الصّورة التلفزيونيّة و تشكّل الذاكرة عند الطفل التونسي:
قراءة سوسيولوجيّة في مضمون المادّة وممارسات المشاهدة.

د. منصف المحوا شي-أستاذ قسم علم الاجتماع
كليّة الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس-تونس.

تتّخذ هذه المساهمة مشروعيّتها من كونها تنخرط في إثارة أحد الأسئلة التربويّة والحضاريّة في السّاحة الفكريّة حول ثقافة الصّورة في وسائل الإعلام وخاصّة التلفزيون.فقد أخذت هذه الثقافة تستأثر باهتمامنا كهولا وناشئين وتساهم بشكل كبير في إنتاج أنواع جديدة من المعنى وتشكيل الميولات والرّؤى، ذلك أنّنا أصبحنا بحقّ أمام طغيان نوع من الثقافة المرئيّة تختلف من حيث المضمون وخاصّة من حيث شكل الإبلاغ وأساليب التلقّي عن الثقافة الشفويّة والمكتوبة. فمع انتشار جهاز التلفزيون في كلّ بيت واتّساع رقعة بثّ القنوات الفضائيّة الرّقميّة، أصبحنا بحقّ بإزاء صبيب جارف من المادّة الثقافيّة المصوّرة، تعرض عبر المشهد والصّوت أنماطا فكريّة وقيميّة كثيفة ومتعدّدة الأصول الحضاريّة واللّغويّة، يمثّل المشهد والصورة فيها أداة التعبير الحاسمة. ومثل هذا الوضع الثّقافي قد أوجد تقاليد جديدة لدى النّاشئين في استهلاك المادّة السّرديّة والأدب الحكائي من حيث نمط التلقّي ومن حيث المضمون.

ثمّة إذن تحوّل حاسم في آليّات التواصل الثقافيّ وانتقال الإرث المعنويّ والرّمزيّ بين الأجيال. فعندما تأسّست للصّورة سلطتها وزاحمت النصّ المكتوب في وظائفه التواصليّة والتعبيريّة أخذت الكلمة بثقافتها المقروءة والمحكيّة وبطقوس الاستماع والتلقّي الّتي تلازمها تتدحرج من عرشها لتأخذ مكانها الصّورة الموجّهة والمشفّرة، ويصبح المشهد من ثمّة البؤرة الحاسمة للحدث الفكريّ والإبداعيّ. ومثل هذا الوضع الجديد ولّد واقعا تربويّا جديدا اتّسم بتراجع ثقافة الكتاب والكلمة المقروءة لصالح ثقافة الصّورة، ممّا سيؤثّر طَرَدًا على النّشاط الإبداعيّ عند النّاشئ وأداء الجهازين الذهنيين الحاسمين في الإبداع الفكريّ والنّموّ الوجدانيّ لديه أي: جهاز التخييل وتشكيل الصّور الذهنيّة، وجهاز خزن الذكريات وتنشيطها.

والإشكال المهمّ الّذي نثيره ههنا هو أنّ الحضور الكثيف للتلفزيون واكتساحه لأوقات حميمة من الحياة العائليّة، قد أفرز وضعا تثاقفيّا جديدا، لأنّ المادّة الثقافيّة الغزيرة الّتي يبثّها ، وإن مثّلت رافدا من الرّوافد التثقيفيّة والترفيهيّة المهمّة في تنشئة الطّفل، قد خلقت بفعل تأثير مضامينها المقدّمة وخاصّة بتاثير عادات المشاهدة وأنماط التلقّي الّتي فرضتها، ضروبا من التداخلات الثقافيّة المتأتّية من تأثيرات المادّة الثقافيّة الكثيفة ومتعدّدة الخطاب والقيم، وهو ما قد يدفع إلى حالات من التشوّش في تشكّل المعاني والرّموز عند المشاهدين من الأطفال وتبلور ذاكرتهم العائليّة، كما يؤثّر على المخيّلة وتخزين التجربة بفعل التّخمة المشهديّة وجاهزيّة الصّورة وبساطة إبلاغها وقدرتها على إشباع ضروب من اللذّة الذّهنيّة الّتي تعوّد على إيجادها خلال مطالعته لكتاب أو استماعه لحكاية يرويها له أحد الكهول.

