دور المرأة في نشر ثقافة السلام

أستاذة جامعية بكلية العلوم بتونس ورئيسة جمعية "المرأة والعلوم"

على خلفيّة نداء وجهه في عام 1997، جميع حملة جائزة بمبادرة من بيير مارشان مؤسس جمعيّة " تقاسم"، وبدعم من السيّدة ما يريد ماغوير، والسيّد أدولفو بيريز اسكيفال (كلاهمـا يحملان الجائزة)، إلى جميع رؤساء الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لاستصدار إعلان أمميّ بعشريّة لنشر ثقافة اللاعنف لتخفيف معاناة أطفال العالم، أقّرت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في 10 نوفمبر 1998 مشروع القرار الذي تقدّم به سفير بنغلادش لديها، ويدعو إلى اعتبار العشريّة الأولى من القـرن الواحـد وعشرون (2001-2010)، "عشريّة دوليّة لدعم ثقافة اللاعنف والسلام، لفائدة أطفال العالم.

وفي العام 2000، استبقت اليونسكو العشرية، بإعلانها العام ذاته، سنة دولية للسلام، قام خلالها أكثر من 75 مليوناً من كافّة أنحاء العالم بالتوقيع بيانها "مانيفست 2000"، لثقافة السلـم واللاعنف، وعليه كلّفت الجمعيّ ة العامّة للأمم المتحدة اليونسكو في 29 نوفمبر من نفس العام، بتنسيق النشاطات التي ستقوم بها المنظمات التابعة لها، لنشر ودعم ثقافة السلم والقيام بدور حلقة الوصل مع المنظمات الأخرى المعنيّة بالأمر.

وفي هذا الإطار نظمت اللجنة الوطنية التونسية للتربية والعلم والثقافة، بالتعاون مع رابطة نساء التعليم في الاتحاد الوطني للمرأة التونسيّة، ملتقـى دوليّاً حول دور المرأة العاملة في مجالات التربية والتعليم في نشر ثقافة السلام عقد بتونس في الفترة من 6 إلى 8 جانفي/ كانون الثاني الماضي .

ثقافة السلام والمرأة :

في قرارها لإعلان عشريّـة السلام واللاعنف، اقترحت الجمعيّ ـ ة العامّـة للأمم المتحدة، تعريفاً لثقافة السلام يقوم على اعتبارها " مجمـوعة مـن القيـم والتصرّفات والسلوكيات، التي تعكس وتشجّـع قيام تفاعـل اجتماعـيّ، وبنـاء عقليّة تقاسميّة، يقومان كليهما على مبادئ الحريـة، والعدالـة، والديمقراطيّة، وعلى جميع حقوق الإنسان، وعلى التسامح والتضامـن ونبـذ العنف، ويعملان على درء النزاعـات بالتعرّض لأسبابهـا العميقـة، وحـلّ المشاكـل بالحـوار والتفاوض، ويضمنان ممارسة كاملـة لجميـع الحقـوق والإمكانيّات لتحقيـق مساهمة كاملة في عمليّة تنمية المجتمع" .

وفي إطار هذا التعريف ، فإنّ ثقافة السلام تقاوم في جوهرها، كلّ فهم خاطئ يجعل من التنوّع الثقافيّ والدينيّ واللغويّ في أيّ مكان من العالم المعاصر رمزاً للتفرقة والصراع، في حين أنّه يشكّل في الواقع دلالة كبرى على الثراء والتلاقح والتبادل المثمر والبنّاء. إضافـة إلى أنّها تهيّء لظروف ملائمة لقيام تنمية بشرية متساوية ودائمة، وحماية لمحيط سليم ولبيئة أفضل، و تحقيق الازدهار والنموّ للجميع دون تمييز أو تهميش، كون ا لسلام يعنـي في حقيقتـه وسيلة معنويّة ومادية ملموسة لتقليص الفوارق المجحفـة بين الأغنياء (المستثمرين) والفقراء (المستلبين) ، وليس انتفاء الحروب والنزاعات الدمويّة وحسب وعليه، فإنّ المرأة، التي تنطوي على منابـع الخلق، والتربية، والحماية، والعطف، والطمأنينة، والأمان، يمكنها في الواقع أن تلعب دوراً مهمّاً وبارزاً، في تحقيق السلام، وفي نشر ثقافته، من حيث أنّها تتطلّـع على الدوام، إلى تحقيـق قطيعة مُنتجة، مع النظام القائم منذ قرون، وخاصّة حالـة النزاع الدائم بهدف الاستحواذ على الحقوق، والمنافسة الأحاديّة (الإلغائيّـة في غالب الأحيان) التي تكرّس الفقر والبؤس والجهل والتخلّف، وتحرّض على العنف الذي لطالما شكّلت المرأة ( بالإضافة إلى الأطفال ) ضحيّته المركزيّة .

والمرأة كما هو متعارف عليه عامل تغيير نحو الأفضل بالضرورة اعتباراً لنضالها الدؤوب والمستمر لاستعادة حقوقها الطبيعيّة والقانونيّة والمدنيّـة التي حرمت منها طويـلاً، والخروج بذلك بمجتمعاتها من دوائـر التخلّف والاضطهاد والظلام، وتحقيـق النهوض الجماعيّ والازدهار، في ظلّ تنمية بشريّة متساوية ودائمة تقوم على تطوير قيم التضامن والمشاركة الديمقراطيّة للجميع دون تمييز أو استثناء أو إغفال ، كما تقوم على الاحترام المتبادل لجميع حقوق الإنسان غير القابلة للتصرّف، والتقاسم المتكافئ للمعرفة، والتناقل الأمين للمعلومات، كشرط أساسيّ للتقدّم في مختلف المجالات .

من هنا يبدو الترابط محكماً بين المرأة( ودورها)، والسلام(ونشر ثقافته)، شرط تحقيق الوعي بالحقوق، والتمتّع بها كاملاً ، وبالواجبات والقيام بها على أفضل وجه، ولا يمكن لهذا الشرط أن يتحقّق بدون تحقيـق شرطي ْ المعرفة و المشاركة الفعليّة المتكافئة للمرأة في الواقع النظريّ والفكريّ، أي في مركز اتخاذ القرار وفي تطبيقه على السواء تماماً كما هي في الواقع العمليّ الملموس .

والمرأة، التي دعا ملتقى بيجينغ للمنظمات غير الحكوميّة في عام 1995 إلى "رؤية العالم من خلال عينيها"، يمكـن لها أن تلعب باقتدار، دور فاعل مدنيّ مؤثّر في تحقيق الأمن الدوليّ، إذا ما تدعّمت مشاركتها في العمليّة الديمقراطيّة، وفي اتّخاذ القرارات السياسيّة والاقتصاديّة، على المستويات الوطنيّة والإقليميّة، والدوليةّ أيضاً، وذلك في جميع الدوائر، وعلى كافّة المستويا ت.

وللحقيقة فقد تحقّق للمرأة في كثير من البلدان، بعض ما تصبـو إليه في مجالات عدّة، كالتعليم والعمل والتشريعات، لكنّ الكثيـر ما يزال بحاجة إلى تقييم جديد وإعادة اعتبار وإنصاف، حتّى فيما تحقّق لها، واتّضح مع الزمن، أنّه يعاني من نقص هنا، ويتعرّض لعراقيل وعقبات هناك.

وقد يكون من أوليّات ما يجب تغييره في هذا المجال، للحدّ ممّا تتعرّض له المرأة من عدم مساواة، ومن تمييز في أكثر من مجـال، وعلى مختلف الأصعدة والمستويات، وفي أكثـر مـن مكان، هو بدون شكّ عقليّـة الإلغاء والإقصـاء والتهميش، التي تُعامل من خلالها المرأة من ناحيـة، والممارسات والسلوكيّات الاجتماعيّـة المجحفـة بحقّها من ناحية أخـرى، وتمكينها من القيـام بدورها بالتساوي مع الرجل، في تقدّم المجتمع، وتحقيق التنمية البشريّة الدائمة والعادلة والشاملة، على أكمل وجه، وإزالة العقبات والمعوّقات، التي تحـول دون تمكينها من حقوقها كاملة.

إنّ على المجتمعات واجباً كبيـراً تجاه المرأة، يلزم الدول بتحقيـق التقدّم على صعيد تعليم المرأة، ومحو الأمية في صفوفها (جاء في أحدث تقرير للأمم المتّحدة للتنمية البشريّة 2004، أنّ نسبة الأمية في صفوف المرأة في العالم العربي تبلغ 50 % )، وتوسيع إدماجها في برامـج تعليم الكبار، وتوفير الشروط الضروريّة لتحقيـق مساواتها في كافّـة مراحل التعليـم، وفي مختلف فروعه، وتخليص المناهـج والكتب المدرسيّة خاصّة، من الصور والنماذج النمطيّة التي تكرّس التمييز ضدّ المرأة وتحصرها في أدوار معيّنة لتحرمها من غيرها، وإدراج المزيـد من المواقف والسلوكيّات والصور التي تعزّز المساواة وتقاسم الأدوار، وتهيّئ لقيام ظروف جديدة تسمح بقيام المرأة بأدوار جديدة، في مختلف مجالات الحياة الاجتماعيّـة والسياسيّة والمدنيّة.

