قضايا التحديث وإشكالياته في العالم العربي

د. هالة مصطفى - رئيس تحرير مجلة الديمقراطية – مؤسسة الأهرام - مصر

إننا نناقش قضية من أبرز القضايا التي تشغلنا جميعا وهي التحول الديمقراطي في الوطن العربي.

برزت هذه القضية مجددا على ساحة النقاش العربية والدولية بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية.. حيث احتلت مكانة محورية في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه المنطقة. وبهذا الصدد جاء في الخطاب الأمريكي :

"قدمت دول الشرق الأوسط على مدى التاريخ مساهمات لا تقدر بثمن للعلوم والفنون. لكن اليوم توجد شعوب كثيرة هناك تفتقر إلى ذات الحرية السياسية والاقتصادية وفاعلية المرأة والتعليم الحديث، التي تحتاج إليها لكي تزدهر في القرن 12.. إن سكان المنطقة يواجهون خيارا أساسيا بين »كسل وجمود (و) "نهضة عربية" تبني مستقبلا زاهرا لجميع العرب...

بهذه الكلمات أعلن وزير الخارجية الأمريكية السابق كولن باول عما عرف بالمبادرة الأمريكية للديمقراطية في العالم العربي في خطابه الذي ألقاه في مؤسسة التراث بواشنطن في ديسمبر من العام الماضي.

وقد تكون تلك المبادرة هي التي أعادت تسليط الأضواء على قضية الديمقراطية في المجتمعات العربية والإسلامية ولكن يقينا إنها لم تبتدعها. فهذه القضية هي من أبرز القضايا الوطنية التي عرفها التاريخ السياسي المعاصر للمنطقة والتي عبرت عن الطموحات الأصيلة لشعوبها عبر العهود المختلفة.

ولكن قبل التطرق إلى قضية الديمقراطية في الشرق الأوسط وبالتحديد في عالمنا العربي والإسلامي، اطرح بعض القضايا والمفاهيم النظرية التي قد تمثل إطارا مناسبا نناقش من خلاله تحديات وإشكاليات التحول الديمقراطي في مجتمعاتنا.

قضايا ومفاهيم نظرية

لا شك أن قضية الديمقراطية وتطورها على مستوى النظم السياسة في العالم - المتقدمة منها والنامية - ستظل من أبرز القضايا الحيوية التي تطرح نفسها بإلحاح على الدوائر البحثية والسياسية على السواء.

فالتحول نحو الديمقراطية في الحكم بات يشكل إحدى الموجات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر منذ منتصف السبعينات واستمرت في الثمانينات حتى تأكدت ملامحها في التسعينات من القرن الماضي. وقد تعرضت الديمقراطية - كما هو معروف - خلال مسارها التاريخي الطويل للعديد من التحديات والنكسات. إلا أن ذلك لم يوقف مسيرتها.
فتطوّر الديمقراطية بمفهومها الحديث يعود بجذوره إلى الثورتين الأمريكية والفرنسية
(1766- 1789).

وقد واجهت أول تحد لها بعد انهيار النظام العالمي القديم إبان الحرب العالمية الأولى، وصعود الحركات اليمينية المتطرفة من فاشية ونازية وفي مقابلها الحركات اليسارية المتطرفة أيضا أو الشيوعية، والتي تبنت كلها على اختلاف المدارس الفكرية التي انتمت إليها أيديولوجيات خاصمت الديمقراطية فكرا وممارسة، إلا أن هزيمة الدول المعبرة عن الاتجاهات الأولى في الحرب العالمية الثانية أعطت دفعة قوية لمسيرة الديمقراطية استطاعت من خلالها، ليس فقط الصمود في مواجهة تلك التحديات، وإنما أيضا سعة انتشارها. وعلى صعيد آخر لعبت ظاهرة الاستعمار دورا شديد السلبية على تطور هذه المسيرة في البلدان التي تعرضت للاستعمار. ورغم صعود حركات التحرر الوطني في أنحاء العالم وانحسار الظاهرة الاستعمارية إلا أن التجارب الوليدة لأغلب هذه البلدان سرعان ما تعرضت لانتكاسات وعثرات سواء بسبب تزايد ظاهرة الانقلابات العسكرية أو سيطرة نظام الحزب السياسي الواحد على الحكم، وهو الاتجاه الذي ميز فترة الخمسينات والستينات في المنطقة العربية قبل أن تتحول بدورها إلى التعددية الديمقراطية مع انقضاء تلك الحقبة.

وبدخول عقدي السبعينات والثمانينات بدأت المؤشرات الديمقراطية تعود مرة أخرى مع تحول كثير من الأنظمة السلطوية إليها سواء في أوروبا (اليونان، البرتغال، أسبانيا)، أو في أمريكا اللاتينية (بيرو، الأرجنتين، أورجواي، البرازيل، شيلي، نيكاراغوا، وغيرها) أو في آسيا (تركيا، الفلبين، كوريا الجنوبية وبنسبة ما الصين بسبب التحول إلى الليبرالية الاقتصادية)، ثم أخيرا جاء انهيار النظم الشيوعية في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية - في أوائل التسعينات - ليجتاح نفس الاتجاه - أي التحول الديمقراطي - تلك المناطق ويؤرخ لهزيمة الأيديولوجيات اليسارية القديمة ويعلن انتصارا جديدا للديمقراطية. ولم يكن العالم العربي بعيدا عن تلك التحولات العالمية الكبرى (في مصر، والأردن، تونس، المغرب، اليمن، الكويت وفي الخليج بشكل عام).

