لمزيد
التأكد من ضراوة هذه الظاهرة يمكن الرجوع إلى أربع وثائق:
الوثيقة الأولى
صدرت سنة 1996 عن كلّ من ريتشارد بيرل ودوغلاس فيث ودافيد
وورمسر لفائدة ناتانياهو الوزير الأوّل الإسرائيلي الأسبق
تحت عنوان "استراتيجية جديدة لتأمين المملكة".
جاء في هذه الوثيقة بالخصوص: "التأكيد على قدرة
إسرائيل على تشكيل محيطها الإستراتيجي من خلال إضعاف
سوريا ومحاصرتها، وحثّها على هدم اتفاقية أوسلو واعتماد
استراتيجية عدوانية جديدة تكون فيها سوريا العدو الرئيسي،
مع الإشارة إلى أنّ الإطاحة بها تمرّ بالضّرورة عبر
الإطاحة بنظام صدام حسين".
كما ذهبت هذه الوثيقة
إلى حث إسرائيل على "إعادة إقرار مبدإ الهجوم الوقائي
وهو نفس المبدأ الذي فرضه المحافظون الجدد على الإدارة
الأمريكية".
الوثيقة الثانية
صدرت سنة 1997 عن دوغلاس فيث لفائدة إسرائيل تحت
عنوان "استراتيجية لإسرائيل" حثّ فيها هذا
البلد بالخصوص على إعادة احتلال المناطق الخاضعة للسلطة
الفلسطينية مهما ارتفع ثمن الدم الواجب دفعه.
الوثيقة الثالثة
أعدها دافيد وورمسر تحت عنوان "مشروع مخطط
حربي أمريكي إسرائيلي مشترك" تضمّنت تشجيع البلدين
على خلق الأزمات على أساس أن الأزمات توفر فرصا يمكن
استغلالها، ونشرت في غرة جانفي 2001 أي 9 اشهر قبل الحدث
المرجع.
الوثيقة الرابعة
والأخيرة تؤكد تغلغل الفكر المحافظ الجديد في السياسة
الأمريكية وهي تتمثّل في تلك المذكرة التي أعدها بول
وولفوفيتس سنة 1992 والتي دعا فيها بالخصوص إلى "إثناء
كلّ المنافسين المحتملين حتى عن مجرّد الطّموح للاضطلاع
بدور أكبر إقليميا وعالميا".
. ورغم أن هذه الوثيقة
تعرضت للنقد وللتنديد وتم التخلي عنها في تلك الفترة
أصبحت سنة 2002 تشكل الأرضية الأساسية للسياسة الأمريكية
مثلما جاء في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن
القومي التي عرضها الرئيس بوش في 21 سبتمبر 2001 والتي
وصفها الصحفي تيم رايش في جريدة الواشنطن بوست "بالخط
الفاصل في السياسة الخارجية الأمريكية عن المبادئ الأساسية
التي وجهت كافة من تداولوا على رئاسة الولايات المتحدة
على امتداد أكثر من 50 سنة والقائمة على مبدأي المحاصرة
والإعاقة" " (11)deterrence and containment
".
فإذا أصبحت المصالح
الأمريكية ينظر لها من المنظار الإسرائيلي بتخطيط وتدبير
محكمين من المحافظين الجدد فمن الطبيعي أن تفقد القيادة
الأمريكية القدرة حتى على مجرد التوجيه النسبي لإسرائيل
في اتجاه أي حلّ سلمي للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني الذي
يشكل المفتاح الأوحد لتحقيق الاستقرار في المنطقة. فبرغم
أن الاضطلاع بدور فاعل في هذا الخصوص يؤمّن للولايات
المتحدة، عبر الضغط على إسرائيل، تسويقا أسهل للدور
الريادي الذي تنشده فإن المحافظين الجدد جاهزون لكل
الطوارئ بما يخفونه من أوراق ترفع عند الحاجة مثل ورقة
"عداء العرق السّامي" anti-semitisme مهما
كان الظرف حتى وان تعلق الأمر برئيس الدولة ذاته(12).
أما الأصوات الحرة النزيهة
التي تتعالى في الولايات المتحدة لفضح المخططات الرامية
إلى توظيف السياسة الأمريكية لخدمة المصالح الإسرائيلية
في كثير من الأحيان على حساب المصالح الأمريكية فإنها
تتهم بالعداوة للسامية وحتى بالنازية.
يتبين مما تقدم أن الإطاحة
بالنظام العراقي لا تخدم أهداف الهيمنة الأمريكية بقدر
ما تخدم المخططات الإسرائيلية للتوسع في المنطقة وفرض
سيطرة مطلقة في الشرق الأوسط. لذلك لا غرابة في أن تفشل
الآلة الديبلوماسية الأمريكية في تسويق الحرب على العراق
ليس فقط لأنها انطلقت على أساس المغالطة في تمثل المصلحة
الأمريكية بل وكذلك لأن المبررات التي استندت إليها
لم ترتق إلى مرتبة الأسباب المقنعة التي تشرّع منهج
الحرب حتى في منظور شعب الدولة المهيمنة.
2 ـ استراتيجية تسويق
الحرب:
تتلخص المبررات التي
اعتمدتها الإدارة الأمريكية لتفسير "حتمية الحرب
على العراق في نزع أسلحة الدمار الشامل، ومقاومة الإرهاب
باعتماد نظرية الهجوم الوقائي، وتحرير الشعب العراقي،
ونشر ثقافة الحرية والديمقراطية.