واليوم، وبعدما آل إليه العالـم على أبواب الألفيّـة الثالثـة من تحوّلات سياسيّة واقتصاديّة، وتطوّرات مذهلة في مجالات التكنولوجيا الحديثـة، وخاصّة ثورة الاتّصال والمعلومات، ودخول البشريّة منظومـة جديدة من العلاقات، تقوم على التنافس المعرفيّ، والتبادلات التجاريّــة الحرّة، تجد المرأة نفسها عرضة لتهديد جديـد يتمثّل في خطر الإقصاء بسبب انخراطها المحدود في العلوم، وفي التكوين التقني، وفي امتلاك ثقافـة علميّـة مؤهّلَة. فالعصر الجديد، يحمل معه بوادر حضارته الجديدة القائمة على التقدّم العلمـيّ والتكنولوجيّ، وخاصّـة في مجالات علوم الاتّصال والإعلام، في إطار تعزيـز علاقـة العلـوم والتكنولوجيا بالثقافـة، إلى حدّ الانصهار، وقد أصبح العلم اليوم يشكّل المحدّد الرئيسيّ للنظام الدوليّ، بتحوّله إلى ثقافـة واقتصاد، وهو التطوّر الذي يحمـل في طيّاته أسلحة الخطر الجديد.

هذا الخطر الذي يتهدّد المرأة، بمثل تهديده الأمم الفقيرة، التي لا تستطيع تحقيق التقدّم العلميّ والتكنولوجيّ، ومن ثمّ امتلاك تلك الثقافـة الجديدة، بسبب النقص في مواردها الماليّة، وعليها الانصياع لقيود العولمة، التي تحوّلت، كأمر واقع، إلى نظام دوليّ جديد، يتكوّن هو أيضاً من طبقات، تقودها إمبراطوريّة من يملك العلـوم المُنْتجَةَ للتكنولوجيا الدقيقة، القادرة على نقل ونشر منظومـة قيم ثقافيّة جديدة بسرعة كبيرة، وعلى نطاق واسع، وبوعي أو بدون وعي بما يمكن أن تنطوي عليه.

المداخلات :

تنطلق جميع مداخلات هذا الملتقى من الإطار الدوليّ الذي يعرف على الرغم من كافّة الجهود التي تبذل لدرء المزيد من الأخطار التي تهدّد الكون، كمّاً هائلاً من المآسي الإنسانيّة جرّاء تصرفات البشر حيناً ، واضطرابات الطبيعة حيناً آخر، كالحروب والاستيلاء بالقوّة على حقوق الغير ، وخاصّة حقوقهم في السيادة وتقرير المصير، والتلوّث في البيئة والمحيط، واندثار طبقة الأوزون، وما يتسبّب فيه ذلك من ارتفاع للحرارة وهيجان للمحيطات وانفلات للزلازل من عقالها .

وقد تنوّعت المداخلات بين الرؤية الشخصيّة لموضوع الملتقى، في إطاره العام المحلي والجهوي والدولي، لكن من خلال نقاش واقع مفهوم السلام وأسس ثقافته من ناحية، ودور المرأة المعاصرة في إمكان تحقيق هذا السلام، والسعي لنشر ثقافته، من خلال مهامّها المتعدّدة في المجتمع من ناحية أخرى . وشارك في أعماله عدد من المهتمّين و المهتمات بالأمر ، و ممثلين و ممثلات عن المجتمع المدنيّ من موريتانيا والمغرب والجزائر، ولبنان وفرنسا بالإضافة إلى تونس .

واقع المرأة العربية والحلول :

تعرّضت السيّدة سهير زين منصور، مديرة المعهد العالـي لإعداد المربين، ومديرة مجمّع خديجة الكبرى، في جمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت، في مداخلتها التي حمّلتها عنوان"واقع المرأة العربية في عمليّة نشر ثقافة السلام والحلـول المقترحة"، إلى نشوء مجتمعات المعرفـة، من حيث إنتاجها ونشرها، وتوزيعها بحريّة لاستخدامها في جميع ميادين حركة وسيرورة المجتمع، بهدف تحسين ظروف حياة جميـع مكوّناته، مجموعات وأفراد اً على حدّ سواء . فهي ـ أي المعرفة ـ " الوسيلة المثلى لتحقيق الأهداف العليا والنبيلة للإنسانيّة : الحريّة والعدالة والمساواة، وكرامة الإنسان والسلام"، كما أنّها "شرط أساسيّ في التنمية الإنسانية، و في نشر ثقافة السلام"، وذلك بتمكين قدرات أفراده على البروز والإبداع، وهو ما لا يتحقّق بدون توفير الحريّة ، وضمانها للجميع دون تمييز ، مؤكدة في الوقت نفسه، على دور المرأة، باعتباره أساسيّاً في عمليّة نشر ثقافة السلام، بشرط تمكينها من القيام به كشريكة كاملة .

وتنطلق السيّدة منصور من التقرير العربي للتنمية البشري ة لعام 2003، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية، في إشارته إلى ما تُعانيـه المجتمعات العربية من عجـز عن استيعاب المعرفـة، وممارسة الحريات، وتحقيـق تحرّر المرأة، لتشير إلى أنّه لن يكون بإمكان المــرأة، في ظلّ هذا الوضع، أن تكون شريكة فاعلـة في نشر ثقافـة السلام، كو نها في الغالب من أشدّ فئات المجتمع حرماناً من التنميـة، وانتهاكاً للحقوق، وكذلك لغياب المرتكزات الأساسيّة للدور المطلوب منها في نشر ثقافة السلام، وهي: السلام الذاتي أو الشخصيّ، والسلام الأسريّ والوطنيّ، ثم ّ الإقليميّ والدوليّ، باعتبارها وحدة متكاملة، لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، وكلّ منها يشكّل منطلقاً للآخر.

وعليه، فإنّها ترى أنّ البحث في دور المرأة في نشر ثقافة السلام " لا بدّ أن ينطلق من تشخيص حجم تفاعلها مع هذه المرتكزات، والموقـع الذي تحتلّه ضمنها، ومدى تأثّرها وتأثيرها في البيئات التي تنتمي إليها"، كما ترى أنّه ينطلق من العوامل المؤثّرة سلباً، على الأصعدة الشخصيّة والأسريّة والوطنيّة والدوليّة، وتحول دون قيامها بدور ها، طالما أنّها لا تمنحها الطمأنينة أ والأمان، أ و الشعور بإثبات الذات ، ك غياب المساواة وأحاديّة الأحوال الشخصيّة والحرمان من الحقوق، والسلطة الذكوريّة المهيمنة ، والعنف المنزليّ وسوء المعاملة، ووحدانيّة الإعالة والتبعيّة الاجتماعية ، والتمييز في العمل وفي الأجور، وقصور المؤسسات الأهليّة في مجال حقوق المرأة عن تحقيق إنجازات بارزة، وإقصاؤها عن ميادين الخدمة العامّة وعن المشاركة في حلّ النزاعات ومفاوضات السلام، وعدم احترام قوانين حمايتها خلال المنازعات المسلّحة، والغضّ عن التشريعات الدوليّة المعنيّة.

وتخلص السيّدة منصور إلى أ نّ ممارسة التجهيل والاستغفال والتغييب والحرمان من المشاركة في التنمية والإبداع، تؤدّي بشكل حتميّ إلى الإخلال بالاستقرار المعنويّ للمرأة، وباستقرار المجتمع ، وتعر ي ض السلام للخطر، ولا تتيح لها القيام بدور فاعل في بناء المجتمع وتقدّمه بشكل عام، وفي نشر ثقافة السلام بشكل خاص، وذلك على الرغم من "الإنجازات المحقّقة" حتّى الآن في هذا الإطار كصدور القوانين والقرارات الدوليّة، والبدء بإيلاء أهمية متواضعة لحقوق المرأة ودورها في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، بإصلاح التشريعات وتغييرها، وتكثيف الندوات والمؤتمرات المعنيّة .. الخ، الأمر الذي يستدعي التطبيق العمليّ للتوصيات والاقتراحات والنتائج ذات الصلة ومتابعتها ، وتطوير السبل و الآليّات لتحقيق شراكة حقيقيّة للمرأة في مختلف المجالات .

بين الأدوار التقليديّة والحديثة :

وفي تناولها لموضوع مساهمة المـرأة في ثقافة السلام، اختارت السيّدة نعيمة ثابت من المغرب، أن تُلقي عليه الضوء من زاوية "التذبذب"، الـذي ترى بأنّه ما يزال يسبغ وضعيّة المرأة بين أدوارها التقليديّة، وتلك التـي تسند إليها حديثاً، رغم تطوّرها الذي يختلف في درجاته من مكان إلى آخر، ومن مجتمع إلى غيره، ثمّ علاقة هذا التذبذب بمساهمتها فـي ثقافة السلام .