وقد أسهمت عوامل عدة في الإسراع نحو هذا الاتجاه، بعضها يتعلق بعمليات الإصلاح الاقتصادي وما استتبعها من إعادة توزيع الثروة والدخل وظهور تعددية في القوى الاقتصادية والتي أسهمت بدورها في خلق الركائز الأساسية للتعددية السياسية في مختلف تلك المجتمعات، وبعضها يتعلق بتطور السياق المجتمعي حيث كان التوسع في التعليم والتنمية بشكل عام دافعا لزيادة المطالب الخاصة بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وفتح القنوات أمام العديد من الشرائح الاجتماعية للتعبير عن نفسها من خلال الأحزاب السياسية، والنقابات والجمعيات وغيرها.

إن هذه التحولات الهائلة التي شهدها العالم ومازال هي التي أطلق عليها عالم السياسة الأمريكي المعروف صمويل هانتغنتون "الموجة الثالثة" للديمقراطية في كتابه الصادر عام 1991 تحت عنوان الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين" The Third Ware : Democratization in the late twentieth Centry ، والتي يؤرخ لها بمرحلة ما بعد عام 1974، (الذي يرمز إلى سقوط النظام الديكتاتوري في البرتغال في إبريل من نفس العام)، وحتى الآن. ويعرّف الموجة الثالثة للديمقراطية في هذا العمل بأنها مجموعة من التغييرات التي تشكل مراحل انتقالية مختلفة للتحول من النظم الشمولية والسلطوية إلى شكل من أشكال التعددية، والتي - وفقا لرأيه - عادلت في معدلها وحجمها بل وزادت عن التحولات في الاتجاه المعاكس. أما كونها تشكل موجة ثالثة فذلك على اعتبار أنها تشكل موجة جديدة بعد موجتين متشابهتين عليها. الأولى، كانت في الفترة من (1828 إلى 1926) والثانية، (من 1943 إلى 1946). إلا أن كلتا الموجتين انتهتا بما يسميه "بموجة معاكسة" "Reverse Wave" أي انتكاسات للتجارب الديمقراطية الوليدة أولاهما سادت في الفترة من (1922 إلى 1942) وثانيتهما شهدتها الفترة من (1916 إلى 1975) حيث عرفت كل من هاتين الفترتين تراجعا لعديد من النظم التي شهدت تحولا ديمقراطيا.

وفي هذا السياق أثيرت قضايا عديدة تتعلق بمستقبل الموجة الثالثة للديمقراطية، دعت كثيرا من علماء السياسة والدوائر الأكاديمية المختلفة لطرح نفس السؤال المحوري وهو: "هل يمكن أن تنتهي هذه الموجة "بالردة" أي بظهور موجة معاكسة لها كما حدث في السابق؟ أم أنها ستكون على العكس مرتكزا للدفع نحو مزيد من التطور الديمقراطي مستقبلا؟

ولا شك أن الإجابات الحاسمة على هذا السؤال ليست بالأمر السهل فالديمقراطية عملية شديدة التعقيد تختلف متطلباتها من مجتمع إلى آخر. كما أن القضايا التي تطرحها سواء على المستوى النظري أو التجريبي تتسم بالنسبية وتثير مناقشات وجدلا مستمرا. ولعل ذلك يرجع في جانب كبير منه إلى طبيعة الديمقراطية ذاتها حتى من حيث التعريف، فمفهوم الديمقراطية مفهوم واسع ويحتوي على العديد من الأنماط الفرعية التي تصل إلى ما يزيد عن خمسمائة نمط مثلما عددها كل من عالمي السياسة ديفيد كولير David Collier وستيفن ليفتسكي Steven Levitsky . إلا أن أكثر التعريفات شيوعا، ترجع إلى التعريف الذي قدمه جوزيف شومبيتر Joseph Shumpeter في عمله الكلاسيكي المعروف "الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية"، "Capitalism Socialism and Democracy" ، والذي يعرّف الديمقراطية بأنّها (نظام يتضمن توسيع قاعدة المشاركة في عملية صنع القرار السياسي، من خلال الانتخابات التنافسية) وهو تعريف يركز في الأساس على التنافس الانتخابي كمتغير جوهري للديمقراطية، باعتبار أن الأخيرة (أي الديمقراطية) هي نظام للسلطة السياسية في الأساس قد يتحقق بغض النظر عن المتغيرات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ويعد إسهام روبرت دال Robert Dahl ، من خلال عمله الشهير "التعددية، المشاركة والمعارضة" "Polyarchy : Participation and Opposition" من المساهمات المهمة في هذا الإطار، حيث أضاف إلى جانب مطلب توسيع نطاق المنافسة والمشاركة السياسية ضرورة توفير مستوى ملائم للحرية السياسية (مثل حرية التعبير والصحافة والتنظيم والاجتماع ومثيلاتها) التي تضمن التعددية في الآراء والأفكار بما يمكّن المواطنين من تشكيل اختياراتهم وتفضيلاتهم السياسية والتعبير عنها بطرق مؤثرة.

