السيادة والمواطنة
الدكتور عبد السلام دمق
حقوقي، جامعي مختص في حقوق الإنسان -تونس
السيادة كما عرّفها فقهاء القرن التاسع عشر، وخاصّة الفقيه "جلّينيك" JELLINEK ، هي السلطة المطلقة للدولة، فهي غير محدودة وغير مشروطة، فهي بالنسبة لهذا الفقيه "اختصاص الاختصاص La compétence des compétences " .
وللسيادة وجهان، وجه داخلي، ووجه خارجي. وتتجسّد السيادة بوجهيها الداخلي والخارجي في ممارسة "السيّد" لما يسمّى "بحقوقه الملكية Les droits régaliens " .
فبخصوص الوجه الداخلي للسيادة، تتمثّل الحقوق الملكية المشار إليها في جملة من الوظائف التي تمارس فيها الدولة مباشرة سلطتها.
أمّا بخصوص الوجه الخارجي، فإن الحقوق الملكية تتمثّل في إقامة علاقات، منها الديبلوماسية، وإبرام الاتفاقيات والمعاهدات مع السيادات الأجنبية.
وقد اقترن تكريس مبدأ سيادة الدول في ميثاق منظّمة الأمم المتحدة بوضع قواعد مجسدة له، لعل أهمّها عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم جواز المس بالسلامة الترابية للدول. كما تم تكريس مبدأ المساواة في السيادة في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنص على "أنّ المنظمة تستند إلى مبدأ السيادة المتساوية لجميع الأعضاء".
أمّا المواطنة فقد اتّفق رجالات الفكر السياسي بشأنها على أنّها "مفاعلة"، أي مشاركة، فهي مقدمة الأنظمة الديمقراطية، ضرورة وأن المواطنة هي الإمكانية لتكريس سيادة القانون، والمساواة أمامه، ولممارسة الحقوق، وتجسيد هاته الحقوق على أرض الواقع المعيش، وتطويرها، فتثمينها.
وتبعا لذلك أُعْتُبِرَت المواطنة وجه من وجوه السيادة. فالفرد الذي يتصرّف كمواطن، يمارس كل الحقوق اعترافا بكيانه، وبحقه في التمتع وبممارسة كل الحقوق، ومشاركته في اتّخاذ القرارات. فأُقِرَّ هذا المبدأ في الأنظمة السياسية الديمقراطية الحديثة، كحق ثابت، وأصبح أحد الركائز الأساسية للعملية الديمقراطية، وارتبط بأطروحات التحديث، وحقوق الإنسان، وسلطان الشعب، والسيادة الوطنية.
لكن أية سيادة وطنية، يمكن أن نتحدّث عنها في ظل هاته التطورات الجيواستراتيجية التي يشهدها عالمنا اليوم ؟ هل قاومت السيادة "سيادتها" أمام عدة نظريات سياسية حديثة ظهرت خاصة مع نهاية القرن العشرين؟ ما هو موقف تونس : "قرطاج الحديثة" من هذه الوضعية العالمية الجديدة ؟ هل أن المواطنة هي بالفعل - أمام بروز هاته النظريات السياسية الحديثة - تحصين لسيادة الوطن ؟
شهد العالم في السنوات الأخيرة عدة تحوّلات جذرية كان لها الأثر العميق في تشكيل العلاقات الدولية على النحو القائم اليوم. فبعد خروجه من الحرب العالمية الثانية، وبروز ظاهرة المد التحرّري الذي أدى إلى استقلال البلدان المستعمرة في الخمسينات وأوائل الستينات، وبروز محور ثالث تمثل في دول عدم الانحياز، كان العالم يتحرك في إطار قطبية ثنائية : قطب الولايات المتحدة الأمريكية أو ما يسمّى بالمعسكر الغربي، وقطب الاتحاد السوفياتي أو ما يسمى بالمعسكر الشرقي.
وبعد فترة الحرب الباردة التي سادت العلاقات بين القطبين، وما أفرزته من تحوّلات سياسية واقتصادية وإيديولوجية وعسكرية، شهد العالم خلال العقدين الأخيرين عدة أحداث هامة تمثّلت بالخصوص في سقوط جدار برلين سنة 1989 وانهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 ، ممّا أدّى إلى بروز وضع دولي جديد أثّر على العلاقات الدولية وخصوصا في طريقة معالجة مختلف المشاكل والقضايا المطروحة. كما أثّر على تطبيق المبادئ الذي يقوم عليها القانون الدولي، كمبدأ سيادة الدول والمساواة في السيادة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات، ومبدأ حلّ النزاعات الدولية سلميا، ومبدأ تحريم استعمال القوة إلا في حالة الدفاع الشرعي، وكذلك مبدأ المشاركة في نظام الأمن الجماعي. و تبعا لهذه الوضعية تم إعادة تشكّل الخارطة العالمية مع بروز قطب سياسي واقتصادي وحيد. ففقد العالم بذلك توازنه الإستراتيجي، وسيطرت على العلاقات الدولية النزعة الأحادية التي برزت بالخصوص في مجال أخذ القرار العالمي، ومعالجة مختلف القضايا والمشاكل المطروحة في العالم مما أدّى إلى المساس بدور الأمم المتحدة وبقية المنظمات الدولية، إلى جانب التخلي عن احترام سيادة الدول من خلال التدخل في شؤونها الداخلية، فبرزت مفاهيم جديدة تعكس مقاربات تنال من الثوابت التي تُكَوِّنُ مبادئ القانون الدولي مثل مفهوم " حق التدخل " " droit d’ingérence " والذي تطوّر إلى مفهوم " واجب التدخل " " l’obligation d’ingérence ". وهو ما يمثّل شكلا من أشكال التصرف الأحادي. وقد ازداد الوضع حدّة إثر أحداث 11 سبتمبر 2001 وإفرازاتها المختلفة ليؤكّد هذا التوجه العالمي الجديد الذي لا يستند إلى مبادئ القانون بصفة عامة، ومبادئ القانون الدولي بصفة أخص، ومنها بالخصوص مبدأ سيادة الدول والمساواة في السيادة. مبدآن تمسّكت بهما الدول وقدستهما منذ القرن السابع عشر ( 17 )، وقد كانا وراء بروز أولى مبادئ القانون الدولي التي أسست أركانه الأولى معاهدة "وستفاليا" سنة 1684 م .