وقد جاءت هذه المبررات
وفق تمش تدريجي محكم حددته طبيعة التفاعل من قبل الرأي
العام الأمريكي أولا والمجتمع الدولي ثانيا مع كل مبرر
يعرض للاستهلاك. فكلما يواجه المبرر المعروض الرفض يقع
الكشف عن مبرر جديد ينضاف للمبرر الذي سبقه لكن دون
أن يعوضه، وكأنما المقاربة تجارية حيث تختلف أدوات الإقناع
بحسب أصناف المستهلكين وتبقى الغاية واحدة: ضمان إقبالهم
على استهلاك نفس البضاعة كل حسب ميولاته:
أ -نزع أسلحة الدمار
الشامل العراقيّة
شكلت مسألة نزع أسلحة
الدمار الشامل العراقية المبرر الأصلي والرئيسي الذي
اعتمدته الديبلوماسية الأمريكية في تسويق الحرب على
العراق لاعتبارات عديدة لعل أهمها جاهزيته والشرعية
الدولية الهامّة التي يمكن أن يسندها للحرب.
فالجاهزية تقوم على
توفّر هذا المبرر باعتباره معروضا في درج مجلس الأمن
للتوظيف قبل ظهور الحاجة إليه في مخططات المحافظين الجدد
في الولايات المتحدة. فجذوره الفعلية تعود إلى اجتياح
الكويت من قبل العراق، وجذوره الإجرائية تعود إلى قرار
مجلس الأمن عدد 687 لسنة 1991 (13) وما تلا ذلك
من قرارات وحظر ولجان مراقبة أممية وطعون عراقية في
شرعية القرارات وفي مصداقية اللجان، ومدّ وجزر وتصاعد
التوتر بين مجلس الأمن والعراق إلى حين اتخاذ القرار
عدد 1441 في 8 نوفمبر 2002 الذي يشكل في الواقع بداية
العد التنازلي لشن حرب تقررت خارج الإطار الأممي.
أمّا الشرعية التي يسندها
هذا المبرر للحرب فهي تتأسس على تقديمها على أنها أممية
المنشإ باعتبارها نشأت عن صراع فاقت مدّته العقد بين
هيكل أممي ودولة امتنعت عن الامتثال للشرعية الدولية
التي يمثلها هذا الهيكل، وعلى أنها أممية القرار باعتبار
الاستناد إلى قراءة موجهة لقرار مجلس الأمن عدد 1441(14)
أمام الفشل في استصدار قرار جديد يشرّع الحرب، وعلى
أنها أممية التكليف بما يجعل الحرب ضربا من ضروب التضحية
والالتزام بأداء واجب الذود عن الشرعية الدولية التي
يمثلها المنتظم الأممي.
بذلك تتحول الحرب الأمريكية
على العراق من حرب على الشرعية إلى حرب للشرعية ويختفي
شبح الهيمنة الأمريكي الذي لا يعدو أن يكون تكريسا للمصالح
الإسرائيلية. وقد بلغت الديبلوماسية الأمريكية في حرصها
على توظيف هذا المبرر درجة الابتذال عندما قدمت أمام
مجلس الأمن ما سمّته "حججا دامغة عن امتلاك العراق
للأسلحة المحظورة".
ب ـ مقاومة الإرهاب:
هذا المبرر ينزّل الأمن
القومي الأمريكي منزلة جوهرية في إعطاء معنى لاختيار
الحرب. وهو يستغل حالة الصدمة والذهول التي كان عليها
الشعب الأمريكي إثر أحداث 11 سبتمبر 2001 والإحساس الذي
ساد لديه بأن أمريكا قد فقدت "حصانتها الداخلية
و أصبحت مهددة في أمنها القومي وهو ما يحتّم إعلان الحرب
على الإرهاب الدولي.
ورغم غياب أية علاقة
بين أحداث 11 سبتمبر 2001 والنظام العراقي، ورغم انعدام
الصلة بين تنظيم القاعدة المسؤول المحتمل عن الإرهاب
والنظام العراقي، وأمام سهولة مغالطة الإحساس الشعبي
في مثل هذه الظروف وحمله على الخلط بين المعتدين الحقيقيين
وأعداء إسرائيل استغلت الديبلوماسية الأمريكية مساندة
الرأي العام الأمريكي خصوصا والعالمي عموما لأية ردة
فعل قوية حتى وإن كانت حربا. فقفزت دون عناء ودون حاجة
للإثبات في متاهة إنزال الحرب على العراق منزلة الحرب
على الإرهاب الدولي الذي لم تعد أمريكا في مأمن منه.
. وأمام غياب الحجج
المقنعة وحتى غير المقنعة في تورط العراق في الإرهاب
الدولي استنجدت الآلة الأمريكية بالفكر الإسرائيلي بتدبير
من المحافظين الجدد لتستحضر نظرية الحرب الوقائية(15)
لعلّها تسند حربها على العراق شكل من أشكال الشرعية
فترتقي النية غير القابلة للإثبات إلى مستوى الفعل المادي
الثابت، وتكون المحاسبة على النوايا ويفتح باب الاعتباطية
على مصراعيه.
. فكان للإعلان عن حق
الولايات المتحدة، تلك القوة العظمى، في اعتماد الدفاع
الوقائي تجاه دولة لا تقوى على تدبير قوت شعبها ودواء
أطفالها الذين يتساقطون بالآلاف جرّاء حصار أممي فاق
العقد من الزمن، مفعول عكسي على الرأي العام الذي اكتشف
في هذا المبرر ضربا من ضروب الاستبلاه لفطنة البشر مما
تسبب في ظهور بعض الامتعاض من توظيف هذا المبرر ضمن
ذات الفريق المساند للحرب في الولايات المتحدة(16).
