زلازل التاريخ على
الأرض العربية
الدكتور عبد السلام
المسدي
مفكّر - أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية
التاريخ يصنعه
العقلاء جدا ويصنعه المغامرون جدا. فالعقلاء من السياسيين
يرجّحون درء المفاسد على جلب المصالح والمغامرون يتهافتون
على جلب المصالح ويغمضون الأعين على درء المفاسد.
والسياسة تصنع
التاريخ لأنها تؤثر في مجريات أحداثه تأثيرا بنّاء أو
تأثيرا هدّاما، لذلك يسجل التاريخ أسماء رجالها، بعضهم
على الصحائف البيضاء وبعضهم على الصحائف الأخرى.
وبين التاريخ
والسياسة منطقة أخرى مرسوم عليها سلّم الأخطاء: فمنها
الصغرى، ومنها الكبرى، ومنها القاتلة، تلك التي إذا
تم ارتكابها حكم التاريخ حكما قاطعا بمجازاة أصحابها
ولو بعد إمهال.
سننشط جميعا -
بين سياسيّين ومثقفين - في تقليب الأسئلة، وسنصوغ ألف
صياغة تتولد من جحيم واحد: كيف وصلنا إلى ما نحن فيه؟
وسيجتهد المجتهدون، هذا يقول: لماذا وصلنا؟ بدلا من:
كيف وصلنا؟ وذاك يستدرك متسائلا: كيف السبيل إلى الخروج
ممّا وصلنا إليه؟ وهل من سبيل إلى ألا نعود إلى ما وصلنا
إليه؟ .
وسنشهد زخما من
أدبيات النكبة الكبرى ترافقها القوائم العديدة من العلل
والأسباب والحيثيات، وسيكون مقياس النبض، ورائز الجدوى،
ومسبار الأمانة - ضمن ما يخطه المحللون السياسيون ويحبّره
رجال الفكر المنخرطون ضمن جدل الوعي التاريخي - في مدى
اتساع هامش المسكوت عنه أو في مدى ضيقه.
بين هذا وذاك
سيقوم سجال على أطراف الجدل يتراشق فيه خطباء الفكر
اللائمون وخطباء السياسة الملامون. هؤلاء يقولون: لماذا
لم ترصدوا الظواهر في أوان رصدها؟ ولماذا لم تجوّدوا
إرهاصاتك-م كما يفعل المثقفون في العوالم الأخرى؟ وأولئك
يردّون: لم تتركوا لنا من الحرية ما به نؤدي أمانتنا
على الوجه الذي نرتضيه نحن أكثر مما ترضون به عنا؟ .
من هذا الخط ينبثق
الحوار الأوّل الأخّاذ، ومن هذا الأخدود يطلع الفيض
الملهم الفتان، وسيكون له سجل كحافظة للأوراق تجتمع
فيها على شاكلة وعلى أخرى بحسب الأصابع التي تتحسس المداخل
والقضايا، ثم بحسب طاقة الصبر على الوجع من فرط ألم
الأذى عند الوقوف على عتبات الذاكرة العربية الكليمة.
وأوّل ما يهجم
عليك من عساكر الفكر الثائر على نفسه وعليك - قبل أن
يقصفك بذخائره التأملية المتشظية - سؤال كالنبل تصيبك
في المكمن القاتل: هل حان الأوان لمراجعة الذات للمرة
الألف أم إن الأوان هو أوان التصدي للأعتاد الناسفة
التي تتقصّد الكيان وتقتنص الهويّة؟.
فإذا أنت انخرطت
في ميثاق التأجيل وأذعنت لمنطق الأولويات وقّعت ببصمة
الإبهام الكريمة على أعظم أكذوبة روجها التاريخ عندنا،
فسلب بها من العقل ريادته، وسرق منه سلطة الفعل والإنجاز:
إنها خدعة الخلط بين نقد النفس وجلد الذات، هي تماما
كالخدعة الأخرى حين راح البعض ينظّرون لفلسفة المصلحة
الجماعية فلم يكتفوا لها بالأولوية على المصلحة الفردية،
بل تجنّوا على الأفراد فقتلوا مهجتهم، وداسوا على حقوقهم،
والحال أن الأفراد - لكثرة عددهم في الأمر الواحد ولعموم
همومهم في العذاب الواحد - أصبحوا هم الجماعة، ثم تحولت
الفلسفة إلى شعار إغرائي فاستبدلوا بعبارة (المصلحة
العامة) عبارة (المصلحة العليا) إمعانا في وصف ما عداها
بأنه في خانة المصالح الدنيئة الوضيعة.