كما ظهرت مفاهيم أخرى تكرّس هذا التوجه كمفهوم "الديبلوماسيـة الوقائيـة" " Diplomatie préventive "،ومفهوم "الحرب الوقائية" " guerre préventive ".
إن هذه النظريات السياسية الجديدة التي تثيرها بعض الأوساط في العالم للتدخل في الشؤون الداخلية للدول من شأنها أن تؤثّر سلبيا على سيادة الدول، بل إنها تنال من سيادة الدول.
ويستند مناصرو هذه النظريات إلى أسباب مختلفة لتشريع التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى، لعل أهمها، مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية، حتى أن هاتيـن المسألتين : حقوق الإنسان والديمقراطية، أصبحتا ذرائع للتدخل في شؤون دول أخرى مع ما يمثل ذلك من إنقاص لسيادتها، وخرق صارخ لمبدأ المساواة في السيادة، بظهور سيادتين : سيادة مؤثرة ومتدخلة هي سيادة الدول الغنية وسيادة مؤثر عليها هي سيادة الدول الفقيرة.
ولم يكتف مؤيّدو هذه النظريات بهذا الحد بل عملوا على إضفاء الشرعية على ما يطلق عليه التدخل الإنساني، عن طريق منح صلاحيات لمجلس الأمن في التدخل في سياسات الدول في حالات الانتهاك الخطير لحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق يقول السيد فيليب سوغان Philippe Seguin في محاضرته حول "المظاهر الجديدة لعدم التسامح أو ذريعة حقوق الإنسان" التي ألقاها سنة 2002 بالجامعة التونسية : «إن ذريعة حقوق الإنسان " Le droit de l’hommisme "، أنتجت أولا تشريع التدخل في شؤون الدول، والمنازعة في مشروعية الدولة الوطنية، متجاهلة الصبغة الشمولية لمختلف حقوق الإنسان وترابطها وتكاملها».
ومهما يكن من أمر فإن سيادة الدول، ذلك المبدأ المقدّس، أصبح مهدّدا، وقد كثرت التأويلات بشأنه، تأويلات بعيدة عن الضوابط التي أقرّها المجتمع الدولي.
وقد شكّلت ظاهرة العولمة - من جهة أخرى - في مفهومها الشامل، وبحركيتها المالية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية، إحدى المعطيات الأساسية البارزة لهذا التحوّل الحاسم في بنية النظام الدولي، فكانت من ناحية نتيجة حتمية لانهيار نظام القطبية الثنائية لفائدة نظام أحادي الفكر والسياسة، كما ساهمت من ناحية أخرى في انتشار النظام العالمي الجديد في أبعاده الاقتصادية والسياسية والفكرية.
وقد أحدثت العولمة تغييرات عميقة على جميع الأصعدة، فأبرزت وعيا متناميا بضرورة حماية الأملاك المشتركة للإنسانية من خلال السعي إلى حماية المحيط، وتحقيق التنمية المستديمة، وما يقتضيه ذلك من تكثيف لصيغ التعاون الدولي وأشكاله. فأقبلت البلدان بصفة متزايدة على التفتح وتعزيز دور اقتصاد السوق، كركيزة للتنظيم والتسيير ورسم السياسات، ضرورة أن هذا التوجّه التحرّري على الصعيد العالمي - والذي كرّسته المنظمة العالمية للتجارة ( OMC ) - يوفّر المزيد من فرص النمو بفضل ما يتيحه من توسيع الأسواق، ومضاعفة المبادلات وتطويرها، وكذلك بفضل ما يترتّب عنه من حركة لرؤوس الأموال، وتحويل للأنشطة الاقتصادية، وإمكانات لنقل التكنولوجيا.
وقد تمّ استغلال هذا العامل، أي اختراق الحدود الاقتصادية وسرعة نقل المعلومات وتدخل الأشخاص، للولوج إلى الدول. وهنا يطرح التساؤل حول مقومات الدولة التقليدية في القانون الدولي، ومن ضمن هذه المقومات، خاصة السيادة ؟
وإن كانت العولمة خيارا إستراتيجيا، وفرصة هامة لتحقيق التقدم من خلال تنمية القدرة التصديرية للبلدان، وتوسيع قاعدة التشغيلية، وتطوير القدرة التنافسية، ومواكبة التطور التكنولوجي، فإن للعولمة تأثيرات سلبية بالنسبة لعدة بلدان وجدت نفسها في هذه المرحلة في مفترق الطرق بعد أن فقدت المرتكزات التي كانت تضمنها الثنائية القطبية في الدفاع عن مصالحها، وإثبات وجودها.