وتعرف الديمقراطية من هذا المنظور بأنها الديمقراطية الانتخابية "Electoral Democracy" في الأساس لتمييزها عن المفهوم الكلاسيكي للديمقراطية والذي يشير في الغالب إلى »الديمقراطية الليبرالية "Liberal Democracy" التي تولي اهتماما فائقا لمبدإ الحرية بمعناها الواسع أي الحريات الفردية المدنية بجانب الحريات السياسية العامة، باعتبار أن الأولى هي الغاية الأساسية التي يتطلع إليها الفرد بطبيعته. ومن ثم فإن النظام الديمقراطي - وفق هذا المنظور - يتميز ليس فقط بالانتخابات التنافسية الحرة والنزيهة، وإنما أيضا، بل وفي الأساس، بمجموعة من السمات الأساسية والتي يأتي في مقدمتها، ضمان حقوق الأفراد وحرياتهم (في الرأي والتعبير، والاعتقاد، والتميز، والاختلاف، والحرية الشخصية، والملكية) مع الإعلاء من مبدإ سيادة حكم القانون لضمان تحقيق هذه الحريات بشكل متساوٍ لجميع المواطنين، إلى جانب وجود قضاء عادل ونزيه، واحترام حقوق المرأة والأقليات الثقافية أو الأثنية أو الدينية، ووجود قنوات مفتوحة (بخلاف الأحزاب أو البرلمانات) أمام جميع المواطنين للتعبير عن مصالحهم بالشكل المناسب سواء من خلال جمعيات أو اتحادات أو أية تجمعات أخرى، على أن تكون السلطة التنفيذية مقيدة دستوريا، وأن تتوافر شروط الكفاءة بالنسبة للمسؤولين المعينين أو المنتخبين، مع ضمان الفصل بين السلطات، وهكذا. هذه الحريات التي تؤكد عليها الديمقراطية الليبرالية، (والتي يطلق عليها أحيانا الليبرالية الدستورية) تختلف نظريا وتتمايز عن مفهوم الديمقراطية الانتخابية، فكما يشير عالم السياسة فيليب شميتر، "فإن الليبرالية سواء كانت مفهوما للحرية السياسية أم مذهبا للسياسة الاقتصادية، تميزت دوما عن الديمقراطية، رغم بروزهما معا.. باعتبارها فلسفة أشمل".

وفي هذا السياق يكون هناك بعدان رئيسيان للحرية من المنظور الليبرالي، الحرية السياسية (أي حق المعارضة والمشاركة)، والحريات المدنية "Civil Liberties" التي تعني بالأساس حقوق وحريات الأفراد، وترتكز على الفلسفة الفردية "Individualism" .

وتثور الإشكالية هنا بين "الديمقراطية الانتخابية" و"الديمقراطية الليبرالية"، من زاوية منظور كل منهما لمفهوم الحرية، إذ قد ينظر إلى الحريات السياسية والمدنية من الزاوية الأولى على أنها ترتبط بالأساس، بالمدى الذي توفره من أجل المنافسة الانتخابية والمشاركة السياسية، أو قد ينظر إليها وفق المنظور الثاني على أنها الركيزة لتحقيق الديمقراطية السليمة وتوسيع نطاقها سواء على مستوى النظام أو المجتمع أو الأفراد.

في هذا الإطار تعرض مفهوم "الديمقراطية الانتخابية" لانتقادات عدة، باعتبار أنه يربط بشكل آلي بين التعددية الحزبية والانتخابية وبين توافر وضمان الحقوق والحريات المدنية والقضاء على كل أنواع التفرقة والتمييز بين الفئات المختلفة وبين الأفراد وبعضهم البعض. الأمر الذي لا يتحقق على المستوى التجريبي من خلال التجارب الواقعية. وهو ما دعا تيرى كارل Terry Karl على سبيل المثال إلى وصفها بالإفلاس The Fallacy of Electoralism فالانتخابات مهما كانت محوريتها للديمقراطية، فإنها - كما يؤكد فليب شميتر وتيري كارل، قد لا تعبر بشكل كامل أو صحيح عن الاختيار الحر للمواطنين لأنها لا تتيح لهم في النهاية الاختيار إلا من بين البدائل التي تقدمها لهم الأحزاب السياسية وقياداتها العليا، في الوقت الذي ربما تتهمش فيه حقوق بعض الشرائح الاجتماعية مثل النساء، أو الأقليات أو الفقراء أو بعبارة أخرى إن الديمقراطية الانتخابية لا تضمن وحدها وجود بيئة ثقافية ومجتمعية مناسبة لحماية التجربة الديمقراطية.

ورغم استمرار هذا الجدل الفكري مازال الكثيرون من علماء السياسة يميلون إلى الاعتماد على مفهوم "الديمقراطية الانتخابية" لتقييم عمليات التحول الديمقراطي التي تشهدها نظم عديدة على امتداد العالم على اعتبار أنها أكثر مرونة في القياس وتشكل معيارا واضحا للحكم على الأنظمة المختلفة خاصة في مراحل التحول والانتقال، بخلاف المعايير المتشددة التي تفرضها "الديمقراطية الليبرالية" والتي يصعب قياسها في كثير من الأحيان. فكما يشير عالم السياسة الأمريكي لاري ديموند Larry Diamond أنه وفقا لمعيار "الديمقراطية الانتخابية" يمكن من وجهة نظره إدخال العديد من النظم تحت هذا الإطار، مثل (تركيا، الهند، سيري لانكا، روسيا، كولومبيا). في حين أن المعيار الآخر الخاص "بالديمقراطية الليبرالية" قد يخرج نفس هذه الحالات من ذلك التصنيف (سواء بسبب الممارسات الخاصة بالأقلية الكردية في تركيا على سبيل المثال، أو حالة كشمير بالنسبة للهند، أو الشيشان بالنسبة لروسيا، والتاميل في سيري لانكا، وممارسات النظام في كولومبيا ضد الفصائل اليسارية، وانتهاكات حقوق الإنسان الأخرى.. وهكذا).

وهذه الفجوة بين "الديمقراطية الانتخابية" و"الديمقراطية الليبرالية" تعد واحدة من ابرز الإشكاليات التي تواجهها الموجة الثالثة للديمقراطية بشكل عام، والتي يظل لها تداعياتها على مستوى النظرية السياسية والتحليل المقارن، والأهم من ذلك على مستوى التطبيق العملي خاصة في المراحل الانتقالية.

