ابن خلدون: وعلم التاريخ:
ريادة معرفية... ومنهجية عقلانية
التلميذة صفاء بن سعيد*
السنة الرابعة آداب – معهد حمّام الأنف – ولاية بن عروس، تونس
من الصائب أن تُخصّص بلادنا سنة بكاملها لتكريم أحد مفاخرها مّمن خلّد التاريخ اسمهم في مشارق الأرض ومغاربها العلامة ابن خلدون، فالرّجل قد غيّرت نظريّاته وآراؤه وجه التاريخ الذي كان يقتصر على "الإخبار" أي إعلام الناس بما حدث من وقائع. وقد اعتبر علامتنا ذلك ذكرا الأحداث وملامسة سطحية إذ لا ندرك إلا ظاهرها، والواقع أنّ لهذه الأحداث خلفيات وأسبابا ومسبّبات إن لم نحقّق فيها ونغص في باطنها بعقل فاحص ممحّص، لن نتمكّن لاحقا من إصلاح اعوجاجاتها وتدارك خللها فيعيش المجتمع معتلاّ بمخلّفاتها السّيئة وقد فاته أن يعتبر بعبرها، والحال أنّ غاية الإنسان في كل العصور هي إدراك الخفيّ من الأشياء والإمساك بالحقائق وهي ذات وجوه كثيرة.
التاريخ في ظاهره إذن سرد للوقائع حسب ترتيب الأيام والشهور والأعوام والقرون وحسب الأشخـاص الفاعلــة من أصحاب الســلطة سواء كانوا خيّريــن أو أشرار...أمّا باطنه فهو تحليل لكلّ الخلفيات السياسيّة والاجتماعية والاقتصادية والعقائدية والثقافية التي تدفع بالأحداث في الاتجاه الصحيح الذي يرفع من شأن الأمم كلّما كانت الحسابات والأهداف موضوعية أو في الاتجاه الخاطىء كلما كانت الحسابات ضيّقة والغايات دنيئة والأهداف ذات صبغة لا عقلانية.
الأقوياء والضعفاء
استنتج ابن خلدون من خلال تجاربه أنّ الأمم تتكوّن من مستغلّين ومسْتَغَلين إذ أن وجود الظلم والعدوان في طبيعة الإنسان، فالتفاوت وعدم التكافؤ هو نسيج العلاقات سواء في الطبيعة أو المجتمع. ولمّا كان لا سبيل إلى السيطرة على هذا التفاوت فإن الإنسان معطل الإرادة محدود الحرية أمام ذلك التفاوت لا يملك القدرة على تغيير مساره.
* حاصلة على الجائزة الأولى في المسابقة الوطنيّة بين تلاميذ المرحلة الأخيرة من التعليم الثانوي بتونس حول المنهج النقدي عند ابن خلدون في فهم علم التاريخ. وهي المسابقة التي نظمتها بين الحكمة على هامش ندوتها الدوليّة حول ابن خلدون ومنابع الحداثة. بمناسبة الاحتفال بالذكرى المائوية السادسة للعلاّمة التونسي.
إنّ نشأة المجتمعات في نظر ابن خلدون كنشأة الأمم عملية لا تخضع لمشيئة الإنسان بل لتلك الحتميّة التي سمّاها تارة" بالإكراه عليها" وطورا"بضرورة" وجود الدافع حين يتكلم عن الملك وقيام الدولة، إذ ما لم يكن الحاكم هو الدافع لقيام الدولة أفضى ذلك إلى الفوضى المؤذنة بهلاك البشر. وطورا آخر يسميها"السببية والقانون الطبيعي الذي يكون به" النشوء والارتقاء" وبقاء الأصلح في كل شيء. وابن خلدون كان سابقا لداروين Darwin صاحب كتاب"أصل الأنواع" Origine des espèces ونظرية البقاء للإصلح بأكثر من أربعة قرون.
هذه النظرة التي تبدو غريبة لأنها تكرّس سيطرة القويّ على الضعيف بشكل عقلاني حتمي إذ لا مناص من قيام دولة قوية ومجتمع متوازن ما لم يكن الحاكم قويا ولو يذهب بقوته إلى حد الظلم والاستبداد. وقد لاحظنا في عصرنا الحاضر قيام دول ذات سيادة ومحل احترام الآخرين بفضل السيطرة المطلقة للحاكم، فعندما نقول نظام" بينوشي" و كان دكتاتوريا وظالما يقول المحللون أن هذا النظام قد نجح في خلق نهضة اقتصادية سمحَت للشعب الشيلي بالعيش الرفاه ماديا وإن كانت الحرّيات مفقودة. هذه المعاينة تؤكّد مدى فهم ابن خلدون لخلفيات السلطة التي تمارس الضغط وتنجح في تأسيس دولة قوية ومجتمع لا تنقصه وسائل العيش أي الظروف المادية وإنما تنقصه الحرية التي إن وجدت في بعض الدول لا يعني ذلك أن شعوبها تعيش الرفاه...
