الأصول الخلدونية في الخطاب الإصلاحي؟

(خير الدين التونسي أنموذجا)

الطاهر بن يحي

أستاذ الأدب العربي جامعة منوبة- تونس.

ممّا أجمع عليه أغلب المختصين في الفكر الخلدوني، أنّ المقدمة من الأحداث التأسيسية في تاريخ الثقافة العربية الإسلاميّة. وككلّ حدث تأسيسي على صعيد العلم والمعرفة، من البديهي أن تكون له امتدادات تضبط أصوله وتحدّد فروعه وتحصر مسائله وتجوّد من شأن تعريفاته وحدوده.

تشهد على صحّة هذا التصور تواريخ علوم واختصاصات عديدة كعلم البلاغة وعلم النّحو وعلم أصول الفقه وغيرها . ولهذا السبب يتحول اسم العَلَم، في بعض العلوم والاختصاصات إلى اسم جنس يدلّ على جنس مخصوص من المعرفة أو على مدرسة معيّنة من مدارس الفكر، كحديثنا عن الظّاهرية أو الحنبليّة أو الرشديّة أو السينويّة وغيرها. ومن هذا المنطلق يجوز لنا الحديث، عن الخلدونيّة، لا بما هي حدث معرفي مظروف في الزمان والمكان، بل بما هي نزعة عقلانيّة جديدة في تناول الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية ، الخلدونيّة بما هي "علم مستنبط النشأة" "مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة" (1) كما جاء على لسان ابن خلدون نفسه. وبناء على ذلك، فمن المشروع أن نبحث عن امتدادات الخلدونيّة، في أجيال من المفكرين والعلماء والمؤرخين بعد القرن الثامن للهجرة.

أمّا لماذا وقع اختيارنا على الفكر الإصلاحي في القرن التاسع عشر وعلى كتاب "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" لخير الدين التونسي(تـ 1890)، فلجملة أسباب نذكر من بينها:

(أ) - تشابه الملامح العامة للعصريْن، عصر ابن خلدون (ق8هـ / 14م) وعصر المصلحين في القرن التاسع عشر. فكلاهما عصر جمود وانحطاط. والشهادة الحيّة البليغة التي قدّمها صاحب المقدمة عن عصره نجد ما يوازيها في كتابــات المصلحين. وقوله: "وأمّا لهذا العهد، وهو آخر المائة الثامنة، فقد انقلبت أحوال المغرب...، وتبدّلت بالجملة،... ودرست السّبل والمعالم...، وضعفت الدّول والقبائل...، وكأني بالمشرق قد نزل به ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة"(2) تتردّد أصداؤه في كثير من مصنفات المصلحين، حينما يتحدّثون عن " قلّة العرفان وكثرة الطّغيان" (3)، وعن " تراجع الدولة الإسلامية" أو "الخلل في ممالك الأمة الإسلامية"(4).

(ب) – التداخل بين الذاتي والموضوعي في تجربة ابن خلدون وتجربة رجال الإصلاح في القرن التاسع عشر. فللتجربة الشخصيّة (السياسية) أهميّة كبرى في تفسير ما أنجزه صاحب المقدمة، وما أنجزه مصلحون من أمثال خير الدين التونسي وابن أبي الضياف وعبد الرحمان الكواكبي. فقد تقلّد ابن خلدون مناصب سياسية وقضائيّة مختلفة، في المغرب والأندلس ومصر،والبعض يذهب إلىأنّه " كان يطمح في أن تكون له إمارة خاصة به"(5).

وفي وصف تأثير الخبرة العمليّة والسياسية في المقدمة، يذهب الجابري إلى أنّ "شخصيّة ابن خلدون لم تكن شخصية فيلسوف منصرف عن الحياة العملية ومشاغلها إلى التأمّل والنظر، فلقد كان الرّجل عمليّا أكثر منه نظريّا" (6) .