وعلى ضوء هذا - كما يقترح بعض علماء السياسة - يجب أن يفسح المجال للاهتمام بمستوى ثالث من النظم التي لم تصل إلى مرحلة الديمقراطية الكاملة أي "الديمقراطية الليبرالية"، ولكن يصعب في الوقت نفسه تصنيفها كنظم سلطوية بشكل مطلق. حيث تتميز بوجود معارضة حزبية شرعية تكون في الغالب ممثلة في البرلمان كما تجري انتخابات دورية في الوقت الذي تفسح المجال فيه لنمو متزايد للمجتمع المدني، ولكن كل ذلك قد يتحقق مع استمرار وجود حزب حاكم مهيمن، وتقييد بعض الحريات السياسية والمدنية (مثل حالة العديد من النظم في أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، والعالم العربي وأوروبا الشرقية، والجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفياتي السابق). وهذه السمات تجعل تلك النظم أكثر تسامحا مع المعارضة، كما إن حرصها على إتباع نظم انتخابية تعددية حزبية قد تؤدي بالتدريج إلى التقليل من سيطرة واحتكار الحزب الواحد المهيمن وبالتالي فتح المجال لمزيد من التنافسية السياسية.

وإذا نظرنا إلى الديمقراطية من منظور "تطوري" "Developmental term" بمعنى أنها عملية تتطور وتنمو تدريجيا وبشكل جزئي أحيانا، فإن الطرح الأخير يؤكد على وجود احتمالات قوية - على الأقل من الناحية النظرية - للتحول الديمقراطي وفقا لمفهوم "الديمقراطية الانتخابية" أكثر من الديمقراطية الليبرالية خاصة بالنسبة للمجتمعات - غير العربية التي تتميز بثقافة مغايرة عما يعرفه الغرب عموما.

والواقع أن ما أدى إلى التركيز على هذا البعد للديمقراطية في السنوات الأخيرة هو الجمود الشديد الذي أصاب تطوّر "الديمقراطية الليبرالية" - سواء على المستوى الثقافي أو السياسي - في كثير من البلدان النامية والتي تمر بمراجل تحول وانتقال، بحيث اعتبرت هذه الظاهرة من أهم الظواهر التي تعاني منها الديمقراطية في النصف الأخير من القرن العشرين والذي يشهد هذه "الموجة الثالثة" للتحول الديمقراطي في العالم، حيث سجلت سنوات التسعينات هذه الفجوة الملحوظة بين النمطين، فالتطور الديمقراطي الليبرالي - وفقا لبعض التقارير الدولية الخاصة بتتبع حالة الديمقراطية في العالم مثل ذلك الذي يصدر عن "دار الحرية" Freedom House قد تراجع بحوالي 65% من الحالات في التسعينات، وذلك من زاوية حجم التوسع في الحريات السياسية والمدنية سواء بالنسبة للتجارب المهمة والمؤثرة في الموجة الثالثة (مثل روسيا، البرازيل، باكتسان وغيرها)، أو بالنسبة للتجارب ذات الخبرة الأطول في هذا المجال (مثل الهند، سيري لانكا، كولومبيا، فنزويلا). وخطورة هذا المؤشر تكمن فيما يمكن أن يؤدي إليه من خلق مناخ سياسي غير موات لتطوّر "الديمقراطية الانتخابية" ذاتها.

ربما تكون هذه هي أبرز ملامح المشاكل والقضايا التي تثيرها عملية التحول الديمقراطي في الموجة الثالثة، والتي لا تبعد بالطبع عما تثيره تلك العملية في المنطقة العربية. فهل نكون بذلك على أعتاب موجة معاكسة؟

إن مراجعة كثير من المؤشرات السابقة قد تعطي انطباعا سلبيا بعض الشيء، ولكن الأمر الواضح إلى الآن هو أن التوسع في عمليات التحول الديمقراطي على مستوى العالم، والذي تم على مدى ما يزيد على عقدين من الزمان، وإن كان يمر الآن ببعض الانتكاسات وتعاني حالات فيه من الركود، إلا أن ذلك لا يعني الارتداد عن الديمقراطية، فربما لا تكون في حالة ازدهار ولكنها أيضا ليست في حالة نقصان وتراجع.

إن كثيرا من النظم السياسية التي مرت بعملية تحول ديمقراطي قد خطت بالفعل خطوات متقدمة في مجال بناء المؤسسات السياسية والدستورية والقانونية اللازمة لهذا التحول، فضلا عن توفيرها لكثير من الشروط الخاصة بتفعيل آليات الرقابة في المجتمع وفتحها المجال أمام التوسع في الحريات العامة والتعبير، خاصّة الصحافة وغيرها، إلى جانب "الاعتياد" على الديمقراطية الذي خلقته الممارسة (خاصة الانتخابية) لدى جمهور عريض من المواطنين، والتي ساهمت في ترسيخ قناعة قوية بها لدى الرأي العام والتقدم في هذه المجالات وان كان بطيئا أحيانا ومجتزأ أحيانا أخرى إلا انه من الصعب التراجع عنه.

كذلك فإن المشكلة المتعلقة بالفجوة بين تطور "الديمقراطية الليبرالية" والديمقراطية الانتخابية، قد لا تكون بنفس الحدة من الناحية العملية والتجريبية، فكثير من الأنظمة المشار إليها في "الموجة الثالثة" تعرف قدرا مهمّا من كل منهما، وهو ما يفتح آفاقا لتدعيم الديمقراطية مستقبلا، حيث يظل هذا القدر الذي تحقق على الصعيدين قوة كامنة لمزيد من التطور الديمقراطي ويسبق ذلك أن العقدين الأخيرين من القرن العشرين واللذين شهدا هذه الموجة الثالثة لم يشهدا في المقابل ظهور أيديولوجية بديلة كاسحة بنفس قوة الديمقراطية وانتشارها عبر العالم.

ولذلك، ورغم كل هذه القضايا ستظل الديمقراطية هي العنصر الحاكم للتطور السياسي والاجتماعي ونحن في بدايات قرن جديد، فلم يعد هناك بديل، في ظل المتغيرات العالمية والإقليمية والمحلية التي نعيشها اليوم، عن بناء شرعية سياسية ديمقراطية بعد ضعف أو انهيار أسس الشرعية القديمة التي ارتبطت بلحظات أو مراحل تاريخية بعينها لم تعد هي الحاكمة لعالم اليوم.