إن للعولمة سلبيات مؤكدة، ولكن على أطراف وأعضاء المجتمع الدولي تصحيح النواحي السلبية فيها حتى يعم الرخاء، ويتقلص نطاق الفقر، فالعولمة، فضلا على أنها معطى يفرض ذاته على كل بلدان العالم، لها إيجابيات ومزايا من شأن جميع الدول أن تستفيد منها.
إن التطور الحاصل في المنظومة الاقتصادية العالمية يؤثر إلى حد ما على سيادة الدول، لكن ليس بنفس القدر مقارنة بالنظريات السياسية الجديدة التي برزت، والتي سبق الإشارة إليها أعلاه.
وأمام تنامي هاته المفاهيم، وتحرر الاقتصاد العالمي، شهدت تونس في أواخر الثمانينات، في 7 نوفمبر 1987 ، تحولا سياسيا. وقد تزامن هذا التحول السياسي مع التحوّلات العالمية التي ميّزت أواخر القرن الماضي، فعملت تونس على مسايرة هذه التحولات، والتفاعل معها وإن لم تكن سبقتها، وذلك استنادا إلى مقاربة استشرافية وشمولية، ارتكزت بالأساس على ضمان التلازم بين تحقيق الأهداف المستقبلية والتفتّح على المحيط الدولي.
وقد عالج الرئيس زين العابدين بن علي تحوّلات وتراكمات دولية متعاظمة ومتسارعة، واستطاع أن يحمي توازنات تونس الداخلية، بالرغم من الإخلالات العميقة في التوازن الإستراتيجي الدولي.
إن الوعي بالتحديات المطروحة، جعل الرئيس زين العابدين بن علي يدعو في العديد من المناسبات إلى إرساء العلاقات الدولية على أسس جديدة للتعاون والتفاهم والتضامن، من أجل مجابهة آفات الحروب والفقر والإرهاب.
وقد أكّدت أحداث 11 سبتمبر 2001 صدق الرؤية التونسية لما كان يتهدّد العالم منذ أوائل العقد الماضي من أخطار التطرف والإرهاب التي دعت بلادنا في الإبان إلى معالجتها في إطار التعاون الدولي والإقليمي. فـ 11 سبتمبر بالنسبة لتونس لم يحصل سنة 2001 ، وإنما حصل قبل ذلك بعشر سنوات، ومنذ ذلك الوقت، عرفت تونس أن أكبر خطر يهدّد الإنسانية هو نموّ الحركات المتطرّفة، فتعدّدت الإجراءات والآليات لتجفيف منابع الفقر والجهل واليأس التي تتغذّى منها هذه الآفات. فنبّهت تونس إلى خطر عولمة الإرهاب. كما نبّهت إلى أن نموّ الحركات الإرهابية يهدّد استقرار العالم ومكاسب الحرية وكل ما يرمز إلى التقدّم، والحداثة، والسلام.
إن تونس في تعاملها مع مسألة السيادات الوطنية في ظل الأحداث الدولية التي طبعت العالم خلال العشرية الأخيرة والتي أدّت إلى انخرام التوازن بين القوى في العالم، أوصت وتوصي دوما باحترام مبدأ سيادة الدول ومبدأ المساواة في السيادة. فتونس ترى أن يقع التمسّك بميثاق الأمم المتحدة كضمان للأمن الجماعي وإحلال السلام، وتؤكّد على ضرورة احترام المعاهدات والمواثيق الدولية والشرعية الدولية. وهو ما دعا إليه الرئيس بن علي عندما صرّح بـ"أن التوازنات الجديدة التي يشهدها عالمنا اليوم تحتّم التفكير بجدية في تطوير منظمة الأمم المتحدة، حتى لا تكون مرآة لعالم ولّى وانقضى، بل أداة فاعلة في خدمة قيم التسامح والتضامن والسلام والعدالة لفائدة جميع الشعوب، ودعامة أساسية لضمان احترام سيادة الدول".
إن تأكيد مكانة حقوق الإنسان في نص دستور تونس لسنة 2002 ، وإعلاء قيم التضامن، والتآزر، والتسامح، ومبادئ كونية حقوق الإنسان، وشموليتها، وترابطها، إلى مرتبة الدستور، إنما هو حماية للسيادة الوطنية، ضرورة وأن تكريس حقوق الإنسان وحمايتها، هو خيار وطني، نابع من إرادة الدولة الوطنية، ومن سلطان الشعب الذي صادق عليه بموجب الاستفتاء، لتتجسّم سيادة الدولة.
إن السيادة تفترض الاستقلال، لكنها تفترض كذلك الحرية، لذلك عملت تونس منذ الاستقلال على تحرير البلاد من المستعمر، ومن العادات الاجتماعية البالية، فألغت الملكية، وأعلنت قيام النظام الجمهوري باعتباره خير كفيل لتحقيق الديمقراطية، ووضعت لنفسها دستورا، رمزا للسيادة، ولحماية حقوق وحريات الأفراد، كما قامت تونس بتحرير المرأة.
ومنذ توليه الحكم سنة 1987 ، قام الرئيس بن علي بإصلاحات واسعة شملت مختلف المجالات تحصينا لسيادة الدولة. فتتالت الإصلاحات السياسية من أجل تكريس الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتعزيز التعددية ودولة القانون والمؤسسات، ومحاربة الإرهاب، وإرساء الحكم الرشيد. وأُقِرَّتْ حوافز لفائدة المؤسسات الاقتصادية حتى تكون مصدرا للإنتاج والتشغيل وخلق الثروات.