ج ـ تحرير الشعب
العراقي
أمام الفشل في ترويج
سلعة الحرب باعتماد مبررات لم تحقق التجاوب المنشود
والإقبال المنتظر تم اللجوء إلى مبرّر يشكل الورقة الأخيرة
في منظومة الحجاج الأمريكي : وهو تحرير الشعب العراقي
من براثن "دكتاتورية صدام حسين" ونشر ثقافة
الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط. ولئن استندت لة
الترويج الأمريكية باعتمادها هذا المبرر إلى منظومة
قيّمية تحظى بالاجماع أكاد أقول الإنساني مما أعطاها
سطحيا نوعا من القبول فإنها لم تصمد أمام النقد الذي
استهدف جوهر هذا المبرر والذي يمكن تلخيصه في الأسئلة
التالية: *
فمن زاوية المصلحة
الأمريكية:
ما العلاقة بين مصلحة الأمريكيين وتحرير العراق؟ .
هل أن النظام العراقي أكثر الأنظمة الدكتاتورية عنفا
وصلابة وقدما ليحظى بأولوية المعالجة الأمريكية؟ .
هل ستلتزم أمريكا بمعالجة مختلف الأنظمة الدكتاتورية؟
.
*ومن زاوية القانون
الدولي(17):
ألا يشكل هذا المبرّر انتهاكا صارخا للقانون الدولي
والمواثيق الدولية وأبرز المبادئ التي يقوم عليها النظام
الدولي؟.
ألا يتسبب هذا الانتهاك في الفتك بما تبقّى من مصداقية
المنتظم الأممي خاصة باعتبار صدوره عن دولة عظمى يفترض
أن تكون الأكثر حرصا على صون هذا المنتظم؟.
*أمّا من زاوية الشعب
العراقي:
فماذا تعني الحرية إذا لم تنبع من إرادة الشعب ذاته
ولم تتبلور في شكل انتفاضة على النظام القائم لتتحول
إلى معركة تحرّر يختارها الشعب لنفسه؟ .
أليس التحرير بهذا الشّكل استعمارا أمريكي الفعل إسرائيليّ
المصلحة؟ .
قد لا نبالغ إذا قلنا
إن الحرب على العراق على عكس ما يزعمه مساندوها تتناقض
مع المبررات المقدمة:
فهي تشكل عامل دفع لانتشار
أسلحة الدّمار الشّامل واللهث وراء تحصيلها باعتبارها
تبقى السبيل الوحيد لردع القوة المهيمنة.
وهي تغذي الكراهية تجاه
الغرب عموما وأمريكا خصوصا نتيجة الإحساس بالقهر والظلم
وعدم القدرة على المواجهة بالطريقة التقليدية بما يفرض
فقدان الأمل والنزوع إلى الأساليب الإرهابية.
كما أنّ نظرية الهجوم
الوقائي عند تطبيقها من دولة عظمى تخلق سابقة خطيرة
ومثالا يمكن لأية دولة أن تنسج على منواله لتبرير أي
هجوم على دولة أخرى.
أمّا الحريّة والديمقراطية
التي تزرع بالمدافع وتنشر بالقنابل فإنها لا تخلّف إلاّ
الرّفض والتصدي والتحدي للنموذج الغربي والتشبّث بالنظام
القديم.
لكن ما دام القرار قد
اتخذ فإن فشل ترويج المبررات لم يمنع التنفيذ الذي يرمي
إلى تحقيق أهداف غير معلنة لا يدركها إلا المحافظون
الجدد الساهرون على تأمين قدسيّة المخططات الإسرائيليّة.
وكانت الحرب وخيّم الصّمت
الرّهيب.
ثانيا ـ صمت المجموعة
الدولية
بقطع النظر عن طبيعة الحجج والمبررات التي تقدمها دولة
ما في إطار هيكل من هياكل الأمم المتحدة لحمله على إقرار
شنّ حرب على دولة أخرى، وبقطع النظر عن الدوافع الكامنة
أو الظاهرة لهذه المبادرة فإن من واجب المجموعة الدولية
التي تحمل إرادتها منظمة الأمم المتحدة والتي يؤتمن
عليها في صورة الحال مجلس الأمن أن تقف موقفا واضحا
لا يترك مجالا للاجتهاد في مسألة تتعلق بشنّ حرب على
دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في منظمة الأمم المتحدة
أي أنها تشكل أحد أعضاء المجموعة الدولية.
كما أن من واجب المجموعة
الدولية أن لا تصمت عندما تمارس دولة أو مجموعة دول
عدوانا مسلحا شاملا على دولة أخرى مستقلة وعضو بالأمم
المتحدة، عدوانا يشفع باجتياح عارم، وينتهي باحتلال
دائم.
فإما أن تدين العدوان
وتعمل على وقفه حينيا ومنع حصول نتائجه من اجتياح واحتلال
أو أن تباركه وتقبل نتائجه وتكون بذلك قد انتهكت بنفسها
الميثاق الذي يشكل أساس وجودها.
إلا أن المجموعة الدولية ممثلة في مجلس الأمن لم ترتق
إلى مستوى معالجة المسألة العراقية دون اعتبار الوزن
الفعلي لطرفي النزاع الأصليين فكان صمت الغموض قبل العدوان
وصمت الجمود طوال العدوان.
1 صمت الغموض قبل
العدوان
بعد أن قررت الولايات
المتحدة أن يكون العراق هدفها الجديد بعد أفغانستان
في حربها على الإرهاب الدولي احتضن مجلس الأمن حوارا
مطولا ساده تناقض جوهري في مقاربة المسألة ذاتها: ففي
حين كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالمناسبة (المملكة
المتحدة، وإسبانيا، وبلغاريا) تسعى إلى إسناد الشرعية
الدولية إلى حرب تقرر أمريكيا شنها على العراق، كانت
فرنسا وروسيا وألمانيا والصين ترمي إلى حمل العراق على
احترام قرارات مجلس الأمن.
