المدينة العتيقة في السينما التونسية الجديدة:
أعمال النوري بوزيد أنموذجا .
فرح العبدولي – باحث جامعي تونس
تمثّل المدينة العتيقة والمرأة الثنائية الحاضرة بشكل مكثف ودائم تقريبا في أغلب إنتاجات الموجة الجديدة من السينما التونسية، فهي قد مثّلت الإشكالُ الهام الذي طرح مع كل مخرج أو منتج من هذه التجربة السينمائية. وقد كانت تجربة السينما التونسية الأولى قبل الثمانينات ذات مواضيع مختلفة وأهداف فلمية متنوعة، وحتى إن حضرت المدينة العتيقة والمرأة في علاقة ما بينهما في أحد الأفلام، فهي تتنزل في إطار وتمشي فلمي مختلف. ففيلم " خليفة لقرع " مثلا حضرت فيه هذه الثنائية ولكن في " توظيف " يدعم المتن الفلمي والشخصية الإشكالية وهي " خليفة " الفتى المخنث، الممزق بين ذكورة حاضرة / غائبة فيه وأنوثة هائجة ولكن لا حولة ولا قوة لها، لأن الجسد صوّر منذ الخلق عكس صورته " الحاضرة " . واعتمدت المدينة العربي كفضاء زمكاني يحيل إلى " خاصية خاصة جدا " . وهي الإطار العربي الإسلامي. ففضاء المدينة في أزقتها وأسطحها دعّم الغاية الفلمية لأنه طرح مسألة وجودية هامة في ثقافة " الأنا الجماعية". وبمقابل المدينة كان الريف والصحراء، والبحر والنضال الإنساني ، بأشكاله المختلفة ضد الاستعمار والطبيعة والوجود.إنّ مواضيع السينما التونسية الأولى طرحت بشخوص و " صور " سينمائية مختلفة ففلم "الفلاقة"، ليس فلم "الهائمون في الصحراء"، و " المتمرد " ليس " عزيزة "، و " السفراء " ليس " ظل الأرض "، و " فاطمة 75 " ليس " أم عباس " ... لقد اختارت هذه الأفلام " فضاءات متنوعة وشخوص متعددة، وإن كانت المدينة العتيقة أو المرأة حاضرتين فيهما... ولكنّها تكن على شاكلة الصورة التي عليها في السينما التونسية الجديدة، فهذه الموجة اعتبرت مختلفة عن الأولى، ولعل جدّتها واختلافها يكمنان في شدة هذا الحضور لكل من المدينة العربي والمرأة في أغلب إنتاجاتها، ومع كل رموزها... وتعتبر الطريقة التي "صوّرت فيها" هذه الثنائية أحد الأسباب التي اعتمدت لتنعت بالجديدة، فقد اعتبر المهتمون بهذه الموجة أن صورة المدينة العربي في توظيفاتها السينمائية - الجديدة- باعتبارها الفضاء المغلق، المقيّد للشخصية العربية والمسوّر حول مكوناتها الاجتماعية والثقافية الخاصة. وحضور المرأة يأتي ضمن هذا المكوّن البشري، الحضاري الخاص بصور التهميش، والقمع، والرفض لها، وبالمقابل تظهر "المدينة الأوروبية" في صورة الفضاء المفتوح على البحر والمساحات الشاسعة، وذات الشوارع الفسيحة والبناءات المعمارية الشاهقة والتي تضمّ بين جنباتها المطرودين من المدينة العتيقة، أو المتمردين على نواميسها وتظهر ضمن هذا الكيان المعماري الحديث صورة المرأة المتحررة، المتعلمة، الفاعلة في المجتمع عكس المرأة التقليدية في "المدينة العربي".
ضمن هذا "المتن الفلمي" يكاد يكون مدار أغلب أفلام الموجة الجديدة فعصفور سطح أو صمت القصور أو يا سلطان المدينة أو صفائح من ذهب أو فاطمة أو الكتبية وغيرها من إنتاجات (العشرينية الأخيرة من القرن العشرين)، تظهر "ثنائية المدينة العربي والمرأة" في تشابه يكاد يكون طبقا للأصل، فحتى إن اختلفت الشخوص الفلمية ومبدعوها فهي كلها تنطلق من هذه الثنائية وتعود إليها، ويكون التخييل السينمائي لدى المشاهد أو الناقد أو الإعلامي محكوم بنفس الصور والإغراءات والأسئلة... وتتجدد دائما –ضمنه- نفس المواضيع. وهكذا فإن "السينما الجديدة" التونسية اعتبرت "المدينة العتيقة والمرأة" الموضوع والفضاء المثالي لصورها وخطابها السينمائي...وسيشكل "فيلم صفائح من ذهب"من خلال رحلة العودة و الذكرى للبطل يوسف سلطان نحو المدينة / الأم أهم بداية لما سمي بالسينما الجديدة – متنا و صورة.
و كانت الصورة السينمائية التي ارادها مخرجها النوري بوزيد فاتحة الفلم كأنها إيذان ببداية الرحلة مع المدينة العتيقة, ولعلها أيضا رحلة السينمائيين الجدد مع هذا الفضاء المعماري الخاص. ومن قلب المدينة ستنسج شخوص فلمية حاملة لعلامات رمزية وثقافية خاصة بهذا الخطاب, كالصغير كرطوشة صديق يوسف سلطان في رحلته من الجنوب والشاهد على نضالاته وأيامه, وحامل بعض ذكرياته في " دهليزه " .
المدينة العتيقة: الذاكرة والملجأ.
يوسف سلطان إذن سيبدأ رحلة جديدة مع المدينة والمرأة، تحركها الذاكرة والحلم ولكن ستكون نهاية الرحلة على عكس ما ينتظر تقريبا فقد انتهى إلى الهزيمة في نضاله السياسي كيساري متمرد وثائر على الموجود وحكم عليه بالسجن وتخلى عنه الأصحاب والأحباب وأهمهم المرأة، التي ناضل من أجلهما، ولكنها أطْرَدَتْهُ من عالمها. وتعتبر عودة يوسف سلطان إلى المدينة العربي لزيارة الأم، عودة إلى الماضي بكل ما فيه، ولعله الهروب من حاضر الانكسار بعد الهزيمة والسجن. وهكذا مثلت المدينة العتيقة هذه المرة, الملجأ والذاكرة, حيث سيعيش يوسف سلطان في رحلته هذه صراعًا مقيتًا بين الذاكرة والحاضر، وأيضا بين المدينة العربي (القديمة), والمدينة الأوروبية (الحديثة), التي شهدت بعض محطات رحلته, أين سيبحث عن بقايا أسرته (الابن عادل والبنت مريم) وستشكل المرأة كذلك في هذه الرحلة الجديدة ليوسف سلطان مع المدينة / الذاكرة حضورا متنوعا، فقد صوّرها النص الفلمي في صورة المرأة الملجأ ليوسف سلطان، والمرأة المهمشة والمرأة المتمردة، وكانت جميع الصور في علاقة كبيرة بالمدينة العربي, بجميع الشخوص الحاضرة في الفلم كعبد الله والصغيّر كرطوشة ونانا والأم والزوجة..وفي تشابه كبير حضرت المدينة العتيقة بنفس الصور تقريبا في جميع النصوص الفلمية الجديدة كريح السد وسلطان المدينة وصمت القصور و صيف حلق الوادي و حبيبة مسيكة وكسوة فاطمة و الكتبية .لذلك يعتبر الحديث عن صفايح من ذهب كأنه الحديث عن جميع الأفلام، فالفضاء الواقعي والتصويري هو نفسه. وهي تقريبا السمة الظاهرة، والمثيرة للتساؤل بالنسبة لهذه الظاهرة السينمائية التونسية.