وصاحبت هذه الإصلاحات سياسة اجتماعية لحماية المجتمع من خطر الفوارق واتساع الهوّة بين الفئات والجهات، كل ذلك في تلازم وتكامل بين التنمية والديمقراطية وبين التضامن والعدالة الاجتماعية.
وإن هذه الإصلاحات الجوهرية وإن كانت تهمّ الوضع الداخلي فإنها ضرورية لمجابهة التحوّلات التي تشهدها الساحة الدولية ومحاولة التأثير فيها.
لقد بيّن الفكر السياسي الحديث أن تحرير الوطن لم يعد كافيا، بل لا بد أن يتبعه تحرير الإنسان. لأن في تحرير الإنسان مناعة حقيقية ومستديمة لسيادة الوطن، حتى يصبح هذا الوطن، وطن كبير، وتصبح الأمة بحق أمة عظمى.
والقيم التي يتأسس عليها تحرير الإنسان، ليست قيم الحرية، أو التحرر فقط، بل كذلك قيم المبادرة، والتفاني، والإبداع.
أما على مستوى القيم الأولى أي قيم الحرية، أو التحرر، فقد شهدت تونس منذ التحول السياسي في نوفمبر 1987 ، تحررا على جميع الأصعدة : سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا...
لقد تفطن الرئيس بن علي منذ نوفمبر 1987 ، أن لا تقدم ولا تطور، ولا حفاظ على سيادة الوطن، ولا تحرر للإنسان بدون إصلاحات سياسية، تدفع بالديمقراطية، وتكرس حقوق الإنسان، وتدعم أركان النظام الجمهوري، وتعزّز دولة القانون، فقام في 25 جويلية 1988 بإلغاء الرئاسة مدى الحياة. هذا الإصلاح السياسي تجسّم كذلك بانضمام كل القوى السياسية الحيّة بالبلاد للميثاق الوطني يوم 7 نوفمبر 1988 ، كما تمّ بعث المجلس الدستوري في سنة 1987 ، وهو مؤسّسة دستورية تعني بإعلاء أحكام الدستور، وبالتالي حماية حقوق الأفراد وحرياتهم إنطلاقا من القوانين التي تنظم وتحكم علاقات الأفراد فيما بينهم أو علاقاتهم بالسلط العمومية. ثمّ تتالت التنقيحات الدستورية لتجعل من الآراء الصادرة عن المجلس الدستوري ملزمة لجميع السلط العمومية. كما تمّ في 3 ماي 1988 سن قانون الأحزاب، ووقع تنقيح مجلة الصحافة في ثلاث مناسبات، آخرها قانون 3 ماي 2001 . كما تمّ تنقيح قانون الجمعيات في مناسبتين آخرها قانون 2 أفريل 1992 باعتبار أن ممارسة المواطنين لنشاط معيّن داخل جمعيات مكوّنة بصفة قانونية حقا أساسيا ضمنه الدستور وكرسته القوانين.
وتحرير الإنسان تجلّى كذلك من خلال سن قوانين تكفل الحرمة الجسدية للفرد، فقد كانت الضمانات القانونية المتعلقة بالإحتفاظ والإيقاف التحفّظي مسكوتا عنها قبل التحول السياسي لسنة 1987 ، ولم تمرّ بضعة أسابيع على 7 نوفمبر 1987 حتى صدر في 26 نوفمبر 1987 أول قانون يحدّد مدّة الإحتفاظ والإيقاف التحفظي. كما تمّ حذف محكمة أمن الدولة وخطة المدّعي العام للجمهورية بموجب قانون 29 ديسمبر 1987 . هي قوانين جد ثورية، حررت الإنسان من عدة مظالم، وانتهاكات، يمكن أن تؤدي به إلى فقدان حريته. هذا بالنسبة للإنسان المتمتع بحريته، أما المواطن الذي سلبت حريته، فقد نظّم أمر 4 نوفمبر 1988 السجون والذي أُلغي وعُوّض بدوره بقانون 14 ماي 2001 . ويهدف هذا النّص الأخير إلى تأهيل الإنسان الفاقد لحريته وتحقيق عودته إلى المجتمع. كما وقع إلغاء عقوبة الأشغال الشاقة بموجب قانون 27 فيفري 1989 . وبما أن الحماية القانونية للطفل هي من المقوّمات الأساسية لحقوق الإنسان، فقد تدعّمت في تونس بإصدار مجلّة حماية الطفل بمقتضى قانون 9 نوفمبر 1995 . كما بموجب قانون 17 أفريل 2000 إرساء مبدأ التقاضي على درجتين في المادّة الجنائية. ووقع بعث مؤسّسة قاضي تنفيذ العقوبات بموجب قانون 31 جويلية 2000 قصد حماية حقوق السجين وجعله تحت الرعاية والمراقبة القضائية أثناء فترة قضاء العقوبة. ونقّحت الفصول المنظّمة لمؤسّسة قاضي تنفيذ العقوبات في 29 أكتوبر 2002 في اتجاه توسيع مشمولات هذه المؤسسة قصد دعم حماية حقوق السجين وجعله تحت الحماية القضائية أثناء فترة العقوبة. وحوّل قانون 3 ماي 2001 إشراف السجون من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل. وصدر في 3 جوان 2002 قانون يتعلق بمنح الإعانة العدلية، ثمّ في 29 أكتوبر 2002 صدر قانون يكرّس الصلح في المادة الجزائية، وقانون آخر يرمي إلى التعويض للأشخاص الموقوفين أو المحكوم عليهم والذي ثبتت براءتهم.