. ومن الطبيعي أن يتحول
التباين في الأهداف إلى تباين في المواقف حيث اعتبرت
الولايات المتحدة أن امتناع العراق عن تطبيق قرار مجلس
الأمن عدد 687 يبرر التدخل العسكري ضده في حين تمسكت
فرنسا بضرورة مواصلة عمليات المراقبة الأممية قبل الانخراط
في أي عمل عسكري دولي ضد العراق.
وقد أدى هذا التباين
إلى صدور قرار جديد لمجلس الأمن (عدد1441) تميز بالغموض
الشديد في مسألة القيام بأي تدخل عسكري ضد العراق مما
أسال الكثير من الحبر في تحليله وسبر أبعاد تطبيقه والتأويلات
التي يتيحها. فهذا القرار يقر انتهاك العراق لقرارات
مجلس الأمن منذ حرب الخليج في سنة 1991.
كما ينبهه إلى النتائج
الوخيمة التي يمكن أن يتعرض لها جراء عدم امتثاله للقرارات
الأممية. لكنه في المقابل لم يحدد إجراءات جديدة من
قبل مجلس الأمن للإذن بالتدخل العسكري ضد النظام العراقي،
كما لم يحدد جالا للعراق للامتثال للقرارات واكتفى بالإحالة
إلى إجراء نقاشات إضافية.
ولأن الوضوح في مثل
هذه الحالات محرج وخطير على مستقبل المنتظم الأممي لا
يمكن لهذا الغموض في نص يصاغ في أرفع مستويات الديبلوماسية
العالمية إلا أن يكون مقصودا لفتح باب الاجتهاد والمبادرة
بالفعل لمن قرر الفعل مسبقا من ناحية، ولفسح المجال
للمعارضة المبدئية للفعل بما يحفظ ماء الوجه لدول أرادت
أن يكون لها دور بارز على الساحة الدولية فاكتشفت الوجه
الحقيقي لنظام أحادى القطبية ووقفت على وزنها الفعلي.
في ظل هذا النظام حتى
في إطار التحالف الغربي التقليدي، وتبين لها عجزها على
مجاراة نسق فرضته دولة أكّدت أنّها القوة العظمى الوحيدة
على الساحة، من ناحية أخرى.
لذلك لم تقدر هذه المعارضة بالنظر إلى موازين القوى
وحجم الضغوطات إلاّ على منع إعطاء قاعدة شرعية أممية
في شكل قرار جديد صريح لفائدة الحرب.
ولئن لم تتأخر في فضح
انتهاك القوانين والمواثيق الدولية الذي يسبّبه شنّ
الحرب بالمنظور الأمريكي على العراق فإنها لم تعمل على
التحرك الحاسم في اتجاه منع حدوث الحرب وكأن حرصها على
صون الشرعية الدولية لم يُضَاهِ حرصَها على المحافظة
على خيط الود مع الدولة العظمى والذي يؤمن لها استعادة
علاقاتها الطبيعية معها بما يخدم .
المصالح المشتركة للطرفين
في إطار التحالف الغربي الذي يشكل حلقة التضامن الأقوى.
فرفع المبادئ التي تسوس العلاقات الدولية مثل المساواة
في السيادة بين الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية
للدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها لم يصمد أمام ثقل
الواقع المتمثل في حشد القوى لإتيان عدوان محسوم لا
رجعة فيه. بل إن صوت الشرعية الدولية أخذ يخفت شيئا
فشيئا أمام تصاعد قرع طبول الحرب والعدوان. وعوض أن
يزيد ارتفاعا ويتقصى الآليات الأممية الكفيلة بمنع العدوان
(18) تجاوبا مع نبض الشارع في كافة أرجاء المعمورة،
تحول هذا الصوت إلى الانشغال ب "مرحلة ما بعد الحرب
وكأن مرحلة الحرب بالذات قد وضعت بين قوسين وخرج مضمونها
عن اهتمام المجموعة الدولية. وانطلق العدوان و لازمت
المجموعة الدولية صمت الجمود.
2 ـ صمت الجمود طوال
العدوان
قد لا تصح المقارنة بين العدوان العراقي على الكويت
سنة 1990 والعدوان الأمريكي على العراق سنة 2003 لا
على مستوى الإستراتيجية المعتمدة ولا على مستوى الدّولة
المعتدية ولا على مستوى الدّولة موضوع العدوان.
فعلى صعيد الإستراتيجية
المعتمدة نلاحظ أنّ العدوان الأول تم بصورة عشوائية
انفعالية غابت فيها كافة عناصر التخطيط والإعداد والتدبير
وتميزت بغياب المقاصد الخيرية أما العدوان الثاني فقد
حدث بعد إعداد وتدبير على مدى سنين و هيأ استراتيجية
تحرك شاملة لم تترك مجالا للصدفة حيث استغل ظرفا ينزّل
الشعب الأمريكي منزل الضحية ويجيز عدم التريث في إيجاد
المتهم المناسب لتحمل المسؤولية ويتيح له حق المبادرة
بردود فعل قصوى لا تتناسب وحجم العملية الإرهابية.
ولم تهمل هذه الإستراتيجية
حبك ترسانة من المبررات التي يكفي أن تكون في ظاهرها
شرعية الأغراض نبيلة المقاصد لأن الحاجة إليها شكلية.