لقد تعددت العلامات السمعية البصرية الدالة داخل فلم " صفائح من ذهب " عن صورة المدينة الملجأ للشخصيات الفلمية، فالمدينة العتيقة ظهرت بمثابة الفضاء الحميمي الذي يوفر الحنان والدفء والملجأ للشخصيات الفلمية فيوسف سلطان وفرت له الملجأ للهروب من حاضره القاتم وحالة انكساره بعد هروب أصحابه وأحبابه عنه وفشل نظرياته ونضالا ته، لذلك ستكون المدينة العربي في عودته لها – ليلة الاحتفال بعاشوراء ملجأ له للاحتماء بها من بعض قسوة الحاضر...وستكون كذلك إلى حد معين " فضاء " يسترجع فيه حنان العائلة وخاصة الأم في قناعتها بالمقدّر واحتضانها وتطمينها له، بعد أن هجره رفاقه في السياسة وأفكار الاختلاف والتمرد. وقد لاحظنا في الفلم كيف أن " أم يوسف " وضعت يدها على رأس يوسف سلطان، وكأنها " تزوّده بشحنة الأمومة وحنانها وتشدّ أزره في حاضره المنكسر وذكراه الجامحة، التي أحكمت عليه الخناق فكانت ترافقه في كل زاوية وركن... يوسف سلطان إذن لجأ إلى المدينة العربي ربما طلبا لبعض الحنان والعطف العائلي الذي تجسد في " الأم " الجالسة وكأنها ترقب عودته، فتظهرها الصورة وهي تتعبّد تسبيحا ويجلس يوسف سلطان أمام والدته لتسأله عن أبنائه والعائلة وليسألها بدوره عنهم... وقد أوحت لنا هذه العلاقة بين الابن العائد والأم المترقبة بتلك السلطة الروحية التي تشد الابن إلى أمه خاصة حتى وإن كانت موغلة في البساطة والقناعة والخنوع، بينما هذا الابن يطمح إلى المختلف والجديد ويسعى إلى تحطيم جميع القيود بما فيها العائلية، ولكن هذا الخيط الروحي بينهما لا ينقطع لأنه أقوى من كل النظريات وقد قدّ من " روح " لذلك ستشكل " الأم " الملجأ للابن والمدينة العربي بمثابة الأم، فهي بأزقتها وحاراتها ودورها وأسطحها وزواياها قد احتضنت طفولة الابن وشهدت على أيامه، فالأم تلد " الإبن " لتضعه في حضن المدينة العربي بحميمية أزقتها وحاراتها الضيقة والملتوية وتصبح بذلك المدينة العربي الأم الثانية التي توفر الحنان والعطف والذكرى للأبناء لأنها تحوي الأخوة والأقارب والأصدقاء والمريدين والندماء، لهذا كانت المدينة العربي بمثابة الملجأ ليوسف سلطان. وقد يذكرنا (يوسف) بالنوري بوزيد مخرج الفلم فقد ولد وتربى " ببطن " المدينة العربي ولعله تأثر بخصوصياتها وخاصة الدفء والحميمية الذي توفره لسكانها وزائريها، فضيق الفضاءات فيها وعلوها وارتفاع الأسوار المحيطة بها والبوابات المؤدية إلى داخلها، يوحي بالأمان والحماية ويقدّم دفعا روحيا فريدا لا يتوفر في المدينة الحديثة. ولقد قال النوري بوزيد في أحد اللقاءات معه " أن المدينة العربي شحنته بقوة غريبة وهي دائما تشده إلى ماضيه ".
المدينة العتيقة: السلطة الحاضرة.
وقد كانت وضعية أبناء يوسف سلطان بعد خروجهم من المدينة العتيقة كذلك غير مختلفة عن حالة يوسف أو الصغيّر. وقد عبّر الصغيّر عن متساكني المدينة العتيقة بأنهم " القلالة وإليّ يحوّسوا على العشرة " ، فالمدينة العربي إذن توفر " العشرة " للقلالة والزواولة أي للفقراء والمغلوبين، فهي الملجأ لهم والحضن الدافئ الذي يحتويهم وقد يكون النوري بوزيد أراد بهذه الصورة اعترافا بأهميتها ودورها في تكوين الشخصية، فحتى سلطتها هي بمثابة الدروس لجميع المكونات البشرية داخلها (الأفراد والجماعات القاطنين بها والوافدين عليها) وقد كانت جميع الشخصيات الفلمية في " صفائح من ذهب " (يوسف، عبد الله، الأم، نانا، الأبناء، الخادمة، الصغيّر...) في علاقة روحية بهذه المدينة وإن تعبوا من قوانينها وسلطتها فهي تمتلكهم بحضورها " الدائم " في حياتهم وذاكرتهم. وقد لاحظت بعض الدراسات أن كلمة " مدينة " مشتقة من " دين " و " دان " و " دنته " أي ملكته، فالكلمة إذن تفيد "الملكية" فهي تفيد "الملك" أي المكاسب وهو ما اقتضى وجود "الملك" الذي يرعى ذلك الملك، ومن جهة أخرى لوحظ اشتقاق الكلمة من " دين " بمعنى القانون والقضاء ويرى ابن المنظور أن المدينة " حصن " يبني في " أصطمة " من الأرض والأصطمة تمام الشيء وكماله.
إن المفاهيم المعتمدة لتعريف المدينة تعطي لها صفة الحماية والملك والكمال لذلك اعتبرت المدينة العربي في بعض المواقف الفنية والسينمائية أساسا قانونا مجسدا في هيكل معماري، فالجدران والأسوار والأبواب تمثّل بحد ذاتها لغة القانون والسلطة (الدينية والسياسية). وقد نفهم من الصورة السينمائية في فلم "صفائح من ذهب" أن المدينة الملجأ مثلت سلطة لأنها تحتوي الشخصية وتمسك بها إليها وتجبرها على العودة لأنها تشدها بروح ممتدة في كل الأماكن والأزمنة ولذلك أيضا ستشكل المدينة العربي " الأم " الذاكرة المتواصلة مع بعض الشخصيات الفلمية في الفلم، فيوسف سلطان دائم التذكر لأحداث الماضي في أزقة ودور وأركان المدينة، فهو يستحضر ماضيه النضالي في رحلته الجديدة وربما للاحتماء بالماضي من الحاضر المنكسر وذلك رغم إقراره وكرهه لسلطة المدينة وقوانينها التي تسيّر أهلها، فيوسف إذن ومن ورائه النوري بوزيد قبل بالاحتماء بالمدينة العربي، المدينة الملجأ، المدينة الأم وهو اعتراف منه بسلطتها التاريخية والعاطفية عليه، لذلك لا مفرّ له من العودة رغم إيمانه بضرورة التمرد عليها، لكنه استسلم لجبروت حضورها القوي في مسيرته التي سيقطع فيها 31 محطة أغلبها في فضاءاتها التي كانت مغلقة أو شبه مغلقة وكانت دائما تداهمه فيها " ذكريات الماضي " .
