النقد السينمائي في تونس  :
بدايات مبكرة... وإسهام في بعث ثقافة سينمائية

محمد بن رجب
كاتب إعلاميّ- تونس

قد لا يعرف أحبّاء السينما أنّ تونس شهدت أولى آلات التصوير السينمائي تتجوّل في شوارعها وأنهجها في نهاية القرن التاسع عشر لتصوّر مشاهد من حياة الناس في أفلام قصيرة جدّا لا يتجاوز الواحدة منها ثلاث دقائق، وقد تم عرضها بعد أشهر من تحميضها في فضاء خاص يقع في نهج المنجي سليم اليوم.

كانت تلك "الكاميراهات" على ملك "الإخوة لوميار" جاءت من فرنسا، وكان يمكن لتلك البدايات أن تنشئ مع منطلق القرن العشرين السينما التونسيّة، لكن ذلك لم يحدث. كما أن الصحافة في نهاية القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين، وهي في الأغلب فرنسية وإيطالية، لم تركّز على ما تم تصويره في تونس تونسيا وإلا لكنا اعتبرنا ما حرّكته تلك الأفلام الأولى من كتابات صحفية بداية لظهور النقد السنيمائي في تونس.

وهل كان يمكن الحديث عن السينما في تونس والمسرح نفسه في هذه البلاد لم يظهر بعد؟ وكان يجب انتظار سنوات طويلة على تصوير الأفلام الوثائقية "في تونس حتى تأتي طلائع المسرح من القاهرة ليكتشف أهل البلاد أولى المسرحيات التي ستغيّر طبيعة النشاط الإبداعي التونسي وتدخل عليه حركيّة خاصة تدلّ على استيعابهم بسرعة لهذا الإنتاج الثقافي واندماجهم فيه.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن الربع الأول من القرن العشرين لم يكن خاليا في تونس من عمليات التصوير السينمائي فقد حدّثنا أرشيف شمامة شكلي عن مجموعة صغيرة من الأفلام التي تمّ تصويرها في البلاد لمخرجين فرنسيين جاؤوا خصيصا لهذا الهدف، وبعض تلك الأفلام يحق لها أن تحمل الهويّة التونسية لمشاهدها وربّما أيضا للمواضيع التي تطرقت إليها.

وكان يمكن أيضا أن نعتبر المقالات التي ظهرت في الصحف الصادرة في تونس باللغة العربية بدايات النقد السينمائي في تونس، لكن لا أحد من الباحثين والدّارسين فعل ذلك وكان لا بدّ من أن ننتظر ظهور مجلة "نوادي السينما" عام 1947 على أيدي أب السينما التونسية الأستاذ الطاهر شريعة لنتحدث عن بدايات النقد السينمائي. فهذه المجلّة حرّرها تونسيون وهي تعطي فكرة صادقة عن تقبّل الشباب التونسي للأفلام التي كانت تعرض في تونس وصفاقس وبنزرت وسوسة وهي في الأغلب مصريّة وفرنسية وأمريكية.

ومنذ ذلك التاريخ يمكن الحديث عن نقد سينمائي في تونس حيث بدأت تتبلور الآراء حول السينما وفي المقالات التي بدأت تظهر في الصحف أصبحت تصنّف الأفلام وتحدّد نوعيتها وهويتها وأهدافها ولم تعد الصحف التونسية سواء منها الناطقة باللغة العربيّة، أو الناطقة بالفرنسية خالية من المقالات والأخبار والحوارات عن الأفلام والنجوم السينمائية في البلاد العربية والأجنبيّة.

وفي نهاية الخمسينات ظهرت جمعية السينمائيين الهواة التي عاضدت نوادي السينما في نشر ثقافة سينمائية في تونس وبلورة النقد السينمائي، وقد تعززت هذه الحركية الثقافية الحديثة بمجلة "مسرح وسينما" التي برزت فيها أفلام يمكن أن نقول بأنها ناقدة.

والطريف أن النقد السينمائي والثقافة السينمائية والنشاط السينمائي عموما قد توسّع شيئا فشيئا في البلاد قبل أن تنتج تونس فيلمها الأول، بل إن جمعية السينمائيين الهواة قد أطلقت مهرجانها بقليبية قبل هذا الفيلم الأول، وكان ذلك في منتصف الستينات متزامنا مع إطلاق أيام قرطاج السينمائية في رحم وزارة الثقافة وبدعم من رجال من أمثال الطاهر شريعة والمنصف بن عامر ومصطفى الفارسي الذي كان وراء تصوير أفلام أجنبية في تونس ذات هوية تكاد تكون تونسية شرقية من نوع "جحا" الذي أطلق اسمي كلود كاردينال وعمر الشريف في الأفلام العالميّة.