وتبني المتدخّلة مقاربتها لهذه الثقافة ضمن سياق تاريخيّ للسلام على النطاق الدوليّ ، يبدأ في أعقاب الحرب العالميةّ الثانية، ويصل إلى هذه المرحلة الحاضرة " التي تشهد اهتزاز الأسس ، التي وضعت على مدى أكثر من خمسين سنة " ، وهو ما أوصل السلام ، كما ترى، إلى حدّ بالغ من الخطورة ، وال سبب في رأيها هو " ما يحيط اليوم بالقيم، التي يفترض فيها أن تشكّـل الدعامة المتينة، والمرتكز الثابت لثقافة السلام من شكوك " ، إضافة إلى " اختلال التوازن وتفكك الانسجام الذين يضبطان تفاعل الأفكار والمواقف والسلوكيات، التي تشكّل بدورها مضمون تلك القيم ".

وتدلّل على ذلك بالتصاعد المشهود في العنف والحروب واضطراب الأمن، في الوقت الذي يكثر فيه ال كلام عن السلام، وعن القيم التي يقوم عليها، مشيرة إلى أنّ هذا التصاعد يرتكز هو الآخر، "على مواقف يكتنفها الغموض والضبابيّة"، لم تعد تُدان معها الحرب أو العنف وانتهاكات حقـوق الإنسان، باعتبارها أفعالاً وأحداثاً تستوجب الإدانة، وإنّما أصبحت هـذه الإدانة تختلف باختلاف مرتكبيها، وكذلك باختلاف من تُرتكب في حقّهم، كأنّها تقول باختلال المكاييل والمعايير من منطلقات مصلحيّة خاصة . وتستطـرد في تحليلها لأخطار فقدان القيم " أهّم ما تنطوي عليه من شموليّتها وكونيّتها واستقرارها "، الأمر الذي ي فسح المجال في نظرها " لأشدّ أنواع الفوضـى والاضطـراب"، فيتهدّد الخطر المبادئ والحقوق والمكاسب الإنسانيّة، ويُعرّضُها جملة وتفصيلاً للانتهاك والاعتداء بدءاً من الكرامة الإنسانيّة ، وحقّ تقرير الشعوب لمصيرها، مروراً بحقوق الطفل والتنمية البشرية والتضامن ا لأممي، وانتهاء بالحقوق الثقافيّة وخاصّة فيما يتعلّق ب التنوّع والتعدّد ، بهدف سيادة نمط وحيد، ل يشك ّ للأنموذج الأمثـل ولو بالقوّة الضاربة والعنف المقنّن .

وتخلص السيّدة ثابت، من هذا الباب إلى :

ـ هشاشة الرصيد التشريعي والقانوني الدولـي، وهشاشة منظومة القيم الإنسانيّة الكونيّة أمام واقع تتحكّم فيه الهيمنة الاقتصاديّة، ومنطق القوة .

ـ عدم ملاءمة آليّات المنظمات الدوليّة المنوط بها الحفـاظ على السلام في العالم، مع الواقع الاقتصاديّ والسياسيّ ومتغيّراته، ممّا يستدعي إعادة النظر في هياكلها وأساليب عملها، لتحقيـق الانسجام بينها وبين الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، بتأمين استقلاليّتها، ودمقرطة أساليب تحكيمها، الأمـر الذي بدونه لن تستطيع استعادة مصداقيّتها .

ـ الحاجة إلى إعادة النظر، في المقاربة التـي اعتمدت لحدّ الآن في بناء ثقافـة السلام، كي يتحقّـق بناء السلام نفسه على أسس صحيحة، من التكافـؤ والعدالة. وضرورة وضـع نهج استراتيجيّات جديد، يُعيد للقيم، التي لا يمكن أن تفرض بالقـوة، مصداقيّتها، باستعادة الانسجام الضروريّ بين مكوناتها الفكريّة والوجدانيّة والسلوكيّة، لتفادي الخطر الذي يتهدّدها، ويكمـن في تلك الضبابيّة، وذلك الغموض، الذين يكتنفان المفاهيم المتداولة في هذه المرحلة، ممّا يسمـح بتكييفها وتأويلها حسب المواقف والمصالح، والتعامـل معها بصـورة انتقائيّـة تنطلق من الأهواء والنزعات الخاصّة والذاتية.

وبالنسبة لدور المرأة في نشر ثقافـة السلام، أوضحت المتدخّلة اختيارها لمصطلح "مساهمة" بدل مصطلح "دور"، لما يحمله الدور من لبس تكمـن خلفيّته في التمسّك بوجود أدوار لصيقة بالمرأة، هي في الواقع امتداد للتوزيع التقليديّ للأدوار الاجتماعيّة بيـن الجنسين. ثمّ ناقشت الموقفين السائديـن من اضطلاع المرأة بدور نشر ثقافـة السلام: الموقف الذي يعتبـر ذلك الدور طبيعيّاً، بحكـم مسالمة المرأة " نظراً لتكوينها البيولوجيّ الضعيف"، ونبذها العنف الـذي هـي ضحيّته في غالب الأحيان، وقيامها بأدوار الأمّ الحنون والزوجة المخلصة والابنة المطيعة، وصلوحيّتها لمهامّ معيّنة مثل تربيـة الأطفال، والتمريض، والنشاط في الجمعيّات الخيريّة والتطوعية...الخ. والموقف الذي "يعتبر نفسه أكثـر تقدّميّة ومناصرة للمرأة ويعتقد، أو يريد، أن يجعل من النساء عامل تغيير في المجتمع".

وقد بدأ هذا الموقف يتبلور، حسب المتدخّلة، مـع تقلّد نساء (بما يعتبره نجاحاً لها) لمناصب عليا، وتحمّلها لمسؤوليّات اجتماعيّة، واقتصاديّة، وسياسيّة هامّة، لم توفّق فيها هؤلاء النساء، من حيث اتّخاذهـنّ قرارات، وقيامهنّ بأعمال، ترى المتدخّلة، بعدها عن السلام، وعن القيـم التي تؤسّس له. بمثـل ما ترى استناد الموقفين معاً، إلى "نظرة تبسيطيّة أحاديّة الرؤيا، تغفل تعقّد الظواهر الإنسانيّة، كما تغفل تعقّد التحوّلات الاجتماعيّة".

وتمضي المتدخّلة، في هذا الإطار، إلى الفصل بين الجنس والنوع، انطلاقاً من تعذّر الفصل بين " الفطريّ والمكتسب"، بحكم تفاعل كلّ من المـرأة والرجل مع محيطهما بما يعتريه من تغيّرات، وما يحملانه كلاهما من موروث (بيولوجيّ وثقافيّ)، ويتلقّيانه من تكوين يشمل العاطفة والمعرفة والقيم و.. وهو من التعقيد والتركيب بمكان يصعب معه التنميط حسب النوع، لتصل من ثمّـة إلـى التساؤل حول أسباب الحديث عن مساهمة المرأة في نشر ثقافة السلام، والكيفيّة التي تتمّ من خلالها، كما تبحث فيما إذا لم تكن محاولات تحديد هذه المساهمة تنطوي على تناقض مع كلّما سبق.

وللإجابة على ذلك، فإنّها تدعو إلى التمييز بين وصف الواقـع وتحليله، وبين ما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع، وهـو ما يقود بالتالي إلى تمييز آخر، بين ما هو قارّ، وما هو ظرفيّ " أو على الأقّـل تاريخيّ، أي قابل للتغيير"، وفي نظرها أنّ هذين التمييزين معاً، يقفان وراء إحلال مفهوم النـوع محـلّ مفهوم الجنس، واعتماد النوع كمقاربة للتنمية البشريّة، كون الجنس يحيل على الفروق البيولوجيّة الملموسة والقارّة، والتي " شكّلت عبـر التاريخ، منطلقاً لإيديولوجيّة تتّخذ من الاختلاف البيولوجـيّ مبرّراً لإقامـة أنواع أخـرى من التمييـز على المستوى الاجتماعيّ، والاقتصاديّ والثقافيّ"، باعتبار أنّ النوع في الواقـع هـو أداة أكثر شموليّة لتحليل واقع العلاقات مثلما هو أداة لمقاربة هذا الواقع وتحليله من زاوية ما ينطوي عليه من حواجـز اجتماعيّة وثقافيّة، تعوق مساهمة المرأة في عمليّة التنمية التي لا غنى عنها، وتتطلّب تجاوز تلك الحواجـز والمعوّقات، حتّى في المجتمعات " التي أفلحت في سنّ قوانين ألغت التمييـز بين الجنسين"، كون الزمن الثقافيّ، كما هو في الواقع، أبطأ بكثير من الزمن التشريعيّ، إضافة إلى أنّ القيـم والمواقف لا تتغيّر بمجـرّد صدور القرارات، التي لا تكفـي، هي والتشريعات كذلك، كمؤشّر على مدى تطوّر أوضاع المرأة، رغم أهميّته ودلالته "فالمشاكل الاجتماعيّة من تفكّك أسريّ، وعنف، واعتداءات ضدّ المرأة، وتحرّش واستغلال جنسيّ لها، مؤشّرات أبلغ وصفاً، وأكثر دلالة على واقع المرأة، وكذلك على واقع ثقافة السلام".