كما تمّ توسيع صلاحيات ومشمولات ومجالات القضاء، وذلك بإخضاع عدة ميادين لرقابته وحمايته La judiciarisation ، قصد ضمان استقلال السلطة القضائية، وتعزيز صلاحيات القضاة، بما يدعّم الديمقراطية في تونس ويبعث الطمأنينة في نفس المواطن التونسي، ضرورة أن توسيع مشمولات القضاء، ضمان لحماية حقوق كل مواطن، وتكريسها وتفعيلها على مستوى التطبيق. فأحدثت سنة 1991 خطة "المرشد القضائي"، وأحدثت سنة 1993 لأول مرة في تونس "مؤسسة قاضي الأسرة"، وفـي 9 نوفمبر 1995 "قاضي الأطفال" و"قاضي المؤسسة"، و"قاضي السجل التجاري"، و"قاضي تنفيذ العقوبات" سنة 2000 ، و"قاضي الضمان الاجتماعي" سنة 2003 .
وكل هاته المؤسسات غايتها تقريب القضاء من المتقاضين حتى يتمتع المواطن التونسي فعليا بحقوقه.
والمتأمل أن تونس وبهدي من ابنها البار لم تقم بتكريس هذه الحقوق السياسية والمدنية، في النصوص الترتيبية فحسب، بل أنها كرّست مجمل هاته الحقوق، في الدستور التونسي، فأكستها قيمة دستورية عليا.
إنّ خضوع الدولة للدستور في نظر الرئيس بن علي، يعكس هيبة هذه الدولة ويترجم عن أصالة شعبها، وهو مبدأ قانوني يوفق بين صالح المجموعة وحماية حقوق الأفراد، كما يؤدّي إلى تعلّق الفرد بمواطنته والقيام بواجباته تجاه الوطن.
لذلك حرص الرئيس بن علي على السمّو دائما بالدستور، وإثرائه بصورة مطّردة، وجعل هذه الموازنة مستمرّة، مستديمة، بين حقوق الأفراد وواجبات المواطنة.
وقد بادر الرئيس بن علي بعد أشهر معدودة من التحول إلى إدخال العديد من الإصلاحات على النظام السياسي بصورة متدرّجة، رائعة. فعدّل الدستور فـي منتصف 88 ليلغي الرئاسة مدى الحياة ويعيد للشعب حقّ اختيار رئيسه بصورة دورية. ثمّ قرّر سنة 95 الارتقاء بالمجلس الدستوري إلى مرتبة الدستور حتى تقوم هذه المؤسسة بوظيفتها النبيلة، حماية لعلويّة الدستور، وتجسيما للحقوق الواردة فيه.
ثمّ أذن الرئيس بن علي بتعديل الدستور سنة 97 ، ليضمّن في صلبه دور الأحزاب السياسية وشروط تأسيسها والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها، ومن أهمها نبذ كل أشكال العنف والتطرّف والعنصرية والتمييز، والتركيز على دورها في تعزيز المسار الديمقراطي وتفعيل التعدّدية. كما منح التعديل حق الترشح لعضوية مجلس النواب لكل ناخب وُلِد لأب تونسي أو لأم تونسية، حرصا على المساواة الدقيقة بين المرأة والرجل.
وفي سنة 99 عدّل الدستور ليضمن التعددية في الترشح لرئاسة الجمهورية، وفتح الباب أمام المسؤولين الأول عن أحزاب المعارضة للترشح لرئاسة الجمهورية، في صورة عدم تَوَفُّرِ الشروط العادية لتقديم الترشح المضبوطـة بالدستـور. ثمّ أذن الرئيس بن علي بتعديل الدستور في ماي 2003 حيث مكّن الفصل 40 جديد في فقرته الثالثة من فتح الترشح للانتخابات الرئاسية، لأَيّ من أعضاء الهيئات التنفيذية العليا للأحزاب الممثَّلة في مجلس النواب، شريطة أن يكون المعني يوم تقديم مطلب ترشّحه، مباشرا لتلك المسؤولية ومنذ مدّة لا تقلّ عن خمسِ سنوات متتالية، وأن يكون للحزب ممثّلا على الأقل بمجلس النواب. ويعتبر هذا إجراء إضافيّا لضمان التّنافس، حيث أنه يتوفّر لأحزاب المعارضة اليوم - إذا هي تجمّعت - الثلاثون ( 30 ) نائبا الضّروريين لتقديم الترشح للانتخابات الرئاسية.
هذه الإصلاحات المتتالية، المترابطة، المتكاملة، هيّأت تونس لنظام سياسي متطور. لكن قناعة الرئيس بن علي أن هذه الحقوق السياسية والمدنية لا يمكنها أن تضطلع بدورها في غياب تكريس فعلي لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وفعلا حرصت تونس، وبهدي من رئيسها، على تكريس حقوق الإنسان الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.
وفي هذا السياق يمثّل الحق في التعليم المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه النظام التربوي في تونس، وقد شهد التعليم نقلة نوعية سواء كان ذلك التعليم الابتدائي أو الثانوي أو التعليم العالي. وقد كرست تونس الحق في التعلم، وبوّأته المكانة اللائقة به، باعتباره حق من حقوق الإنسان الجوهرية، وجعلته حقا أساسيا، مضمونا لكل التونسيين، لا تمييز فيه على أساس الجنس، أو الأصل الإجتماعي، أو اللون، أو الدين. وقد تطوّرت نسبة التمدرس لأطفال الست ( 6 ) سنوات من 85 % سنة 1981 إلى أكثر من 99 % منذ سنة 2002 ، وتحسنت جودة التعليم بفضل ارتفاع نسبة التأطير التي بلغت قرابة 20 تلميذا لكل معلم مقابل 50 تلميذا لكل معلم سنة 1970 .