ولفرط الارتجال
الذي ينتاب القلم ويعصف بالكلمات يكاد الفكر أن يلوذ
بنزوة الشعراء أو يتوسل بمخيال الروائيين فيرى ركحا
على المسرح العربي يؤدي فيه ممثلان مشهد الحوار الثائر
الجريح: هذا ينطق باسم الفكر والثقافة وذاك ينطق باسم
السياسة والقرار.
يقول الأول: لو
احتكمتم إلينا في أمهات القضايا لما وصلتم بنا وبأنفسكم
إلى هذا الردى، لو تركتمونا أحرارا فيما نفكر وفيما
نعلن لكنا عوّضنا غياب المؤسسات التي لا يُقدم أصحاب
الأمر على شيء في البلاد الأخرى إلا بعد حصولهم على
ضوئها الأخضر.
فيقول الثاني:
أفتراكم الصوت الواحد أم قلوبكم شتّى، وعقولكم شتى،
وأوصياءكم أكثر من شتى؟ هل حكمتم الناسَ يوما فأسلموا
إليكم أمرهم؟ وهل وصلتم بمدينتكم الفاضلة إلى سطح البسيطة
إن كنتم فرغتم من إرساء قواعدها تحت الأرض؟ .
يرد الأول: إننا
يتامى الوهم التاريخي الجلل، فلقد ظننا أن في حصول أقطارنا
على استقلالها السياسي - بعد نضالات معارك التحرير من
الاستعمار على مدى العقود - تحريرا مطلقا لإرادة الفرد
العربي داخل وطنه، فإذا بالتاريخ يصفعنا، وإذا بألسنتنا
تتوق إلى أنسام لم تعد تهبّ خفيفة، ومنا من أمسى يحسد
طه حسين وجيل طه حسين على ما كانوا ينعمون به طيلة النصف
الأول من القرن العشرين من حرية التفكير وحرية التعبير
وحرية الإعلان كتابة عما كانوا يفكرون ويعتقدون.
فينبري الثاني
منتفضا صائحا مغتاظا: هل رأيتم كيف عرفتم شيئا ولم تعرفوا
أشياء؟ ألم نقل لكم إن الشعوب لا يدير أمرَها الحكماءُ
من أبراج تأملاتهم الشاهقة؟ إن كنتم أنتم يتامى الوهم
التاريخي فإننا نحن ضحاياه. عندما أخرجنا المستعمر كنا
ظننا أنّنا حررنا إرادتنا في السياسة، فما لبثت الصاعقة
أن أناخت على كواهلنا، ووجدنا أنفسنا أرقاء أكثر في
الاقتصاد، فانحنينا بالرءوس قليلا قليلا تحايلا على
قهر الحاجة ومظلمة الافتقاد، وإذا بالتاريخ يمعن في
ليّ رقابنا إذ باغتنا بأن الإدرار بالمال مرهون بدفع
ضريبة أعنف وأعتى، وهي أن نفتح معابرنا إلى الثقافة
الأخرى فنقيم لها من الجسور ما هو أقوى وأمتن من الممرات
الهشة إلى ذواتنا.
لقد صادنا التاريخ
في لحظة قنصه المريعة، فكتمنا عنكم حقيقتنا التي هي
حقيقتكم معنا، ومرت الأيام فتغيرت وجوه الثقافة وأصبحت
هي الأخرى لعبة بيد التقنية المتعاظمة و لتها الجحيمية،
ثمّ امتد جبروت ما أسموه بالتكنولوجيا فغزا الاقتصاد،
وغزا السياسة، وأرسى على رصيف الحرب يحكم كل لياتها
حكما طاغوتيا.
فيرد الناطق باسم
الثقافة قائلا: هب أن ما أسررت به صحيح، ثم هب أنه وجيه،
ألا تعلم أنت وجماعتك بأن الأمة قد تخسر معركة فلا تخسر
حربا، وبأنها قد تخسر حربا ولكنها لن تخسر أسباب الوجود.