2) الواقع والعقلانية
لقد بذل ابن خلدون كل جهده في التقصي والسبر والمراقبة في سير مجريات التاريخ الاجتماعي ومكونات أحداثه سواء كان ذلك في عناصر الطبيعة أو في المجتمع. فالعلامة صاحب نظرة عقلانية نفاذة وتفكير معرفي قويم أصبح بحق ظاهرة إنسانية لا مثيل لها إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ ابن خلدون قد عاش في عصر الانحطاط العربي لا عصر الازدهار (القرن الرابع عشر ميلادي) وقد قلّ في هذا العصر المبدعون والفلاسفة إن لم نقل انعدموا كلية بعدما عرفه ابن رشد من إهانة.
وعلى غرار ابن رشد اتّبع ابن خلدون المنهج العقلاني ولكن بخلفية دينّية واضحة وإن كانت غير مغلقة، واتّخذ من السّببية مذهبا يحدّد به معالم التاريخ الذي يدرس الظاهرات الاجتماعية على أساس مبدأ "الضرورة وقانون التطور الطبيعي". فابن خلدون معايش للواقع متمسك به ومحلل له، فهو يستنتج من تفاصيله وجزئيا ته كل القوانين الوضعية ويكشف عن كل علله... ابن خلدون لم يعمد مثل سابقية إلى وصف الواقع ولكنه يعبّر عن موقف اجتماعي أمام هذا الواقع ومن خلاله. فالفكر الخلدوني يتّسم بالتجريبية والمعاينة، إذ ينطلق من الخاص الملموس ليصل إلى العام أو المطلق ليؤكد ما يذهب إليه في فهم الظاهرات الاجتماعية، ونضرب مثالا على ذلك: حين كتب ابن خلدون المقدمة فسّرالتاريخ الاجتماعي بشكل معرفي وتجريبي في آن واحد، أي أظهر فيه استقلاله عن نزعته الدينية (علما أن ابن خلدون كان متدينا) وهذا لا يعني أنّه تنكّر لدينه وعرفانه بل يعني أنّه كان ثنائي النّظرة وقادرا على إقامة التوازن بين العقلانية والدين.
والجدير بالملاحظة أن ابن خلدون يتصف باللامُطلق في تفكيره إذ أن الحقيقة عنده ليست مطلقة بل هي نسبية. فحين يقول بأن "السلطان من له رعيّة والرّعيّة من لها سلطان" أو أن "العصبيّة قيمتها ليست في كونها علاقة دم ونسب بل بشيء مهم آخر هو في غلبتها وقدرتها على الفعل والتّأثير وتمكّنها من الحلول بالقهر والقوة محل العصبيات المتلاشية والدول المنهارة"، نفهم أن علامتنا يتسم بفكر قادر على الكشف والتخّطي وتحديد المواقف رغم ما قيل ويقال بأنها لا تصلح لكل زمان و مكان ولا تشكل إيديولوجية اجتماعية لها نصيب من الديمومة والخلود.
إنّ فكرا كهذا لا يمكن أن يكون إلا علميّا ومعرفيّا وعقلانيا وتحليليا، وهو سمة الباحثين الموضوعين.
3 ) قوانين البحث التاريخي
كان المؤرخون قبل ابن خلدون يقعون في مغالط وأخطاء عديدة اضطرّته لوضع قوانين أو قواعد للبحث التاريخي العلمي الرّصين وتنحصر هذه القوانين في أربعة هي:
1 - قانون السّببيّة: ومعناه بأن هناك رابطا بين الأحداث وهذا الرّبط يرتكز على العلّة والمعلول فليس هناك من حادث إلا وله أسبابه وليس من حادث إلاّ ويكون سببا لحادث يتبعه. فارتباط الأحداث ببعضها أمر لا مناص منه.
2- قانون التشابه: وهو أن نقيس الماضي على الحاضر، لأنّ الظروف المتشابهة تنتج وقائع متشابهة ويقال في هذا الصدد: "التاريخ يعيد نفسه"، لذلك يجب أخذ العبرة من أحداث الماضي.