وخلاصة القول أن حركة النقد السينمائي التونسي ظهرت وتبلورت وتوسّعت قبل ظهور أول فيلم تونسي على يدي السينمائي عمار الخليفي الذي سجل اسمه بماء الذهب في تاريخ السينما التونسية لحما ودما من خلال "الفجر" الذي تم إنتاجه في نهاية 1966 وشهده التونسيون في الأشهر الأولى من سنة 1967.

ويجوز لنا القول بأن أدبيات النقد السينمائي كانت أشدّ تأثيرا في الثقافة التونسية من تأثير أدبيات النقد المسرحي رغم أن المسرح التونسي "لحما ودما" قد انغرس في تربيته منذ بداية العشرية الثانية من القرن العشرين.

وما يجب أن نذكره أن بعث أيام قرطاج السينمائية ومهرجان هواة السينما بقليبية لم يكن لمجرّد التنشيط الثقافي في البلاد بل إن ذلك قد حدث نتيجة للعمق الثقافي الذي تمكن النقد السينمائي من سبره في البلاد وغرسه في الأذهان.

فقد نشأت المهرجانات لنشر الثقافة السينمائية المناضلة من أجل بناء سينماءات جديدة في البلاد العربية وإفريقيا خاصة على أساس فكري مناهض للسينما التجاريّة التي رغم ما قدّمته من خدمات على المستوى الثقافي والترفيهي كانت متهمة في توجهاتها الفكرية.

وبالتالي يمكن القول أن عمر النقد السينمائي من تونس قد تجاوز الخمسين سنة ولم ينشأ لمرافقة السينما التونسية، بل نشأ لمساعدة أحبّاء السينما على تشكيل ثقافة سينمائية حديثة وللدعوة إلى قيام سينما تونسيّة شكلا ومحتوى، بمخرجين تونسيين وممثلين تونسيين، وروح تونسيّة مناضلة لا تقلد الأفلام القادمة من مصر أو فرنسا أو الهند أو أمريكا...

وقد نجح النقد السينمائي التونسي إلى حدّ كبير في تحقيق الهدف الذي رافقه دوما ولم يتخلّ عنه إلى اليوم.

واليوم إذا ما أردنا أن نبحث من جديد في مظاهر النقد السينمائي وأدواته في تونس فإننا نؤكد أنه تبلور من خلال التظاهرات الثقافية ذات العلاقة ومن خلال الجمعيات السينمائية ومن خلال الجرائد والمجلات وأيضا من خلال المنشورات الدّاخلية التي كاد يحرّرها أحباء السينما في دور الثقافة والشباب في جلّ جهات البلاد.

فأمّا الجمعيات فهي ثلاثة:

- الجامعة التونسية لنوادي السينما التي ظهرت نواتها الأولى في صفاقس مع الطاهر شريعة، فلقد عملت هذه الجامعة على بعث النوادي في كامل البلاد، هدفها مناقشة الأفلام بعد عرضها سواء في القاعات السينمائية أو في دور الثقافة أو في المعاهد الثانوية، وكانت نوادي السينما تصدر منشورات باللغتين العربية والفرنسية تتضمن مقالات سينمائية فضلا عن أخبارها.

- الجامعة التونسية لهواة السينما التي كانت تحمل اسم الجمعية التونسية لسينما الهوّاة، وهذه المنظمة كانت تنشط على جبهتين، جبهة الإنتاج وجبهة النقد السينمائي، وقد انتجت المنضمون إليها مئات الأفلام القصيرة التي عرضت في مهرجان قليبية وتجوّلت في عدّة مهرجانات عربية وعالمية، ولا نعرف مخرجا سينمائيا تونسيا لم "يتدرّب" على الإنتاج والإخراج في الجامعة التونسية لهواة السينما، كما لعبت هذه المنظمة الثقافية دور كبيرا في النقد السينمائي والإعلاء من شأنه، وقد كانت النوادي التابعة لها فضاءات للنقد السينمائي الجيّد وجلّ النقاد المعروفين منذ أكثر من ثلاثين سنة قد تخرّجوا من هذه "المدرسة" العتيدة.

- الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي، عمرها الآن 21 سنة، مقرّها دار الثقافة ابن خلدون، لعبت دورا كبيرا في نشر الثقافة السينمائية النقدية من خلال الندوات التي أقامتها ومن خلال العروض السينمائية الكثيرة التي أشرفت عليها، ومن خلال ما ننشره من بحوث في منشوراتها الداخلية وهي تضم خيره النقاد السينمائيين في تونس وعددهم الآن كبير، ونشير أيضا إلى أن مهرجاني هواة السينما بقليبية وأيام قرطاج السينمائية هما من الفضاءات الواسعة التي ساهمت في بلورة النقد السينمائي وتوسعه في البلاد حيث كانت الأفلام التي تعرض خلالهما تناقش وتدرس بحضور مخرجيها والمثلين المشاركين فيها، وأحيانا بحضور منتجيها.

- ويحضر المهرجانيين جميع الأعضاء المناضلين في الجمعيات المذكورة، بل إن أيام قرطاج السينمائية هي التي كانت وراء بعث اتحاد النقاد السينمائيين العرب في قاعة هاني جوهرية في سنة 1978.

أمّا النقد السينمائي في الصحف والمجلات فإنه كان متنوعا تنوّع المهتمين به وتنوع غاياتهم ومشاغلهم وتكوينهم فهناك ثلاثة أصناف من النقد مختلفة ومتكاملة في الذات نفسه: نقد إعلامي ونقد انطباعي ونقد معمّق. ولكل من هذه الأصناف مجاله ومنهجه وجمهوره الخاص به وقد بدأنا بالنقد الإعلامي لأنه أول ما يظهر قبل وأثناء وبعد إنتاج الفيلم سوءا كان تونسيا أو عربيا أو عالميا، يتبعه نقد انطباعي يصدر أثناء عرض الفيلم الجديد، ويتوج بنقد معمّق يتناوله نقاد معروفون على الساحة الثقافية.

وفي حقيقة الأمر لا تخلو جريدة تونسيّة من هذه الأنواع النقدية السينمائية، بل هناك جرائد مثل لا بريس و لوطان تخصص ملاحق للسينما حيث تنشر الأعمال النقديّة بمختلف أصنافها.

أمّا المجلات فإن مجلة "جحا" تبقى الصوت السينمائي البارز في النقد وقد أسسها المحامي الأستاذ مصطفى نقبو الذي ناضل طويلا في عالم النقد السينمائي وهي مجلة تظهر لتغيب لتعاود الظهور من حين لآخر وذلك منذ عقود كثيرة. ولا يمكن ومنذ سنوات أن نتحدث عن نقد سينمائي دون الحديث عن "جحا".

كما أن بعض "السينمائيين" من النقاد والصحفيين قد أصدرها مؤلفات في الثقافة السينمائية من أمثال عبد الكريم قابوس والهادي خليل وكمال بن وناس ومحمد بن الأصفر وغيرهم.

وبما أنّنا ذكرنا بعض أسماء النقاد السينمائيين فإنه من الضروري أن نذكر الكثير منهم لأنهم لعبوا دورا كبيرا في إرساء الثقافة السينمائية وتعميقها منذ الخمسينات ومنهم الطاهر شريعة والمنصف بن عامر والنوري الزنزوري ومصطفى نقبو ومصطفى الفارسي والتيجاني زليلة وعبد الكريم قابوس والهادي خليل وسميرة الدامي، والراحل محمد محفوظ، والمخرج فريد بوغدير، وعمر بن عز الدين ومحمد بن الأصفر ولطفي بن خليفة، ومحمد حمدان والمنصف شرف الدين وعلي العبيدي ومحمد بن رجب وخميس الخيّاطي.

ونلاحظ:

•  إن أغلب الكتابات النقدية السينمائية في تونس جاءت بالفرنسية وذلك منذ 50 سنة.

•  إن أغلب الكتب السينمائيّة المباشرة أو ذات العلاقة بالسينما قام بها باحثون أو نقاد جاءت باللغة الفرنسية.

•  إن النقد السينمائي التونسي سواء منه الذي بحث في السينما التونسية، أو السينماءات الأخرى العربية والأجنبية يتميّز بالروح النضالية ويحمل رغبة في مقاومة الأفلام التغيبيّة والإمبريالية، وهي تهدف إلى بناء سينماءات وطنيّة.

•  الكثير من المقالات والبحوث السينمائية التونسية صدرت في مجلات وصحف عربية وأجنبيّة خاصة في السبعينات والثمانينات كتلك التي نشرها فريد بوغد ير وخميس الخياطي وعبد الكريم قابوس.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org