إن عودة يوسف سلطان إلى المدينة هي أيضا عودة إلى بعض مكوناتها السكانية التي تعيش داخلها ويحتمي بأسوارها وقوانينها، وقد تكون أكثر الشخصيات المتواجدة ضمن هذا الرحم المعماري هي " المرأة " ولكن أية مرأة ؟ إنها المرأة التقليدية (الأم) والمرأة المهمشة (الخادمة). وقد عبّر عنهم الفلم " بالقَلالة " وتمّ تصويرهم في إطار مظلم داخل زوايا وأركان الدار العربي، وهي علامة للتعبير عن هامشية داخل الإطار الاجتماعي للمدينة. ولعل الهامشية تتجسد أكثر في غياب الرجل. وقد عبّرت الخادمة في صورة تشبيهية جميلة عن ذلك بقولها " نخلة بلا عرجون قصّ وتكيّ، طفلة بلا معشوق حالها يبكيّ " وعندها ستصبح " الدار العربي " هذا الرحم داخل الرحم الكبير (المدينة العربي) هو الملجأ والحامي للنسوة. وهكذا فإن المدينة العتيقة في المتن الفلمي لصفائح من ذهب ستشكل الملجأ لثلاثه فئات من سكانها, وهي المرأة التقليدية, والمرأة المهمشة, والمثقف التقليدي (المتدين أو رجل الدين), والمثقف اليساري المنكسر, والمهزوم كيوسف سلطان.
إلا إنه يمكننا القول هنا أن أفلام السينما التونسية الجديدة قدمت لنا صورة المدينة الملجأ لثلاث شخصيات فلمية, ولكن هذه الشخصيات كانت جميعها " ضعيفة ومهزوزة ومنكسرة " ولذلك اعتبرت المدينة العربي ملجأها للهروب من الأخطار الداهمة، وحالة الهزيمة التي يعيشونها. وهي أيضا " الذاكرة الحية " التي يستمد و منها عزيمة المستقبل.
المدينة العتيقة: جدلية النور و العتمة.
إن للسينما فضلا كبيرًا على الذاكرة خاصة إذا قرنت بالمدينة ونتذكر هنا عديد المخرجين العظام الذين جعلوا من السينما ذاكرة متحركة تحافظ على التاريخ، فالسينما تحاول إنقاذ المدينة بإحياء ذاكرتها بإرجاعها إلى الوراء، إلى موقع الألم، إنه الحنين إلى الطفولة، وحنين المدينة إلى طفولتها وأيضا حنين السينما إلى بداياتها، وإلى آبائها بازوليني وفلليني والمخرج الايرلندي جون فورد هذا الذي عاد إلى قريته بعد مسيرة طويلة مع السينما ليصوّر شريطا عن طفولته هو فلم "الرجل الهادئ" سنة 1952 . وقد جلس هذا الشيخ على كرسي الإخراج فاغرا فاه أمام أنقاض بيت هدمه الزمان، ففقد عزته وشموخه. النوري بوزيد في أغلب أفلامه ومثل هؤلاء السينمائيين يعود ليستحضر الطفولة والشباب والأصدقاء والسجن، وفي صفائح من ذهب تشكل المدينة العربي ذاكرة حية ومجموعة حكايات للشخصيات الفلمية لصفائح من ذهب وكل شخصية لها علاقة ذكرى وحكاية بالمدينة المسورة، فهذا الفضاء الخاص، المغلق، المسيّج بأسوار وعيون وقوانين تكثر فيه الإلتواءات والسواري والأعمدة، تتكثف فيه الرموز والعلامات تتقارب فيه العلاقات بين الشخصيات والمستويات، وهذه العلاقات هي مجموعة القوى للتغلب على الحياة، على المعاناة، على الموت، يتداخل فيها المستوى الذاتي والنفساني والاجتماعي والحكائي، تصبح الحكاية في المدينة العربي حكاية ذاتية وحكاية اجتماعية وحكاية نفسية وتتحوّل إلى جملة من الحكايات المتغايرة، قصة حياة، قصة حارة، قصة أناس، تصبح المدينة قصصًا، وحكايات ولكل واحدة أحداثها وتاريخها. فالتاريخ إذن سيصبح هو المدينة والمؤرخون هم الأهل والزوار.وقد كتب " بول فأين " " إن التاريخ مدينة نزورها لإمتاع النظر في الأعمال الإنسانية بتنوعها وعفويتها وكتب أيضا سارج موسكوفيتشي " المدينة بأزقتها، وجدرانها، وسطوحها وتجارب أهلها، هي ذاكرة الأشياء المقروءة والمنظورة والمسموعة، أليست واجهات المدينة ومناظرها الأمامية بأزقتها وأسوارها وأسطحها وجهها كوجوه الرفاق والنساء والأب والأم والأنا". لهذا تشدنا دائما المدينة العربي إلى ماضيها وأسرارها وخفاياها ما بالك إذا الواحد منا ساكنها والنابت فيها، أو من فرعها... إنها المدينة الذاكرة تحوي صفحات من ماضينا وسنلاحظ في " صفائح من ذهب " كيف أن المدينة العربي أصبحت الكتاب المفتوح الذي سيتوغل فيه " يوسف سلطان " أو النوري بوزيد ليبحث عن بقايا صفحات من ماضينا. وخلال هذه المسيرة التذكرية سنكتشف حكايات أخرى " للصغيّر كرطوشة " و " عبد الله " و " نانا " و " رؤوف " و " الخادمة " . إن المدينة تحوي حكايات متنوعة وستتآلف كلها لتشكل من المدينة الذاكرة الجماعية الحية.
