الإعلام.. والإرهاب

الهاشمي نويرة

- اعلامي - تونس

إلى أيّ حدّ يساهم الإعلام العربي في تقديم مقاربة موضوعية عن الإعلام؟

سأحاول أن أقدّم إجابة أولية : يبدو من البداهة القول إن التناول الموضوعي للظواهر يقتضي توفّر شرطين أساسيين، أولهما وجود مَلَكَة التقييم، وثانيهما المعرفة العمودية للظواهر أي الأسباب والمسببات.

ويبدو من البداهة أيضا الإقرار بأنّ حالة الإعلام العربي عموما لا تساعد على تناول الظواهر تناولا موضوعيا لأساب سنأتي عليها بالضرورة..

ولكن قبل كلّ هذا حريّ بنا التساؤل: هل أنّ الإعلام الدولي عموما يساهم في تقديم مقاربة موضوعية عن الإرهاب؟!

والجواب هنا أيضا بديهيّ: لا، وان كان لأسباب تختلف عن أسباب عجز الإعلام العربي.

ونحن لا نضيف شيئا إذا قلنا إنّ الإعلام عموما فاقد لكلّ موضوعية إذا أخذنا الموضوعية كتجرّد عن الظاهرة المدروسة وكانفصال عنها.

قد لا نضيف شيئا أيضا إذا قلنا إن الإعلام فاقد لكلّ موضوعية نسبية حتى أنّه لا وجود مطلقا لمنتوج صحفي مجرّد وموضوعي. وقد لمسنا ولاحظنا وعاينا وتأكدنا في مناسبات عديدة خلال العشرية الأخيرة أن الإعلام الموضوعي مسرحية لم تعد قادرة على الإقناع.

وأصبح من البيّن لدينا ان الفارق النوعي بين الإعلام الغربي الذي يعتبره العديد مرجعا في المادّة وإعلامنا العربي ليس وجود الموضوعية من عدمها وبالتالي فإنه من نافلة القول التفريق بين إعلام موضوعي و خر غير موضوعي.

انّ الخطّ الفاصل بين إعلام وأعلام هو المهنية والحرفية، وما نلمسه في الإعلام الغربي هو انحراف يكاد يكون كليا عن القواعد المهنية للعمل الصحفي والإعلامي عموما.

انّ التناقض إذا ليس في موضوعية الإعلام بل في مدى احترام إعلام ما لقواعد المهنية والحرفية وانّ الانحراف في هذا المعنى هو انحراف إلى ما يمكن أن نسميه الإعلام الموجّه والموظّف أو الإعلام المناضل.

وغاية الأمر في الغرب هو قدرته على تغليف عملية التوجيه والنضال بكساء مهني وحرفي لا لبس فيه.

وغاية الأمر أيضا في الغرب انّ هذه العملية تتمّ في فضاء من الحرية والديمقراطية ليست وليدة اليوم وإن كان اليوم يشهد تراجعا مذهلا لهذه القيم في الغرب.

أعود الآن إلى الإعلام العربي لأقول انّ السمة الأساسية التي تميّز إعلامنا هي انعدام ملكة التقييم وهذه مسألة مهمّة جدّا.

انّ عملية التقييم وان كانت من الصلاحيات التقليدية للمثقف عموما فانه من الثابت انها لن تتطور في ضوء غياب مناخ سياسي عام يسهّل ذلك.

ولا يقصد بالمناخ السياسي فقط أنظمة الحكم ودرجة المشاركة السياسية فيه بل انه من الضروري أن نتجرّأ على بعض "المحرّمات" Tabous وأوّل هذه المحرّمات وجود مفهوم المواطنة من عدمه. ومفهوم المواطنة لا ينبغي الوعي به من جانب السلطة فقط بل أيضا، وبالخصوص، من طرف الطبقة المثقفة والعامة.

وثاني هذه "المحرمات" التساؤل الجدّي: هل أنّ مجتمعاتنا مثل باقي مجتمعات الخلق تنقسم إلى عامّة ونخبة سياسية ومثقفة أم هي تنقسم إلى ثلاثة أصناف: العامة والنخبة والمجتهدين في كلّ شيء.

لقد كانت لي فرصة الإطلاع على دراسة مهمّة صدرت عن مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام حول الحالة الدينية في مصر ثمّ أنّي من المدمنين المكرهين على متابعة موجة المجتهدين على فضائياتنا وأستطيع القول إنّه يصعب على مجتمعاتنا خلق مناخات سياسية تسهّل عملية المشاركة وتفضي إلى مواطنة تكون جديرة بإعلام مهني.

وانّ غياب هذا المناخ السياسي العام لم يكن ليسهّل تنمية ملكة التقييم عند النخبة فضلا عن العامّة. ممّا فسح المجال واسعا أمام نخبة جديدة من المجتهدين لتقدم القول الفصل في كلّ ما يهمّ جوانب الحياة. وبالطبع، وعلى رأس قائمة هذه المشاغل، ظاهرة الإرهاب.