وبالعودة إلى سيرة خير الدين التونسي، وجدنا أوجه شبه مثيرة للانتباه مقارنة بسيرة ابن خلدون. ففضلا عن اضطلاع خير الدين بوظائف سياسية عديدة، وفضلا عن أنّ "أقوم المسالك" كان في جانب كبير نتيجة خبرة عملية في ميادين السياسة والاقتصاد والإدارة، فإنّ بعض العلامات الفارقة في تجربة هذا المصلح تذكّرنا ببعض الحلقات المهمّة في تجربة ابن خلدون. فكلاهما قرّر في مرحلة ما من حياته، اعتزال المناصب السياسية، وكلاهما استغل فترة الاعتزال لتأليف مؤلفه الذي به سيعرف ويخلّد. وكلاهما هجر "موطنه" – بعد خيبات متوالية – إلى حاضرة من الحواضر السياسية، خير الدين إلى الآستانة وابن خلدون إلى القاهرة.وكلاهما وجد الحظوة في "موطنه الجديد"، إذ سرعان ما عُيَنََ خير الدين وزير دولة ثم صدرا أعظم، وسرعان ما ظفر ابن خلدون ببعض المناصب المهمّة في سلكي القضاء والتدريس (7)، إلى غيرها من أوجه الشبه التي هي الحقيقة محض صدفة (8) ، ولا قيمة لها إلاّ بمدى تأثيرها وتوجيهها في لفكركلّ من هذين العلمين.

(ج)- اعتماد خير الدين "المقدمة" من بين مصادره الأساسية. وهو ما يبدو واضحا من خلال بنية كتاب "أقوم المسالك" ومادته في الوقت نفسه.

- أمّا على صعيد البنية، فيذكر خير الدين، في معرض تعريفه بمصنفه: " وسميّته أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، مرتبا له على مقدمة وكتابين"(9). وهو الأمر الذي يذكذرنا دون شك بالبنية العامة لمصنف ابن خلدون في التاريخ والذي وسمه بـ:" كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". فالمقدّمة، وإن تعامل معها الكثيرون على أنها أثر مستقل بنفسه، هي في الحقيقة الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون أو هي بتسمية صاحبها" الكتاب الأول"، يليه الكتاب الثاني وقد خصّصه لتاريخ العرب، ثم الكتاب الثالث وموضوعه تاريخ البربر.

وإنّ هذا التشابه في البنية العامة لكتاب العبر ولأقوم المسالك، هو ما دفع أحمد أمين في إشارة مختزلة إلى القول: "وكان في ذهنه ( أي خير الدين) أن يحذو حذو تاريخ ابن خلدون، يؤلفه بروح العصر ومطالب العصر، فأشتمل على مقدمة وتاريخ - فأما المقدمة فقد أراد منها البحث في حالة البلاد الإسلامية وأسباب انحطاطها بعد ازدهارها وكيفيّة إصلاحها. وأمّا التاريخ فقد عرض فيه حال الممالك الأوروبية..."(10).

- وأمّا على صعيد المحتوى، فيمكن الحديث، عن نوعين من الإحالات، إحالات صريحة على شواهد وفصول من المقدمة، (11) وأخرى ضمنيّة – وهي الغالبة – وتتجلى من خلال توظيف جزء هامّ من الجهاز الاصطلاحي الذي أُثر عن ابن خلدون وإن لم يكن من استحداثه أو صنعه، كالوازع والعصبية و الشّوكة والملك والدولة والعمران وغيرها .

ونعتقد أنّ هذا الحضور المكثّف للمادة الخلدونية في الخطاب الإصلاحي التونسي، هو ما دفع الباحث أحمد عبد السلام إلى عقد مقارنة دقيقة بين أهمّ المصطلحات السياسية الواردة في المقدمّة من جهة، وكتابي "إتحاف أهل الزمان" وأقوم المسالك" من جهة ثانية. ( 12)

ورغم النتائج المهمّة التي انتهى إليها الباحث المذكور، وتأكيده في مواضع عديدة من دراساته تأثّر ابن أبي الضياف وخير الدين بأفكار ابن خلدون وبعض مفاهيمه، (13) نرى منالضروري التمييز بين مستويين للتأثير والتأثّر:

- مستوى أوّل لا يتجاوز حدود "الأخذ" و"الاقتباس" لجملة من الشواهد والمصطلحات كانت تفرضها طبيعة الإشكالية التي عالجها رجال الإصلاح، وتتعلق أساسا بوضع المؤسسة السياسية وسبل إصلاحها. ولمّا كانت المقدمة من أهم المصادر القديمة " التي اشتملت على نظرية كاملة في الدولة والحكم" (14)، فمن الطبيعي أن تكون بمثابة "الموسوعة" التي لا يمكن الاستغناء عنها لكل من أراد أن يخوض في مسائل "الملك" والسياسة العقلية أو الشرعية.