هذا العمل إذن يهدف إلى تبيّن الكيفيّة الّتي يعيش بها الطّفل تجربته مع التلفزيون، ويمكن أن نطوّق إشكاله الأساسيّ في أهمّ القضايا الّتي سنعمل على إثارتها ونمحورها في المسائل التّالية:

كيف يحضر التلفزيون في حياة الأطفال؟ وما حجم الزمن الّذي يقضّونه في مشاهدته واستهلاك مادّته؟ ما هي عاداتهم في مشاهدة هذه المادّة؟ وما هي مؤثّرات كثافة استهلاكهم لها على أنشطة التخييل لديهم وذلك بالنظر إلي مضمون الأدب التلفزيونيّ المقدّم والشّخوص النّموذجيّة والمكتسب اللّغويّ والمحتويات الثقافيّة الّتي تتشكّل لديهم؟

ملاحظات حول منهجيّة البحث ووحدة المعاينة:

تتوسّل هذه الدّراسة في جوهرها بالعمل الميدانيّ معتمدين خلالها على الاستبيان كأداة أساسيّة لجمع المعلومات. لكنّنا نوظّف هذه التّقنيّة لغاية محدودة تتمثّل في وصف الظّاهرة وقياس مؤشّراتها دون توظيف ذلك في الرّوابط السّببيّة بين المتغيّرات، وذلك نظرا لمحدوديّة تمثيليّة عيّنة المراقبة الّتي اشتغلنا عليها. وقد شملت وحدة المعاينة 120 طفلا من الفتيان والفتيات يتبعون المدارس الإعداديّة التّابعة لمدينة المكنين وريفها( 1)، تتراوح أعمارهم ما بين 12 و17 سنة تنتمي غالبيّتهم إلى عائلات من الفئات الشّعبيّة والوسطى. وقد عددنا كلّ طفل ممثّلا لعائلته. وقد تمّ الاستبيان خلال شهريْ جانفي وفيفري من سنة 2005. ولئن لم تكن هذه العيّنة ذات تمثيليّة فائقة بالمقاييس العلميّة الدّقيقة، فإنّ حضور متغيّريْ الجنس من جهة والانتماء المجالي (ريف، حضر) من جهة ثانية يسمح بنوع من التمثيلية الدالّة والمعقولة في إطار المكان والزّمان اللّذين تمّت فيهما المعاينة وفيما يلي نوضّح كيفيّة توزّع أعضاء العيّنة:

الانتماء المجاليّ

الجنـس

 

حضري

 

72

ذكور

النسبة المئوية

إناث

النسبة المئوية

40

33،3%

32

26،6%

ريفي

48

27

22،5%

21

17،5%

المجموع

120

67

55،8%

53

44،2%

الجدول 1 – توزّع أعضاء العيّنة

الخلفيّة النظريّة: ملاحظات حول الخطاب العلمي المتّصل بالطفل والثقافة التلفزيونيّة.

إذا أجّلنا مؤقّتا الحديث عن المقاربات النقديّة الكبرى الّتي اهتمّت بوسائل الإعلام في المجتمعات الاستهلاكيّة الحديثة( 2) وخاصّة دور التلفزيون(3) كهيأة منخرطة في الصّراعات الاجتماعيّة، وتوظيفات القوى المهيمنة لها للتّحكّم في الرّؤى والأذواق وإخفاء الحقائق وإضفاء الشرعيّة على نوع معيّن من الثقافة، فإنّه يمكن القول إنّ الخطاب العلميّ حول التلفزيون وثقافة الصّورة في علاقتهما بالمشاهدين من النّاشئين والشبّان يشقّه موقفان متناقضان تجاه ثقافة الصّورة الّتي يقدّمها لهم. وينهض هذان الموقفان المتقابلان على رأيين مختلفين للتّربيّة. " فكلّ مربّ –وليّا كان أو مدرّسا- يتعامل مع الطّفل بحسب نظرة ما يحملها عن التّربيّة، تكون نتيجة لمكتسب تربويّ يراوح بين الخشية على الطّفل والثقة فيه، حصل عليه الوليّ بنفسه خلال طفولته. فإذا كان الأب المربّي يخشى على ابنه فإنّه يعمل على حمايته من العنف المتوقّع من التلفزيون، وفي حال الثقة فيه يترك له المجال ليستفيد منه ويتعامل معه بأمان " (4) .