إن لدار العربي مثلا في الفلم تذكر " يوسف سلطان " بأسرته الموسعة أي الأب والأم والأخوة، وزوجته وأبنائه، وتذكره بطفولته مع الخادمة في حرمة الزاوية العائلية وتذكره بصراعاته مع عبد الله في موقفه من تربية أبنائه وقسوته عليهم، أما الأزقة فقد كانت تذكره بمطاردات البوليس السياسي له وفشله في الهروب من متاهة المدينة وإلتواءاتها وكانت أيضا تذكره برفاقه في النضال السياسي في زمن الماضي، لذلك جعل النوري بوزيد الصور الورائية للفلم كلها مظلمة خالية إلا من ضوء خافت، ويكون أحيانا إما نارَا تشتعل في الأزقة أو بعض النور المتسرب من تشققات جدران المدينة. وقد لاحظنا في هذا الإطار أن فلم "صفائح من ذهب" قد طغت عليه الظلمة بما يجعلها حاملة لمعاني الضبابية وانعدام الوضوح، فلقد تحولت غرف الدار العربي لعائلة يوسف سلطان وكذلك أزقة وأنهج المدينة إلى متاهات مظلمة، وفي بعض الأحيان تقدّم لنا وجوه بعض الشخصيات في لقطة مكبرة يكون نصفها مضيء والآخر مظلم وهي علامة على الشخصية المتذبذبة في مواقفها وتتراوح بين تشبثها بالماضي وتحقيق رغبات الحاضر. وقد رافقت الظلمة أغلب ردهات السرد الفلمي، خاصة مع يوسف سلطان وكانت تقنية "استحضار الماضي" دائما في إطار من الظلمة والضبابية وهي إحالة إلى حالة معينة كان يعيشها في ماضيه. فكل الشخصيات الفلمية التي استحضرها يوسف كانت تدور في نفس الإطار المظلم والمغلق، " فرؤوف " لم نره في فضاءات مفتوحة مضاءة، كذلك رفاقه المساجين والمطاردات البوليسية وحصص التعذيب والتحقيق التي مرّ بها، وهي وسيلة للتدليل عن الحالة النفسية والواقعية التي عاشها " يوسف سلطان " وبعض رفاقه.
ويحضرنا هنا سؤال هام, لماذا اختار المخرج فضاءات المدينة العتيقة بالذات لتكون الإطار المكاني للسرد الفلمي وأساسا استحضار الماضي، فهل هي إحالة ومتعمدة ؟ ولماذا كانت الفضاءات المغلقة تظهر دائما في المدينة العربي، بينما تظهر المدينة الأوروبية في صورة الفضاء المعماري المفتوح ,والمتسع ,والمضاء , بشكل تظهر خلاله الشخصية الفلمية في وضوح كبير؟ هل أن الصورة السينمائية اختارت المدينة العربي لتمثّل ثقافة الأنا الجماعية بأخلاقها وقوانينها، ولتمثّل كذلك الماضي المثقل بعديد الأسئلة والإملاءات، ألا يمكن أن نفهم من خلال هذا الاختيار للمدينة العتيقة أن النوري بوزيد أراد أن يرمز من خلالها إلى الثقافة الجماعية التقليدية، وكل ما ينتج عنها من سلوكات تعتمد على الثوابت والحقائق المطلقة، والأفكار والقيم والمعايير والتصورات القدسية، والأسطورية التي تمنع وتحدّ من حرية الفعل الإنساني، بينما مثلت المدينة الأوروبية الفضاء المعماري الذي تنشأ داخله تجربة إنسانية مختلفة, تدعم القدرات الذهنية والنفسية والعضوية للأفراد؟.
المدينة العتيقة: جدلية الانغلاق والانفتاح.
إن النوري بوزيد يجعل من المدينة العتيقة العلامة السمعية، البصرية, السوسيو ثقافية, التي يظهر من خلالها موقفه من ثقافة الأنا الجماعية, وهو اختيار فيه بعض التجني, لأن المدينة العربي والثقافة العربية الإسلامية أنجبت للإنسانية تجارب فريدة في الفلسفة وعلم الحياة، وتأسست داخلها مذاهب فكرية وأفكار تنويرية استفادت منها الإنسانية اليوم، ومهما يكن فإن الصورة التي أرادها النوري بوزيد للمدينة العربي في علاقة بالشخصيات الفلمية لأفلامه خاصة " صفائح من ذهب " كانت دالة عن خطاب سينمائي، خاص به، ونخلص إلى القول أن المدينة الذاكرة التي احتوت داخل مكوناتها المعمارية – حكايات الماضي- للشخصيات الفاعلة في السرد الفلمي، إنما هي دعمت اللغة السينمائية, والغايات الفلمية, لأنها بخصوصياتها المعمارية التي تحدثنا عنها أضافت للصورة وللشخصية, لغة أخرى هي لغة المعمار، فللمدينة العتيقة لغتها الخاصة بما فيها من تسميات متداولة, هي في الغالب إرث ورثته من عصر سابق، لكنها استمرت في الحاضر كما كانت في الماضي، فهي لغة تتسم بطابع الاستقرار، وليس ذلك راجعا إلى كونها ترزح تحت عباء جمادية المجموعة، بل لأنها أريد لها أن تبقى شاهدا على التاريخ، وتمثّل الذاكرة الجماعية. فالمدينة العربي إذن لها علاقة متينة بالناس الذين أنتجوها مما يؤكد بعدها الشعبي، فهي متصلة بواقعهم ومرتبطة ببنية تفكيرهم، ومعتقداتهم.
ولقد أضافت المدينة العتيقة في النصوص الفلمية لغات جديدة للغة السينمائية، فجميع مكوناتها هي نتاج تجارب إنسانية وهي حافظة لتاريخ الأفراد والجماعات، ويوسف سلطان أحد هذه " العلامات البشرية " التي ستبحث عن ذاكرتها ضمن هذه اللغة العميقة المستمرة دائما " لغة المدينة العربي "، وسنكتشف من خلال الفلم تلك العلاقة الرمزية بين الأمكنة والشخصيات والممارسات والتمثّلات والخيال. وستصبح الشخصيات الفلمية نفسها موضوعا ولغة بصرية وهي ستخلق ارتباطات حسية، حركية مع الأمكنة أي تطعمها بالحضور الحسي، الأمكنة في المدينة ستصبح متحركة بتحرك الشخصيات وهو ما سيزيد الأمكنة رمزية وستعطيها لغة، فيوسف سلطان إذن وبقية الشخصيات أصبحت لغة داخل اللغة، والمدينة (الفضاء) ستصبح واقعا قابلا للتفسير ويكون ذلك ضمن جدلية المفتوح والمغلق لكل مكان يزوره يوسف سلطان، وذلك من خلال الأشياء (الديكور، اللباس، الصور " صورته مع رؤوف، صورة ابنته، صورة الأب " ، المعلقات، الكتب ومناشيره المخبئة لدى " الصغيّر " في دهليز المدينة)، كذلك ستشكل الشخصيات بعدا رمزا، تذكّريا " ليوسف " ، فالخادمة كانت تذكره بطفولته معها، والأم تذكره بالأب، و " نانا " تذكّره " برؤوف " ، و " رجاء " تذكّره " بزينب " . وهكذا فإن الأمكنة في الفلم أصبحت "ذاكرة حية" وهي تشكل شبكة من التنقلات والاستبدالات لعلامات تنوعت كثيرا لتخلق معانٍ عدة. ويكشف الفيلم عن قيم رمزية للأمكنة وهذه الرمزية تحافظ على حيوية الجمع بين الخيال والواقع، وبين الماضي والحاضر والمسموح به والممنوع، ويمكن تقسيم الأمكنة المتوفرة في الفلم والتي هي في أغلبها تقع بالمدينة العربي إلى أربع أصناف، كانت تمثّل كلها علامات رمزية مشبعة بالخيال وصور الماضي وهي: أمكنة مغلقة (الدار العربي)، أمكنة شبه مغلقة (الماضور) أمكنة مفتوحة (الشارع) فضاءات لا مكانية (الأسطح) وجميع هذه الأمكنة كانت تمثّل لدى " يوسف سلطان " ركنا أو جزءا من ذاكرته، من حياته، وأصبح " صورة " للمستقبل، وستكون السينما هي " الراوية " لها " ويا حسرة على العباد... يا حسرة على يوسف ولد الجنوب كيف كان صم". بهذا تحدث عبد الله سلطان عن أخيه يوسف في مشهد المواجهة بينهما بالمسلخ وانتهى يوسف إلى " الإقرار بالهزيمة " وفشل جميع النظريات " الاشتراكية غرت بيك، الناصرية، قعدت تذكار الماركسية إتفرقعت بين إيديك، إتلوّنت... في بالك حليت باب العرش اطلعت بإيدك على راسك.... إلّي إتكلموا على الانتصارات كلهم خاسرين " . هكذا مثّلت المدينة العربي الفضاء المثالي للنوري بوزيد ليعبّر من خلالها عن بعض أفكاره وتاريخه، " فيوسف سلطان " مثّل نظرة المخرج أو عينه التي أراد من خلالها أن يحكي للمتفرج تاريخه وربما تاريخ جيل كامل من " فترة السيتنات " .وقد عبّرت المدينة العربي بلغة معمارها وتاريخ أهلها عن فترة زمنية، وثقافة معينة، أراد لها النوري بوزيد هذا " الفضاء المسوّر والمغلق، والذي قابله في صورة أخرى بفضاء مفتوح، ممتد على العالم الخارجي، متواصل مع البحر، ومع الآخر، فليس هناك في " الفضاء المعماري الجديد " أسوار عالية أو أبواب مرتفعة أو حراس أو عيون، إنها المدينة الأوروبية.