- أمّا المستوى الثاني من التأثير، وهو الذي نُعْنَى به، فهو التأثير المنهجي، ومن خلاله نختبر مدى تأثير الرؤية الخلدونية في الخطاب الإصلاحي وفي كتاب "أقوم المسالك" على وجه الخصوص.

وبناء على ذلك، نتساءل: هل استفاد خير الدين وغيره من المصلحين، من الدرس الخلدوني في معالجة مختلف الظواهر التاريخية والحضارية، بما في ذلك ظاهرتي التقدم والتأخر؟ وهل سبروها "بمعيار الحكمة" وعرضوها "على أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني" ( 15) كما جاء على لسان صاحب المقدمة؟

للإجابة على مثل هذه الأسئلة، ينبغي التذكير ببعض المسائل الضرورية في مقدمة ابن خلدون حتى نتمكن من المقارنة والموازنة.

المسألة الأولى، تتعلق بما يمكن تسميّته بوحدة الموضوع العام للمقدمة، أو بما سماه آخرون "بالبناء الهرمي المتماسك" أو "الوحدة الكليّة للأثر" (16) والمعروف أن ابن خلدون تناول في مصنفه المذكور مسائل لا حصر لها، وخاض في معارف وعلوم شتّى، ومن ثمة تعامل معه الكثيرون على انه "موسوعة" أو خزانة معارف وما هو كذلك في الحقيقة. وهذا ما نستفيده منذ فاتحة المقدمة، وفيها تعريف بالموضوع العام، ونقد لأجيال من المؤرخين ولمنهجيّتهم، وتصريح بالغاية من هذا التأليف. يقول في ذلك ابن خلدون:

"ولمّا طالعت كتب القوم وسبرت غور الأمس واليوم... أنشأت في التاريخ كتابا رفعت به عن أحوال الناشئة حجابا وفصلته في الإخبار والاعتبار بابا بابا وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللا وأسبابا"( 17).

وفي فصل "علم التاريخ وتحقيق مذاهبه" يقف صاحب المقدمة عندما أسماه بـ "مغالط المؤرخين" في "نقل الحكايات والوقائع" داعيا إلى ضرورة وضع "معيار صحيح يتحرى به المؤرّخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلون. وهذا هو غرض الكتاب الأول (أي المقدمة) من تأليفنا"(18). هذا المعيار، هو الذي سيسمّيه "علم العمران البشري والاجتماع الإنساني". وبهذا المعنى، فإن ابن خلدون، يقدم علمه الجديد كعلم من علوم الآلة، علم يعصم المؤرخ من الوقوع في المغالط.

هذا من حيث الوظيفة، أمّا من حيث الماهيّة أو من حيث الموضوعات والمحاور الكبرى لهذا العلم، فيشير صاحب المقدمة إلى أنه "مستقل بنفسه" و "ذو موضوع وهو العمران البشري، ومسائل وهي بيان ما يحققه من العوارض والأحوال لذاته"( 19). وهو ما اختزله بكل دقة في أحد العناوين الجامعة بالقول: "في العمران وذلك ما يعرض فيه من العوارض الذاتيّة، من الملك والسلطان، والكسب والمعاش، والصنائع والعلوم، وما لديه من العلل والأسباب"( 20).

وما نعنيه من هذه الإشارات والشواهد، أنّ بنية المقدمة بنية واحدة متماسكة، بنية كلّ يتفرّع إلى أجزائه. أمّا الكلّ فهو: علم العمران، وأمّا الأجزاء فهي العوارض الذاتيّة التي أشار إليها ابن خلدون، وهي ثلاثة "عوارض" كبرى أو ثلاثة محاور أساسية:

الملك والسلطان من جهة: المحور السياسي.

الكسب والمعاش من جهة ثانية: المحور الاقتصادي.

الصنائع والعلوم من جهة ثالثة: المحور العلمي والمعرفي.

و لهذا الترتيب في عرض المحاور دلالته كما سنيين لاحقا.

المسألة الثانية : وهي تخصيص للأولى، تتعلق بمنزلة الدولة والمشغل السياسي عامة في مشروع ابن خلدون. ولقد كانت،هذه المسألة موضوع دراسات كثيرة جدّا، أجمع أصحابها تقريبا على أن الدولة هي الأساس أو المحور الذي دارت عليه آراء ابن خلدون في العمران البشري والاجتماع الإنساني. أمّا السبب في ذلك فيعود إلى أنّ "نموّ العمران أو فساده واختلاله" مرتبط، في تصور ابن خلدون بـ " حال الدولة والسلطان" وأنّ "الحضارة في الأمصار من قبل الدولة وإنها ترسخ لاتصال الدولة ورسوخها"(21) . ومن ينظر في بدايات المقدمة، دون اعتبار بعض الفصول التمهيدية، يجد أن أوّل مبحث تناوله بالدرس، كان على صلة بموضوع الدولة. (22) وفيه تعرض لفكرة "الوازع" وأصنافه، وهي من الأفكار المركزية بل الأوليّة التي شيد ابن خلدون على أساسها نظرياته في العصبية والملك وأنواعه.