وضمن الموقف الحذر من فعل التلفزيون تبيّن " ليليان لورسات" الخطر الذي يمثّله هذا الجهاز على الأطفال النّاشئين وخاصّة الّذين يستهلكون مادّته بكثرة. فـ" ترك الأطفال أمام التّلفزيون- كما تقول- يعني إخضاعهم بشكل متكرّر لقصف انفعاليّ يمكن أن تكون له تأثيرات مؤذيّة على توازنه" (5) و " مخيّلة الطفل وخاصّة الصّغير تتعرّض لمداهمات الصّورة وعنفها وقد تعدّ الطفل إلى اكتشاف مبكّر للعلاقات الأكثر بربريّة في حياة البشر". (6)

و فى مقابل هذا الموقف المتوجّس من التلفزيون يري "سكرام " ( و جماعة الباحثين الذين اشتغلوا معه في الموضوع ) أن علاقة الطفل بالتلفزيون هي علاقة معقّدة و لا يمكن مجاراة النظرة إليه بصيغة مفيد أو غير مفيد، و يذهب إلى الاعتبار أن كل الأسئلة التي تثار حول هذه العلاقة تنتهي دوما إلى جواب واحد مفاده: " إن الأمر يعتمد على... " و هو ما يعني أن التلفزيون ليس خيـرا محضا او شرّا محضا و لكـنّه لايتحـوّل إلى جهاز مـؤذ إلاّ في ظروف خاصّة تتّصل بطبيعة المادّة المشاهـدة و بمضمونها و أسلوبها و الظروف التي تتمّ فيها. و في الآن نفسه ينتقد "سكرام" الاعتبار الذي يرى الطفل مشاهدا سلبيّا بحيث يلتهمه التلفزيون و يتحكّم فيه، و يؤكّد قي المقابل على أن المشاهد الصّغير هو الذي يوظّف التلفزيون و يتلهّي به لا العكس (7) .

و من جهة أخرى يضع "سارج تيسرون" تجربة الطفل مع التلفزيون في إطار آخر مختلف و يبيّن أن للصّورة وضعا خصوصيّا فهي تنهض ضمن الجهاز النفسي للطفل بوظيفة الربط بين تجربته الوجدانية و الحسّية الحركية من جهة وبين الكلمات و دلالالتها و المكتسب المقصود من جهة ثانية. و كلّما ارتبك وضع واحدة من هذه العناصر ارتبك معها التّوازن النفسي و الوجداني عند المشاهد الصغير، أي في الحال التي تكون فيها الصّورة عنيفة و غريبة على الطفل، و يدعو "سارج تيسرون" لتجاوز هذا الوضع إلى تشجيع الأطفال على أن يتعلّموا بأنفسهم فن التصوير و "فبركة" الصورة و استعمال أجهزة التصوير و مناولتها بحسب حاجاتهم الخاصة و ذلك لجعلهم يستأنسون بها و ينكسر الحاجز النفسي القائم دونها.

و سواء اتّصل الأمر بما راه "سكرام" و جماعته أو بما ذهب اليه "تيسّرون" فجميعهم يتفقون على أن الأمر لا يتصل بالصورة و المادة التلفزيونية في ذاتها، بل يتّصل بالكيفية التي يتمّ بها التعامل معها، و يرون أن الأولياء و المربّين مدعوون أكثر إلى التّدخّل الرشيد لتوجيه عادات اطفالهم الصّغار و مساعدتهم في ذلك كما يدعونهم بالدقة إلى التمييز في تعاملهم مع أبنائهم بين مكتسبهم القديم الذي حصلوا عليه من تجربتهم التي خضعوا لها في ماضيهم من جهة، و بين ما يعيشه أطفالهم و تجربتهم التي يخوضونها في المشاهـدة فعلا، و ذلك لكسر الأوهام المسبقـة التي يحملها الآباء حول التلفزيون و هو ما سيساعدهم على حسن التعامل مع هذا الجهاز الذي احتل موقعا مهما في حياة أبنائهم.