وعليه، فإنّ مساهمة المـرأة في ثقافة السلام، تمرّ عبر إعادة النظر في الأدوار الاجتماعيّة للنوع، وفي العمل على تجاوز هذا الواقع، لتحقيق مواطنتها كاملة، وتحقيق المساواة، وتكافؤ الفرص، وخاصّة بالنسبة لمراكز صنع القرار، في جميع المجالات، وعلى كافّة المستويات.

وتختتم السيّدة نعيمـة ثابت مداخلتها، بتوجيـه تحذيـر، يتعلّق بضرورة التمييز بين التثاقف والتنميـط الثقافيّ، من حيث طبيعيّة الأول كنتيجـة لحركـة الثقافات وتفاعلها بشكل تلقائيّ، وهو ما أكّده التاريخ من أنّ التلاقح بين الثقافات هو مصدر غنى بالنسبة للفكر والحضارة الإنسانييـن، وكذلك بالنسبـة للثقافات المتعاقبة، بمثل تأكيده رفض الفرض، ومقاومة إحلال نماذج، أو إحداث تغييرات ثقافيّة بالقوّة. وهو خطر بالنسبة للمرأة، وبالنسبة لثقافة السلام، سواء بسواء.

المدرسات ولغات السلام :

من المؤكّد أنّ اللغة واحدة من العقبات، التي قد تعترض طريق نشر ثقافة السلام، كون اللغة في جميع الأحوال، وسيلة تخاطب، وتعارف، وتعرّف، وانتقال معلومات، وفي المحصّلة هي وسيلة معرفة. وصحيـح أن نقول بأنّها وسيلة لا يمكن إلاّ أن تكـون مباشرة لنشر ثقافـة السلام، بهدف تطويرها هي من ناحية، والتفاهم حول تطبيق السلام نفسه، على أسس سليمة وصحيحة من ناحية ثانية. فاللغة المشتركة، أو لنقل أنّ التخاطب بلغة مشتركة، هو جسر للعبور، واختصار للمسافات.

وبناء عليه فإنّ اللغة إذن هي عامل أساسيّ وحاسم في صياغـة مشتركة لثقافة السلام، وفي فهمها، ومن ثمّ في نشرها.

وعلى هذه اللغـة تبنــي السيّدة فاطمـة فتيحـة فرحاني، من الجزائر، مداخلتها. وتبدأ من مدخـل أنّ "جهل الآخـر"، و"استحالة التواصل معه"، شكّ لا منذ قديم الزمان، عقبة في طريـق قيـام ثقافـة للسلام، تنهض فوق الحواجز والعوائق اللغويّة، دون أن ننجح حتّى اليوم في التخلّص كاملاً، من هذا القصور، رغم امتلاكنا وسائل اتصال مدهشة، على رأسها "الانترنيت"، حيث ظلّ كلّ واحد منّا "يُبحر" في لغتـه، وظلّ التنوّع اللغوي، يُشرَعُ كعلامة انقسام وعزل، بدل أن يُعتبر مصدر غنى، وتراثا رائعاً، ينطوي على فائدة للبشريّـة جمعاء. وفي هـذا الإطار، تذكّر المتدخلة بالأبحاث الجارية اليوم لمعرفة ما إذا كانت اللغات القائمة، والتي تبلغ من 5 آلاف إلى 6 آلاف لغة، إضافة إلى تلك التي اندثرت، لم تتفرّع في الأصل من لغة واحدة سادت قبل نحو 60 أو 80 ألف سنة.

وما الذي يمكن أن نفعله، كي نتجاوز حاجز اللغـة، إن لم نتّفـق فيها أو عليها؟ لا شكّ أنّ الترجمة، في غياب اللغة، يمكـن أن تكون بديلاً. لكن إلى أيّ حدّ، وإلى أيّ مدى؟ تصلح الترجمة، بدون شكّ، لتسهيل جانب من المهمّة. لكنّها تظلّ قاصرة، عن التحاور المباشر، الذي يوصل جميع الأفكار والاستفسارات، إلى نهاياتها. فالترجمة في الغالب رغم أهميّتها، وكما هو متعارف عليه، تنقل صورة لما يحدث ولما يُفكّـر به، لكنّها تغفل حتماً عن بعض الجوانب، وتُغفل في الوقت نفسه بعض التفاصيل التي قـد تنطوي على ما هـو أهمّ وأكثـر وضوحاً مـن العناوين الكبيرة، التي لا تكفي لفهم كامل ومشترك، وتفاعل أكبر ومتبادل، خاصّة عندما يتعلّق الأمر في بعض الأحيان بالمعنى، وفي غالبها بالمغزى.

وفي هذا تقول المتدخّلة بأنّ "محرّكات البحث"، تمنحنا منـذ اليـوم أدوات آليّة للترجمة الفوريّة المباشرة، لكنّ إمكانيّاتها تظلّ محدودة، تنحرف فـي بعض الأحيان بنتائجها بعيداً عن المعنى، إن لم تأت غريبة مضحكة.وهو ما يعنـي أنّه لا غنى لنا عن اللغة، في جميع الأحوال، والحالات .

واللغة أيضاً علم متكامل يُدرس ويُكتسب، حيث لا يكفي التحدّث بلغة لكي تتحقّق معرفتها أو تُسبر أغوارها، وكثير من العلوم والمعارف، والمعلومات التي تتعلّق بمختلف وجوه الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة للمجتمعات، تحتاج إلى معرفة باللغات، وبإتقانها .

هكذا تُكتسب اللغة وهكذا تُعرف. بالتدرّب وبالممارسة وبالفهم. والاكتساب الأفضل للغة يبدأ منذ الصفوف الأولى في المدرسة. كما أنّ التربية التي تقوم أيضاً على تعليم اللغات هي التي تُحقّق أفضل النتائج وأشملها في مجالات العلوم والمعارف ، والثقافات على تنوّعها واختلافها من مجتمع إلى آخر، ومن عقل إلى غيره. وهو ما تؤكّده المتدخّلة، من خلال مسيرتها المهنيّة في التعليم، من أهميّة الدور الأساسيّ للمدرسة في بناء ثقافة للسلام، وف ـ ي التدريب على كسب اللغات. حيث يطبع التعليم، من مراحله الأولى، عقل الطفل والصبي ويُشكّله، ويدلّ على ذلك ما يمنحه تدريس العلوم للتلميذ من نظرة موضوعيّة للكون، ومساهمته في تعريفه على لغة كونيّة عامّة ، وكذلك هما التاريخ والجغرافيا، الذين يوسعان أمامه الأفق الماديّ الزمنيّ ، والفضائيّ، ويدفعانه إلى اكتشاف الآخر، وال"هُناك " .

ومن بين جميع الميادين المعرفيّة، تمثّل اللغات في حدّ ذاتها مكسباً خاصّاً لإشاعة عقليةّ الانفتاح والتسامح. فالتعرّف على كيـف يتحدّث الآخـر، يسمـح بالتأكيد، كما ترى المتدخّلة، بترويض الخوف القديم من "الغريب"، الذي يبطل أن يكون غريباً بدخولنا لغته. كما أن اللغـة تُعتبـر أيضاً مفتاحاً للبلدان، والثقافات والحضارات، من خلال ما يصاحب تدريس اللغـة في العادة، من نصوص وشرح لأوضاع، وعرض لظروف، ووصف لأنماط العيش. ومن ناحية أخرى فإنّ تعليم اللغات نفسه ينطوي على أهميّة بيداغوجيّة كبيرة، من حيث أنّه يقوم على عمليّة تدريب يمنح التلميذ إمكانيّة لقاء الآخر والتواصل معه مباشرة(ولو بالحلم)، الأمر الذي لا يتحقّـق له مثلاً من خلال درسه للجغرافيا، فهو بقيامه بالسفر في رحلة إلى مكان ما، لا يمارس هذه الجغرافيا بقدر ممارسته للسياحة، وهو عكس اللغة في التدرب عليها، حيث يمكن أن يستمر حتّى بعد انتهاء مراحل التعليم، الجامعيّة والمهنيّة، لتحقيق هدف اكتساب ثروة معرفيّة شخصيّة، تمكّنه بشكل عمليّ دائم، من الاتّصال والتواصل مع الآخرين.

ولأنّ اللغة تُساهم قطعاً في نشر ثقافـة السلام، بإسقاط الأحكام المسبقة، والتخلّص من المخاوف، وفتـح طاقـة حبّ الاستطلاع الإيجابـيّ لدى الأطفـال والشباب للتعرّف على الآخر، فإنّ الأستاذة فرحاني، تطالب بتدريس جميع اللغات المحلية والوطنيّة والأجنبيّة على السواء، وإيلائها الأهميّة اللازمة، والعمل على إدراج الترجمة كموضوع للتدريب في المدارس الثانويّـة، وفـي المعاهد، دعماً للتعدّد اللغويّ من ناحيـة، وتشجيـع الإقبال على اللغات بالممارسة مـن خلال الترجمة من ناحية أخرى.