وإجمالا إن ما تضمّنته المقدمة، من عرض نظري لأصناف الملك وأنواع السياسات العقلية والشرعية، وما حوته من تحليل عميق لأسباب نشأة الدول وتطورها ثم ضعفها وسقوطها، أدّى إلى شبه إجماع عند بعض المؤرخين بعده وعند أغلب الدارسين المحدثين عربا ومستشرقين، على أنّ المقدمة "أثر مدهش وفريد"( 23 ) كما يقول إيف لاكوست، وأنها من "أكثر المؤلفات ضرورة وأكثرها أهمية من بين المؤلفات التي أنتجها العقل البشري( 24) كما يقول ج- مارسي، وأنها "كنز لا قعر له مليء بجواهر العلوم ولآلي للحكم" (25) كما جاء على لسان أحد المؤرخين الأتراك في القرن السابع عشر.

أمّا المسألة الثالثة: فتتعلق ببعض المفاهيم التي استخدمها ابن خلدون والتي رددّها من بعده بعض المصلحين كالوازع والعصبية والملك والدولة والعمران، والخلل... وغيرها وفي هذا السّياق لا بدّ من الإشارة إلى أمرين:

- أوّلهما أنّ هذه المصطلحات ممّا كان شائعا قبل ابن خلدون فيما سميّ بكتب "الأحكام السلطانيّة" والأدب السلطاني. وصاحب المقدمّة نفسه يشير إلى نماذج من هذه المؤلفات، فيقول: "نجد في كلام ابن المقفع، وما يستطرد في رسائله من ذكر السياسات، الكثير من مسائل كتابنا هذا غير مبرهنة كما يرهناه، إنما يجلبها في الذكر على منحى الخطابة في أسلوب الترسيل وبلاغة الكلام. وكذلك حوّم القاضي أبو بكر الطرطوشي، في كتاب سراج الملوك وبوّبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا ومسائله، لكنه لم يصادف فيه الرّمية و لا أصاب الشاكلة ولا استوفى المسائل ولا أوضح الأدلة، إنما يبّوب الباب للمسالة ثم يستكثر من الأحاديث والآثار وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس.... وحكماء الهند.... ولا يكشف عن التحقيق قناعا ولا يرفع بالبراهين الطبيعية حجابا، إنما هو نقل وترغيب شبيه بالمواعظ، وكأنه حوّم على الغرض ولم يصادفه"(26).

وثانيها أن أهميّة هذه المصطلحات تكمن بالأساس في انتمائها إلى شبكة مفهوميّة، كلّ مفهوم فيها لا يكتسب قيمته ودلالته إلاّ بالنظر في بقية المفاهيم، ومن ثمة تداخلها وترابطها وتكاملها، للدلالة على جملة من القوانين أو الطبائع العمرانية المفسرة لحركة التاريخ. فحديث، ابن خلدون عن الوازع أوّلا تم العصبية تم الملك والدولة، وحديثه بعد ذلك عن تطور الدولة وبلوغها مراتب العظمة والمجد وانتقالها في الطور الأخير إلى مرحلة الهرم والاضمحلال، قد اتخذ عنده طابعا شبه حتميّ، يتجاوز إرادة الأفراد والجماعات. وكثيرة هي الشواهد الدالة على ذلك، كقوله:

"الملك غاية طبيعية للعصبية ليس وقوعه عنها باختيار، إنما هو بضرورة الوجود وترتيبه"، أو قوله "إن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع، وأن العوارض المؤذنة بالهرم... إنما تحدث للدولة بالطبع، وإنما كلّها أمور طبيعية"( 27).