فتعالوا نجمعْ حصاد السنين، وتعالوا نَرَ كيف كان يمكن
ألا يصل بنا التاريخ إلى مهاويه السحيقة، فعسى بعدئذ
أن نعلنه ميثاقا بيننا وبينكم:
ألا يتكرر بعد اليوم ما حصل بالأمس".
وسيكون الرهان
عتيدا، وسيكون السجال بين المنتجين للأفكار والصانعين
للقرار جموحا عنيدا، وسيتوسل كل شق بحجج يطهوها على
نيران التاريخ وببراهين ينضّجها على شموس الجغرافيا،
وستكون الجولة الأولى على ركح المصارعة الجدلية دائرة
على السؤال الجارح الدفين:
أي الأخطاء ارتكبنا
فخنّا بارتكابها أمانة الاستقلال السياسي الذي أهدته
لنا دماء الشهداء بعد سنوات من الكفاح هان فيها العزيز
فداء لحرية الأوطان؟ .
تاريخ العلم هو
تاريخ أخطائه، وتاريخ الثقافة هو تاريخ عدولها عن ثوابتها،
وتاريخ السياسة هو تاريخ زلاتها الكبرى. فلماذا كان
المثقف العربي أيام الاستعمار يتمتع بهامش من حرية التعبير
ومن حرية النقد لم يعد يتمتع به تحت ظلال دولة الاستقلال؟
ولماذا لم يعد يتجرأ على نقد القرار السياسي ولا سيما
ذاك الذي يتصل بالخيارات الكبرى والذي قد يحمل بين طياته
بذور الأخطاء العظمى؟ .
إن إنجازات الدولة
الوطنية في البلاد العربية بعد حصول أقطارها على استقلالها
السياسي قد تثير بين نخبها الفكرية ألف اجتهاد وألف
خلاف، خاصّة ما كان منها متعلّقا بتنظيم حياة الجماعة
أو بتدبير شؤون معاشها، ولكن الإنصاف التاريخي يحتم
الآن أن نستصفي مواطن الخطإ الأكبر، تلك التي رسمها
بعض من الساسة فوقع فيها جمع من المثقفين لأنهم خلطوا
بين الأمانة الفكرية المطلقة والموالاة الظرفية الضيقة.
اليوم يتعين على الجميع أن يعيدوا الإصغاء إلى أم البديهيات،
تلك التي تفنن كثيرون في إنكارها أو في استصغار حجمها
حدّ الغمط الآثم.
إنها تقول باسم
قوانين التاريخ جميعها: كل الأخطاء في سياسة الأمم قد
يغفرها التاريخ وقد تتناساها الشعوب إلا أن يأخذ حاكم
عساكره فيتخطى حدود بلاده غازيا بها بلادا أخرى. ليس
في التاريخ عبرة أجلّ من هذه، ومَن تصفح ببصيرة وامتلاء
تواريخ الأمم أدرك أن لحظة الخروج بالعساكر هي الإيذان
بميلاد جنون العظمة، وهو الفيروس الناخر للمجد والناسف
للحضارة.
في أواسط القرن
العشرين آتت معارك التحرير في البلاد العربية ثمارها،
وبدأت الشعوب تمسك بناصية مصيرها، وكان ثقل الأمانة
على الرقاب جسيما، وفجأة تفتق التاريخ عن مورد الرّدى
بامتطاء جواد الخطإ الأكبر: بين شهري سبتمبر ونوفمبر
من عام 1962 يتهيأ جيش عربي قوامه ثلاثون ألفا من العساكر
ليخرج نحو بلد عربي باسم المناصرة الثورية، فسالت دماء،
وأهدرت أموال، ومضت ثلاث سنوات إلا نيفا حتى يدرك صاحب
القرار السياسي بأنه قد ارتكب الخطأ الأكبر، وبأنه قد
خاض المعركة الخطأ، في الزمن الخطإ، على الأرض الخطإ.
ولكن المحاسبة
اليوم تأتي بالرياح الأخرى وتدخل من النوافذ الأخرى:
لماذا تاهت السبل بكثير من رموز النخبة الفكرية فراحوا
يزكّون ويهللون، ثم أمعن بعضهم في إسكات الصوت المضاد
مرسلين بسخاء مريع تهمتهم السهلة بالرجعية الحضارية
حين يتعلق الأمر بطبيعة الأنظمة السياسية، وبتهمة الاستلاب
الثقافي حين يتعلق الأمر باتخاذ موقف نقدي تجاه الإفراط
في أدلجة الانتماء القومي.