خصوصية المجتمعات العربية

ولكن إذا كانت الديمقراطية أضحت مطلبا وطنيا لا غنى عنه لكافة الشعوب، وإذا كانت هذه الإشكاليات النظرية التي تعرضنا لها تشكل قضايا عامة تواجه عمليات التحول الديمقراطي بمراحلها الانتقالية المتعددة التي تعرفها مختلف التجارب المعاصرة من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا الشرقية واسيا وإفريقيا، فانه تظل لمنطقة الشرق الأوسط وفي القلب منها المجتمعات العربية قضاياها الخاصة، التي قد تزيد عما سبق سواء بحكم خصوصيتها الثقافية أو بحكم تاريخها القديم والحديث، وهو ما قد يفرز قضايا تختلف من حيث الدرجة والنوع عما تعرفه مناطق أخرى من العالم.

وبشكل سريع يمكن التعرض لأهم الملامح التي تشكل سمات خاصة للمنطقة العربية وإيجازها في النقاط التالية :

- إن العديد من المجتمعات العربية لا تواجه فقط تحديات استكمال عمليات التحول الديمقراطي بأشكالها المعروفة وإنما تواجه أيضا ما هو أعقد من ذلك. والمقصود هو استكمال عمليات بناء الدولة بمفهومها القومي الحديث. فأغلب كيانات الدول في المنطقة هي كيانات ضعيفة بعضها هشّة تفتقد إلى وجود سلطة مركزية قادرة على بسط سيادتها على كافة إقليمها. وهو ما يؤثر بالتالي على قدرتها في القيام بوظائفها الرئيسية "كدولة" "Nation state" ومن أهمها "الادماج القومي" لمختلف فئاتها الاجتماعية أو العرقية أو الطائفية أو القبلية بما يرسخ في النهاية مفهوم "المواطنة" ويغلّب الولاء القومي للوطن على الولاءات المحلية والتقليدية الضيقة سواء للقبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو غيرها. ولا شك أن هذا المتغير يعد متغيرا حاسما في بناء أي تجربة سياسية خاصة وأن أغلب المجتمعات العربية تعاني بقدر أو بآخر من انقسامات من هذا النوع (أي أثنية وعرقية وقبلية وصراعات أهلية بشكل عام) هذا فضلا عن أن ضعف "كيانات" "الدولة" في المنطقة العربية يضعف تلقائيا من قدراتها على توفير الأمن والاستقرار للمجتمع أو حفظ وصيانة النظام Public Order . وهذه كلها شروط أولية أساسية لنمو الديمقراطية وبغيابها أو نقصانها لا يصبح هناك محل للحديث عن تحولات جدية نحو التعددية والديمقراطية.

- إن المجتمعات العربية لا تقف كلها عند مستوى واحد من حيث النمو أو التطور السياسي والاجتماعي والثقافي، فأغلبها يمر بمراحل انتقالية مختلفة تفصل بين التقليدية والحداثة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أي إن مشاكلها ليست كلها من نفس الدرجة أو التنوع.. وبالتالي من الصعب التعامل معها من منظور واحد أو بمستوى واحد.

- تشهد المنطقة العربية منذ السبعينات ظاهرة الإحياء الأصولي، التي أفرزت العديد من الحركات والجماعات الإسلامية المسلحة والعنيفة الرافضة مبدئيا للديمقراطية والتي كان لوجودها وانتشارها اكبر الأثر في خلق وتغذية بيئة سياسية واجتماعية وثقافية غير مواتية للتحول الديمقراطي بشكل عام ولإقرار وضمان الحريات اللازمة لهذا التحول سواء كانت مدنية أو عامة.

- إن المشاريع السياسية الكبرى التي اختبرتها المنطقة طوال تاريخها المعاصر والتي حظي بعضها بالتأييد الجماهيري الواسع لم تكن تحمل ملامح ديمقراطية بل ولم تكن هذه القضية ضمن أولوياتها أو قضاياها الرئيسية. كما أن ما بقي منها أو تولد من خلال البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية التي خلفتها قد يكون أكثر تناقضا مع الديمقراطية بمفهومها الواسع والشامل.

ولا شك إن أهم تلك المشاريع تمثل فيما حملته التيارات والحركات القومية العربية والتي كانت ابرز نماذجها وتطبيقاتها المشروع "الناصري" و"البعثي" وإن اختلف في كثير من جوانبه وأهدافه عن الأول.

إن ما ميز تلك المشاريع، التي تجاوزت أهدافها وطموحاتها وتأثيراتها حدود الإقليم الذي طبقت فيه، هو مواجهة التحديات الخارجية (الاستعمار والإمبريالية) وقيادة حركات الاستقلال الوطني. وبحكم الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي سادت وقت ازدهار تلك التجارب (أي الخمسينات والستينات بشكل خاص) فقد حظيت بشعبية كبيرة »كرمز لتحقيق الاستقلال ولم يكن صعبا "توحيد الأمة" على هذا الهدف وتغييب كل العناصر التي اعتبرتها تلك المشاريع "مفرقة" لوحدة الشعب (مثل التعددية والحزبية، والصحافة الحرة.. وغيرها). أو "معبرة" عن ثقافة الاستعمار أو "القوى الرجعية" (كما كان يطلق عليها) مثل الليبرالية والرأسمالية والديمقراطية.. وغيرها. وفي هذا السياق وصفت هذه التجارب "بالشعبوية" Populist .