وممّا يمكن أن تستخلص من المقدمة ومن أهم الدراسات الخلدونية، أن ما ميّز تفكير ابن خلدون، ليس المواد أو المعارف أو المعطيات التي تضمّنها مصنفه، وإنما المنهج الذي أجراه صاحبه في فهم هذه المعطيات وفي تحليل مختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية التي عاصرها أو قرأ عنها. هذا المنهج الذي وصفه البعض بالمنهج البرهاني والبعض الآخر بالمنهج التجريبي، وآخرون بالمنهج الاستنباطي والعقلاني والعلمي ( 28) إلى غيرها من الأوصاف والنعوت التي جعلت من ابن خلدون في تصوّر البعض أكثر حداثة من كثير من المحدثين أنفسهم. ومهما تكن مبالغات بعض الدارسين الذين حوّلوا ابن خلدون – بحقّ – إلى "صنم" و"أسطورة" (29) ، فالثابت أنّ ما اتسمت به تحليلاته من " روح علميّة" وما اتصف به منهجه من واقعيّة "وموضوعيّة" وقدرة على الملاحظة والاستقراء... هو ما يفسر المكانة الاستثنائية التي تبوّأها الرّجل.

لقد حاولنا في تقديمنا المختزل لمقدمة ابن خلدون ولتفكيره، أن نتجنب المداخل المعجميّة أو الاصطلاحيّة في تناول مسألة التأثر والتأثير، وأن نركذز في المقابل على ما وسمناه بالأصول الخلدونيّة في عنوان البحث. وأصل الأصول عندنا ،هو المنهج أو المقاربة أو طريقة المعالجة التي كنّا بصددها. ووفق هذا التصوّر أقبلنا على النظر في "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، وهو من أهم المصنفات الممثلة للخطاب الإصلاحي في القرن التاسع عشر. وقد جسّد صاحبه نموذج المثقف المسلم الذي جمع في تكوينه بين الثقافة التقليديّة وجزء يسير من الثقافة الحديثة. ولعّل أهم ما نحتفظ به من سيرة خير الدين العمليّة والفكرية، أنه مارس الإصلاح قبل أن يدعو إليه وينظّر له. ومن المعروف أنّ سبب اعتزاله للحياة السياسية فترة من الزمن، كان نتيجة اعتراضه على السيّاسة الماليّة التي كانت معتمدة في دولة البايات أي سياسة الاقتراض والتداين (30) . ولا شكّ أن الإخفاق الذي لازم تجربته السياسية، ووعيه الحادّ بالوضع المتردي الذي أصبحت عليه البلاد التونسية، وإدراكه للأخطار التي أصبحت تمثلها الدول الأجنبيّة، دفعته إلى "التأمل الطويل" كما يقول، في "أسباب تقدّم الأمم وتأخرها جيلاً فجيلاً"(31). ومن ثمة تفرّعتالإشكالية المركزية التي عالجها خير الدين في كتابه إلى مستويين اثنين:

أولا: الكشف عن أسباب الخلل في تونس وفي الممالك الإسلاميّة عامة.

ثانيا: الوقوف عند أسباب التمدّن، الأوروبي والدعوة إلى مجاراته.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذين المستويين كثيرا ما يردان متداخلين في مقدمة الكتاب، ولا يكاد خير الدين يفصل بينهما أثناء عرضه لأمارات التأخر في العالم الإسلامي، وأمارات التقدم في "الممالك الأوروبية" والبحث في أسباب هذا و ذاك.و العلّة في ذلك أنّ المصلح التّونسي يرى أنّ "الخلل والوهن" أو أسباب "التقدم والقوة" إنّما تعود إلى طبيعة المؤسسة السياسية ونظام الحكم. فتقدُّم "الإفرنج في المعارف" ناتج "عن التنظيمات المؤسسة على العدل والحريّة" (32)، وبلوغهم "تلك الغايات والتقدم في العلوم والصناعات" إنّما سببه "التنظيمات المؤسسة على العدل السياسي" (33). وفي المقابل يذهب خير الدين إلى أنّ الظّلم والانفراد بالرأي والحكم المطلق مؤذن بخراب العمران وخلل الأوطان.

هكذا يسير نصّ خير الدين في خطيّن متوازيين، خط مناهض للاستبداد وسوء التدبير في المجتمعات الإسلامية، وخط داعٍ إلى ضرورة الاعتبار بالنموذج السياسي الأوروبي.

إلى هذا الحدّ يبدو خطاب خير الدين خطابا تحديثيّا، متحرّرا من أطر الفكر القديم ومتجاوزا لمفاهيم السياسة الشرعيّة. ولهذا السبب ُيقدّم صاحب "أقوم المسالك" في بعض الأحيان على أته نموذج المفكّر المنفتح واللّيبرالي الذي جمع "بصورة لا نظير لها بين الأصالة والحداثة"(34).