الحقيقة أن الأحداث
التي جدت في مطلع السّتينيّات يومئذ قد فاضت من زخم
سابق ساد عقد الخمسينيّات وانكشفت مقاسمه واضحة جلية
حين انعقد مؤتمر الأدباء العرب (القاهرة: 15 ديسمبر
1975) وكان من محاوره "حماية الأديب والقومية العربية".
في ذاك المؤتمر قام الأديب العربي محمود المسعدي - صاحب
الرواية الاستثنائية "السد"، وصاحب "حدّث
أبو هريرة قال..." - يلقي بحثه بإيقاع يخرج على
السرب فقال: "إن الأديب من حيث هو أديب ليس مضطلعا
بمسئولية الحكم السياسي أو الدعاية السياسية حتى يُسأل
تحليل الأوضاع السياسية أو الدعاية السياسية".
وبعد الإفاضة
في التحليل أضاف: "إن أوجب ما تجب حمايته للأديب
هو حريته لأنها شرط قدرته وإبداعه (...) فقد تتفجر قريحته
تفجرا حرا تلقائيا بما يمجّد القومية وعظماء القومية،
ولكنه قد تنصب قريحته على غير ذلك ويكون منصرفا بالطبع
عن الناحية الدعائية من القومية العربية دون أن يكون
خائنا لها أو مظهرا لها عقوقا". وكان كل البحث
دائرا على هذه المعاني. وما أن فرغ من كلامه حتى انهالت
عليه نبال الطعن بوابل التهم السهلة، وكان في أعلى سلّمها
العمالة تحت بريق السيف المسلول، سيف التخوين. ومن يومها
انبثق المارد الذي سجن الفكري في عقال الكبت القهار:
"إن لم تكن معي فأنت ضدي".
وكان بين الذين
حضروا المؤتمر طه حسين، ولم يكن بوسع طه حسين أن يعيد
إلى الأسماع صفحات كتبها قبل ذلك الأوان بعشرين سنة
في "مستقبل الثقافة في مصر" عن الحرية الفكرية
(1937) مستأنفا بها ما كان صوّره قبل 32 عاما في كتابه
"قادة
الفكر " (1925).
صمت عميد الأدب
العربي رغم عمق الرابطة التي وصلت بينه وبين صاحب "السد"
ورغم الحوار الفلسفي العتيد الذي دار بينهما على منابر
النقد الأدبي الرفيع. آثر السكوت وآثر ألا يبوح بأسباب
السكوت. وكان ذلك إيذانا بدخول العلاقة بين رجل الفكر
ورجل السياسة منطقة التوتر الأقصى ثم انغماسها في نفق
لا يزيد ظلمتَه قسوة إلا عناءُ امتداده. ويمضي عقدان
من الزمن على ذاك الخطإ الأكبر فتتكرر المغامرة العربية
بنفس الحيثيات المجانسة تاريخيا: بلد عربي لا يتعدى
سكانه يومئذ المليونين يخرج بجيش قوامه عشرة لاف جندي
فيتخطى حدود بلده ليغامر في نصرة شق أهلي على شق خر
في أطول حرب داخلية، ويتورط الجيش العربي، ويصطدم بإحدى
القوى العالمية، قوة المستعمر الفرنسي القديم، وتمضي
ثماني سنوات (1980 - 1988) والبلد العربي يدفع ضريبة
الصراع الخطإ، في الزمن الخطإ، على الأرض الخطإ.
نعم ، إن أعظم
الأخطاء في تاريخ الأمم والشعوب إنما هو المغامرة العسكرية
خارج حدود الأوطان، تلك حقيقة ليس من مثقف أصيل على
وجه البسيطة - مهما تكن أصوله أو ثقافته أو عقيدته -
إلا وهو يسلّم بها تسليما، فضلا عن أن أنساغ المثقف
الإنساني محيكة في كينونتها العميقة من ألياف السلام،
وأن مرجعه إلى العقل، وكل استدعاء للقوة المادية هو
إلغاء لسلطان الفكر المتدبّر فلا علة لوجود السلاح إلا
للدفاع الشرعي عن النفس أو عما هو من توابع النفس.