المعطيات المستخلصة من الميدان:

1 - الحضور المكثف للتلفزيون في الحياة العائلية:

تشهد الأسرة التونسية منذ انتشار حضور التلفزيون و خاصة مع تطور تقنيات البثّ الإلكتروني و تعدد الفضائيات تحوّلا مهمّا في عادات تمضية الوقت و الاجتماع العائلي، و أخذ هذا الجهاز يسجّل حضوره الكثيف و اتسعت مجالات استحواذه على أوقــات فراغ الأسرة النهارية و الليلية. و مع هذا الحضور المكثف تشكل جدول زمني عائلي خاص و عادات التقاء و سهر جديدة. و تبرز نتائج التعداد العام للسكان و السكنى لسنة 2004 المتعلّـقة بمستـوى العيش مـن خلال مؤشّر التجهيزات المنزلية و الترفيهية حصول تطور كبير في نسب الأسر التي تملك تلفازا. فقد بلغت النسبة % 90,2 سنة 2004 مقابل % 79 سنة 1994، كما ارتفعت نسب الأسر المالكـة للاقط الهوائي الرقمي من 2,1%
% سنة 1994 إلى % 46,8 سنة 2004 (8)

. و قد أكّدت معطيات العمل الميداني هذا الارتفاع، فقد تبيّن أن نسبـة حضور التلفــاز لدى عائلات الأطفــال و التلامـيذ المستجوبين وصلت نسبة % 100 و أكّدت أيضا الحضور المكثف لهذا الجهاز (من جهاز واحد إلى ثلاثة في نفس المسكن)، مع وجود نسبة شبه مرتفعة لارتباط هذه الأجهزة بالهوائيات الرقمية. و يعطينا الجدول التالي صورة عن حضور التلفاز لدى العائلات المراقبة:

 

المجال الحضري

 

المجال الريفي

 

عدد الأجهزة

عدد العائلات

النسبة المئويّة

عدد العائلات

النسبة المئويّة

1

54

% 75

38

% 79

2

16

% 22,2

09

% 18,75

3

02

% 2,77

01

% 2,08

المجموع

72

% 100

48

100 %

الجدول 2: عدد الأجهزة في المنزل الواحد.

نحن إذن بإزاء ظاهرة دالة بحق، فبحكم الطابع الفرجوي و الترفيهي الذي يضمنه التلفزيون، فقد أصبح يحشد أعدادا من المشاهدين من مختلف الأجيال و لو في أوقات غير متزامنـة و موزعة على كامل مساحات اليوم. و اللافت للإنتباه في هذه المعطيات هو الارتفاع الحاصل في نسب العائلات التي تملك أكثر من جهاز تلفزيوني واحد في نفس المسكن و هو ما يعني أن العائلة قد تجاوزت مستوى الضّرورة في توفير التجهيزات الترفيهية، كما يعكس تناميا للنزعة الفردية التي بدأت تجتاح الأسرة التونسية خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة. و يمكن تفسير هذا الحضور المتعدد لأجهزة التلفزيون في المسكن الواحد بتنوع الأذواق بين الأجيال في العائلة و استمرار تأثير تقاليد التقديــر التي تفرضها الحدود بين مكـانات الكبار و الصغار، و لو أن تلك الظاهرة هي أكثر حضورا في البيئات الريفية من البيئات الحضرية.

- الوقت المقضّى أمام التلفزيون:

لقد بدا التلفــزيون و خاصة بعد انتشار الهوائيات الرقمية و الفضائيات المتعددة أكثر سطوة من التلفزيـون المرتبـط بالقنـاة المحلـية، و هو ما يدعـو المشـاهدين من الأطفـال إلى أن يقضّوا أوقـات أطول يستهلكـون موادّ متنوّعـة استحـوذت على اهتمــامهم كالصّور المتحـركة، و المسلســلات و "الكليبات". و يعطينا الجدول الثالث صورة عن مساحات الوقت التي يقضيها أطفال العيّنة أمام التلفزيون.