لكن بالتمعن في البنيّة العميقة لنصّ خير الدين، وبالوقوف عند مرتكزاته النظريّة، نتبيّن أن النموذج الأوروبي المؤسس على العدل والحريّة كما يقدمه صاحب أقوم المسالك، ليس سوى "صورة تطبيقيّة" للنموذج السياسي الإسلامي كما نظّرت له كتب السياسة الشرعيّة، وكما برهنت عليه التجربة الإسلاميّة الأولى: دولة النبوة والخلفاء الراشدين. فممّا جاء على لسان خير الدين في معرض تبريره للاقتداء بالغير، قوله: "فإنّ الأمر إذا كان صادرا من غيرنا وكان صوابا موافقا للأدلة لا سيما إذا كنا عليه، وأخذ من أيدينا، فلا وجه لإنكاره وإهماله، بل الواجب الحرص على استرجاعه واستعماله"(35).

وإنّ عبارة "استرجاع ما أخذ من أيدينا" لدالّة على نمط من الفهم والتمثّل لحقيقة التمدن الأوروبي ولطبيعة نموذجه السياسي الذي أشاد به خير الدين ودعا إلى مجاراته. وإن كان صحيحا أن المصلح التونسي ألحّ في مواضيع كثيرة من كتابه على أنّ تقدم الإفرنج هو نتيجة لمراعاة قواعد الحريّة والعدل والتقيّد بالقانون و"الاحتساب على الدولة" و"سيرة السلاطين" ( 36)، فإنه في المقابل أهمل أو كاد، أن يربط ذلك التقدّم بالسياق التاريخي المعقّد والطويل الذي أتاح مثل هذه "التنظيمات" وهذه الحالة من "المنعة والقوة" في الممالك الأوروبية.

وهذا ما يفسّر ظاهرة المماثلة المفاهيميّة في خطاب خير الدين. ففي تفسير معنى الحريّة السياسية عند الأوروبيين يذهب، إلى أنها "التداخل في السياسات الملكيّة، والمباحثة فيما هو الأصلح للملكة على نحو ما أشير إليه بقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه،: من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقوّمه"(37).

إنّ بنية هذه الفقرة، صورة نمطيّة لبنية الكتاب الجامعة، بنية قائمة على مزج وتركيب وتلازم بين عنصرين اثنين: التمدّن الأوروبي ومتعلقاته من جهة، والتمدن الإسلامي ولوازمه من جهة ثانيّة. فكما أن أوروبا بلغت بالتنظيمات غاية التمدن، فإن الأمة الإسلاميّة بلغت ما بلغت من "نموّ العمران وسعة الثروة" والتقدم في المعارف، بفضل"حماية الشريعة" وتطبيق أصولها. وكما أن أوروبا الحديثة قيّدت نظامها السياسي بآليات تمنع الاستبداد والحكم المطلق باستحداث مجالس "الوكلاء" أو "النوّاب" فإن النظام السياسي في الإسلام قيّد "تصرفات الإمام" " بوجوب المشورة وتغيير المنكر " ،وهو الدور الذي يقوم به أهل الحلّ والعقد. ورغم إشارة خير الدين إلى أن أهل الحلّ والعقد غير منتخبين من الأهالي، وذلك على عكس "نواب العامة"، فلا يرى أي حرج في أن يطابق في مواضع عديدة بين المصطلحين، وان يحدثنا عن احترام القوانين "في الممالك الأوروباوية.... برعاية أهل الحلّ والعقد"(38).