وبالتالي فإن التجربة والخبرة السياسية العربية عموما في ترسيخ أو ممارسة الديمقراطية والتعددية هي في الواقع خبرة محدودة بل غائبة في أكثر الحالات. وربما كان من المتوقع أن تحدث نقلة نوعية بحلول عقد الثمانينات بعد انقضاء عهود الحزب الواحد والتحول نحو التعددية الحزبية، إلا ان كثيرا من التجارب العملية أثبتت عكس ذلك خاصة وأنه ومنذ نفس اللحظة التاريخية للتحول نحو التعددية (أي منذ منتصف السبعينات) برزت مشاريع سياسية أخرى في المنطقة حلت محل سابقتها من حيث الطابع "الشعبوي" لها إلا أنها حملت أفكارا أكثر تضييقا للحريات (بعضها متطرف) كما انها اكثر عداء "للديمقراطية الغربية" كما يصفها أصحاب تلك المشاريع والمقصود بها المشروع السياسي الإسلامي بتعريفاته وتطبيقاته المختلفة.

المشروع السياسي الإسلامي

إن العقدين أو الثلاثة عقود الماضية قد شهدت صعودا لقوى الإسلام السياسي التي قدمت بدورها نموذجها ورؤيتها الخاصة لقضايا التحديث والديمقراطية في المجتمع والتي ترتبط بطبيعة الأيديولوجية السياسية لتلك القوى التي تخلط بين "الدين والسياسة" وهو ما يدخل في صميم أكثر القضايا إثارة للجدل السياسي فيما يتعلق بالموقف من الديمقراطية. حيث يثير هذا الموقف قضيتين رئيستين الأولى هي الموقف الرافض للتيار المتطرف في الحركة السياسية الإسلامية - والذي تمثله "جماعات العنف" في الأساس - من قضية الديمقراطية. وهو موقف يدخل في صلب عقيدتها السياسية التي ترفض الاعتراف بشرعية النظام والدولة وبالتالي ترفض العمل من خلال قنواتها السياسية المتاحة، فضلا عن رفضها الإقرار بالمفهوم الديمقراطي ذاته باعتباره "منتجا فكريا غربيا"، أما القضية الثانية فتتعلق بالموقف المتردد وأحيانا "المزدوج الذي تتبناه التيارات الأخرى التي تعلن قبولها لمبدإ الممارسة الديمقراطية. غير أن هذا الموقف الأخير يبدو - الى الآن - اكثر ارتباطا بالمظاهر الشكلية والنواحي الإجرائية للديمقراطية مثل تأييد حرية تشكيل الأحزاب، ونزاهة الانتخابات العامة وحرية إصدار الصحف وتوسيع قاعدة التمثيل والمشاركة السياسية وغيرها - ولكن هذا الجانب كما هو معروف، لا يشكل سوى أحد مستويات تحقيق الديمقراطية. فالأخيرة يظل لها جوانب فكرية ومضامين ثقافية وقواعد في الممارسة تقوم على الحرية والتسامح والتعددية الحقة والقبول بالآخر.

إلا انه على خلاف هذه المبادئ تأتي المنطلقات الأيديولوجية والفكرية للتيارات والحركات السياسية الإسلامية التي لاتزال تعلن تمسكها بفكرة "الخلافة" وتتبنى مفهوما غامضا إلى حد كبير عن "الحاكمية لله"، وترفض القبول بمبدإ أن الأمة هي مصدر السلطات، وتطالب بإلغاء القوانين والتشريعات المدنية الحديثة وتطرح في مقابلها تطبيق الشريعة الإسلامية، وفق تفسيرها ورؤيتها الخاصة لها، وهو ما قد يعني في النهاية السعي إلى التغيير الجذري في طبيعة الدولة الحديثة والمقومات الأساسية التي تقوم عليها. ويرتبط بهذه الرؤية موقفها من التعددية التي لا تقرها إلا في إطار مرجعية أحادية تصبغ عليها صبغة دينية، الأمر الذي يعني عمليا حقها في إقصاء باقي القوى السياسية التي تكون لها مرجعية مختلفة، وهو أمر يتناقض جوهريا مع مفهوم التعددية الحقيقية، وينفي قاعدة التنافس الحر. وأخيرا يأتي موقف هذه المشاريع السياسية من الحريات العامة والحريات الفردية التي تصيغها بنفس منطق هذه المرجعية الأحادية بل وتزيد من التقييد عليها بالاستناد إلى مقولات تتعارض مبدئيا مع مفهوم حرية الرأي والفكر والاعتقاد كما تعرفها النظم الديمقراطية وتقرها جميع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

والواقع أن الخبرة العملية تثبت أن وجود ما يسمى بمرجعية واحدة تلتزم بها كافة القوى السياسية لم يقلل من الصراعات الدموية والانشقاقات الحادة حتى بين التيارات والجماعات التي تنتمي إلى المرجعية "السياسية الإسلامية" نفسها! وقد أدت هذه الصراعات في النهاية إلى إغراق دول في حروب أهلية أو دخولها في حلقة مفرغة من العنف مثلما حدث في أفغانستان (قبل إسقاط حركة طالبان) والجزائر (فيما بين الجماعات المسلحة ذاتها وليس فقط بينها وبين النظام).

لهذا تبقى هناك فجوة كبيرة بين إعلان المشروع السياسي الإسلامي بقبول الديمقراطية من حيث الشكل وبين الالتزام الفعلي بأفكارها ومبادئها في الممارسة لذلك سيظل المشروع السياسي الإسلامي من ابرز الإشكاليات التي تواجهها عملية التحول الديمقراطي التي تشهدها المجتمعات العربية والإسلامية. سواء ما يدخل منها في إطار الأنظمة الحاكمة، أو ما يقع منها خارج إطار الحكم مثل الجماعات المسلحة في الجزائر ومصر والسعودي واليمن وباكستان وغيرها من جماعات تنتشر على امتداد هذا العالم.