إن هذه الثنائية المعمارية – إن صحت العبارة- في أفلام النوري بوزيد " خاصة، وأغلب أفلام الموجة الجديدة تقريبا تمّ توظيف علاماتها وخصائصها المعمارية لتصبح علامات بصرية، دالّة عن زمنين في الفلم، زمن الماضي، وزمن الحاضر. وكان السرد الفلمي عبارة عن قصة داخل القصة، قصة الماضي داخل قصة الحاضر، هزيمة الماضي داخل انكسار الحاضر، ومثلت صورة الحصان و الحيوان عموما في الأفلام الشخصيات الرئيسية الثانية، أو لعلها أحد أهم الشخصيات التي دفعت السرد الفلمي إلى التطور وشحنت الصورة بأبعاد رمزية إضافية، فالحصان في شموخه وأصالته، يرمز في "صفائح من ذهب" إلى يوسف سلطان الشخصية الإشكالية، وسيتمرد عليه عند النهاية ليمثّل انطلاقة جديدة واعية ثابتة قوية. الحصان إذن خلق عالما خياليا موازيا لعالم الشخصيات البشرية، ويمكن اعتباره لغة أخرى تنضاف إلى اللغات المتعددة في الفلم.
كانت المدينة العتيقة, الذاكرة المشبعة بالرموز والقصص التي صنعت تاريخ " يوسف سلطان " في "صفايح من ذهب" فقد مثّلت في الحاضر الفلمي, الصفحات التي خطتها الأيام، وسيدخلها يوسف سلطان " أول الليل " باحثا عن تاريخها وتاريخه، وسيخرج منها مرة أخرى منهزما عند الفجر, وبين البداية والنهاية، كان " يوسف " كالتائه بين ماضيه وحاضره، بين ذاكرته (خياله) وواقعه، وستتقاذفه الأزمنة ليجد نفسه في النهاية مستسلما إلى الموت، باحثا عن الطهارة، ولكن أية طهارة يريدها؟ هل من الماضي المهزوم, أم من الحاضر المنكسر, أم من الحياة كلها؟ إنها المدينة العربي, ولد فيها " يوسف سلطان " وعاش بين جدرانها وتمرّد عليها، وسجن داخلها, وخرج منها ليعود إليها ثانية ثم خرج بدون عودة. وكانت في النهاية هي الباقية، الشامخة وهي التي ستحفظ له " تاريخه " ستذكره للناس، ستجعل من حكايته مضمون وغايات فلمية أخرى, وستـنسج له مع كل "عمل سينمائي" قصة وصورة، وستذكره شخصيات بعض أفلام الموجة الجديدة كمحرك للأحداث وفاعل فيها، وهو ما شاهدناه في " عصفور السطح " لفريد بوغدير مع " كولمبو " المكلف بالبحث عنه والقبض عليه حيا أو ميتا قائلا: " الله يهديه...زعمه ولد حومة ". فالمدينة العتيقة في السينما التونسية الجديدة إذن مثّلت علامة أو لغة بصرية دالة عن "ثقافة جماعية معينة".
المدينة الأوروبية مثّلت أيضا علامة بصرية عن ثقافة جماعية أخرى, وبالتالي فإن هذه الثنائية الظاهرة في الفلم، ليست مجانية وإنما هي ذات علاقة بالموضوع والخطاب السينمائي للفلم. ولقد عبّر " هنري لو فابر " عن مسألة لغة الفضاء المعماري ودلالاته ورموزه قائلا: " إن الفضاء المعماري بمثابة نص موزع بطريقة قليلة البراءة لا إرادية إلى حد ما, ومن ثمة تكمن رمزيته، فهو شاهد على أغلب مظاهر التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مثلما يشهد أيضا على أغلب أحداث التاريخ المرتسمة على جدرانه: الهندسة المعمارية والتسميات والصور والمعالم الأثرية ولكل جيل علاماته الخاصة ".
المدينة العتيقة: جدل الهزيمة والتحرر
يقول النوري بوزيد " إن السينما مساءلة للواقع وليست تصوير له " فهو، حسب رأيه، قد قطع مع الوظيفة التقليدية للصورة, التي انحصرت في الوصف ونقل الواقع, وتصويره بحالة الثابت غير المتحرك, وانتقل بالصورة من الوصف إلى الخلق, ومن التصوير إلى الإبداع. وأضاف إليها وظيفة أخرى, هي اكتشاف واقعنا من جديد, ورؤيته من زوايا أخرى وقد قال " هنري فوسيون " : " إن الفن ليس له فقط غاية جمالية وإنما له أيضا غاية معرفية وسياسية وإيديولوجية ".
