيلة لاستبعاد مخاطر التعصّب والتطرّف والعنف".

ولا شك ان هذا المفهوم المتقدم لدور الثقافة والمثقف في زمن العولمة يشكل قاعدة متينة لصياغة خطاب ثقافي عربي جديد يستمد أسسه من حقائق الحاضر ويمتلك القدرة على نحت صورة المستقبل بما يحقق الغايات الحضارية والمعرفية والثقافية التي من شأنها إبعاد شبح التهميش ان لم نقل الاندثار الذي بات يهدد الدائرة العربية ويجعل من العرب طرفا فاعلا في تكريس القيم الانسانية الخالدة. فالعلاقات او الصراعات بين الدول أصبحت صراعات وعلاقات ثقافية ايضا وهذا ما أدركته تونس وما يجب على كل العرب استيعابه.

ولكل هذا يكون احتفال تونس بيومها الوطني للثقافة موعدا متجددا مع طرح مثقفيها لأسئلة الوجود الكبرى وهم على ثقة بأن في خطاب قيادتهم السياسية من الحوافز والاجراءات العملية ما يساعدهم على ممارسة فعلهم في توضيح المفاهيم وإنارة السبل لأنهم على قناعة بأنهم في فضاء يُؤمن بأن الثقافة أداة لتأهيل العقل والانسان معا، واداة كل نهوض منشود.

لقد أعطت التجربة التونسية النموذج المطلوب عربيا لكيفية ان تتبوأ الثقافة موقعا استراتيجيا ينزّلها منزلة الحضارة، فمن خلالها يتحقق التقدم وتتحقق التنمية على اساس ان هذه الاخيرة تستوجب توفير المعايير الثقافية لبناء مجتمع سليم قادر على مواجهة عملية الاغتصاب الحضاري والتاريخي التي قد يتعرض لها. ولا شكّ ان الحصانة الثقافية التي يتمتع بها التونسيون اليوم تكشف السرّ الذي يقف وراء عدم ارتداء تونس لمعطفها ساعة تعصف بأركان العالم الأمطار وانما تنجح في استيعاب ما يستجدّ من ظواهر بما يدعم مكاسبها ويحصّنها ويقي شعبها مضاعفات تلك الانهيارات والسيول.. لأن الارادة السياسية فيها منت بأن على مثقفيها تقع "مسؤولية تحرير العقول وتنوير النفوس وتعميق روح الانتماء".

ولا يخفى اليوم، ومراكب العرب تعصف بها الرياح من الجهات الأربع، ما للبعد الثقافي والفكري من أثر وتأثير في بناء الشخصية العربية وفي تنميتها بما يمكّنها من تحصين ذاتها ومن انتزاع موقع لها في هذه الغابة العالمية.. موقع الفاعل النّد لا موقع التابع السلبي. وقد سطّرت تونس معالم الطريق في هذا المجال. ولم يبق أمام العرب إلاّ النهل والاستلهام من تميز هذه التجربة التي تملك جميع مفردات العروبة والعصر.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org