وفي الجزائر، التي تعدّ نحو 335 ألف مدرّس، من بينهم 51 % من النساء، يشهد تدريس اللغات تواجداً كثيفاً للمرأة، فعلى سبيل المثال تبلغ نسبته نّ في المرحلة المتوسطة نحو 80 % من مجموع مدرسي اللغات، وأكثر من نص ف هذه النسبة يقمن بتدريس اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

وخلال المرحلة المأساويّة، التي عايشتها الجزائر في العشريّة الأخيرة لعبت المدرّسات بشكل عام دوراً حاسماً في مواجهة الحقـد وعدم التسامـح، ولم يكن صدفـة أنّهـن شكّلـن هدفاً واضحاً ومباشراً للاعتداء، وخاصةّ مدرّسات اللغات الأجنبيّة من بينهنّ. وهي تجربة تثبت بالقطع أنّ نشر اللغات أيّاً كانت، وإتقانها، يشكل في حدّ ذاته تربـة خصبـة لثقافة السلام. ويدلّ على ذلك تفاعل التلاميـذ وحيويتهم في التعبير خلال دروس اللغة، أكثر من غيرها، ليس فقط لأنّ ذلك هو الهدف الطبيعيّ للتدرّب على اللغة، ولكن أيضاً، وبشكل خاص، لأنّ محتوى هذه الدروس هو الذي يدفعهم إلى ذلك. لماذا؟ لأنّ درس اللغـة الحديث، يتعرّض من خلال النصوص إلى موضوعات معيشة متنوّعة وحساسّة، غالباً ما تثيـر الجدل والحوار وحبّ الاستطلاع، كوسائل الإعلام، والصراعات الاجتماعيّة، والعنصريّة، ووضع المرأة والتيّارات الثقافيّة والفكريّة، وأمراض العصر كالسيدا، والموضة، وحماية المحيط، وتنمية البيئة، وحماية التراث. وهي مو ا ضيـع تترافق عادة ببث مباشر لقيم إيجابيّة، تؤسّس لثقافة السلام داخل المجتمع، وفي الكون، كالتسامح والتضامن والانفتاح والحرية والكونيّة .

المرأة ونشر ثقافة السلام في العالم العربي :

ما الذي نحتاج إليه أكثر، في هذا الزمن الذي أصبـح يرزح تحت سلطان الصور المتحركة، والأطباق المُستقبلة لكـلّ ما تُرسلُهُ الأقمـار الصناعيّـة على تعدّدها، وتنوّع أهدافها السياسيّة والثقافيّة والتجاريّة، على حدّ سواء، للدفع نحو نشوء مجتمعات "جديدة" أكثر استهلاكيّة وتبعيّة، في عالم "الخمس الثريّ وأربعة الأخماس الفقراء"، حيث سطوة وسائل الإعلام الكبرى "والمعولِمة"، التي لا تنفكّ تروّج لكلّ ما هو سهل وسريع ومبسّط، والذي يشكّل حسب المناقشين من شرق ومن غرب، سبب نجـاح "استعمار والت ديزني للثقافـة العالميّة" ( كما جاء في كتاب "فخ العولمة الاعتداء على الديمقراطيّـة والرفاهيـة"ـ تأليف هانس بيتر مارتين وهارالد شومان وترجمة د.عدنان عباس علي سلسلة عالم المعرفـة ، الكويت، نقلاً عـن لسـان بنجامين باربر، مديـر مركز والت ايتمان 2 38 رقم بجامعة روتغيرز في ولاية نيوجرسي الأمريكية)،وفي النتيجة أصبح كلّ ما تبثّه مؤسسات الإعلام العملاقة، المجهّزة بإحكام لهذا الغرض، صوراً تدغدغ الأحلام، وهذه الأحلام هي التي تصنع الأفعال.

ما الذي نحتاج إليه لكي نُرسي سبل تعاون "جديدة"، تقوم حقّاً على الحوار المتبادل، والتسامح الإنسانيّ، والعدالة المتوازنة، والسلام العادل والمتكافئ، في زمن العولمة التي تعني تطوّراً هائلاً (لكن أحاديّاً) في المشهد الكونـيّ، وتدعـو إلى نشوء أنماط جديدة من العلاقات والثقافات والمعاملات ؟

إنّنا نحتاج بلا شكّ، كما تقول السيّدة فاطمة الطرهوني (الأمينـة العامّـة للجنة الوطنيّة التونسيّة للتربية والعلم والثقافة)، إلى التربية، بمفهومها الشامل، كآليّة أساسيّة لتنشئة الأجيال الجديدة على القيم الإنسانيّة الحقّ، في هذا العصـر الذي يتّسم بتنوّع المصادر المتدخّلة في تحديد القيم، ونشرها والتأثير من خلالها على تلك التنشئة، الاجتماعيّة والأخلاقيّة على السواء .

وتتمتّع المرأة من خلال موقعها في الأسرة، وكذلك الوظائف التي تضطلع بها في المجتمع، بمكانة متميّزة تؤهّلها للقيام بدور متميّز في نشر وإشاعة القيم النبيلة في النفوس وفي الواقع كمربية، عبر نقلها للعلـوم والمعارف للأجيال في المدرسة، وعبر مشاركتها في هياكل الحيـاة المدنيّة والجمعيّات المعنيّة. ولكـي تتمكّن المـرأة من تأدية هذا الدور جيّـداً، فإنّ السيّدة الطرهوني ترى ضرورة تمكين المـرأة، وتأهيلها للمشاركة الفاعلة فـي مواقع القرار المختلفة بجميـع أشكاله، وذلك بتوفيـر العوامل والآليّات الهادفة إلى الارتقاء بمكانتها، وتخليص صورتها من نمطيّة القوالب الموروثة،وتمتّعها بمكانة متقدّمة ضمن تلك المواقع. وذلك على الرغم من الوعي المتزايد "بأهمية الدور الحيويّ للمـرأة، وبمنزلتها كشريك نشيط في تحقيـق مقوّمات التنمية، وكوسيط استراتيجيّ لتحقيـق دعائم التنشئة، والارتقاء بها نحـو الآفاق المنشودة". وفي هذا الاتجاه ترى أيضاً بأنّ العالم العربيّ، عمل بمسايرته للتوجّه الدوليّ في وضع المواثيق والاتفاقيّات ذات الشأن، على "سنّ التشريعات، وإرساء القوانين، ووضع الآليّات الكفيلة بالنهوض بالمرأة"، الأمر الذي دفع إلى " بدء احتلال عنصر المرأة لمكانة مرموقة بصورة تدريجيّة، وانفتاح سبل الارتقاء الاجتماعيّ أمامها، والمؤديـة إلى أعلى المراتب العلميّة وأرفع درجات الوظائف"، وفي هذا الإطـار تُعدّد المتدخّلة نسب الوزير ات في عدد من حكومات الدول العربيّة على النحـو التالي : تو نس 7.7 % ، المغرب 5.8 % ، موريتانيا 5.7 % ، ليبيا 5.6 % ، الجزائر 5.5 % . ولأوّل مرّة في تاريخها ضمّت الحكومة الأردنيّة المشكّلة في أكتوبر الماضي، ثلاث وزيرات من ضمن عشرين وزيـراً. هذا بالإضافة إلى دخـول المـرأة برلمانات أغلب الدول العربيّة، وترشّح الموريتانيّة عائشة بنت جدّان للانتخابات الرئاسيّة الأخيرة .

إلاّ أنّ كلّ ما تحقّق للمرأة العربيّة حتّى الآن، واعتبر مكسباً لها،لا يؤهّلها بالقدر الكافي للقيام بدورها على أكمل وجه، في مجالات التنمية الشاملة والدائمة والمتضامنة عامّة، وفي التربية والتنشئة على القيم المنشودة في السلم والعدالة والمساواة خاصّة، ولذلك تخلص السيّدة الطرهوني إلى أنّ وضع المـرأة لا يزال يشكو ضعفاً صارخاً في مجالات محو الأمية والعمل واتّخاذ القرار، ومن التمييز، وذلك استناداً إلى دراسة قام بها مركز المرأة العربيـة للتدريب والبحوث، وجاء فيها أنّ نسبة الأمية لدى المـرأة ما تزال تتجاوز الخمسين في المائة، واستمرار مظاهر الإقصاء الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ ضدّها،ومحدوديّة اندماجها في ميادين العمل، وبقاؤها بعيداً عن مواقع أخذ القرار .

تكافؤ الفرص وتحقيق السلام :

منية قسطلي الباجي، الباحثـة في مركـز البحوث والدراسات والتوثيـق والإعلام حول المرأة(الكريديف) بتونس، انطلقت في مداخلتها من ثوابت السياسة التونسية، في تركيزها على قيم الشراكة المتضامنة، لتوفيـر بيئة ملائمة، تحافظ على كرامة الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية بتعزيز القدرات، وإتاحة الفرص المتكافئة للجميع، ومن الرهان، في مختلف البرامج التنموية، على دور المـرأة، وضرورة النهوض بوضعها كشريك فاعل، بصياغة حقوقها، وتطويـر مكانتها، كضامن للسلام داخل الأسرة والمجتمع على السواء.

