| الإعلام العربي والوضع الإقليمي د. أسامة الغزالي حرب - رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية
- مؤسسة الأهرام – مصر في حديثي عن علاقة الإعلام العربي والوضع الإقليمي في المنطقة التي نعيش فيها، أميل إلى النظر إلى الوضع الإقليمي العربى وكيفية مواجهة التغييرات والتطورات المتلاحقة التي شهدتها الساحة الدولية والعالمية من ثلاثة أبعاد: البعد الأول، كيف أثرت أوضاع المنطقة العربية على الإعلام، البعد الثاني، كيف يؤثر الإعلام على أوضاع العالم العربي وعلى طريقة التناول والمعالجة الإعلامية، ثم البعد الثالث القضايا الجديدة التي فرضت نفسها على الساحة العربية والتطورات التي حاقت بهذه المنطقة. أما في ما يتعلق بالإعلام كأحد العناصر التي تأثرت بالتغيير الذي يحدث في منطقتنا، فنحن لا يمكن أن نفصل بين ما حدث في المنطقة والتغيرات التي حدثت في الإعلام على مستوى العالم كله، وهذه مسألة مسلّم بها، فالعالم شهد ثورة هائلة في مجال الإعلام ومجال الاتصال، وهذه المسألة لا تحتاج إلى مزيد من الإيضاح تماما مثل الكلام عن التطور في ثورة المعلومات، والإرسال الفضائي عبر القارات من خلال القنوات الفضائية، وما حدث في الإنترنت، وكل هذا يعكس ثورة هائلة حدثت في التكنولوجيا والثقافة والاقتصاد وانعكست أكبر ما يكون على الإعلام. وبمقارنة بسيطة عن حال الإعلام منذ 20 عاماً وحتى الآن، نجد أن المفارقة مذهلة، فربما لا يتخيلها أي إنسان، فعندما حدثت نكسة 1967 وكنت طالبا بالجامعة كان أكبر شيء أتابعه هو فتح الراديو، لكي أستمع إلى إذاعة لندن وكانت تصل بصعوبة بالغة، واكتشفت يوم الجمعة 9 يونيو صباحاً أن القوات المصرية تتراجع في سيناء، وفي هذه اللحظة، كان يستحيل علينا أن نصل إلى المعلومة الواضحة إلا من خلال الإذاعات التي يسهل التشويش عليها، فالوضع الآن أصبح مختلفاً تماماً بما لا يمكن أن يقاس، فنحن لا نعرف الأخبار فحسب، بل نشاهد الحدث لحظة وقوعه، سواء في العراق أو في أفغانستان، ولنتذكر أنه عندما تم الهجوم على العراق بعد غزو الكويت شاهدنا كل الأحداث على الهواء مباشرة، فكانت الكاميرات في بغداد تصور الصواريخ وطلقات المدافع.. الخ. فهذا تطور هائل في تكنولوجيا المعلومات، ولكن كيف أثر هذا على المنطقة؟ منطقتنا من أغنى مناطق العالم، بسبب الثروة البترولية، والوفرة النفطية، وبالتالى، توجد رؤوس أموال هائلة، تداخلت مع هذه الثورة التكنولوجية وبالفعل شاهدنا في هذه المنطقة ثورة في الفضائيات، وخرجت عشرات المحطات الفضائية والإذاعات والقنوات الجديدة، لأننا في منطقة غنية بها أموال كثيرة خصصت مبالغ منها لهذه الثورة الإعلامية، ولم يقتصر الأمر على المحطات فقط وإنما شمل أيضاً الإنترنت وعشرات المواقع التي ظهرت، والتي كثير منها في الواقع لا يصعب عليه أن يستمر بسبب أعبائه المالية وإنما تدار جميع المواقع وينفق عليها، بصرف النظر عما تدره من عائد، وبالتالي الوفرة المالية عندما تفاعلت مع تأثيرات الثورة التكنولوجية أنتجت في المنطقة ثورة إعلامية هائلة. المسألة الثانية التي أثرت على الإعلام في هذه المنطقة تتمثل في التطورات السياسية والاستراتيجية التي طرأت، ولكن لماذا؟ لأننا نستطيع أن نقول إن العالم العربي والعالم الإسلامي اصبحا منذ سبتمبر 2001 في قلب السياسة العالمية والاستراتيجية العالمية، بمعنى أنه قبل ذلك كان العالم العربي والشرق الأوسط موجودا ومهما ومؤثرا، ولكن لم يكن القضية رقم واحد فقد كانت القضية الاستراتيجية الكبرى على المستوى العالمي في ذلك الوقت هي الصراع بين الشرق والغرب (الاتحاد السوفياتى والولايات المتحدة الأمريكية) وكان قلب هذا الصراع موجودا في أماكن معينة من أوروبا الشرقية وبرلين، إنما هذا العالم القديم تغير تماماً، وحدثت ثورة حقيقية في نهاية الثمانينات مع سقوط الاتحاد السوفياتي