أما في التعليم العالي، فقد سجّلت نسبة التمدرس، أي الالتحاق بهذه المرحلة من التعليم بصرف النظر عن الجنس ضمن الفئة العمرية ( 19 - 24 سنة)، ارتفاعا هاما حيث تطورت من 5,5 % سنة 1987 إلى 19 % سنة 1999 - 2000 و 33,3 % سنة 2004 ، وهي نسبة تقترب من نسب بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد الأوروبي والتي تبلغ حاليا 40 % . كما بلغ عدد الطلبة اليوم 344 ألف طالب، وستكون لتونس في أفق سنة 2009 ، جامعة قادرة على احتضان نصف شبابنا، أي أكثر من نصف مليون طالب من شريحة 19/24 عاما في الجامعة في أفق 2009 ، لتصل تونس إلى معدلات المجتمعات الأكثر تقدما. فالرئيس بن علي مكّن لكل حامل شهادة الباكالوريا من حق الالتحاق بالجامعة ليدرس مجانا، وهنا يستحضرني ما أكده الرئيس بن علي في أكثر من مناسبة حين قال : "وقد آلينا على أنفسنا أن نوفّر في الجامعة مقعدا لكل حامل لشهادة الباكالوريا...".
كما يشهد القطاع الثقافي تطورا ملحوظا وإشعاعا معترف به داخليا وخارجيا. كما قامت تونس بتكريس الحق في الصحة والذي يعتبر من أسس حقوق الإنسان احتراما منها للمعاهدات والمواثيق الدولية، وذلك بتوفير المؤسّسات الإستشفائية وتطوير التوعية الصحية وتوفير الدواء والذي انعكس إيجابا على المؤشرات الصحية، فارتفع أمل الحياة عند الولادة من 51 % سنة 1966 إلى 73,2 % سنة حاليا، كما تراجعت نسبة الوفيات من 15 بالألف سنة 1966 إلى 5,8 بالألف سنة 2003 ، وتطورت نسبة التغطية الاجتماعية لتبلغ 86 % سنة 2003 مقابل 53,1 % سنة 1987 ، كما ارتفع عدد الأطباء، وتطوّر كذلك مؤشّر التغطية الطبية للسكان. كما تدعم الحق في السكن اللاّئق في الفترة الأخيرة إذ تراجعت نسبة المساكن المتواضعة مـن 44 % سنة 1966 إلى 0,25 % سنة 2003 ، كما أصبح عدد المساكن يفوق عدد الأسر، ذلك أن تطور عدد المساكن سمح بأن تصبح أربع أسر تونسية على خمس مالكة لمسكنها، وفي هذا احترام لحرمة الإنسان التونسي وكرامته ضرورة وأن المسكن يمثل عاملا من عوامل استقرار الأسرة وتوازنها. وفي هذا الإطار تدخّل صندوق التضامن الوطني لبناء عدة مساكن أو تجديدها بما كرس مبدأ التنمية العادلة وبصورة أشمل حق كل فرد بأن يتمتّع بخدمات اجتماعية كالصحة والسلامة المهنية وحق كل شخص في التّمتع بمستوى عيش كاف، إذ أدرج التقرير العالمي حول التنمية البشرية سنة 1997 بلادنا ضمن الأقطار العشرة الأولى التي حققت افضل النتائج على صعيد تقليص الفقر، كما تراجعت نسبة التونسيين الذين يعيشون تحت عتبة الفقر من ( 22 % سنة 1966 إلى 6,02 % سنة 1997 و 6 % سنة 1999 و 4.2 % سنة 2000 ). ويمثل إحداث الصندوق الوطني للتشغيل 21/21 آلية جديدة وهامة للنهوض بالتشغيل وتقليل نسبة البطالة في تونس وذلك بتوفير فرص العمل. كما دعمت تونس الحق في بيئة سليمة فضلا على حمايتها لحقوق بعض الفئات القابلة للتأثر وتقديم المساعدة لها كحقوق الطفل وحقوق المعوقين وحقوق المسنين وحماية حقوق التونسيين بالخارج.
إن تحرير الإنسان، لا يقتصر على إطلاق حريته السياسية، وضمان حقوقه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية فقط، بل يتعداه إلى إسهام الفرد الحقيقي في البناء المشترك حتى يتحقق الرفاه للجميع، وحتى نحصن سيادة الدولة، ونحقق العزة للوطن.
إن تحصين السيادة ليست مسؤولية الدولة وحدها، وإنما مسؤولية المجتمع كله. إن معاضدة مجهود الدولة في المسيرة التنموية من قبل كل مكونات المجتمع، يشكل فضاء لإذكاء روح المواطنة، والمبادرة، والإبداع، والإفادة، ونشر قيم التضامن، والتآزر بين كافة شرائح المجتمع. وفي هذا السياق جاء في خطاب الرئيس بن علي أثناء إحيائه لليوم الوطني للجمعيات في 23 أفريل 2005 ، ما يلي : "... والاستقلالية التي نقصد لا تعني الاستقالة حين يتعلق الأمر بمصالح الوطن وصورته والحفاظ على سلامته واستقلاله وتحقيق طموحات المستقبل.