هكذا تتجاور في نصّ "أقوم الممالك" مرجعيّات فكريّة متنافرة، ومصادر نظرية متباينة، فيحضر كتاب "الأحكام السلطانيّة" إلى جانب كتاب "روح القوانين"،و تعتمد أقوال علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب والغزالي إلى جانب آراء مونتسكيو وروسو. ولا شكّ أنّ السياق السّجالي الذي بلور فيه خير الدين مشروعه الإصلاحي، دفعه إلى الإسهاب في عرض الشواهد النقليّة، والإحالة المتواترة على مواقف الفقهاء والأصوليين. ومع ذلك فإن آليّة المطابقة والمماثلة، ومحو المسافات النظرية والتاريخيّة بين النموذج السياسي الحديث والنموذج الإسلامي القديم، تعبّر عن جوهر التفكير الإصلاحي في القرن التاسع عشر. هذه الآليّة ستتحوّل في ثنايا خطاب خير الدين، إلى آليّة مفاضلة، بين المتعالي والبشري، بين السياسة الشرعيّة والسياسة العقليّة. فالنظام السياسي الأمثل في تصوّر هذا المصلح، هو الذي تجسّده الشريعة الإسلامية لأنه يجمع بين الوازع الدنيوي والوازع الديني، في حين تقتصر قوانين الممالك الأوروبية على "مراعاة الوازع الدنيوي". ومن ثمة اشترط خير الدين أن تكون الإصلاحات والتنظيمات التي دعا إليها "منسوجة على منوال الشريعة" (39 ) وأن تكون في نهاية الأمر مجرّد "ضبط للسياسات الشرعيّة التي كانت أهملت"(40).

ولبيان أهميّة هذا المنوال، توسّع صاحب "أقوم المسالك" في الحديث عن خصائص التمدن الإسلامي وأسبابه. "فقد كانت الأمة الإسلاميّة وقت احترامها للأصول الشرعيّة بالمكانة التامة من الثروة والشوكة المحروستين بسياج حسن تدبير أمرائها وعدلهم واستجلابهم رضي الله تعالى بتعمير أرضه"(41). إنّ هذا الحديث عن ماضي الأمة وأمجادها لا يثبت واقعة بقدرما يقرّر قاعدة، مفادها أنّ تقدّم المجتمعات الإسلاميّة الحديثة مشروط بتطبيق أصول الشريعة في كل عصر ومصر. وهذا ما صاغه صياغة شبه منطقيّة في مذكراته عندما قال "بما أنّ نفس العلّة تنتج دوما في نفس الظروف، نفس المعلول، فإنه لاشك في أن التّطبيق الحريص الأمين للشريعة الإسلاميّة سيعطي في أيامنا نفس الثمار التي أعطاها فيها مضى من الزمان"(42).

يذكرنا قول خير الدين بأشد الخطابات الإسلاميّة راديكاليّة، حيث، يغيب الحسّ التاريخي، وتنشط آليّة القياس والمفاضلة، فتُقدّم الشريعة منظومة مغلقة كاملة غير قابلة للمراجعة أو النقد أو التطوير من الداخل، لهذا السبب نفهم المكانة التي حظيت بها بعض كتب"الحكام السلطانيّة" والسياسة الشرعيّة في كتاب أقوم المسالك. وللسبب نفسه نفهم المكانة الكبيرة التي خطي بها مصنّف خير الدين لدى معاصريه من المثقفين و رجال الدين. ومن بين التقاريظ التي استوقفتنا قول أحمد بن أبي الضياف: "تأليفكم المسمى بأقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك... أوضحت فيه من قواعد شريعتنا المحمديّة الصالحة لكل زمان، بما فيها من اعتبار المصالح والاستحسان. وبيّنت أسباب التقدم في المعارف التي أساسها العمران الذي جاءت به الشرائع والديان"( 43). وقول أحمد الورتتاني: "فإن من أجل العلوم، لا سيما في هذا الوقت الصعب المذموم، علم السياسيّة الشرعيّة المنوط بقواعد الشريعة الزكيّة وأصولها المرعيّة"( 44).

إنّنا لا نبالغ إن قلنا مجمل التقاريظ التي ذُيّل بها الكتاب، لتمثل أدقّ القراءات وأعمقها لفكر خير الدين. قراءات تؤكد لنا أنّ العنوان الفرعي أو البديل لأقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك هو: "لا يصلح حال هذه الأمة إلاّ بما صلح بها أوّلها".عنوان أو شعار أبعد ما يكون عن عقلانيّة ابن خلدون وعلميّته، وهو أقرب إلى بنية كتب السياسة الشرعيّة ومؤلفات الأدب السلطاني. ولو عمّمنا موقف ابن خلدون من كتاب الطرطوشي "سراج الملوك" على كتاب أقوم المسالك، وقلنا "حوّم خير الدين في كتابة أقوم المسالك، وبوّبه على أبواب... لكنه لم يصادف فيه الرميّة... إنما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ" لم نعدم الصّواب.