والمعضلة الأصعب هنا أن المشروع السياسي الإسلامي رغم كونه - بحكم أيديولوجيته وأفكاره - مناقضا للديمقراطية.. إلا أن ذلك لا ينفي عنه القدرة على اجتذاب قطاعات (قد تختلف من حالة إلى أخرى) من الجماهير والطبقة الوسطى العربية. كما أن التناقض الأخطر، أنه في حال الأخذ بالديمقراطية "الانتخابية" فان ظهور أنماط على غرار النموذج الايراني أو السوداني، أو الأفغاني (وقت حكم طالبان) أو الجزائري (قبل انتخابات 1992) سيكون هو الأقرب للتوقع. وستكون "الردة" عن الديمقراطية بمفهومها التعددي الحر مسألة واردة بقوة أي قد تصدق تلك المقولة الشائعة »صوت واحد لمرة واحدة.

البيئة الثقافية العربية

لا شك أن هذه الملامح الخاصة التي تميز المنطقة العربية تفتح الباب واسعا لتقييم أوضاعها الداخلية - ليس فقط من الناحية السياسية - كما هو متعارف عليه - وإنما أيضا من الناحية الثقافية والمجتمعية.

فإذا كانت الدعوة العامة للديمقراطية والتعددية بمتطلباتها المختلفة من توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وسد فجوة المعرفة، وتفعيل دور المرأة وتمكينها من المساهمة بفعالية في العملية السياسية والتنموية، وزيادة مساحة الحريات المدنية والعامة، هي دعوة صحيحة في ذاتها إلا أن البيئة الثقافية والمجتمعية في العالم العربي مازالت إلى حد كبير غير مواتية لهذه المتطلبات. فهذه البيئة تختلف، من حيث الثقافات المحلية وطبيعة العلاقات الاجتماعية الغالبة عليها، عن مثيلاتها في مناطق أخرى من العالم مثل أوروبا الشرقية أو أمريكا اللاتينية، والتي تشهد عمليات تحول ديمقراطي مشابهة منذ منتصف السبعينات وأوائل التسعينات. فالحالات الأخيرة هي الأقرب في ثقافتها العامة إلى نمط الثقافة الغربية. فـ "الفردية" و"الليبرالية" و"العلمانية" و"الحداثة" المرتبطة بجوهر الحقوق والحريات المدنية أو بالديمقراطية بشكل عام كما نمت وتطورت في الغرب هي جزء من نسيجها الثقافي والاجتماعي وإن كانت لا تتمتع بنفس القدر من الحقوق والحريات السياسية على مستوى أنظمتها وحكوماتها، وذلك بخلاف الحال في العالم العربي حيث أغلب مجتمعاته مازالت تمر بمراحل انتقالية مختلفة ليس على مستوى التطور الديمقراطي فحسب وإنما - وهو الأهم - على مستوى عملية التحديث ذاتها. فالتطور الديمقراطي لأي مجتمع يصعب اختزاله في مجرد إجراءات أو حتى تشريعات ومؤسسات تنقل من مجتمع إلى آخر أو تفرض بشكل تحكمي، ولكنه يرتبط ارتباطا وثيقا بثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده وأنماط سلوكياته. ويعني ذلك أن أي شكل من أشكال التغيير في اتجاه التطور الديمقراطي لا يمكن أن ينجح إلا إذا كانت البيئة الداخلية نفسها جاهزة ومرحبة بمثل هذه التغييرات ليس فقط ببعدها السياسي والإجرائي وإنما بمضمونها المجتمعي وقيمها الثقافية، أي أن هذه العملية ترتبط بطبيعة المجتمعات المستقبلة لها.

والواقع أن استعداد المجتمعات العربية لدفع التطور الديمقراطي بها لا يقتصر فقط على قبولها بمبدإ توسيع المشاركة السياسية من خلال دورية الانتخابات، ولكنه يرتبط بالأساس بمدى الوعي السياسي والتنوير الثقافي لدى غالبية المواطنين باعتبارهم الفاعلين الرئيسيين الذين يعطون لهذه العملية مضمونها الحقيقي بكل ما تتضمنه من قيم ومعان تحترم الحرية الفردية سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية وهي المعاني التي تجسد البعد الليبرالي أو الثقافي للديمقراطية والتي تتجاوز مجرد جانبها الانتخابي. ففي ظل ضعف أو غياب هذا البعد، فإن متطلبات معينة مثل ترسيخ مبدإ التعددية والحريات الفردي والحقوق المدنية، وتمكين المرأة، والتسامح، وحرية الفكر والتعبير، واكتساب المعرفة، وتطوير التعليم غيرها سيصعب تحقيقها بحكم المتغيرات الثقافية المرتبطة ببعض عناصر التراث القديم أو العادات والتقاليد. أو في أحسن الأحوال ستظل عند حدود الشكل البراق دون النفاذ إلى عمق المجتمع بفئاته العريضة.

إن تجاوز هذا الواقع لا يصطنع فجأة من خلال بعض الإجراءات الجزئية العاجلة. وإنما يتوقف على وجود رؤية شاملة تمتد إلى مختلف جوانب المجتمع وتترجم من خلال سياسات طويلة المدى، ولا تضع الأولوية للديمقراطية السياسية على حساب التحديث والليبرالية الثقافية.

إن هذا الاقتراب لا يتنافى مع الخطوط العريضة التي حملتها المبادرة الأمريكية للديمقراطية في العالم العربي التي أشرنا إليها في البداية، ولا مع سعي الحكومات العربيةفي الإصلاح والتطوير ولا مع المطالب الوطنية في الديمقراطية، ولكنه يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الظروف الاجتماعية - الثقافية السائدة في تلك المجتمعات مثلما يراعي خصوصيتها كمجتمعات تمر بمراحل نمو وانتقال مختلفة يختلط فيها ما هو تقليدي بما هو حديث، وبقدر توافر الإرادة الواعية لدى نخبها الوطنية ووضوح الخيارات لديها، تتزايد التوقعات لسد الفجوة الثقافية وغرس القيم الإيجابية للحرية والديمقراطية وهو أمر لن يستقيم بدوره دون إعطاء أولوية خاصة للتحديث والتجديد الثقافي جنبا إلى جنب مع البعد السياسي بشقيه الإجرائي والمؤسسي في العملية الديمقراطية، فلم تتحقق الديمقراطية قديما أو حديثا في مجتمعات لم تختبر الحداثة والليبرالية الثقافية.