فالدفاع عن سيادة الأوطان واستقلالية القرار في عالمنا اليوم ليس مسؤولية الدولة فحسب بل أصبح أمام توظيف بعض المفاهيم بمعايير مزدوجة مسؤولية مشتركة بين الدولة ومكونات المجتمع المدني التي يقع على عاتقها واجب السعي من أجل تعميم الوعي الوطني وتجذير الشعور بالانتماء حتى نواجه التحديات ونكسب الرهانات ".
وانطلاقا من أن التونسي يرفض التدخل في سيادة الدول تحت أي سبب كان، رافضا كل الأعذار، للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، متمسّكا بالشرعية الدولية، وبمبادئ القانون الدولي، فإنه كذلك حريص على تحصين سيادة وطنه من خلال الدفاع عن وطنه، والافتخار والاعتزاز بالإنجازات التي تحققت، والتعريف، والتسويق والترويج لهذا المنتوج التونسي، سياسيا، واقتصاديا واجتماعيا، وهو ما يعبر عنه باللغة الفرنسية " Marketing politique et Marketing constitutionnel ".
إن المواطنة هي العلاقة بين الفرد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من حقوق وواجبات في تلك الدولة .
فالمواطنة، هي تمتيع الفرد بكل الحقوق، فهي الاعتزاز بما تحقق، وهي كذلك التعريف بالإنجازات، والإصلاحات، وهي كذلك الدفاع عن الوطن. فهذا التناغم بين القيادة الإصلاحية، وبين هذا الشعب المتقبل لهذه الإصلاحات والمستفيد منها، لا يمكن أن يولّد إلا تحصين لسيادة الوطن.
فمع التطور في النظام السياسي في تونس منذ سنة 1987، تدعمت سيادة استقلال القرار من خلال كل الإصلاحات التي تم ذكرها أعلاه، وتطور مفهوم السيادة ليصبح موضوع كل تونسي. فالتونسي هو المؤتمن على حركة التغيير،
والتونسي هو المساهم في حركة التجديد الجمهوري،
والتونسي هو صاحب السيادة يمارسها على الوجه الذي ضبطها له الدستور التونسي في فصله الثالث، من خلال انتخابه لرئيسه، وانتخابه لنوابه في مجلس النواب، وفي مجلس المستشارين، وفي المجالس البلدية، في انتخابات تتم بصفة دورية ( 1999 و 2004 بالنسبة للانتخابات الرئاسية، 1989 و 1994 و 1999 و 2004 بالنسبة للانتخابات التشريعية، و 1990 و 1995 و 2000 و 2005 بالنسبة للانتخابات البلدية)، حرة، ونزيهة، وهو ما أكده كل الملاحظين خاصة الأجانب منهم، وأشاد به كل الخبراء، والسياسيين، والبرلمانيين، والإعلاميين،
والتونسي، هو الذي يختار الحزب الذي يريد الانتماء إليه بعد أن كرست التعددية الحزبية ولأول مرة من خلال سن قانون الأحزاب سنة 1988 ،
والتونسي هو الذي ينخرط وبطواعية في الجمعية التي تستهويه ليصبح المجتمع المدني في تونس اليوم، بعد تنقيحات قانون الجمعيات في سنتي 1988 و 1992 ، دعامة للدولة الوطنية الحديثة، وحصانة لسيادة الدولة باعتباره فضاء من فضاءات الإصلاح في الوطن،
والتونسي هو الذي تدرب على احترام القانون ليصبح مبدأ دولة القانون مبدأ دستوريا، وليرفض كل انتهاك للقانون داخليا كان أو دوليا، من خلال رفضه للانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان في العالم، والتي يشاهدها كل ليلة على الفضائيات التلفزية،
والتونسي هو الذي تشبع بمبادئ التضامن والتآزر، ليصبح التضامن واجب كل التونسيين (الفصل 5 لدستور 2002 )، ولتصبح تجربة التضامن مضرب الأمثال في العالم بأسره،
والتونسي هو المعتز بانتمائه لوطنه، تونس، هذا الوطن الذي بادر رئيسه بإنشاء صندوق عالمي للتضامن والذي تجسّم اليوم على مستوى الأمم المتحدة، فقد أثبتت التجارب أن الفقر والحاجة هما الذين يؤديان إلى المس بمبدأ المساواة في السيادة، فكما أن التضامن العالمي هو في رأيي تجسيم لكونية حقوق الإنسان، فإنه كذلك يؤسس أيضا لعلاقات دولية حقيقية توفر الشروط العملية لتطبيق مبدأ المساواة في السيادة، والتونسي هو الذي تشبع كذلك بقيمة التسامح ليرفض التعصب، والفكر، المتحجر، والإرهاب بمختلف أشكاله ومظاهره، وليؤكد أن تونس كانت منذ قرطاج أي منذ خمسة قرون قبل الميلاد، دولة سلام ولازالت إلى اليوم،
والتونسي هو صانع الذكاء، وهو المساهم في بناء مجتمع المعرفة، والاقتصاد في المعرفة، والاستثمار فيها،
والتونسي هو المتفنن في إتقانه للحاسوب، والأنترنات، حتى أن تونس ستحضن في نوفمبر 2005 قمة عالمية لمجتمع المعلومات، وتبيّن للعالم بأسره على أنها من البلدان المتقدمة في هذا المجال، وتؤكّد أنّها تشع عالميا مثلما أشعت قرطاج منذ ثلاثة آلاف سنة.