ومع التدهور الذي حدث في الكتلة الاشتراكية ثم بروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة واحدة في عالم اليوم ابتداءً من أوائل التسعينات، والتي واكبتها جهود أكاديمية وعلمية وثقافية ومخابراتية والبحث عن عدو جديد تجسد في البداية فيما بُشّر به فى عام 1993 ، 1994 عن الصدام بين الحضارات، ثم التركيز بالذات على الحضارة العربية والإسلامية، ثم تبلور هذا واقعاً أساسياً وأحاط بنا جميعاً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 . فما هو، من وجهة نظر التحليل السياسي الاستراتيجي الدولي، معزى هذه التطورات؟ ببساطة شديدة نحن في العالم العربي، والعالم الإسلامي أصبحنا في قلب الاستراتيجية الدولية والعالمية بشكل غير مسبوق من قبل. وكثير من المحللين والسياسيين لم يدركوا هذه الحقيقة، بمعنى أن الترسانة الهائلة من الجيوش والقوى النووية والأسلحة غير التقليدية وأجهزة المخابرات ومصانع الأسلحة ومعاهد الأبحاث كانت مكرسة في السابق لمواجهة الشيوعية والاتحاد السوفياتي، والآن الوضع مختلف، فكل هذه الأجهزة موجهة الآن للتركيز على العالم العربي والعالم الإسلامي والتطرف والإرهاب وهي حقيقة يجب أن نعيها جيداً، وبمقتضى هذه الحقيقة أصبحنا في قلب الاستراتيجية العالمية، وأتذكر مثالا بسيطا للغاية، فكل المشاهدين الذين تابعوا المناظرات التي كانت تتم في الولايات المتحدة الأمريكية، بمناسبة انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، وكانوا يتابعون ما يقال فيها بين كيرى وبوش لاحظوا أنهما في أول مناظرة بينهما أمام 50 مليون مشاهد أمريكي لم يكونا يتحدثان كالعادة عن التأمين الصحي والبطالة والازدهار الاقتصادي، ولكن كانا يتحدثان عن قضية من قضايا السياسة الخارجية، وكانت محاوراتهما تدعو إلى الدهشة، وخاصة أنها المناظرة الأولى لكسب ثقة الشعب الأمريكي، فكانت عبارات تدعو أن يقف أمامها كل المحللين السياسيين، وهذه العبارات على سبيل المثال هي »بغداد، بعقوبة، الفلوجة، وأسامة بن لادن، أيمن الظواهري.. فهذه هي الكلمات التي نطق بها بوش وكيري، في أول مناظرة بينهما في الانتخابات الأخيرة، وهذا له معنى كبير جداً ودلالة على أننا أصبحنا في قلب الاستراتيجية العالمية وفي قلب الاستراتيجية الأمريكية، وبالتالي أصبح التركيز على هذه المنطقة غير مسبوق في التاريخ كله، فالتطورات التي تحدث هنا لها علاقة مباشرة بالاستراتيجية الكونية كلها، فليس مصادفة في هذا السياق أنْ بدأت تظهر قنوات عربية تليفزيونية عابرة للقارات لأول مرّة في التاريخ وبدأت تأخذ مكانها للتنافس مع القنوات الفضائية الكبرى، وبدأ المواطن في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم كله يشاهد قنوات عربية وهذا لم يحدث من قبل، بل كان الإعلام الموجود في المنطقة خارج سياق المشاهدات العادية للعالم وأصبحت بعض القنوات العربية في مقدمة القنوات التي تقدم أخبارا ويُنظر إليها بصرف النظر عن إعجابنا أو عدم إعجابنا بها، وأصبحت قنوات عالمية نتيجة التطورات السياسية والاستراتيجية التي ذكرت من قبل. الأمر الثالث، هو كل ما يتعلق بالحديث الجاري الآن عن الإصلاح في المنطقة العربية، والعالم الإسلامي، وكل هذه الدعوات قديمة، ولكن حدث تركيز عليها في السنوات الأخيرة، كجزء من الاستراتيجية الأمريكية والعالمية في التعامل الجديد مع هذه المنطقة والذي بدأ بحرب أفغانستان ثم بحرب العراق ثم بطرح قضايا الإصلاح، فنحن نعلم أن الإصلاح والديمقراطية من أهم مطالبنا، وأنهما لمصلحة شعوبنا، فهذا أمر لا خلاف عليه، ولكن الضغوط التي نراها الآن ليس حباً في مصلحة المنطقة، وليس رغبة في تطويرها تطويرا حقيقيا، وإنما الرؤية الأمريكية الآن تبحث عن مصالحها في هذه المنطقة، وتعرف أن وجود العنف والإرهاب والتخلف وعدم الديمقراطية في هذه المنطقة يؤدي إلى