لهذا من الضروري البحث في " الغاية الفلمية " للمقابلة المصورة, بين المدينة العتيقة والمدينة الأوروبية في الفلم؟ وبيان مدى وعي المخرج بمكونات وخصائص كل منهما؟ وهل أن الصورة المتخيّلة للمدينتين ليست إلا من باب التوظيف السينمائي والرؤية الإخراجية؟ أم أن في حضور هذه المقابلة بين المدينتين غاية ذاتية خاصة بالمخرج؟
وقد حاولنا في هذا العنصر أن نحدّد مسبقا من وجهة نظر تاريخية واجتماعية الخصائص والمميزات الخاصة بكل شكل معماري، ثم سنبحث في المتن الفلمي عن الصورة الواقعية والسينمائية لهما. ولن نبحث في مدينة مجهولة وإنما سنبحث في المدينة الأم، والمدينة الذاكرة للشخصية، الإشكالية وهي " مدينة تونس " بأرباضها، وأزقتها، وسطوحها، وشوارعها، وتاريخ مكوناتها البشرية، وتطورها والفوارق بين داخل السور وخارج السور.
يرى " ابن خلدون " في المقدمة " أن المدينة الإسلامية تتصل بمجموع السكان اتصال الوعاء بمحتواه وهي مجموع المحلات السكنية, والمؤسسات الاجتماعية والإدارية " . وفي تخطيط المدينة الإسلامية روعي مبدأ " الأمة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " أما تنظيم المنشآت المدنية والمرافق العامة فقد اعتمد فيها مبدأ "لا ضرر ولا ضرار "، وبموجبه يتم البناء وفق مبادئ أخلاقية تحفظ الحقوق في استغلال الفضاء وتحترم خصوصية الأسرة, وتحفظ الحرمات, وتدرأ الأضرار.أما عن خصائص مكونات المدينة الإسلامية فإنها لا تستوعب داخلها إلا ما كان مكوّنا من مكونات الثقافة الإسلامية، ويبدو الدين فيها مرتبطا أساسا بزوايا الأولياء، باعتبارها تضمن استمرارية البراديقم الديني في المدينة. وفي مدينة تونس العتيقة أحصى محمد بيرم الخامس " ما يزيد عن مائتي زاوية وموقعا مقدسا، وتتركز أغلب الزوايا قرب ربض باب السويقة، وباب الجديد لأن الأرباض هي الفضاء الشعبي للمدينة تستوعب خاصة الفقراء والمهمشين والمقصيين، مما يعني أن أولياء المدينة يمثلون ظاهرة دينية- شعبية اقتضتها الضرورة الاجتماعية فوجود الولي يبدو مرتبطا بالحاجة الاجتماعية كحاجة المقصيين إلى الحماية وحاجة المدينة إلى حراسة روحية ضد عدو ممكن، ولذلك فإن بعض أبوابها تسمى باسم حارسها الذي هوّ الولي الصالح فكانت الأبواب التالية: باب سيدي عبد السلام، باب سيدي قاسم، باب سيدي عبد الله " ، أبواب المدينة إذن تحميها السلطة الروحية للأولياء بما لديهم من كرامات, ومدينة تونس بشكل عام تقع تحت حراسة الولي سيدي محرز الذي اشتهر بتسمية سلطان المدينة وهو نفس الاسم لأحد أفلام " الموجة الجديدة " " يا سلطان المدينة " . وما يزال سيدي محرز إلى الآن يسمى " سلطان المدينة " رغم مرور سبعة قرون على وفاته، فهو ملك الدوام وحمايته تخرج عن الزمن. إن ما سبق تحليله حول الخصوصيات الاجتماعية والدينية –الواقعية- للمدينة الإسلامية ظل إلى حدّ ما مجسدا لدى " المخيال الشعبي " حتى مع التطور الحاصل في جميع فنون الحياة، وتعتبر هذه الخصوصيات المميزة للمدينة العربي من الثوابت الحقيقة لدراسة " مكونات الثقافة الإسلامية " ولما كانت السينما، الجامعة لكل التجارب والفنون الإنسانية فهي بالصورة المتخيّلة تمكنت من " ولوج " عالم المدينة العربي " الموسوم بالانغلاق والجمود " . ولعل النوري بوزيد في أفلامه وخاصة " صفائح من ذهب " يستطيع أن يكتشف خفايا وأسرار هذا العالم المسوّر. وقد نجد في " متن أفلامه " ما يمكننا من طرح السؤال التالي هل أحسن توظيف عالم المدينة الإسلامية لخدمة الخطاب السينمائي التونسي؟ .
ومن خلال " صفائح من ذهب " نلاحظ أن لغة المدينة كانت ثنائية هذه المرة، فقد وجدنا لغتين, أو خطابين في المحتوى والشكل الفلمي, إنهما لغة المدينة العربي ولغة المدينة الأوروبية، هذه التي أضحت ضرورة حضرية نتيجة لكثافة حضور الوافدين الأجانب الأوروبيين من إيطاليا ومالطا وفرنسا واليونان وجنسيات مختلفة، وتكوّن بهذه الجنسيات تجمّع مسيحي مهم خارج أسوار المدينة سيكون له دور في تحديد الهندسة المعمارية للمدينة وتشكيل جانب هام من عناصر النص المعماري.
المدينة الأوروبية إذن تكوّنت في الواقع نتيجة الضغط البشري الأوروبي، وتغيرت نتيجة له أسماء عديدة فباب البحر أصبح باب فرنسا، تسمية تعلن عن بداية العهد الفرنسي في تونس، أصبح بمقتضاه قوس باب البحر باب لفرنسا Porte de France وقد وجدنا له حضورا رمزيا هاما في أفلام الموجة الجديدة كفيلم " صفائح من ذهب " عند خروج "يوسف سلطان" و"الصغّير كرطوشة" من المدينة العربي عند الثامنة ليلا، وهو زمن وقع اختياره بعناية، لأنه إيذان ببداية الغلق والفتح لعالمين؟ وباب فرنسا هذا يربط بين نهج جامع الزيتونة من جهة (المدينة العربي) و " جول فيري " من جهة المدينة الأوروبية، حتى أن المرور من هذا إلى ذاك لا بد أن يكون عبر فرنسا أو عبر " طقوس العبور " حسب التسمية الأنتروبولوجية. إنه قوس مجاز فيه دلالة تنبئ عن بداية عهد وانتهاء عهد آخر.
إن المدينة الأوروبية الواقعة خارج السور والتي تبدأ من باب فرنسا يطلق عليها عالم الإجماع Paul Sebag تسمية تونس الحديثة وهي الواقعة حول ما يسمى الآن " شارع فرنسا " الذي امتد مع شارع " جول فيري " صاحب فكرة الحماية الفرنسية على تونس، ويتفرع هذا الشارع الواسع إلى أنهج عديدة مثل نهج روما، ونهج شارل ديقول...وقد نصّب " لجول فيري " تمثال ترميزي مكثف, فقد احتوى على رسم لامرأة تونسية ريفية تقدّم سنبلة " لجول فيري " ، كما احتوى على رسم لصبيين جالسين يمثّل أحدهما نجل الوزير المقيم العام " ريني ميلي " يعلّم القراءة لصبي تونسي. وقد أزيل هذا التمثال بعد الاستقلال وعوّض بفارس يرتدي الشاشية التونسية.