لقد استطاعت تونس أن تحترم كل قواعد الحكم الرشيد، فتطبقها، وتكرّسها. فتونس بتجربتها التنموية الرائدة والشاملة تأتي في مقدّمة الدول الصاعدة التي يمكن أن نقول عنها أنّها تمثّل أنموذجا لإدارة مجتمع حديث وتحقيق حكم رشيد.
والحكم الرشيد يقوم على تشريك أطراف ثلاث: القطاع العام، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، وذلك من أجل إدارة أكثر رشدا وترشيدا لشؤون المجتمع والحكم.
ولئن يؤكد مفهوم الحكم الرشيد على دور القطاع الخاص في الخلق والابتكار، ومساندة مجهود الدولة، فإنّ تونس لم تطلق العنان لهذا القطاع الخاص، وذلك حماية لأفرادها. فالدولة التونسية تواصل ممارسة سيادتها على بعض القطاعات درء للإحتكار والاستغلال. وهذا ما يجرنا إلى الدفاع عن الفكرة التي مفادها ضرورة مواصلة الدولة الوطنية L’Etat Nation لممارسة سيادتها حماية لأفرادها.
وتونس مرة أخرى تبرز تجربتها الذكية والناجحة، فتونس تأقلمت مع التطور في مفاهيم الدولة الوطنية (الدولة المسيرة L’Etat dirigiste ، والدولة الحكم)، ذلك أنها حررت اقتصادها دون أن تهمل الجانب الاجتماعي. فالدولة في تونس لازالت تؤدي الخدمات الاستراتيجية، مثل الطاقة، والصحة، والتعليم، والنقل، والتزود بالماء الصالح للشراب، وهذا هام. وهذا في اعتقادي يحافظ على التوازن داخل المجتمع، فضلا على أنه يحصن مبدأ سيادة الدولة، ويحميها.
كما أن الدولة في تونس تحمي المجتمع من ظاهرة الإقصاء والتهميش، فهي فضلا على أنها تحمي الأفراد من مساوئ الخوصصة في ميادين حياتية، فإنها تنشأ آليات للحد من نتائج العولمة السلبية مثل صندوق التضامن 26/26 ، وصندوق التشغيل 21/21 ، إذ أنها تشرك الجميع في مسيرة التنمية، وهو ما يختلف عن بقية بلدان العالم، كإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
السيادة في تونس الحديثة إذا هي مسؤولية الدولة من خلال استقلال القرار السيادي، وحماية الاستقلال الترابي، وحماية حقوق الأفراد من كل انتهاك، واستغلال، وهي كذلك شأن المواطن التونسي، فكل الإصلاحات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، جعلت التونسي يفتخر بانتمائه لوطنه، يعرّف بإنجازاته، في كل المناسبات ليحقق أعلى درجات المواطنة، باعتبار أن المواطنة وجها من وجوه السيادة.
كما أنّ من مظاهر المواطنة واجب الدفاع عن البلد، فتوفير هاته الحقوق التي يتمتع بها المواطن داخل وطنه، تجعل للمواطنة معنى، ويحق بموجبها انتماء المواطن وولاؤه الإيجابي وتفاعله الإيجابي للدفاع عن وطنه وصونه، لتقوى سيادة الوطن.
إن تعزيز حقوق الفرد في تونس وتوسيع مجالها، يدفع بالمقابل إلى تحميل الفرد واجبات محدّدة تجاه وطنه. لذلك تأكّد واجب الولاء الكامل لتونس وأدرج هذا المبدأ في دستور تونس لسنة 2002 (الفصل 15 جديد).
فالدفاع عن حوزة الوطن واجب مقدّس على كل مواطن، وفي ذلك ترسيخ لمقومات الهوية ولقدسية الانتماء لتونس. وقد يعتبر البعض أن الولاء للوطن لا يحتاج إلى تقنين، فكل الأفراد وطنيون بالضرورة، إلا أن رواسب الاستعمار، ومستجدات العولمة، وتوظيف بعض المفاهيم بمعايير مزدوجة، يستوجب التذكير دائما بهذا المبدأ، والإصداع به في أعلى قوانين الدولة، والرجوع إليه في كلّ مرة لتكريس المواطنة الفاعلة.
فعالم اليوم أزيلت فيه الحدود، وتشعبت المصالح، وتزايد تدخل الأجنبي. واستخدمت شعارات جديدة، ظاهرها سامي، إنساني، وباطنها وصولي، مصلحي بحت. وتحت غطاء حقوق الإنسان، وبدعوى النضال الإنساني من أجل مبادئ سامية، وظّفت أموال طائلة، واستعملت منظمات غير حكومية، واستخدمت أدواتها، وفضاءاتها، وسخّرت وسائل إعلام عديدة، لخدمة مصالح أجنبية بعضها واضح وبعضها خفيّ، على حساب مصالح هذا الوطن أو ذاك.
* * * *
لقد انطلقنا من خطر ظهور عدة نظريات سياسية حديثة مست من مبدأ سيادة الدول، ومبدأ المساواة في السيادة، لنصل إلى إصداع واجب الولاء الكامل لتونس، والدفاع عن حوزة الوطن في نص الدستور، ذلك أن توظيف بعض هاته المفاهيم بمعايير مزدوجة، واستخدام شعارات جديدة، يستوجب الرجوع إلى هذا الواجب : الذود عن الوطن، والدفاع عنه، وحمايته، وصيانته، والتذكير به في كل مناسبة حتى نحصّن سيادة وطننا... تونس.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>