- عود على بدء: إنّ حديث بعض الدارسين في تأثر المصلحين بابن خلدون وخاصة خير الدين، في حاجة إلى تدقيق ومراجعة. ففضلا عن الاستخدام الانتقائي وغير المنهجي للمقدمة، والاقتصار في أغلب الأحيان على بعض المسائل العامة التي لا ينفرد بها ابن خلدون كالحديث عن العدل وآثار الظلم والتميّز بين أنواع السياسات، فإنّ الغائب الأكبر في خطاب خير الدين التونسي هو الخلدونيّة. فبقدر ما تحرّر ابن خلدون من أطر التفكير الفقهي والديني في معالجة مختلف الظواهر الاجتماعيّة والسياسية، كان خير الدين سجين تصورات فقهيّة بل كلاميّة في مسائل الإمامة والحكم والخلافة.

الهوامش:

•  – ابن خلدون: المقدمة. تونس، الدار التونسيّة للنشر- (جزءان) -1984 ص70.

•  –نفسه، ص63.

•  خير الدين التونسي: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنوفي، تونس، الدار التونسيّة للنشر، ط 2، 1986، ص111

•  نفسه، ص136.

•  محمد عابد الجابري، العصبيّة والدولة، معالم نظريّة خلدونيّة في التاريخ الإسلامي، بيروت، دار الطليعة، ط3 ، 1982، ص64.

•  نفسه، ص69 .

•  انظر: محمد عبد الله عنان، ابن خلدون، حيانه وتراثه الفكري، القاهرة، مطبعة مصر، 1953 (الكتاب الأول من 11 إلى ص112).

•  دائرة المعارف الإسلاميّة (بالفرنسيّة)، ط2، خير الدين باشا، 1185-1187.

•  أحمد أمين: رجال الإصلاح في العصر الحديث، بيروت، دار الكتاب العربي، د-ت، (146-201).

•  كتألّبِ رجال الدين عليهما في كل من الآستانة والقاهرة.

•  أقوم المسالك، ص86.

•  رجال الإصلاح: ص158.

•  انظر أقوم المسالك، الصفحات، 119، 102، 119.

•  للأستاذ احمد عبد السلام دراسات كثيرة في الموضوع منها:

•  دراسات في مصطلح السياسة عند العرب-تونس الشركة التونسيّة للتوزيع، 1977.

•  آراء ابن خلدون وتأثيرها في العالم الإسلامي من القرن التاسع عشر إلى اليوم، ضمن كتاب، ابن خلدون والفكر العربي المعاصر، تونس، الدار العربية للكتاب،1980.

13) دراسات في مصطلح السياسة،ص4،ص 163.

14) نفسه، ص 3

15) المقدمة،ص 37.

16)- الجابري، العصبيّة والدولة، ص164.

17)- المقدمة،ص32.

18)- نفسه، ص70.

19) )- نفسه، ص70

20)- نفسه، ص 33.

21 )- نفسه، ص 348 .

22)- نفسه، ص77-79.

23)- إيف لاكوست، العلاّمة ابن خلدون، بيروت، دار ابن خلدون، ط، 1974، ص217.

24)- نفسه، ص5.

25)- ساطع الحصري، دراسات عن مقدمة ابن خلدون، القاهرة، مكتبة الخانجي، بيروت، دار الكتاب العربي، ط3 1967، 617.

26)- المقدمة، ص72-73.

27- نفسه، ص356.

28)- انظر: سفيتلانا باتسييفا، العمران البشري في مقدمة ابن خلدون، تر-رضوان إبراهيم، تونس، الدار العربية للكتاب 1978.

الفصل الثالث، بعنوان،: المراحل التاريخية لدراسة المقدمة-ص89-154.

29)- عزيز العظمة، ابن خلدون، بيروت، ط1 ، 2000 ص9.

30)- أحمد عبد السلام، المؤرخون التونسيون في القرن 17و18 و19م، ترجمة، أحمد عبد السلام، وعبد الرزاق الحليوي، تونس، بيت الحكمة 1993.

31)- أقوم المسالك، ص82.

32)- نفسه، ص 94.

33)- نفسه،ص 98.

34)- فهمي جدعان: أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1 ، 1972 ص123.

35)- أقوم المسالك، ص90.

36)- نفسه، ص219وص138.

37)- نفسه، ص 207.

38)- نفسه، ص224.

39)- نفسه، ص153.

40)- نفسه، ص142.

41)- نفسه، ص117.

42)- خير الدين، مذكرات، منقول عن فهمي جدعان، أسس التقدم،ص140-141.

43)- أقوم المسالك، صص232_233

44)- نفسه، ص253.

 

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org