 

 

الفتيــان

 

 

 

 

الفتيات

 

 

المجال

الحضري

المجال

الريفي

المجال

الحضري

المجال

الريفي

عدد الساعات

التكرارات

النسبة

التكرارات

النسبة

التكرارات

النسبة

التكرارات

النسبة

ساعة واحدة

10

% 25

06

% 35

05

% 15,6

03

% 13,3

ساعتان

03

% 7,5

09

% 33,3

08

% 25

04

% 19

3 ساعات

11

% 27,5

11

% 40,7

09

% 28

12

% 57,1

أكثر من

3 ساعات

16

% 40

01

% 03,7

10

% 31

02

% 09,5

المجموع

40

% 100

27

% 100

32

% 100

21

% 100

الجدول 3: مساحات الوقت المقضّى يوميا أمام التلفزيون

ثمّة ظواهر مهمّة و دالّة يشير إليها هذا الجدول، تتمثّل خاصة في اتّساع الوقت المقضي أمام التلفزيون حيث أن % 74 من عيّنة أطفال الريف يقضون ما بين 3 و 4 ساعات و نصف في المشاهدة مقابل % 67 من عينة أبناء المدينة. و تميل هذه النسبة إلى الارتفاع خاصّة لدى فتيات المدينة.

3- أوقات المشاهدة:

يبدو أن جميع فجوات الوقت المتاحة للأطفال غير خالية من دوي التلفزيون و لو أن توزع هذه الأوقات يختلف لدى فئات الأطفال بحسب جنسهم خاصة. لكن الجامع بين كل الأطفال هو تكثّف أوقات المشاهدة خصوصا في آخر المساء و بدايات السهرة. و يقدم لنا الجدول اللاّحق توضيحا لذلك.

 

 

الفتيــان

 

 

 

 

الفتيات

 

 

المجال

الحضري

المجال

الريفي

المجال

الحضري

المجال

الريفي

أوقات المشاهدة

التكرارات

النسبة

التكرارات

النسبة

التكرارات

النسبة

التكرارات

النسبة

في الصباح

06

% 15

02

% 7,4

05

% 15,6

02

% 9,5

في المساء

08

% 20

08

% 29,6

05

% 15,6

04

% 19

الساعات الأولى

من السهرة

16

% 40

10

% 37,1

18

% 56,2

11

% 52,4

أوقات متأخرة من الليل

10

% 25

07

% 25,9

04

% 12,5

04

% 19

المجموع

40

100

27

100

32

100

21

100

الجدول 4 : أوقات مشاهدة التلفزيون خلال اليوم

إن ما يقارب % 45 من مجموعة العينة يقبعون أمام التلفزيون في بدايات السهرة، و هو الوقت الذي غالبا ما يتفرغ فيه أفراد العائلة من أنشطة العمل و يتواجدون في معيّة. معنى ذلك أن أطول وقت يقضيه الأطفال أمام التلفزيون يتزامن مع أهم وقت حميمي من اجتماع العائلة. لكن يجب القول أن في هذا الحضور اختلافا نسبيّا بين الجنسين من الأطفال ( %35 للفتيان و % 54,3 للفتيات) و ذلك بالنسبة إلى كلا المجالين، فالفتيات هنّ أكثر بقاء أمام التلفزيون من الفتيان في هذا الوقت. لكن ثمّة مؤشرا آخر لا تكشفه هذه المعطيات و يتمثّل في وجود نسبة مهمة من الأطفال تصل حد % 20 منهم يبقون أمام التلفزيون إلى وقت متأخّـر من السهرة، و لو أن هذا الميـل يبقى مرتفعا عند الفتيان ( % 25,4 ) أكثر من الفتيات ( % 15,5 ).

و تشيــر هذه المعطيات إلى ظاهرة دالة أخرى، فالأطفــال يستهلكون إضافة إلى مادّتهم "الطّفوليـة و الشّبابية" من الأدب المصوّر و "الشبابية" مادّة هي أكثر كهولية خاصة منها المسلسلات الدرامية و الأفلام المدبلجة و أفلام المغامرات و الحركة التي تعرض في أوقات متأخرة من السّهرة.