تداعيات سلبية تنتهي بالتأثير المباشر على الأمن الأمريكي وعلى سلامة المواطن الأمريكي نفسه أو على سلامة المواطن الأوروبي، لأن هذه التأثيرات لم تحدث فقط في 11 سبتمبر 1002، ولكن حدثت في مدريد وباريس وأوروبا واليابان فهناك استنفار لهذا كله، والاهتمام بالتطورات الداخلية في العالم العربي، والتحرك نحو مزيد من الديمقراطية في هذه المنطقة أصبح الآن محل تركيز قوى داخلية وقوى خارجية. ولا شك أن هذا يؤثر تأثيرا مباشرا على الإعلام وليس مصادفة أن الإعلام في العالم العربي شهد نقلة نوعية وإن تفاوتت أهميتها بين المناطق وفروع الإعلام، لكن المناخ الجديد في جميع المجالات أثر على الإعلام، سواء كان مرئيا أو مسموعا أو مكتوبا، ومسألة الحرية التي بدأت تتمتع بها كثير من المحطات الإذاعية والتليفزيونية والصحف أصبحت مسألة مسلّما بها وندركها جميعا بكل ما فيها من نواح سلبية أو إيجابية، وإنما توجد حالة من الانفجار في حرية التعبير بكل أبعادها ونواحيها في أماكن مختلفة من العالم العربي. إذن في واقع الأمر نحن إزاء تغيرات عالمية تفاعلت مع تغيرات إقليمية أدت إلى أوضاع غير مسبوقة للإعلام العربي الذي زاد في إمكانياته وقدراته وأهميته العالمية وقدرته على التعبير والتحدث وممارسة العمل بدرجة أعلى من الحرية، فهذا الإعلام الجديد المتغير الذي أثرت فيه كل هذه التطورات ينقلنا إلى السؤال الهام: كيف يتناول ويتعامل الإعلام العربي مع هذه التغيرات؟ النقطة الثالثة والأخيرة، أنه مع هذا التطور المهم للإعلام برزت الكثير من القضايا التي تهمنا في المنطقة ولها صدى كبير في العالم كله. وهناك حديث مهم عن الصور المتبادلة بين العالم العربى وبين الآخرين، وأثير ذلك في العديد من المناسبات مثل كيف ينظر العرب إلى الأمريكان والأوروبيين وكيف ينظر الأوروبي والأمريكي إلى العربي وهو ما أصبح محل دراسة لدى العالم باعتبار الأمر يؤثّر على الشعوب والعلاقات السياسية. والصور المتبادلة النمطية أصبح سهلا أن نرصدها في ظل التطور في الإعلام، لأن الإتاحة الهائلة لهذه الصورة لدى قطاعات واسعة للغاية من الشعب لم تكن موجودة قبل ذلك، فالعائلات الفقيرة الآن لديها الفضائيات حتى في القرى وهناك شغف بمشاهدة هذه الفضائيات من قبل طبقات شديدة الفقر من الناحية الاقتصادية. وهذه الصور المتبادلة المتكونة للعرب والمسلمين إزاء الآخرين يجب أن تكون محل اهتمام الإعلام، وهناك قضايا أخرى أصبحت محل تركيز واهتمام مثل قضايا المرأة وتحريرها والنظر إليها، وقضايا الأقليات، وقضايا البيئة والمشاكل المتعلقة بالحرارة والمناخ. والصورة النمطية التي تحاول مصادر إعلامية وغربية أن تلصقها بالإسلام والمسلمين تمثل إحدى القضايا الجديدة المطروحة علينا، وأهم تطور يحدث في عالمنا ويتصل بالإعلام هو ما تتعرض له المجتمعات العربية والإسلامية من رياح حقيقية للتطوير وخاصة التطوير الديمقراطي. والواقع أنه لا يوجد إعلام حقيقي دون ديمقراطية، وهذا الوضع الجديد هو الذي يمثل التحدي الأساسي للإعلام في هذه المنطقة، وكلما استطعنا أن نوفر مناخا ديمقراطيا حقيقيا استطعنا أن نتوصل إلى إعلام حقيقي وفاعل. إن المنافسة الجارية الآن بين القنوات الفضائية هي نوع من المنافسة التي يستحيل تجنبها، فالمشاهد العربي في أي بلد، ما عليه إلا أن ينظر إلى مئات المحطات المعروضة عليه ويتجه إلى أكثرها صدقا وهذا المناخ الجديد سوف يفرر في النهاية الفضائيات الناجحة التي تتناسب مع العصر وتلك الفاشلة التي لا تزال تعيش في عصر مضى، فالإعلام الذي يستطيع أن ينجح في أن يتعامل ويلبي متطلبات التطوير الديمقراطي الحقيقي هو الإعلام الذي سوف يستمر وسوف يزدهر، أما الإعلام العاجز عن ذلك التطوير مهما رفع الشعارات سوف يضمحل ولا مكان لإعلام ناجح إلا في مجتمع حر.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>
|