وإذ نحن نتعقب
مواطن الإخلال بالأمانة التي وضعها الاستقلال السياسي
على عاتق أقطارنا العربية خلال النصف الثاني من القرن
العشرين، وإذ قد فرغنا أيضا من التسليم بأن الخطأ السياسي
الأكبر هو في المغامرة العسكرية الشقيّة خارج حدود الأوطان،
فإننا نقف على تكرر الزلة الكبرى ونواجه الحقيقة القاسية
الكبرى عند استئناف التاريخ العربي غباءه، وإذا بقسوته
في موضوع مسئوليّة المثقّف وفي موضوع ارتباك العلاقة
بينه وبين الفعل السياسي أعظم بأضعاف المرات، فسياقنا
هذا أكثر التصاقا بتدوين تاريخنا الفكري والثقافي من
التصاقه بكتابة الوقائع السياسية وتسجيل حيثياتها من
علل أو معقبات، فهذا من واجبات المؤرخين، أما ذاك فهو
من المتعيّنات على الراصد الثقافي ولا سيما حين يكون
متوسلا بتفكيك ليّات الخطاب.
وهنا تحديدا قد
نلفي أنفسنا - ونحن نكتب عن الحدث، وعن الزمن، وعن الذات
العربية في صيرورتها التاريخية - نطرق أبواب الذاكرة
الفردية، غير أن ملاذنا إليها ليس مدفوعا بحب البوح
والإفضاء، إذ المقام مناف لسياق السيرة الذاتية، وإنما
هو مدفوع بالرغبة في استدعاء الشاهد على المسكوت عنه
في ضميرنا العربي الكليم.
عندما استيقظ
العالم في صبيحة 22 سبتمبر 1980 على خبر تجدد المغامرة
العسكرية من وراء حدود الوطن العربي انبثقت لوحة عجائبية
تصور ميلودراما كثير من المثقفين العرب المحسوبين على
"الأنتليجنسيا التقدمية" وهم يرتطمون على
جدار الوعي السياسي بين الرؤية الحصيفة والوهم المخاتل.
انصعق لهول الحدث
عدد من حمَلة الأمانة الفكرية، وراح بعضهم إلى أسوار
بغداد بعد أسابيع قليلة من اندلاع المغامرة، فخاطب قيادات
المؤسسة الجامعية، فرفعت الأمر إلى القيادة الحزبية،
فجاءت مجادلة نشيطة، فلم تظفر بشيء، فأحالت الأمر إلى
القيادة القطرية ثم القومية، ودار حوار، ودار جدل، وافترقنا
دون طائل. كان الخطاب من أيسر ما يتصوره المرء:
أ - كيف
تضربون بلدا أغلق سفارة أشد الأعداء على العروبة ثم
أهدى مبناها مقرا لمنظمة التحرير؟.
ب - وتقولون
إن الخطر داهم على العرب، وإنكم تنبرون حماة للبوابة
الشرقية، فلماذا لا تتركونهم حتى إذا دخلوا أرضكم في
شبر واحد هبّت كل قوى العالم إلى نصرتكم؟.
ج - ثم
ما لكم تغفلون عن البعد الاستراتيجي الكوني، فالبيت
العربي إذا استظل بغطاء خيمة الإسلام انبثق منهما العمق
الدولي الآخر الذي سيكون له ثقله في كل توازن منشود؟
ولكن التاريخ العربي كان مصرّا على الغباء، وكان له
جند ممن يُعرفون بالنخبة المثقفة، فالذي تجرّأ على الحقيقة
المبكرة فصارح بها وأعلنها وكتبها غمزوا به، وضايقوا
فكره، وصادوا نواياه، وكاد أن يدفع ضريبة موقفه غاليا:
ففي الخط الأدنى من المحاذير - التي هي محاذيرهم - كانوا
يرمونه بأدلجة العقيدة، وفي الخط الأقصى كانوا يلوّحون
بأنه من أنصار الأدلجة على المقاس الثوري الجديد يومها.
وتألب الغمز الثقافي
في تحالف ماكر مع الغمز السياسي الذي تنفخ في أوداجه
رياح الاستلاب الكائد، فتألفت لوحة تتخالط عليها ألوان
الحمق الثقافي بزيوت الغباء السياسي حتى كادت أن تشارف
الفن السريالي.