4- نمطيّة المشاهدة: فرديّة /جماعيّة:

تبيّن معطيات المعاينة أن أوقات المشاهدة التلفزيونية تتوزّع على كامل أوقات اليوم، و لو أن وتيرتها تشتدّ في المساء بالنّسبة إلى أغلب فئات الأطفال، و هو ما يعني أن المشاهدة تتم و بنسبة عالية منها بمعيّة أفراد العائلة (بمعدل % 43 ). لكن نسبة من الأطفال من الجنسين تمثّل % 22,5 يشاهدون التلفاز في انفراد، و اغلب المشاهدات من الوقت الفردي تتمّ في الصّباح حيث تفضّل الأمّهات أن يبقى الأطفال أمام التلفزيون أطول وقت و خصوصا عندما يكن منشغلات بأداء الأنشطة المنزلية. و يعطينا الجدول اللاحق صورة عن نمطية المشاهدة عند الأطفال:

 

الفتيــان

 

 

 

 

الفتي ــ ات

 

 

نوع المشاهدة

التكرارات حضر

النسبة المئوية

التكرارات ريف

النسبة المئوية

التكرارات حضر

النسبة المئوية

التكرارات ريف

النسبة المئوية

فردية

09

22,5%

05

18,5%

06

18,75%

05

23,8%

بمعية الإخوة فقط

10

25%

08

29,6%

10

31,25%

06

28,6%

مع الأصدقاء

04

10%

0

07,4%

02

6,25%

01

4,7%

بمعية الوالدين

17

42,5%

12

44%

14

43,75%

09

42,8%

المجموع

40

100

27

100

32

100

21

100

الجدول 5: نمطية المشاهدة

وتشير معطيات هذا الجدول إلى ظاهرتين: أوّلا: الاتّساع النّسبي لوقت المشاهدة الذي يقضيه أطفال العينة من الجنسين - و في كل المجالين - في المشاهدة دونما مرافق، و هو ما يمكّنهم من حريّة أكبر في متابعة برامج قد لا تناسب سنّهم و لا تتوافـق مع حاجياتهم النفسّـية بما في ذلك الأفـلام العنيفة أو ذات المضامين الكهولية، أولا تتماشى و قيم الجماعة المحلّية و خاصّة ما يتّصل منها بالأنماط الإستهلاكية و العلاقات الجنسية.

الظاهرة الثانية التي يشير إليها الجدول هي أن خمس أطفال العينة يشاهدون برامج التلفزيون فرادى و في أوقات متأخرة من السهرة، حيث يخلد جل أفراد العائلة إلى النوم. و يتواتر هذا الإتجاه لدى كلا الجنسين مع ارتفاع نسبي لدى الفتيان. و يمكن تفسير ذلك بما يميّز موادّ هذه البرامج من إثارة يستحسنها المراهقون ( مثل أفلام "الأكشن" و المغامرات وما فيهما من اثارات)، إضافة إلى أن ضعف الرقابة المسلّطة على الفتيان مقارنة بالفتيات يجعلهم أقدر على اختراق الضوابط التي قد يضعها الوالدان على مشاهدة بعض القنوات و البرامج.

5- المواد التلفزيّة المستهلكة:

مع انتشار اللاقط الهوائي الرقمي ارتفع صبيب المادة التلفزيونية الأمر الذي كثّف من البرامج المتاحة للطفل الصغير. و مثل هذه الكثافة مكّنت من الإستجابة لأذواق متعدّدة بين فئات الأطفال، كما خلقـت عادات استهلاكـيّـة جديـدة إستـوجبت نمطية خاصة في المشاهدة و البقاء أمام التلفزيـون و تمضية الوقت. و يعطينا الجدولان اللاحقان تفصيلا لنوعيّة المادة التي يستهلكها الأطفال في المشاهدة:

القنوات المشاهدة

الفتيات

النسبة المئوية

الفتيات

النسبة المئوية

بلغة عربية أو مادة مدبلجة

48

% 71,6

39

% 73

بلغات أخرى: فرنسية

انقليزية

19

% 28,4

14

% 26

المجموع

67

100

53

100

الجدول 6: القنوات المشاهدة

البرامج المفضلة

الفتيان

النسبة المئوية

الفتيات

النسبة

البرامج الوثائقية

04

% 6

03

% 5,6

البرامج الرياضية

13

% 19

04

% 07,5

أفلام الحركة و المغامرات

16

% 23,8

07

% 13,5

أغاني الكليبات

07

% 10,4

10

% 18,5

المسلسلات العربيّة

04

% 06

11

% 20,7

المسلسلات المدبلجة

06

% 09

05

% 09,4

الصّور المتحرّكة

15

% 22,4

10

% 18,8

المسرحيات

02

% 03

03

% 05,6

المجموع

67

100

53

100

الجدول 7 : المواد و البرامج المفضلة

يبيّن الجدولان التنوع و الغزارة التى تتّسم بها المادة التلفزيونية التي يستهلكها الأطفال و المهمّ في هذه الكثافة أنها تتّصـل أكثر باستهلاك المواد ذات الصّـبغة التّرفيهيّـة ( % 82 ) مثل المسلسلات و أفلام المغامرات و الصّور المتحركة و "الكليبات" الغنائية و الرياضة، و ذلك على حساب المواد التعليمية، الوثائقية منها و العلميّة: ( 18 % فقط).