وفي هذا الإطار، عدّدت الاتفاقيّات الدوليّة ذات الصلة، والتي صادقت عليها تونس، والآليات التي وضعتها للنهوض بالمـرأة (وزارة، لجنة وطنيّة للمـرأة والتنمية، مجلس وطني للمرأة والأسرة، مرصد خاص بأوضاع المرأة، في إطار الكريديف باعتباره "الهيكل العلميّ المكلّف بتحقيق تكافؤ الفرص بين الجنسين"). مشيرة في الوقت نفسه إلى أنّ أحد الهواجس التي تُشغل المهتمّين بواقع المرأة في مختلف الميادين، يكمـن في تواضـع حضورها، كمّاً وكيفـاً على السواء، بالمقارنة مع الرجـال في الواقـع المدنيّ والسياسيّ والاقتصاديّ، وهـو ما لا يعكس واقعها التعليمـيّ، حيث تبلـغ نسبة تمدرس الفتيات في تونس 99 % ونسبة تواجدهنّ في التعليم العالي 56 % .

وتستنتـج من خلال دراسة دور تكافـؤ الفرص في إقرار السلام، وهي تؤكّد على أنّ السلام العالميّ يجب أن يرتكز على المـرأة، بأنّ تكافـؤ الفرص، بالإضافة إلى ما تحقّق، وما هو هدف للتحقيـق، لا يتـمّ بدون تطبيـق أسـس الديمقراطيّة كأساس للسلام.

التعليم للجميع ودور المجتمع المدني :

تنطلق المتدخّلـة الدكتورة نور الدجاني الشهابي، مـن مكتب اليونسـكو الإقليمي للتربية في الدول العربيّة ببيروت من دعوة أطلقها الرئيس زين العابدين بن علي، لمواصلة الجهود " لخدمة السلــم والاستقرار في منطقتنا وفي العالم، والإسهام الفاعل في خدمة السلم،وتعزيز دور المنظمات غير الحكوميّة في خدمة الإنسانيّة، في مختلف المجالات"، لتتساءل من ثمّ عن ماهيّة العلاقة، ودور المرأة في ذلك؟ وتذهب إلى القول بأنّ المجتمع المدنيّ يشمل المنظمات والهيئات الأهليّة، والجمعيّات غبر الحكوميّة، والمؤسسات الخاصّة، التي تخدم الشرائح الاجتماعيّة المختلفة، من أجل التنميـة المستديمة. وتشير إلى أنّ نسبة كبيرة من الخدمات والأنشطة تقدّمها المرأة. ثمّ تعرض المتدخّلة إلى دور الأم في ترسيخ قيم المحبة والتسامح، والصفح، وفي تعليم الأطفال حلَّ المشاكل فيما بينهم على أساس مـن تلك القيم، إضافة إلى حقوقهم وواجباتهم، ودور المدرسة ( المعلم والمعلمة)، في صقل حس المحبّـة والتسامح لدى هؤلاء الأطفال، ثمّ المجتمـع المحلي وتشعّب العلاقات، وكبر الدائـرة لتشمل البلد بطوائفه وفئاتـه، ومن ثمّ الدول الأخـرى المجاورة وصولاً إلى العالم الكبير، ليظهـر حينه الخلل وتتحـوّل تلك المشاعر القائمة على المحبة والتسامح، إلى مشاعر مناقضة تتّسم بالكـره والبغض وعدم التسامح.

وتعـود المتدخّلة إلى التساؤل عن المسئول عـن ذلك، وتذكـر الأسـرة ودورها والمدرسة والمعلم والمعلمة، والمناهج في تصويرها للحقوق والواجبات، والمجتمع المحلي في تجسيده للصورة، لتسأل من جديد:وأين المرأة في كلّ ذلك ؟ لكنّها تذهب إلى أهداف التعليم للجميع، التي ترمـي إلى تحقيق المساواة والتنمية المستديمة. ثمّ إلى عرض دور اليونسكو في التعليـم للجميع، من خلال إطار عمل دكار.

المرأة الموريتانية والآفاق :

تحتاج المرأة كي تتطوّر، وترتقي بأوضاعها، إلى مستوى الدولة الحديثة بتطوّر المجتمع بمجمله، إلى مناخ ديمقراطيّ، وإرادة سياسيّة، قانونيّة وعمليّة، وتحتاج في الأساس إلى العلم والمعرفة لتحقيق ذاتها والاضطلاع بالدور المرجوّ منها، في نشر القيم والمبادئ التي تقوم على السلم والحريّة والمساواة والعدالة، والتضامن.

هذا ما تشير إليه مداخلة السيّدة غالية بنت آل سالم، ممثلة عن المجتمع المدنيّ في موريتانيا، وهي تعترف بأنّ ما تحقّق للمرأة الموريتانية حتّى الآن لا يكفي لكي تضطلع بدورها الكامل في نشر ثقافة السلام،في غياب تجسيد سلوكيّ، وممارسة فعليّة لنشر وتشجيع المعارف والمهارات والقيم والمواقف على النطاق الوطنيّ والإقليميّ والدوليّ، للابتعاد عن منطق القوة، واللجوء إلى الحلول التي تُفضي إلى السلام، وتضمن الأمن والاستقرار.

ففي موريتانيا التي تشكّل المرأة فيها من مجموع السكان تجري حملة كبرى للقضاء على الأمّية لتصل 100 % في أفق 2006، وقد تراجعت هذه النسبة في صفوف النساء من 74.6 % سنة 1988، إلى 48 % سنة 2000، وارتفعت في المقابل نسبة تمدرس البنات لتبلغ 88.9 % مقابل 88.5 % بالنسبة للذكور في 2001 – 2002، و92.7 % مقابل 90.7 % في 2002-2003.

وفي المجالات الاقتصاديّة، فقد سجلت المرأة حضورها في القطاعا ت الرئيسيّة بنس بة 28.1 % سنة 2000 (مقابل 23.5 % سنة 1988).

وبالنسبة لحقــوق المرأة، فإنّ دستور عام 1991، يكرّس المساواة القانونية بين الرجال والنساء، وفي عام 2001، أقرّت موريتانيا مدوّنـة الأحوال الشخصيّة، إضافة إلى قانون إلزاميّة التعليم الأساس ي من 6-14 سنة في 2002 وكذلك حضور المرأة الملحوظ في الحركة الجمعياتية والتعاونيات النسائية، وفي حقل الإعلام بنسبة متزايدة، وتقدّمها بشكل حثيث في مجال المشاركة السياسية، وولوج مراكز صنع القرار : كنائبات، وعضوات في مجالس بلديّة، وعلى رأس قطاعات وزاريّة.

وفيما يتعلّق بقضايا الأمن والسلام فإنّ المرأة الموريتانيّة لا تأل جهداً، ولو أوليّاً في التفاعل بشكل عمليّ وملموس مع مثل هذه القضايا، لدرء النزاعات الإقليميّة، ونبذ اللجوء إلى العنف، والدعوة إلى التبادل السلميّ للسلطة، وصيانة المكاسب الديمقراطيّة، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، واحترام خيارات الشعب .

تقاسم المعرفة : شراكة في ثقافة السلام :

وكما قلت في المداخلة التي قدمتها تحت عنوان" تقاسم المعرفــة عامل حاسم في ثقافة السلام"، فإنّه لا بدّ أوّلاً وقبل كلّ شيء تهيئة الشروط الضروريّة لتطوير ثقافة للسلام، من بينها المساواة بين الجنسين في جميع ميادين التنميـة باعتباره شرطاً حاسماً في أيّة تنمية بشرية، كون أنّ السلام في مفهومه الشامل، يتطلّب وجود علاقات متوازنـة بين الرجال والنساء وبين البشر كافّة. ومن هنا فإنّ ثقافة السلام هي، بشكل أساسيّ، النتيجة الطبيعيّة للتفاعل الإيجابيّ المتكافئ بين البشر دون تمييز، يمثّل عدم المساواة فيـه شكلاً من أشكال العنف. وعليه، فإنّها تقوم على تقاسـم يقوم بدوره على مبادئ العدالة والحريـة والديمقراطية، التي تضمن المشاركة الكاملة للجميع في عملية تنمية مجتمعهم الموحّد.

وفي هذا الإطار فأن تطوير ثقافة للسلام يعني ضمان المساواة بين الرجل والمراة في التعليم والعلوم والثقافة العلميّة. فالتعليم اليوم هو واحد من أساسيّات المجتمع البشريّ وحقّ إنسانيّ لا غنى لأيّ تقدّم اقتصاديّ واجتماعيّ عنه، وجب الاعتراف به للمرأة كعنصر مركزيّ مؤسّس لتدعيم قدراتها من ناحيــة، وكأداة رئيسيّة لتحقيق أهداف المساواة والتنميـة البشريّـة وضمان السلام الاجتماعيّ. والتعليم هو أيضاً شرط أساسيّ للتنميـة الدائمـة التي لا يمكن أن تتحقّق بدون مشاركة كاملة ومتساوية للمرأة فيها. وبهذا فإنّ ارتياد التعليـم بشكل عام، وفي كافّة المناطق، يشكّل بلا أدنى شكّ، واحداً من أكثر المكاسب أهميّة لتنمية الفرد، والوسيلة الأكثر نجاعة للاندماج في الحيـاة الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، خاصّة فيما يتعلّق بالمرأة، التي ظلّت ردحاً طويلاً من الزمان رهينـة الجهل والتغييب في كثير من البلدان، ممّا يجعل منها عاملاً جديداً للتغيير.