كما عرضت ملف العدوان على مجلس الأمن دون الاكتراث بنتيجة
مداولاته لأن العرض غايته المناقشة وتهيئة الرأي العام
للتعامل مع العدوان وكأنه حتمية لا مفر منها وإقناع
البعض بالمساندة الرمزية بما يكسب العدوان طابعا ائتلافيا
تعدديا يغنيه عن الشرعية الأممية. وليس انتظار قرار
لا يمكن إلاّ أن يكون أمريكيا. وبالتوازي مع ذلك تم
نشر الجهاز العسكري وأعدّت العدة لتحقيق انتصار ساحق
دون إغفال الجانب الإعلامي الذي ينقل الاحتلال في صورة
عملية تحرير إنسانية.
أمّا في مستوى الدّولة
المعتدية فإن الأمر في الحالة الأولى يتعلّق بدولة لا
يعدو تفوقها أن يكون نسبيا على الصعيد الإقليمي، وحلقات
صداقاتها محدودة بل هي في تراجع باعتبار انحلال المعسكر
الذي كان يسندها من ناحية وعدم استقرار العلاقات في
محيطها الطبيعي .
من ناحية أخرى مما يضيق
حلقة التضامن التي يمكن أن تستند إليها خاصة إذا كانت
ضحيتها من بين عناصر هذه الحلقة، في حين تتميز الدولة
في الحالة الأولى بتفوقها المطلق عالميا بما يتيح لها
الهيمنة الفعلية على الساحة الدولية و توجيه الأحداث
في الاتجاه الذي تريده وفرض سلطانها حيثما تشاء وما
يوفره هذا الموقع من صداقات رشيدة في إطار حلقات تضامن
واسعة ومتعددة تقوم على صون المصالح المشتركة في الحدود
التي تفرضها موازين القوى.
وهذا الوضع يسند للدولة
المعتدية وسائل "الإقناع" ويجعل حججها أقرب
إلى السماع. وهي بالتالي توفر نموذجا للمجتمع الناجح
القابل للتصدير.
وفي مستوى الدولة موضوع
العدوان نجد في الحالة الأولى دولة تحظى بالاحترام لانسجامها
في المجتمع الدولي وعدم تهديدها لأمن إسرائيل أولا وأمن
المنطقة ثانيا والأمن العالمي ثالثا. كما أنها لم تظهر
أية طموحات توسعية أو أيّ طمع في المنافسة على امتلاك
أسلحة الدمار الشامل أما في الحالة الثانية فإننا نجد
دولة أثبتت عدوانيّتها ومشاكستها للشّرعية الدّولية،
ومعاداتها لإسرائيل ومساندتها للقضيّة الفلسطينية وطموحها
إلى فرض ذاتها إقليميا وربّما دوليا.
وإذا كانت أوجه الاختلاف
بين العدوانين في الأوجه السّابق بيانها ثابتة ولا تقبل
الجدال فإنّ المقارنة في مستوى طبيعة الفعل في منظور
القانون الدولي تكشف أنّ الحالتين تشكّلان خرقا للقوانين
والمواثيق الدّولية. ويشكّلان بالتالي عدوانين ينبغي
أن يثيرا نفس رد الفعل من المجموعة الدولية التي كان
من المفروض أن تعتمد في معالجتهما نفس الآليات.
. إلا أن المجموعة الدولية
قد واجهت الفعل ذاته بأسلوبين متقابلين يبعثان على الحيرة.
فالعدوان العراقي على الكويت قد واجه الرفض والاستنكار
والتنديد وحقق تعبئة عارمة للمجموعة الدولية في إطار
إجماع قلما شهدته وتحركت آليات الردع الأممية بكل ثقلها
وصدرت قرارات واضحة عن مجلس الأمن وتألف تحالف عسكري
بقيادة أمريكية أعاد السيادة للكويت ودمر العراق وأخضعها
لنظام فقدت معه نسبيا سيادتها. أما العدوان الأمريكي
على العراق فقد واجهته المجموعة الدولية بالصمت واللامبالاة
رغم صراخ الشارع الذي هز عواصم العالم مناديا بمنع حدوث
الحرب ثم بوقفها.
وهذا الصمت الذي لا
يمكن تفسيره إلا بالخضوع الكامل للإرادة الأمريكية جسمه
الشلل الظرفي الذي أصاب مجلس الأمن، والتفاعل السّلبي
الذي أظهره الجهاز الإداري الأممي مع نداء الحرب، وردود
الفعل الشكلية للدول المناهضة للحرب، وندرة الطرح الموضوعي
لمسألة العدوان في "التحاليل" التي جادت بها
علينا النخب الفكرية في العالم.
أ الشلل الظرفي لمجلس
الأمن:
إن مجلس الأمن، هذا
الجهاز الأممي الرئيسي المؤتمن على استتباب الأمن والسلم
في العالم قد توارى عن الأنظار ودخل في سبات عميق على
امتداد فترة الحرب وكأن شيئا لم يكن. فهذا المجلس في
إطار أداء رسالته المتمثلة أساسا في حفظ الأمن والسلم
الدوليين، كان من المفروض أن يرد الفعل(19) بصورة ملائمة
على إعلان الرئيس الأمريكي لقراره بشن حرب على العراق
دون موافقة منظمة الأمم المتحدة، إلا أنّه لم يحرك ساكنا.
كما كان من المفروض
أن يجتمع حال انطلاق العدوان يوم 20 مارس 2003 لاتخاذ
الإجراءات التي يفرضها انتهاك السلم وأقلّها إصدار قرار
بالاستناد إلى المادتين 39 و40 من الميثاق لإدانة الغزو
الأمريكي البريطاني للعراق ومطالبة البلدين بسحب قوّاتهما
فورا ودون قيد أو شرط من العراق، قرار يكون على غرار
القرار عدد 660 الذي أحقّ مجلس الأمن في اتخاذه في 2
أوت 1990 أي يوم انطلاق العدوان العراقي على الكويت.