إن سور المدينة العربي وأبوابها سيشكل في الفلم مجال الفصل, والتفريق بين عالمين مختلفين، بين مدينة " أمّ " ومدينة غريبة، بين أهل الدار والوافدين الأغراب، وستصبح هذه المقابلة بين المدينتين مجال خطاب جديد تأسس نتيجة وجود " ثقافتين مختلفتين ولكنهما متنافرتين " وستمثّل " الصورة السينمائية " أحد ميادين التنافس والتنافر والتصادم بين رموزهما. وقد قدّم النوري بوزيد في أفلامه " صورا محمّلة بعديد الأسئلة ومكثفة بالدلالات الترميزية الهادفة إلى تقديم خطاب سينمائي خاص بتجربة ذاتية وثقافية خاصة، فالنوري بوزيد قدّم من خلال المقابلة أو المفارقة بين عالمي المدينة المختلفين، موضوعا هاما وهو صورة الأنا والآخر، الأنا الفردية والجماعية في مقابلة مع الأخر الذي يفرض ضرورة " فهمه والوعي به " . وإن يوسف سلطان الشخصية الفاعلة في الفلم هي أحد العلامات السمعية البصرية الحاملة لعديد الهموم التي يعاني منها الأنا الفردية والجماعية، وهو أيضا يعبّر عن حالة الخوف من الآخر، والخوف من مواجهة الواقع، الخوف من الهزيمة والإقرار بها، لذلك ربما أراد من خلال صورة الحصان المنطلق, الدعوة إلى فكّ اللجام لمواجهة الخوف والانكسار الساكن فينا والوعي بالهزيمة؟ وسنحاول في ما يلي أن نستخرج بعض أهم المعاني و العلامات الرمزية لكل من المدينة العربي والمدينة الأوربية من خلال المحتوى الفلمي " لصفائح من ذهب " مثلا ,ونحن إذ قدّمنا ببيان واقع الخصوصيات والمكونات التاريخية والثقافية لكلى المدينتين فإننا نأمل أن نصل إلى إبراز مدى توافق الصورة الواقعية مع الصورة السينمائية في الفلم؟.
يقول يوسف سلطان في حديث باطني مع ذاته " النهج المستوى ساهل ماهل...الزنق الملوية هي إليّ يلزمها إتكمبيسة " وفي مشهد آخر يقول " ما إلتخلقتش باش إنعيش في حبس... مانيش ضمير البشرية وإلا نبي منزّل " من خلال هذين الحوارين في الفلم يعبّر يوسف سلطان، الشخصية الإشكالية عن عالمين اثنين الأول يتصف بـ " الحبس " و "الزنق الملوية" والثاني هو " ساهل ماهل " وتغيب فيه "الأنبياء والزوايا"، إنه إحالة مباشرة إلى عالم المدينة العربي في أزقتها الدائرية، ومتاهاتها وأسوارها العالية، التي تمثّل في الفلم بمثابة السجن لمن داخلها خاصة إذا كانت الشخصية تتوق إلى الحرية والاختلاف " كيوسف سلطان " و " رؤوف " و " عادل " وبناته " رجاء " و " مريم " ، فالمدينة العربي هي القيد واللجام لهذه الرموز الفلمية، لذلك سيبحث عن عوالم جديدة كالسينما عند " عادل سلطان " والتمثيل عند " رجاء " والسفر عند " رؤوف ". أما يوسف سلطان فهو سيعلن من داخل الأسوار عن تمرده, وسيناضل من أجل حريته، ولكن سيكون مآله السجن داخل السجن. و " يوسف سلطان " لا يستطيع أن يكون إلا تابعا لنفسه، مريدا لنضالاته ولذلك سيهرب بها –ربما- إلى عالم المدينة الجديد –خارج الأسوار- ولكن هروبه مثّل الهزيمة بعينها، فهو قد اكتفى بالخيال والأحلام، والبحث عن الماضي النضالي له، وأقر بالهزيمة أمام «الزنق الملوية". وذهب يبحث عن النهج المستوي الذي يتوفر في العالم الجديد, وهناك سيكتشف سخرية القدر منه فأبنائه أكلتهم المدينة الحديثة بإغراءاتها "فمريم" تمارس الحب العلني و"عادل" يبحث عن الهجرة إلى فرنسا وخيّر وهو في حالة الانتظار "الهجرة مع السينما" في نواديها العديدة "بدار الشباب", وهي إحالة هامة في الفلم إلى فترة تاريخية من مسيرة اليسار التونسي خلال الستينات والسبعينات، عندما أسس نوادي السينما كوسيلة للتنظير الإيديولوجي، وهذه المرحلة سيعتبرها "الفلم" فاشلة ويقول " يوسف سلطان " :
" إليّ اتكلموا على الانتصارات كلهم خاسرين (تظهر صورة شي غيفارا)
"الاشتراكية غرّت بيك، الناصرية قعدت تذكار، الماركسية اتفرقعت بين إيديك إتلوّنت، في بالك حليت باب العرش إطلعت بإيدك على راسك" .
أكثر من عشرين سنة سياسة، وينتهي يوسف في النهاية إلى الهزيمة معترفا أنه " تعب من حكاية السياسة " وتقول له " زينب " " الناس الكل فهمت إلا إنت اخسرت كل شيء ". ويقول يوسف سلطان محاسبا نفسه بعد هذه المسيرة " مفكر ...فاش...أش خليت بعدك... ".