3- قانون التطوّر: ومعنى ذلك أن الأمم قد تتغير بتغير الأزمان والأحوال وأنّ قانون التشابه ليس مطلقا. وقد كان ابن خلدون يصف أهل الشمال بالهمج بسبب تخلفهم في السابق، ولكنهم التحقوا بركب الحضارة بل أصبحوا رموز الحضارة العصرية إذ تبدّلت أحوالهم بعد وعيهم بنقائصهم وتداركها عبر القرون.
4 - قانون الاستحالة والإمكان : هذا القانون يوجب النظر في الوقائع والأخبار على ضوء العقل والطبع السليم. فما كان منها معقولا يصبح داخل دائرة الممكن، وما كان غير معقول يخرج عن دائرة الممكن ليدخل دائرة البطلان والاستحالة.
هذه القوانين التي وضعها ابن خلدون كردّ على سابقيه ممن ارتكبوا أخطاء في تقييم وتقدير الأحداث أمثال المسعودي الذي قال بأنّ عدد جنود بني إسرائيل حين هاجروا من مصر كان 600 ألف مقاتل، فيجيب ابن خلدون أنّهم حسب هذا القانون لا يمكن أن يتجاوزوا 36 ألفا فقط، كانوا من المقاتلين أو من غير المقاتلين أيضا، والسبب هو أن عددهم قد تقلص كثيرا نتيجة ذبح أبنائهم من طرف الفراعنة آنذاك. ففي آخر إقامتهم بأرض مصر تعرضوا إلى عملية إبادة.
فأين هذا مّما ذكره المسعودي من أنّ أفراد جيشهم وحده كان أكثر من600 ألف؟ وقد أثبتت الأبحاث الحديثة صحّة أقوال ابن خلدون في هذا الصدد.
ومن الطرائف أن نذكر رواية رواها المسعودي عن الاسكندر مفادها أنه لما أراد بناء الإسكندرية وصدّته عن ذلك كلاب البحر فاحتال بأن صنع لنفسه تابوتا من خشب جعل في داخله صندوقا زجاجيا ثم غاص إلى قاع البحر وهو بداخله ورسم صور تلك الكائنات البحرية وصنع تماثيلها من أجساد معدنية ووضعها قبالة البنيان ففرّت تلك الدواب حينما رأتها تشبهها، وبذلك تم للإسكندر بناء الإسكندرية.
ويعلّق ابن خلدون ساخرا: إن هذه الأحاديث الخرافية يصدّقها أمثال المسعودي فيروونها على أنّها معقولة ومقبولة في حين أنّه لو كان ملّما بأبسط قواعد وظائف الأعضاء وطبيعة التنفّس عند الإنسان والحيوان(البرّي) لما نقل عن الإسكندر هذا الخبر المستحيل.
ونفهم من هذا النقد أن العلامة ابن خلدون يريد من المؤرخ أن يكون عالما ملمّا بشتىّ العلوم وعلى الأقل تلك التي تتعلق بالتاريخ. فمن واجب المؤرّخ أن يكون ملمّا بقواعد السياسة وطبائع الموجودات وكذلك أن يتقن العلم باختلاف الأمم والبقاع والبلدان سواء في الأخلاق أو العادات والتقاليد أو المذاهب وسائر الأحوال. وعلى المؤرّخ أيضا أن يكون عارفا بأصول تكوين الدول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها وأحوال القائمين بها وأخبارهم، وبذلك يصبح المؤرخ لا ساردا للأحداث والأخبار بل مؤرّخا عالما لتاريخ له أصوله وقواعده وقوانينه، فهو بالتالي علم خال من النّزوات والعواصف.
إنّنا بهذه الضّوابط والقوانين نستفيد من دروس الماضي كشعوب ودول ونسعى إلى تجنب الأخطاء التي تسبب لنا النكسات والنكبات.
ومن لا يتعظ بدروس الماضي ولم يعقلن الأحداث ويشرح أسبابها وعلاّتها فقد يؤول به الأمر إلى الانحطاط وانتظار البطل المنقذ.
وهذا تقريبا ما عناه ابن خلدون بعد سقوط الأندلس وتعثّر العرب والمسلمين فهو شاهد على بداية انحدار الأمة العربية الإسلامية وهذا ما حزّ في نفسه، بيد أنّه أفاد من تحليل أسبابه.
------------------
* حاصلة على الجائزة الأولى في المسابقة الوطنيّة بين تلاميذ المرحلة الأخيرة من التعليم الثانوي بتونس حول المنهج النقدي عند ابن خلدون في فهم علم التاريخ. وهي المسابقة التي نظمتها بين الحكمة على هامش ندوتها الدوليّة حول ابن خلدون ومنابع الحداثة. بمناسبة الاحتفال بالذكرى المائوية السادسة للعلاّمة التونسي.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>