كان بعض هؤلاء
الفئة القليلة يواجه صلابة الموقف على جبهتين، كان -
في الجناح المغربي من الوطن الكبير - يرفض الأحكام التي
مصدرها التبعية الفكرية والأحكام التي مصدرها الترهيب
الاجتماعي، فكان شديدا على أنفار من الأنتليجنسيا العربية
ينطقون باسم ثقافة الآخر زاعمين أنها الثقافة الإنسانية
بلا حدود، وكان - في الجناح المشرقي - يرفض خطاب الاستدراج
الذي كان مبطّنا بالترهيب، كان يواجه السؤال الخادع:
كيف تكون مجددا في مضامين المعرفة وحداثيا في مناهج
بحثها ولا تستلذ مثلنا بمشاهد الملحمة التي تحفر المقابر
كي تدفن "المارد الثوري الجديد"؟
كان الرد جليا
وهو أيضا من أيسر ما يتصوره الإنسان إن هو نجا من انفصام
الذات تفكيرا وإحساسا: أن الموقف يخرج عن دائرة التماهي،
وعن كل مراسم الثورة، فضلا عن مقاسم الملل والنحل، إنه
الموقف الذي تمليه العقلانية التاريخية، وتقتضيه الديكارتية
الفكرية، وتستوجبه البراجماتية السياسية.
بل لا مراء أن
نقول باسم أدنى الحصافات الاستراتيجية: ها هي - مرة
أخرى - الحرب الخطأ، في الزمن الخطإ، على الأرض الخطإ.
وظل ذاك المثقف
يعيش قهره الفكري، ويتلمض بغصّته النفسية، وعندما كان
حشد من المثقفين العرب يتبادلون القبل يوم 18 جويلية
1988 بمناسبة صدور قرار إنهاء الحرب .
(598) كان هو يستكشف القرائن
الموجعة: استوقفته قولة "السم الزعاف" يومها،
واستوقفه أن القوة الدولية الماسكة بكل خيوط الأحداث
قد أجّلت موعد مباركة القرار بواحد وعشرين يوما واختارت
اليوم الذي تتكثف فيه دلالة الرمز، إنه يوم الثامن من
أوت/أغسطس من تلك السنة حتى تجمع أربعا من الثماني (8
- 8 - 88) ثم استوقفه أيضا شيء عجائبي آخر: المغامرة
العربية خارج الحدود على الأرض الإفريقية دارت بين عامي
1980 1988، والمغامرة العربية الأخرى على أرض المشرق
هي أيضا دارت بين ذينك العامين، وكلتاهما امتدت ثمانية
أعوام.
ظل المثقف اليتيم
راصدا متوجسا حتى انفلق جوف التاريخ ليتقيّأ خر المغامرات
العربية خارج حدود الأوطان، فإذا به يقف وجها لوجه أمام
حقائق المثقف العربي في عمومه قبل خصوصه، وقف يتأمل
حال الجمع الغفير من الأنتليجنسيا الطلائعية كيف وجدوا
أنفسهم في التسلل على ملعب الأحداث، كان له موقف من
حيث هو عربي، وكان له موقف من حيث هو ذو انتماء حضاري،
وربما يكون له موقف من حيث هو كائن سياسي، ولكنه كان
يتمسك بحق رابع وهو أن يكون له موقف الراصد الثقافي
الذي يقرأ الوقائع بمنظار المنظومات المتكاملة:
كان يتمنى لو
كان بيده صُورٌ يصيح فيه بأعلى صوته أمام كثير من المثقفين
العرب: من لم يستشرف منكم حصول الهول صبيحة الثاني من
أوت/أغسطس أيام كان يصفق طربا صبيحة المغامرة الأخرى
فعليه أن يسكت، وعليه أن ينسحب من دوائر الفعل في التاريخ،
وعليه أن يقبع بنفسه في أبراج العلم النظري المحض مستقيلا
من كل معرفة تربط بين المجردات والمتحققات.
وتمر الأيام حثيثة
وإذا بنا جميعا أمام محكمة التاريخ ندفع ضريبة المغامرات
العسكرية، وندفع ضريبة فردية القرار في الخيارات المصيرية،
وندفع ضريبة الإخلال بأمانة الاستقلال السياسي الذي
جاءت به عقود من الكفاح التحريري المرير ودفع فيه الشهداء
أرواحهم فداءً للأوطان.
نطق التاريخ بحكمه
وحكم التاريخ لا يرحم. يوم التاسع من أبريل 2003 أسرّت
الذات العربية - همسا أو إيماء - فقالت إن عاصمة الرافدين
قد سقطت، فأجابتها الذات الأخرى: بل إنها الآن تنبعث
من عدمها لتبدأ قامتها في الوقوف بعد عقود من السقوط.