وإذا كان من المتوقع
لمثل هذا القرار أن يصطدم بالفيتو الأمريكي والبريطاني
باعتبارهما عضوين دائمين بالمجلس فإن مجرد مناقشته كانت
ستشكل أمرا إيجابيا يحسب في رصيد سعي المجلس إلى الاضطلاع
بمهمته دون تمييز في قراءة انتهاكات القانون الدولي.
هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فإنه كان بإمكان المجلس
تجاوز حالة الشلل التي يفرضها حق الفيتو باللجوء إلى
قرار الجمعية العامة عدد 377 المؤرخة في 3 نوفمبر 1950.
ولعل ما سيسجله التاريخ
في هذا الصدد هو رفض الطلب الذي تقدمت به جامعة الدول
العربية ومجموعة دول عدم الانحياز، يوم 25 مارس 2003،
لعقد اجتماع مجلس الأمن وبحث مسألة العدوان على العراق
وهو ما من شأنه أن يبعث على الإحباط وفقدان الأمل في
أن تؤدي منظمة الأمم المتحدة رسالتها بشكل كامل ودون
انحياز أو تمييز.
ولعلّ هذا الوضع الذي ل إليه المجلس يؤكّد أهميّة مساندة
الرّئيس بن علي "مسألة تطوير مهام مجلس الأمن وأساليب
عمله وتوسيع تركيبته حتّى يصبح أكثر تمثيلية ويواكب
مختلف المستجدّات على السّاحة العالمية وتكتسب قراراته
مزيد النّجاعة والمصداقية فلا تشوبها ازدواجية المعايير
ولا يعتريها أيّ شكل من أشكال التّعامل بمكيالين".
(20)
ب ـ التفاعل السلبي
للجهاز الإداري الأممي
إن تسلسل الأحداث وتتالي المبادرات في مستوى الجهاز
الإداري للمنتظم الأممي قبيل انطلاق العدوان كان يطرح
عديد التساؤلات حول مرجع نظر هذا الجهاز: هل هي المنظمة
عبر هياكلها القيادية التي تعبر عن إرادة الدول الأعضاء
ام هي أطراف أخرى خارج المنظمة؟ هذا التساؤل تفرضه المبادرة
بسحب القوات الأممية التي كانت رابضة على طول المنطقة
الأمنية الفاصلة بين الكويت والعراق بقرار من مجلس الأمن.
ألا يتطلب سحبها على
الأقل إذنا من مجلس الأمن؟ أليس في سحبها وتخليها عن
أداء مهمتها فسح للمجال لحدوث العدوان عبر المنطقة الوحيدة
التي تخول ذلك أرضا؟هل كانت قوات التحالف ستنتهك الشرعية
الدولية إلى درجة دوس القوات الأممية لو بقيت في موقع
الفصل؟
كذلك الأمر بالنسبة
للمبادرة بسحب الخبراء الأمميين المكلفين بمراقبة نزع
سلاح الدمار الشامل العراقي والحال أن مجلس الأمن، بعد
الاستماع إلى تقرير كل من السيّد بليكس والبرادعي قرر
مواصلة عمليات المراقبة. فهل كانت قوات التحالف ستدك
المواقع المشتبه فيها وهي تعلم أن خبراء الأمم المتحدة
يباشرون فيها مهامهم بتكليف من مجلس الأمن.
والأمر لا يختلف بالنسبة
لسحب الموظفين الأمميين العاملين في إطار مهمات إنسانية
في العراق لتطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء. وقد بلغت
درجة التفاعل السلبي للجهاز الإداري الأممي قمة السلبية
عندما بادر بتجميد البرنامج الأممي "النفط مقابل
الغذاء الذي كان من المفروض أن يتواصل إلى شهر جوان
2003 بقرار من مجلس الأمن(21). ودون أن ننكر على السيد
كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة واجبه في الحرص
على تأمين سلامة الموظفين الأمميين كما أكده في الحديث
الذي أجرته معه إحدى القنوات التلفزية العربية إلا أن
ذلك لا يمنع من اعتبار هذه المبادرات ضربا من ضروب التفاعل
السلبي الذي أسهم بشكل غير مباشر في تيسير حدوث العدوان.
ج ـ ردود الفعل الشكلية
للدول المناهضة للحرب
لا مراء في أن المخطط الأمريكي الرامي إلى توظيف المنتظم
الأممي لشن حرب "شرعية" على دولة العراق ما
كان ليفشل ذلك الفشل الذريع الذي أعطى صورة مصغرة وأوّلية
عن طبيعة النظام الدولي الجديد الذي تعمل الولايات المتحدة
على إرسائه لولا المواجهة التي أظهرتها مجموعة من الدول
تأتي في مقدمتها فرنسا وروسيا وألمانيا والصين.
فقد أظهرت هذه الدول
وفي مقدمتها فرنسا وعيا عميقا بمسؤوليتها التاريخية
في منع الاستهتار بالشرعية الدولية وتوظيفها بصورة اعتباطية
تفقدها معناها، كما أثبتت إدراكا دقيقا لملامح نظام
أحادي القطبية يتحتم كبح نزوعه الطبيعي نحو المغالاة
في فرض لغة القوة على حساب المنظومة القيمية التي تستند
إليها المجموعة الدولية في تصريف العلاقات بين أفرادها.
إلا أن دول المواجهة
التي كانت حازمة وجذرية ضد إسناد الشرعية الدولية لعدوان
يسلط على دولة مستقلة وينتهك المواثيق الدولية قد اكتفت
بعد حدوثه باتخاذ موقف "المعاينة" الشكلية
لما حدث وكأنها كانت تتوقع حدوثه وكأن غايتها كانت حجب
الشرعية الدولية عن العدوان وتوجيه رسالة خفية إلى الأخ
الأكبر الأمريكي دون اكتراث بمنع حدوث العدوان الذي
يشكل جوهر القضية.