الخلاصة

في هذا السياق يمكن التأكيد على أن عمليات التحول الديمقراطي إذا لم تصاحبها عمليات جادة للتحديث والتنوير الثقافي وتنظيم العلاقة بين المجالين الديني والسياسي وترسيخ الحريات المدنية والحقوق الفردية إلى جانب استكمال عمليات "بناء الدولة" في بعض الحالات الخاصة لتصبح دولة "قومية" بالمعنى الحديث، فإن الردة عن الديمقراطية أو تأزم مراحل الانتقال ستكون واردة بقوة.

ويقودنا هذا الحديث إلى طرح هذا السؤال: ما العمل ؟

أتصور بداية أننا في حاجة إلى استرجاع مشروع نهضتنا العربية الذي بدأ منذ أواخر القرن الـ 18. فهذه اللحظة التاريخية كانت بداية التفاعل والانفتاح الخلاق مع الحضارة الحديثة مثلما كانت أيضا بداية تشكيل الفكر العربي الحديث وتكوين النخب الوطنية واتساع الطبقة الوسطى ونمو وعيها السياسي، هذا بالإضافة إلى أنها اللحظة التي امتلكت فيها تلك النخبة المفاتيح الصحيحة للنهضة وهي: التركيز على قضية التعليم، ترسيخ الحريات المدنية، النهوض بالمرأة، استيعاب مفاهيم الديمقراطية التعددية والدستورية، السعي الجاد إلى الإصلاح الديني وفتح باب الاجتهاد ليتواءم مع روح العصر فضلا عن التنوير الثقافي وتكريس مفاهيم المواطنة والمساواة، وقبل كل ذلك كان الإطار الجامع لكل هذه القضايا التحديث بمفهومه الشامل، أي التحديث على مستوى التشريع، الدستور، المؤسسات، الأحزاب، وأيضا - وهو الأهم - على مستوى القيم والثقافة.

غير أنه لا بد من الاعتراف أن هذا المشروع لم يمض بخطى ثابتة مستمرة وإنما تعرض لانتكاسات عديدة، كما توقف حينا.. ونهض حينا خر.. لأسباب عديدة منها تراجع التجارب الليبرالية العربية ومعها المدارس الفكرية الإصلاحية التحديثية وبروز، في المقابل، المدارس الفكرية السلفية والأصولية والتي امتلكت الصوت العالي في العقود الأخيرة.

إن استكمال أو استعادة هذا المشروع قد يتوقف على أكثر من عامل في مقدمتها :

1- طبيعة المشروع الذي تحمله والدور الذي تلعبه النخب العربية وتوجهاتها والأولويات التي تنحاز إليها، والتي تحدد في النهاية موقفها من المسار الديمقراطي.

2- طبيعة المناخ الثقافي العام السائد في المجتمع ونوع القيم التي تبثها وسائل التنشئة المختلفة. فالمناخ الثقافي في النهاية هو الذي يتحكم ويوجه مسار التجربة السياسية والاقتصادية والمجتمعية.

3- مدى توافر "توافق عام" في المجتمع حول القيم والمفاهيم والتوجهات والقواعد الرئيسية التي تحكم التجربة السياسة الديمقراطية. فمازال هناك انقسام في المجتمعات العربية بشكل عام حول العديد من القضايا الحيوية والمهمة اللازمة للتطور الديمقراطي. وربما تكون هذه قضية قديمة/حديثة في ن واحد. فعمرها الزمني من عمر مشروع النهضة ذاته. ففي الوقت الذي تطلعت فيه منطقتنا إلى ثقافة حديثة منفتحة متفاعلة مع الثقافة العصرية ظلت الثقافة التقليدية الموروثة على حالها تقريبا دون تجديد، وسارت الثقافتان في خطين متوازيين مخلّفين وراءهما نمطين مختلفين، بل أحيانا متناقضين، في طرق التفكير والعقلية والسلوك وتناول القضايا الكبرى. وهو ما افرز ظاهرتين مازلنا نعاني منهما في الحياة الثقافية والسياسية العربية: الأولى: هي الاستغراق في قضايا الماضي (أو الطابع "الماضوي" للثقافة العربية إن جاز التعبير) فكثير من القضايا الحيوية والمهمة للتطور الديمقراطي والتحديث مازالت هي ذاتها المطروحة علينا اليوم، مثل أسلوب ومضمون تطوير التعليم، أو تطوير الخطاب الديني، وضع المرأة، مضمون الحريات المدنية والفردية والعامة، التعددية والتنافسية وعلاقة الدين بالسياسة أو غيرها. الثانية : هي الازدواجية الثقافية أو الإشكالية التي تعالج دائما تحت عنوان "الأصالة والمعاصرة".

إن هذه الثنائية لم تؤد في الغالب إلى التطوّر والتجديد وإنما على العكس كرست نوعا من الجمود أو في أغلب الأحيان إعادة إنتاج القديم.. فالقضايا السابقة الإشارة إليها قد ينظر إليها في الغالب على أنها غريبة عن التراث أو التقاليد أو مناقضة لهما.

ومن هنا قد تكون هناك ضرورة لمراجعة الإطار المعرفي والثقافي الذي تنطلق منه، مثلما تكون هناك حاجة ملحة إلى التجديد الثقافي وإعادة القراءة الواعية للتراث لإبراز الجوانب المضيئة فيه، ومعالجته بفكر مفتوح يتواءم مع متطلبات العصر واحتياجات التطور الديمقراطي في مجتمعاتنا العربية بشقيه السياسي والثقافي معا.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org