فيما مضى كان
المثقف إذا عالج الهم السياسي أدار عدسة الاستكشاف بين
زاوية وأخرى: يقلّب الأمر الواحد بين الحديث عن الآخر
والحديث عن الذات فتنزاح العدسة ببعض الدرجات تبعا لاختلاف
الموقّعين، وكان ذلك مما يمليه التشخيص الموضوعي في
الوصف والتناول.
ولأول مرة يحدث
التصادم العنيف عندنا: فبين الحديث عن الآخرين الأغراب
- فيما حصل على أرض الرافدين - والحديث عن الذات العربية
الحميمة مسافة ذهنية حسابها بالسنوات الضوئية، ودرجات
الميل فيها هي مائة وثمانون درجة: تقول القول الواحد
في الأمر الواحد فتعرّض به نفسك إلى الحكم ونقيضه حتى
لتكاد الحجج تتساوى بين الذين حملوا كلامك على الحب
المطلق لقوميّتك والذين يحملونه على الاستنكار المطلق.
أفتراك على الجمر تصطلي بأتون الفتنة؟ ليكن.
للراصد الثقافي
أن يترك المداخل المألوفة اضطرارا، أو يهجر المسالك
المعبّدة اختيارا، ويفعل ذلك دونما عزوف ولا استصغار.
يوم النكبة الكبرى عاد حريق الرمز يلتهب أضلعَ المثقف
العربي اليتيم فأيقظ فيه ألم الذكرى كالمدية تروح وتغدو
على الجراح قبل أن تندمل. تذكّر أن بعض رواد النهضة
العربية المعاصرة في بداياتها - من ورثة ابن خلدون -
استلهموا فكره فصاغوا قولة كأنها قولته، ودونوا بالأحرف
البارزة قانونهم التاريخي الصارم:
"الجور مؤذن
بخراب العمران"
ولكن الذاكرة
تقفز بالمثقف الحيران قفزة عجيبة فتهمس له بفكرة يظل
يتمزق أيبوح بها أم يكتمها في غيابات الصدور، فمن سيضمن
له براءة التأويل إن أفاض بها؟ ومن سيجيره من غبن الألسنة
وظلم المقاصد؟ لقد تهاوت عروس الرافدين تحت مظلة المقولة
الجديدة: مقولة "الحرب الوقائية" التي سرعان
ما تحولت إلى أقنوم جديد في توظيب النظام الكوني الجديد،
ولكن من الذي ابتدع هذه المقولة الشيطانية؟ ألم يكن
حاكم الرافدين هو الذي ابتكرها وأعلن عن ميلادها صبيحة
يوم 22 - 9 - 1980 فذهب ضحيتها على مدى ثماني سنوات
مليون ومئتا ألف نسمة حسب إحصائيات منظمات الأمم المتحدة؟
أفلا يكون التاريخ قد ردد ضاحكا قولة الأعراب الأوائل:
قد انقلب السحر على الساحر؟
وإذ يوغل المثقف
في البوح همسا أو الإفضاء جهارا يداهمه رجع الصدى بفعل
الوعي المضاد: إذا جاءك المرتابون بقولك والمتشككون
في سريرتك فلن يشفع لك إلا أن تقسم ثم تدعو: اللهم إني
لست بشامت، ومَنْ مِنَ الحمقى يبلغ به الغباء مشارفه
القصيّة فيشمت بأرض الرافدين؟ فلا تظلموا عبدكم وتذكروا
أن تفسير الظواهر - في مواثيق الفكر - لا يعني البتة
تبريرها ولا حتى استساغتها.
فما الذي حدث
يوم التاسع من أبريل 2003؟
على مدى السنوات
الأولى منذ أن أطلت طلائع الألفية الجديدة كان العالم
على موعد مع سلطة الرمز يعززها سلطان الصورة فتأتلف
منهما سطوة توشك ألا تتناهى. كان الاكتساح الكثيف على
شاشات الوعي الكوني بتلك الصورة المروّعة التي سقط فيها
الطفل الفلسطيني تحت وابل الرصاص وهو يحتمي عند سفح
الجدار بخصر أبيه والأب يقذف كلمات تلتهب شهبا: مات
الولدُ... مات الولدُ...