إنّ إفساح المجال إذن أمام المرأة للتعلّم وتأهيلها، هما في مركز كلّ تقدّم، وكلّ تنمية.

وبهذا فإنّ نسبة محو الأمّية والتمدرس حسب النوع، تمثّل اليوم مؤشّراً ذو خصوصيّة جنسيّة للتنمية البشريّة.

كما أنّ اندماج المرأة في العلوم، ومساهمتها في صياغة المعرفة العلميّة، يعتبران أساسيّان للوصول إلى تنمية بشرية دائمة وعادلة، تضمن الرفاه للجميع، وتأخذ في الاعتبار التوازن الهشّ للبيئة، وتقود إلى رؤيـة أكثـر خلقاً وإبداعاً للحياة، لكنّها مشروطة أكثر من ذي قبل بالمساواة في العلـوم. فالمعرفـة لدى المرأة تتمثّل في قدرتها على قراءة العلـم في تأثيراته، وفي نتائجـه، وفائدتـه الاجتماعيّة. وبالفعل فإنّ دور التربية، والعناية بالآخرين، ونقل الثقافـة واللغة، والحفاظ على محيط صحيّ، يجعل من المرأة في الغالب حاملـة سلام وحاميـة للبيئة.

هكذا تضيف المرأة من خلال ثقافتها المتنوّعة اجتماعيّاً معرفـة مختلفة. لكنّه يجب منحها الإمكانيّات الضروريّة لبناء تلك المعرفة.

وهنا يمكننا استبدال شعار ملتقى بيجينغ المذكور سابقاً، بشعار يدعو إلى "رؤية العلوم من خلال عيون النساء "، لكنهّ لا بدّ أوّلاً من منحها إمكانيّات الدخول إلى هذه العلوم، وفهمها كما يجب.

أين نحن في واقع الأمر من هذا في محيط حوض المتوسط، الذي ما يزال رغم الجذور الثقافيّة والاقتصاديّة المشتركة مسرحاً للمواجهة، ممّا يجعله عرضة للتحوّل إلى جبهة وحدود، خاصّة بين الشمال والجنوب؟

إنّ التساؤل عن حوض المتوسط، كفضـاء كليّ للتضامن والتقدّم والسلام والأمن الجماعيّ، هو أوّلاً وقبل كلّ شيء، تحديد للخطوط الأساسيّة لتطوّر وضع المرأة، إضافة إلى أنّه يسمـح باستجواب الحكم المسبق القائل باعتماد الشمـال المساواة والجنوب التمييز.

كما أنّ محاولة التشديد على الفوارق بتحديد الخط الفاصل بيـن الشاطئ الشماليّ والشاطئ الجنوبيّ يستدعي تحليل الوضع بهدف تعيين عوامل التقارب والحوار، وتحديد خطوط الانقسام والقطيعـة، والبحث في اتجاه العلاقات بيـن الشاطئين، وابتداع أدوات تحليل وفهم وحدتنا وتنوّعنا على السواء.

وعليه فإنّ التحليل يُظهر أنّ نسبة التعليم في صفوف النساء في جميـع دول الحوض عمليّاً هي أدنى منها في صفوف الرجال. مما يدلّ على أنّ ثمّة هوّة في هذا المجال ما تزال قائمة حسب الجنس في غالبيّة تلك الدول. الأمر الذي لا يهدّد مستقبل النساء، ومستقبل أبنائهنّ فقط، وإنّما يهدّد أيضاً التنمية الاقتصاديّة والثقافيّـة والاجتماعيّة للدول نفسها. في حيـن يُظهر التدقيـق في الإحصائيّات المتعلقة بنسب التمدرس المندمج بدءاً من الصفوف الابتدائيّة وحتّى الثانويّة أنّ نسبة تمدرس الإناث في غالبيّة تلك الدول باستثناء كلّ من تركيا وسوريا ومصر والجزائر والمغرب، هي أعلى من نسب تمدرس الذكور.

لكنّ فحص توزّع الفتيات على الفروع المختلفـة يدفعنا إلى التساؤل حول نتائج نظام التعليم في مجال تكوين النساء. ففي الواقع أنّه بدلاً من تنمية قدرات ومواهب كلّ فرد بغضّ النظر عن جنسه إلى أقصى درجة وفي جميـع الميادين، فإنّ الدور الحاليّ لنظام التعليم السائد ما يزال يرتكز على ممارسة التمييـز، من حيث بقاء بعض الفروع حكراً على الذكور، بينما تشهد الأخرى غلبة للإناث فيها أكثر فأكثر.

وفي الواقع فإنّ تطوّر المجتمعات في المتوسط قد فتح الطريق أمام المرأة نحو أغلب المهن. لكنّ تواجدها في الميادين العلميّـة والتكنولوجيّـة يظلّ ضئيلاً جدّاً من حيث العدد.

فقد جاء في إعلان تورينو، الصادر في جانفي 1999 عن المؤتمر الدولي "المرأة والعلـوم والبيوتكنولوجيا: أيّ مستقبل للمتوسط؟"، أنّ عدم المساواة في العلـوم بين الرجال والنساء تطرح مشكلة في جميـع دول المتوسط شماله مثل جنوبه سواء بسواء. وهي المشكلة الأكثر بروزاً في هذا الفضاء. إضافة إلى ما يثيره التواجد المحدود للمرأة في مواقع القرار العلميّـة والتكنولوجيّـة في هذه البلدان من قلق.

وعليه فإنّ ثقافـة للسلام في المتوسط تستدعي انخراطاً أفضل للمرأة في العلوم، ومشاركة متساوية، وتوزيعاً متوازناً للمعارف العلميّة والتكنولوجيّة بغية الوصول إلى تنمية دائمة تشكّل مصدراً للسلام والازدهار.

وفيما يتعلّق باكتساب ثقافـة علميّة وتقنيّة فإنّ المجال ما يزال ضيّقاً أمام المرأة لتحقيق ذلك، على الرغم من الاعتراف المجمع عليـه بأهميّـة دورها في التنمية.

وقد شدّد مؤتمر تورينو المذكور في أشغاله، على حقيقة عدم تأهيل المرأة بالقدر الكافي في عدد كبير من دول المتوسط، وخاصّة في مجال الثقافة العلميّـة الأساسيّة كي يكون في مقدورها إدراك الرهانات الشخصيّة والعائليّة والاجتماعيّة للتطوّر التكنولوجيّ الهائل الذي شهدته السنوات الأخيرة.

وهذا النقص له انعكاساته السلبيّـة الهامّة، على مقدرتها الشخصيّـة في التحكّم بحياتها في إطار الخيارات التي ترضى بها طوعاً، وفي ضمـان طهـارة جسديّة وغذائيّة ورعاية صحيّة مقبولة لعائلتها، وفي منح أبنائها تربيـة ملائمة في هذه المجالات التي ستشكّل لاحقاً أساساً لتأقلمهم الاجتماعيّ.

كما أنّ له انعكاساته السلبيّـة الهامّـة أيضاً في المجال الاقتصاديّ، الذي ترتبط ديناميكيّته الفعليّـة بقدرة المرأة بشكل واسـع على الاندماج في العمليّة، بتحكّمها في مفاتيح الفهم الأساسيّة للتوجّهات والتطوّرات التكنولوجيّة، في إطار تنمية اجتماعية واقتصاديّة دائمة، بالإضافة إلى تحكّمها في قدرها الشخصيّة.

وبسبب من الموقع الذي يحتلّه العلم أكثر فأكثر في حياة المجتمعات بكافّة مكوّناته، وكذلك الإشكالات الأخلاقيّـة والسياسيّـة التـي يفرضها التقدّم العلميّ والتكنولوجيّ، فإنّ امتلاك المرأة للثقافة العلميّة أمر حتميّ لا يمكن إغفاله.

فالأمّية العلميّـة والتكنولوجيّـة تؤدّي بالغالبيّـة من الرجال والنساء إلى جهالة فادحة بعالمنا المعاصر، وهذا في حدّ ذاته خطر على الديمقراطيّة من حيث أنّ كثيراً من القرارات السياسيّة بحاجة إلى فهم أفضل للرهانات الجينيّة والبيئيّة وغيرها.عدا أنّ المرأة في الغالب غائبة عن دوائر الحكم، ممّا يعني أنّ تأثيرها على خيارات السياسات العلميّة التي تضبط التوجّهات الكبرى للدول ضئيل جدّاً.