وفي هذا الصدد فإنّ الإعلام العربي أمام استحالةٍ موضوعيةٍ هذه المرّة لتقديم مقاربة مهمّة عن الإرهاب لأنه بالأساس إعلام مناضل وعملية النضال هذه تطغى عليها مقاربة المجتهدين ولم تَرَ لنفسها حاجةً لتغليف عملها بالقدر الأدنى من الحرفية والمهنية فعملها هو في أدنى الحالات انتصار للوطن وللأمة وفي أرقى حالاته ابتغاء لمرضاة الله.

انّ تراجع دور المثقف الكلاسيكي هو أحد الأسباب الهامّة التي تحول دون قيام إعلام عربي مهني يتناول الظواهر عموما تناولا سليما يُراد منه تبليغ رسالة الإعلامي وتنمية موارد المجتمع من اجل فضاءات مجتمعية أكثر حرية وعدلا وديمقراطية.

ومردّ هذا التراجع استسهال أنظمة الحكم عموما ضرب هذه النخب وفرض حصار عليها.. ولا نعفي النخب المثقفة من المسؤولية إذ استحال عليها أيضا جَسر الهوّة بينها وبين العامة في مختلف الدول العربية.

ومن بين هذه الشقوق نبتت شرائح أخرى من المجتمع استغلت على الوجه الأمثل الفضاءات الاتصالية الجديدة وجعلتها منابر عوضت عندها حتى المنابر التقليدية، ساعدها في ذلك استعداد حضاري وثقافي وعاطفي مكنون لدى العامة وكذلك استقالة النخب العربية وعدم قدرتها على مواكبة مجريات الأحداث.

انّ مسؤولية كلّ هذه الأطراف لا تنفي مسؤولية الإعلامي، أولا بصفته مثقفا وثانيا بصفته معنيّا بالدرجة الأولى بالموضوع.

وانّ تشخيص الظاهرة يقتضي القول بأن الإعلامي ترك مكان عمله رغم انّ عمله في الأصل فاقد في الغالب لأصول المهنة لأنّه لم يتربّ على ذلك، ولأنّ فاقد الشيء لا يعطيه.. اعرف انّ هذا التعميم النسبي هو ضرب من ضروب جلد الذات ولكنه جلد ضروري حتى تتوصل إلى حلول ترضي الجميع. وترك مكان العمل هو مخالفة كان يفترض ان يعاقب عليها الإعلامي، ولكن في هذه المرّة اُعفي المخالف من العقاب لأنه من جهة السلطات تمّ العمل بالمثل الشعبي التونسي "حانوت مقفل ولا كرية مشومة". ومن جهة شرائح المجتهدين أصبحت أمامهم فرصة نادرة من أجل الخروج بالفتوى من حالة الفردية إلى العموم والى العالم أجمع.

وعملية الفتوى هذه التي لم تتبدّل طبيعتها وازدادت زخما في المقابل، تعتبر أحد الأسباب الرئيسية التي انحرفت بالإعلام من المهنية إلى النضالية. ولسنا ضدّ النضال عندما يستوجب الأمر ذلك ولكن واجبنا ان نذكّر بأنّ من ادوار الإعلام تقييم النضال أيضا وتقييم المناضلين.

وبالتالي لا بدّ من النظر بتعمّّق في قضية الفتاوى وعولمتها وهذا من باب استباق الانحراف الأخطر.

وانّ عملية التشخيص تستوجب أيضا التوقف عند ملكية وسائل الإعلام، اذ انّ رأس المال عموما يضيّق الخناق على الموضوعية والمهنية وإذا تحالف رأس المال مع سلطة سياسية أو طموح سياسي استحالت مهنة الإعلام.

لم أشأ الغوص في موضوع الإرهاب تحديدا لأنّ موانع الموضوعية والمهنية عديدة وقد يساء فهمها ان عُرضت.

ولكن لأعود إلى موضوع لم أطرقه بقصد أقول إنّ تناول ظاهرة الإرهاب تناولا ايجابيا يقتضي البحث في الفقر: أسبابه ومسبباته، في القهر: أسبابه ومسبباته، في الظلم: أسبابه ومسبباته، في الجوع: أسبابه ومسبباته، في الهمّ المسلط على الفرد والمجتمعات: أسبابه ومسبباته، في قهر شعوب لشعوب أخرى، في ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، في جرأة نقد الذات والتكتّل ضد الآخر الذي يريد نسف أوطاننا.. فهل للإعلام العربي قدرة على طرح هذه المواضيع؟ والموانع كما نعلم ليست داخلية فحسب بل بالأساس خارجية؟

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org