وكان الاكتساح
الغزير الثاني يوم اخترقت الطائرة أعلى الأبراج وأنفاسُ
الكون مشدودة - عند بعض أعشار الثانية - تنتظر أن تخرج
الطائرة من الجهة الأخرى كما تفعل الأشباح على شاشة
الرعب السينمائي.
ثم كان الموعد
الثالث، يوم التاسع من أبريل، وإذا بالتوظيب الإعلامي
في أعنف تقنياته وأعتى اختراقاته يقدّم الوجبة الأخرى
كوليمة شهية على موائد الرمزية المكتسحة، هي صورة التمثال
وهو يربط من عنقه بالحبل الحديدي ثم يزحزح هزا فهزا
حتى يكبوَ، فيُمهَل، ثم يُراوَد لطفا فلطفا حتى يقع،
والناس من حوله أشهاد وشهود، والكل أبطال على مراكح
"الفرجة" المسرحية، والذي من الناس جميعا
- على الشاشة أو من ورائها - ظن نفسه ممثلا أفاق أنه
ممثل به، وانصهر - في لحظة الزمن الفيزيائي - صناع التاريخ
والذين بهم يُصنع التاريخ.
للمثقف عند كل
صورة من تلك الصور الثلاث ألف حديث، وللمثقف عند مقارنة
بعضها ببعض ألف حديث وحديث، ولكن الراصد السيميائي يقف
على الثاوي وراء ستائر الأحداث، فالذي سقط يومها هو
"تمثال" أي هو كتلة من المعدن لها حجم ولها
وزن ولها كثافة ثم لها مركح من الإسمنت، وكل تلك العناصر
تتجاوز بأضعاف ما هي عليه عند المرموز له، فسقوط التمثال
هو سقوط للذي دشن عصر الحرب الوقائية حين اعتقد أنه
الحاكم بأمره، والمستنصر بنفسه، والمنصور بذاته، وبأنه
الواثق بقوّته والرشيد دون سواه.
بالحرب الوقائية
تم القضاء على تمثال الذي دشن مقولتها، ولكن رؤية الذات
للأحداث غير رؤية الآخر، فسقوط التمثال هو سقوط للأصنام،
وإذا ما جنح الظن بالآخر أن يجعل الرمز صوب فكرة العروبة
ليعلن بدأ تهافتها فعدسة الذات ترى البعد الخفي الذي
يريد الآخر تغييبه، إنه سقوط لأدلجة العروبة حين انقلبت
كارثة على العروبة، والتحرير المعلن يُقرأ من قفاه المستتر:
إنه استشراف لتحرر الوعي العروبي من ربقه الأدلجة العروبية.
ويعود المثقف إلى سلطة الرمز ليستكشف اشتغال آلياته
من خلال أدوات الخطاب، فعلى مدى إثني عشر عاما كان الضمير
العربي واقعا تحت مقصلة الرمز اللغوي، في البدء دارت
معركة اللّغة على ضفاف الكلمات: أدخول أم غزو أم اجتياح؟
ثم انتهى صراع الألفاظ لتحل محله فتنة العلل والأسباب
عبر صوغ التسميات.
كان التمزق ثنائيا:
لمن الأولوية، لشعب العراق أم لنظام العراق؟ وكان ذلك
يعني: هل بوسع مأساة شعب أن تشفع لحاكمه؟ وهل مستساغ
أن يُقهر شعب بجريمة حاكمه؟ ولما أطلت الجغرافيا لتخترق
التاريخ صاغ الصائغون بديلا منافسا فتحدثوا عن أرض العراق.
يوم التاسع من أبريل تجدد الموعد مع فتنة الكلمات في
أدق حبكة لمكيافلية الخطاب.
كان المسكوت عنه في مقاصد الآخر أن التمثال قد تم إسقاطه
بعد اقتلاعه، وبسقوطه سقط صاحبه، وهوى نظامه، فتهافت
العرب، وضاع تاريخهم وقضي على مخازن الذاكرة لديهم.
وكان المسكوت
عنه في وعي الذات أن الأمة لا يحررها إلا أبناءها، وأن
المغامرين في السياسة هم أول من يدفع ضريبة التاريخ،
وأن تحرير الذات من الذات هي الباب الكبير الذي تدخل
منه الذات لتحرير نفسها من الآخر.