إن " يوسف سلطان " ناضل وسجن، خرج وعاد ثم خرج مرة أخرى، ولكنه في النهاية ينتهي إلى الإقرار بعجزه وفشله فهو سيموت ولا يترك أي شيء حتى " دار كنتول " وستظهر أحد شخوص المدينة العربي عبد الله سلطان ليقول له: " إنت إنسان خاسر وتقعد عمرك كامل خاسر " إنه الصراع بين عالم الدين (عبد الله) وعالم اليسار السياسي (يوسف). ويمكن اعتبار أن الفضاء المعماري جسّد مكان الحراك لهذا الصراع فقد انتقل من المدينة العربي من خلال التذكّر إلى المدينة الأوروبية من خلال الحاضر الفلمي في المسلخ حيث سيجسّد مسرح المواجهة بين قوتين غير متوازيتين، اليسار واليمين المتطرف الديني، يوسف وعبد الله وكليهما يمثلان عالمين مختلفين. وهما أحد المقابلات الظاهرة في الفلم ,وستتبعهما مقابلات أو مفارقات كثيرة, خاصة في المسلخ والمدينة العربي حيث عملية سلخ الحصان يقابلها تعذيب " يوسف ", وجرّ جثة الحصان يقابلها جرّ " يوسف " على أرضية المدينة العربي, وسترافق هذه المقابلة بين " يوسف والحصان " أغلب المشاهد الفلمية، وفي الزمنين المعتمدين فيه, أي الماضي والحاضر، ولكن ستكون النهاية مختلفة بينهما ؟
أما عن بقية الشخصيات الفلمية وعلاقتها بالمدينتين فإنه يمكن القول أنها توزعت بينهما في شكل مقابلة بين شخصيات منهزمة ومهمشة ومقيّدة تتواجد بالمدينة العتيقة وشخصيات فاعلة ومتحررة ومتمردة في المدينة الأوروبية. وقد عبرّ الصغيّر كرطوشة إحدى الشخصيات الفاعلة في الزمن والسرد الفلمي عند حديثه عن متساكني المدينة العربي قائلا: " إليّ جايبهم الونس ويلوجوا في العشرة... القلالة... " وأيضا " لمدينة كيما المرى (المرأة) المزيانة في صغرها...وكي كبرت سلموا فيها...ومشاوا يتبعوا في السوري ". وجسّد " الصغيّر " مبدأ الوفاء للمكان الأول (دهليز المدينة) قائلا " العالي ما يوالمنيش " فهو قد تعوّد العيش في الأسفل تحت المدينة في جحرها وهو مكان ليس ككل الأمكنة يختلف عن العالم الخارجي وإن كان يعيش بينهم وضمن عالمهم "داخل السور". إن الصغيّر جسّد الشخصية الهامشية في "المدينة الأم / الملجأ" وإن كان يحمل في داخله بذرة الاختلاف وربما لهذا السبب كان على صراع مع عبد الله سلطان، الشخصية الدينية، المتسلطة المراقبة لكل " الشخصيات الموجودة داخل السور وخاصة الشخصيات النسائية الضعيفة والمهمشة كالأم والخادمة والطفلة " رجاء " قبل تمردها عليه. " الصغيّر كرطوشة " و " عبد الله " رغم وجودهما في عالم واحد لكنهما مختلفين في علاقتهما بيوسف وبالعوالم الجديدة (الفن، الخمرة، المدينة الحديثة الأخر الأوروبي) وإن كانا متقاربين في علاقتهما بالمرأة، فالصغير يجهل عالم المرأة بفعل العجز الجسدي والخوف من عالم الجنس وعبد الله يرفض بفعل الدين اكتشاف هذا العالم النسائي. وقد عبّر كل منهما بطريقته عن رفضه لهذا العالم ولكن سنجد " الصغيّر " رغم رغبته في الاختلاف ودخول العوالم الجديدة إلا أنه ندم لمغادرته من المدينة العربي عندما فشل في الفوز في لعبته المفضلة " الخرتة " قائلا: " ما حقنيش إخرجت من دهليزي والعالي ما يوالمنيش ", إنه الخوف رغم الرغبة في الاكتشاف.
نستخلص مما سبق أن الفضاء الفلمي لصفائح من ذهب قدّم مقابلة فلمية لعالمين مختلفين معا المدينة العربي والمدينة الأوروبية، وجعل لكل مدينة شخصيات فلمية وزمن فلمي، وحتى إن اشتركا في زمن بعض المشاهد فإنه الخيال الجامح ليوسف سلطان. وقد توزعت الشخصيات كما يلي تقريبا: الصغيّر، الأم، نانا، الخادمة، القلالة، الزواولة في المدينة العربي، المومس، زينب، مريم، البوليس، عادل، الشخصيات المتمردة (رواد نادي السينما) في المدينة الأوروبية.
ونجد أن الفلم قدّم بعض الشخصيات مقسمة بين المدينتين، فهي تتواجد بفعل الخيال والذكرى وتطور الأحداث وأيضا بفعل تذبذبها في هذه وتلك. وهذه الشخصيات هي " يوسف سلطان " ، "الصغيّر" ، " عادل " ، رموز السلطة السياسية والدينية (خرجة سيدي بوسعيد) ولا ننسى الحصان فهو متواجد في كل الأزمنة والأمكنة. إن المدينة فاعلة، حاضرة بقوة في الخطاب الفلمي وقد خلقت لغة جديدة للفلم فالأسوار والأبواب والأزقة الملوية ولأنهج الواسعة وباب البحر (باب فرنسا) والصور والتماثيل كلها كانت لغة حية تدعم " لغة الشخصيات". وقد مثّل مشهد خروج يوسف والصغيّر عند الثامنة ليلا مرورا بمقهى " الأونيفار " وبقوس باب فرنسا، حد الفصل بين عالم قديم وعالم جديد بين الماضي والحاضر، بين الأنا الجماعية والآخر القادم (الأوروبي).
إنها حكاية يوسف سلطان / النوري بوزيد, واغلب أبطال السينما التونسية الجديدة بين " الزنق الملوية والنهج المستوي مثل "فرفر"في ريح السد ورملة في سلطان المدينة والابن في عصفور السطح والبزناس في فيلم البزناس...
الخاتــمة
لقد ظهرت المدينة العتيقة في السينما التونسية الجديدة في صورة الانغلاق, يقابلها المدينة الأوروبية في صورة الانفتاح, فالأولى مسورة, والثانية مفتوحة وممتدة, وتظهر المقارنات بين الشخوص الفلمية الرجالية والنسائية وكذلك رموز الأنا والآخر الثقافية والحضارية. فالآخر الأجنبي يبدو حاضرا بفاعلية كبيرة في السينما التونسية الجديدة، وقد يكون من المنطقي أن يفرض رموزه وثقافته كعنوان للتحرر, والانفتاح والقوة, وقد تم تصويره في مقابلة مع رموز الأنا الجماعية، الموغلة حسب النصوص الفلمية – في التخلف والانغلاق, وتصبح بالتالي السينما "فضاء المواجهة" بين ثقافتين، لكل خصوصياتها ورموزها التي تظهر من خلالها "المدينة" بشكليها العتيق والحديث أحد هذه الرموز المعبرة عن "الانغلاق والانفتاح".
لقد تكثفت في الأفلام التونسية الجديدة, رموز و علامات عديدة, وشكلت مقابلات مهمة في الخطاب الفلمي لعل أهمها"البحر" كرمز للتطهر, وأيضا الامتداد, والصفاء, والحلم, لأنه يربط في الضفة الأخرى بالآخر الأجنبي و كانت تقابلها فضاءات مظلمة ومسورة . وشكّل في صفائح من ذهب دعامة رمزية هامة للخطاب الفلمي من خلال "هروب يوسف سلطان" إليه ومشهد "الجنس العنيف" على ضفافه، ثم انطلاقة "الحصان الأبيض" شبيه يوسف سلطان على شواطئه، وقد صوّره المخرج في لقطة عصفورية، أعطت للحصان والبحر تعانقا جميلا، وامتدادا للصورة، وحضرت على وقع هذا المشهد قصيدة" يا حصان يا غول " يا حصان كبوّل". إنه أيضا التآلف والتقارب بين الصورة والقصيدة المدعمة للغة الفلم ومعانيه .
إن السينما التونسية منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي تظل مثار أسئلة, وما هذا التناول لبعض علاماتها السمعية و البصرية ومضامينها المتعددة, إلا محاولة لإثارة إشكاليات أخرى,لعلها تساهم في فهم الخطاب واللغة السينمائية لمنتجي و مخرجي هذه السينما التي وصفت بالجديدة و المختلفة .
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>