فردود الفعل التي تفاوتت
في طريقة التّعبير عن عدم الرّضا لم تغفل عن تأمين مسلك
للمصالحة وعودة المياه الغربية إلى مجاريها الطبيعية.
فأقل ما كانت تنتظره
الجموع البشرية التي خرجت في شتى المدن لمنع حصول الدّمار
هو أن تعمل دول المواجهة المبدئية على استصدار قرار
أممي يوقف العدوان حال حدوثه، على غرار المبادرة الأمريكية
التي تم على أساسها انعقاد مجلس الأمن لإيقاف العدوان
العراقي على الكويت(22).
إلا أن غياب الحد الأدنى
من المبادرة الفعلية لإيقاف العدوان بالشكل الذي بيناه
يدفع إلى القول بأن الصبغة الشكلية قد غلبت على المواجهة
التي أظهرتها هذه الدول للحرب الأمريكية على العراق.
د ـ ندرة الطرح الموضوعي
لمسألة العدوان
هذا العنصر يخرجنا عن الدوائر الرسمية التي غالبا ما
تكون فيها المواقف والتحركات محسوبة بمقياس المسؤولية
في تحقيق المصلحة الوطنية لكل دولة داخليا وخارجيا مثلما
تتمثلها قيادتها السياسية ويدخلنا الدوائر المفتوحة
المتحررة من ثقل المسؤولية وما تفرضه من حسابات وحدود،
دوائر تنشطها عموما النخب الفكرية التي غالبا ما تتميز
بالموضوعية في تحليل الأحداث والظواهر انطلاقا من قناعاتها
الذاتية دون تقيد بالمواقف الرسمية.
والثابت أن الأزمة العراقية
منذ إثارتها قد غذت الحوار وأسالت الحبر وغدت موضوعا
متميزا للتحليل باعتبار طبيعته المعقدة متعددة الأوجه
التي يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والإستراتيجي والعسكري
والقانوني والأخلاقي والإنساني والتاريخي والحضاري على
خلفية يطبعها المنعرج التاريخي في مسيرة النظام الدولي
الذي يشهد المرحلة النهائية من عملية قيام الأحادية
القطبية وإعادة النظر الضمنية في المنظومة الأممية القائمة
منذ قرابة نصف القرن.
إلا أن التحاليل التي
تناولت هذه المسألة لا سيما في وسائل الإعلام الغربية
قد اهتمت بها في كل جوانبها باستثناء جانبها القانوني
ولا سيما في مستوى تحديد الطبيعة القانونية للتدخل الأمريكي
وما تطرحه من إشكاليات قانونية متعددة حيث لم يهتم بها
إلاّ القليل من المحلّلين.
فالتحاليل التي أغرقتنا
بها وسائل الإعلام قد اهتمت بالخصوص ب "المبارزة"
الديبلوماسية الأمريكية الفرنسية، والأبعاد الإستراتيجية
العسكرية للعدوان. وقد تركز قسط هام منها على تشريح
نظام الحكم في العراق لإبراز "طبيعته العدوانية
الدكتاتورية وانتهاكاته المتواصلة لحقوق الإنسان وعلاقاته
بالإرهاب وفساد قيادته واضطهاده للشعب وتهديده للأمن
والسلم في الشرق الأوسط خاصة والعالم عموما ونزوعه الدائم
إلى الشر".
أمّا القسط الباقي من
التحاليل فقد اهتم بعراق ما بعد الحرب و سيناريوهات
إعادة البناء (قبل أن ينطلق الدمار) وطبيعة النظام السياسي
المنتظر إرساؤه (قبل أن تعمّ الفوضى).
إن المعاينة الموضوعية
للأسلوب الذي تمت به معالجة القضية العراقية وكيفية
مقاربتها من المجموعة الدولية وما لت إليه من نتائج
عكست درجة العجز التي بلغها المنتظم الأممي في أداء
الرسالة النبيلة التي بعث من أجل صونها، بقدر ما تدفع
إلى مراجعة أداء هذا المنتظم، تحمل على التمسك بالمبادئ
والقيم الخالدة التي تأسس عليها والتي لا جدال في .
حتمية الإبقاء عليها
كأرضية دنيا مشتركة تجتمع حولها مكونات المجتمع الدّولي.
إنّ مظاهر الخلل التي غدت تتبدى من حين إلى خر في مستوى
أداء المنتظم الأممي والتي تعزى أساسا إلى التحول الجذري
في المشهد الدولي بفعل تبدل طبيعة التوازن الذي كان
يسوس العلاقات الدولية لا يمكن أن تطمس الخدمات الجليلة
التي قدمها إجماليا للإنسانية على امتداد نصف قرن من
الزمن.
ولكنها تفرض المبادرة
بإجراء إصلاح عميق وشامل لمنظمة الأمم المتحدة في مستوى
الأساليب والآليات والأجهزة بما يؤهلها للعمل بشكل أنجع
وفقا للميثاق الأممي، في إطار إضفاء الديمقراطية على
العلاقات الدولية بما يتيح لكافّة الدول الإسهام في
إنجاح العمل الأممي.
ولعله من المفيد في
مثل هذا الظرف التمعن فيما يشغل عديد الدول التي أكدت
عبر مسيرتها تمسكها بكافة المبادئ التي تشكل الرصيد
المشترك للإنسانية.