نخلص ممّا سبق، إلى أنّ الصعوبــات التي تعيشها المرأة، والبحث عن وضع أفضل لها، هو حال مشترك بشكل واسع في عالم المتوسط الغنـيّ والمعقّد في آن واحد.

فالدراسات الجاريـة في مختلف دول المتوسط، إضافـة إلى بعض الأرقام والإحصائيّات، تكشف عن أوضاع متشابهـة هنا وهناك ( كنسب تمدرس البنات، والتحاقهنّ المحدود بالعلوم)، كما تكشف عن فوارق( أمّيـة كبيـرة في صفوف النساء البالغات في الدول الجنوبيّة، حيث تعليم البنات وإقبالهنّ عليه أمر حديث وجديد.

ومع ذلك فإنّه لا يجب المبالغة في هذه الفرو قات، عبر مصطلحات مثيرة للجدل، من قبيل " صدمة الحضارات"، أو "صراع الأديان" أو "المرجعيّة الثقافيّة"، تماماً بمثل ما أنّه لا يجب إخفاؤها، أو التستّر عليها.

وإنّما على العكس من ذلك، فإنّها يجب أن تشكّل موضوعة سببيّة مهمّـة لبناء شراكة متينة تستند إلى مشاريع مشتركة، وخاصّـة إلى مبدأ إلغاء الفوارق بين الرجال والنساء، وبين الشمال والجنوب والشرق في حوض المتوسط.

وهكذا يتشكّل المستقبـل المشترك لهذه المنطقـة عبر قيـام تعاون يدعم التطوّرات التي تقوم على المساواة في الحظوظ، والتكافؤ في الفرص.

وفي الوقت الذي يكال فيه المديح "للشراكات والتبادلات التجاريّة" فإنّه من الواجب أوّلاً التعاون في أن لا تستبعد ضفّة نساءها.

يجب المساهمة في تطوير الآفاق المستقبليّـة لهذا التعاون، الذي لا بدّ أن يقوم على مشاريع شراكة حقيقيّة، تهدف إلى تأهيل وتعليم وتدعيم قدرات النساء المتوسطيّات، لكي نضمن لهنّ مواطنة مشتركة، كاملة وفعّالة.

وفي هذا الإطار فإنّ وضع شبكة من التجارب الحياتيّة والأبحاث النسائيّة، يمكن أن يشكّل أداة للتقدّم العلميّ والسياسيّ.

إنّ تطوير برامج تعاونيّة، في محيط المتوسّط، تضمن تدعيم المساواة بين الرجال والنساء، من خلال تبادل التجارب الإيجابيّـة شمال/جنوب جنوب/ شمال، وتضمن الممارسات الجيّدة، سيدفع نحو تنمية سلام لا يعني غياب الحروب فقط، وإنّما أيضاً الوسيلة التي تتيح لنا جميعاً تقليص الهوّة بين الرجال والنساء، وبين الأغنياء والفقراء.

وفي جميـع الأحوال فإنّ تبادل التجـارب سيسمح (وكما أحسن " إدجار موران" قولاً) بمنع أوروبا من الانغلاق على نفسها.

إنّ ثقافة السلام عمليّاً هي خطوة مندمجـة تقوم على ضمان دور متساو للجميع في بناء المجتمع البشريّ، وتحقيق التنمية الدائمة.

من هنا تجيء أهمية قيام شراكة حقيقيّة متكافئة، مجدّدة ومدعّمة، وقادرة على تفعيل اتّفاق برشلونة، وبفضلها يكون للمتوسط حظّ أوفـر فـي أن يصبح حقّاً منطقة سلام وازدهار، وديمقراطيّة تشاركيّة ومنصفة.

خاتمــــــة :

وفي النهاية، وأمام ما يشهده العالم اليوم بفعل اجتياح العولمة الأحاديّـة على الأصعدة الاقتصاديّـة والاجتماعيّة والفكريّة والثقافيّة، والمصلحيّة المستندة إلى التفوّقات العسكريّة، والتي تفرض على العالم "صدامات" جديدة، هو في غنى عنها في تطلّعه إلى السلام والازدهار وتحقيـق توازن كونيّ بين عالمين: واحد غنيّ يمثّل الخمس ويتمتّع بأربعة أخماس الثروات، وآخر يمثّل البقيّة الغالبة ولا يتمتّع جيّداً وبشكل كامل بما تبقّى من الثروات، أيّة ثقافــة للسلام نحتاج إليها، وما هو دورنا فيها رجالاً ونساءً سواء بسواء؟

فالعولمة، وكما جاء في تقرير المنتظم الدوليّ، المذكور أعلاه، وفي الوقت الذي تشجّع فيه على الحريـات الفرديّة، وخاصّة في مجالات التفكير، وتُضاعفُ من إمكانيّات الإطلاع على المعارف بفضل وسائل الاتّصال الحديثـة، فإنّها تشكّل أيضاً "سجناً انتقائيا" للحريات على الصعيد الدولـيّ، عبر التحديد الانتقائيّ لتدفق المعارف في المجالات الحيويّة، وكذلك فيما يتعلّق بحريّة التنقل بالنسبة للأفراد.

إنّ الحديث عن السلام يحتاج إذن إلى إجراءات عمليّـة، تقوم على حسن النيّة، وعلى الرغبة الحقيقيّة في بناء عالم جديد، يعمل معاً على درء المزيد من الويلات، ومنع اندلاع الحروب، التي تدفع إليها الأطماع والمصالـح المهيمنـة، ويعمل على تحقيق العدالة والمساواة الفعليّة، بين الرجال والنساء، وبين جميـع البشر، بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس، وعلى تقاسم عادل للثروات، وعدم السطو على الحقوق والاضطهاد، واللجوء إلى القوّة لقهر الضعفاء، بهدف حرمانهم من التمتّع بالسيادة وحقّ تقرير المصير، والحـقّ في الاختلاف والتميّز الاجتماعيّ والثقافيّ.

عندما طرح صموئيل هنتينغون من جامعــة هارفارد في بحثـه الشهير "صراع الحضارات"، والذي نشره في مجلـة "الشئـون الخارجيـة" عام 1993 نظريتـه القائلة "إنّ المستقبل لن يتحدّد من خلال اختلاف النظم الاجتماعيـة كما كان الحال إبّان الحرب الباردة، بل سيتحدّد من خلال ما يدور بين الحضارات من صراعات دينيّـة وثقافيّـة"، كان بذلك كأنّه يريد أن يعيد التاريخ إلى أوّله لإعادة تشكيل الكون بما يتّفق ومصلحة المنتصر في تلك الحرب.

لكنّ كثيرين شكّكوا في صحّة هذه النظريّة وإمكان تحقّقها، أخذا بالاعتبار أنّ الدول الغنيّة نفسها تقوم في ظلّ عالمها الجديد، والذي لم يعد للبعد الجغرافيّ فيه أهميّــة في تحديد العلاقات المتينـة بين الدول، بهدم ما سادها من نظـام اجتماعيّ للتكافل بسرعة مدهشـة ومثيرة للعجب، تؤدّي على نحـو أو آخر إلى خلق توتّرات سياسيّـة في العالم الغربيّ نفسه، دون أن تجـد له العلاج الملائم بنفس السرعة المدهشة، والمثيرة للتقدير كنموذج يؤخذ به. إضافة إلى اجتماع النخبـة في العالم كلّه حول ثقافـة عالميّـة واحدة وموحدة، دون أهميّـة تذكر للانتماء القوميّ، تعارض التفرّد في شئون العالم، والهيمنة الفوقيّة، التي يصفها البعض عن جدارة بالإمبراطوريــة المتفرّدة من حيث استغفالها للعقل البشريّ، ومحاولاتها تسميمه بما تدعو إليه من ديمقراطيّــة قسريّـة، وحريّـة مفتعلة، تخدمان في نهايـة الأمر أهدافها ومصالحها، وأمميّــة لم تعد كما كانت شعار الحركة العاملة وقادتها في مواجهة " تجّار الحروب الرأسماليين"، وإنّما أصبحت اليوم شعار الطرف الآخر، بابتزاز العامل بعامل آخر، والدولة بدولة أخرى، بحثاً عن أجر أقّل واستثمار أكثر فائدة بعيداً عن القوانين والضرائب الوطنيّـة( راجع " فخ العولمة " المذكور أعلاه).

يحتاج العالم شعوباً وأفراداً إلى السـلام. لكنّـه يحتـاج من أجل ذلك إلى العدل والمعرفة والتمتّع بالحقوق على أساس من المساواة والاحترام.

فأيّة ثقافة للسلام حقّاً نريد، إن لم يقم سلام عادل ومتكافئ، بين الشعوب والأفراد دون تمييز أو استغلال أو تهميش أو حرمان من الحقوق، وعلى رأسها الحقّ في المعرفة وتقرير المصير؟

وفي جميـع الأحوال والحالات، فإنّ للمرأة في نشر ثقافـة السلام دور لا شكّ فيـه، ومساهمة لا مناص منها. فالمرأة من طبعها، وفي طبيعتها أصلاً أكثر ميلاً للسلام، في منحها الحياة للحياة، على الدوام.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org