فهذه الدّول على تواضع
حجمها تمثّل الضّمان الأساسي لصحوة الضّمير العالمي،
ولتغليب صوت الحكمة والرّشاد على العلاقات الدّولية،
ولتجذير المبادئ والقيم الإنسانية العليا التي تشكّل
الأرضية المثلى لتواصل مسيرة المنتظم الأممي. وهذا يتطلّب
من المجموعة الدّولية مثلما جاء على لسان الرّئيس زين
العابدين بن علي "صياغة تصوّر موضوعي مشترك لبعض
المفاهيم، والتدخّل لأغراض إنسانية، وحماية حقوق الإنسان،
ومعالجة قضايا التّنمية، وضبط مجالات التحرّك الجماعي
ليصبح التعاون بين دولنا وشعوبنا عروة وثقى نتواصى بها
في جميع أعمالنا ونفنّد بها دعوة التّشاؤم القائلة بحتمية
التّصادم بين الحضارات والمجتمعات" (23).
1
حسن أبو طالب "1438... تكريس الاحتلال الجديد"
الوفاق العربي ـ العدد 48 جوان 2003.
2- Laghmani Slim - " Faut-il rire du droit
international ou le pleurer ? " - Actualité et
droit international, Avril 2003.
3 ـ الرئيس الفرنسي الأسبق شارل دي غول كان أكثر
القادة الغربيين الرافضين للهيمنة الأمريكية.
4- Joseph S.Ney Jr, " Bound to lead, the
changing nature of American power " Basic Books,
1990.p256-257.
6 ـ الرئيس الامريكي جورج بوش الابن، في الكلمة
التي توجه بها الى شعبه عند تقديم "الاستراتيجية
الامريكية الجديدة للأمن القومي"، 21 سبتمبر 2002.
7- Patrick J.Buchanan, " Whose war ? -
the American Conservative- March 24th 2003 issue.
8 ـ موضوعيا لم تبح هذه العملية بكافة أسرارها
حتى يقع استبعاد احتمال تورط أطراف أخرى مع الارهابيين
سواء بالمشاركة أو بالتسهيلات أو بالصمت. إن في رصيد
عدة أجهزة مخابراتية من العمليات ما يجيز توقع ضلوعها
بشكل أو بآخر.
9 ـ ظهرت في السابق بعض المحاولات لتسويق هذه
الخطة إلا أنها لم تقنع صاحب القرار في البيت الأبيض.
ففي 26 جانفي 1998 تلقى الرئيس بيل كلينتون رسالة من
مجموعة من المحافظين الجدد تدعوه الى الالتزام أمام
الشعب بتركيز سياسته الخارجية على الإطاحة بنظام صدام
حسين وبتوظيف القوة العسكرية لتحقيق هذه الغاية.
10 ـ في هذا الصدد ينبغي التمعن في المبادرات
العديدة للرئيس زين العابدين بن علي محليا ودوليا من
أجل نشر قيم الحوار والتضامن والتكافل والتسامح بين
الحضارات والأديان وجعلها أساس التعامل بين الأفراد
والجماعات.
11- Tim Reich, Washington Post, September 2002.
12 ـ عندما دعا الرئيس جورج بوش الابن اسرائيل
الى الانسحاب من الضفة الغربية كان رد شارون حادا: "لن
أسمح لأحد أن يفعل بإسرائيل ما فعله نيفيل شامبر لاين
بالتشيكيين".
13 ـ أول قرار يصدره مجلس الأمن ويمهل فيه العراق
خمسة عشر يوما للإعلام حول عتاده ونزع أسلحته.
14 ـ حول تحليل قرار مجلس الأمن عدد 1441 أنظر:
Laghmani Slim " Du droit international au droit
imperial ? Reflexion sur la guerre contre l'Irak ".
Actualité et droit international,
Avril 2003
15 ـ بالرجوع الى التاريخ نجد أن الولايات المتحدة
الأمريكية قد رفضت استعمال بريطانيا حق الهجوم الوقائي
سنة 1873 في قضية السفينة كارولاينا:
NetaC.Crowford " The Best defense the problem
with Bush's preemetive war doctrine " in Boston
review, February/March 2003.
16 ـ ريتشارد هولبروك السفير الأمريكي الأسبق
لدى الأمم المتحدة وألمانيا صرح: "ليس من الفطنة
بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية تلك القوة العظمى
التي تملك أفضل الوسائل الدفاعية في العالم أن تؤكد
ببساطة على حقها في الهجوم الوقائي". أنظر... NPQ,September
23th 2003
17 ـ في هذا الموضوع أنظر بالخصوص:
Charvin Robert : " La guerre anglo-americaine
contre l'Irak et le droit international : Apocalypse
Law ", Actualité et droit international,Avril
2003.
18- Ben Achour Rafaa " L'ONU et l'Irak
" Actualité et droit international, Avril 2003.
19 ـ ردّ الفعل كان يمكن أن يأخذ شكل تحذير يضمّن
في قرار يقع اتخاذه استنادا الى المادّة السابعة من
ميثاق الأمم المتحدة على اعتبار أن خطاب الرئيس الامريكي
يشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين ويمكن أن تترتب عنه
العقوبات المنصوص عليها بالمادة 40 والمواد التي تليها
من الميثاق. أنظر:
Ben Achour Rafaa " L'ONU et l'Irak " Actualité
et droit international, Avril 2003.
20 ـ خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي
امام مجلس الأمن، نيويورك في 7 سبتمبر 2000.
21 ـ قرار مجلس الأمن عدد 1447 بتاريخ 4 ديسمبر
2002.
22 ـ رسالة الممثل الدائم للولايات المتحدة الامريكية
لدى منظمة الأمم المتحدة بتاريخ 2 أوت 1990.
23 ـ خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي
أمام مجلس الأمن، نيويورك في 7 سبتمبر 2000.