و يتّخذ متغير الجنس من المشاهدين دلالة مهمّة، حيث يتبين وجود مادة تلفزية تكاد تكون خاصّة بالأولاد الذّكور(الرياضة و أفلام الحركة و المغامرات)، و أخرى خاصّة بالفتيات (المسلسلات و أفلام الكليبات...) و في المقابل فإن متغيّر المجال لم يتخذ دلالة حاسمة و واضحة إذ ثمّة تشابه كبير بين ميولات الطفل في المدينة و ميولات الطّفل في الرّيف من حيث سلوكات المشاهدة و نوع المادة التلفزيونية المفضّلة.

قراءة في المعطيات الميدانية:

لقد سمحت المعطيات الميدانية المتاحة بأن نقف عند جملة من الظواهر المهمّة نكتفي هنا بالإشارة إلى خمسة أساسية منها:

أولا: لقد التهمت مشاهدات التلفزيون جانبا مهمّا من الزمن الحميمي المتاح لأفراد العائلة في اليوم. فقد أصبح هذا "الجليس" يحشد من حوله مشاهدين كثيرين و خاصّة من الأطفال في أزمنة مهمّة من النّهار. و هو ما يعني أن مكانة التلفزيون كمصدر لـ "التثقيف" وكهيأة تنشئة في العائلة قد تعاضمت بوضوح. فثقـافة الصّورة قد استحـوذت على جانب مهم من فراغات الوقت المتاح للناشئين، و هو ما أثر طرديا على نمطية الوقت الذي يقضى بمعية الكبار، و مما سيؤثر بالتأكيد أيضا على تشكّل مخيّلتهم و ذاكرتهم العائليّـة. يتمّ ذلك مع تقلّص نسبـيّ مواز للأوقـات الحميمة للعائلـة و لمجالات الحوار و التّواصل التي تتاح للكبار و الصغار معا في يومهم.

ثانيا: بشكل عام تتجه الميول الخاصة بالمشاهدة من الجماعية إلى الفردية، و ذلك خاصّة مع تنام مستمرّ لصبيب مادّة تلفزيونيّة في فضائيّات آخذة في التّزايد باستمرار، يتمّ ذلك مع تفتّت للفضاء المنزليّ إلى فضاءات فردية و انقسام للزّمن العائلي إلى ازمنة جماعيّة و أخرى فرديّة. كما يتبيّن أن تـوزّع أوقات المشاهـدة على مساحات الوقت في النّـهار تستجيب في تعدّدها لأذواق الأطفال المختلفة و تتماشى مع إيقاع حضورهم و غيابهم عن المنزل. يتمّ ذلك كلّه مع اتّساع عام لفردانية آخذة في التّبلور تعبّر عن نفسها من خلال أذواق جديدة و طرائق مختلفة في توظيف الفضاء.

ثالثـا: يقترح التلفزيــون على الطفل مادّة كثيفـة المحتـوى تسمح له بالتعرّف إلي أنماط ثقـافيّة و حضاريّة و لغوية متعددة وشخوص نموذجيين كثّر بعضهم خيالي و بعضهم الآخر واقعي يتحوّلون بحكم تواتر المشاهدة الى شخصيات مألوفة، لكن أغلب تلك الشخوص تختلف من حيث رموزها عن الشخوص التي يعرفها الطفل في محيطه المحلي. كما تضع هذه الثقافة التلفزيونيّة الطفل أمام مرجعيّات ثقافية متداخلة و متنوعة و سجلاّت دلاليّة كثيرة تتّخذ في غالب الأحيان أشكالا غير متناغمة. لكنّ يجب القول إن الثقافة و "الأدب" اللّذين يقترحهما التلفزيون على الطفل بهذا المضمـون و الكثافة يمثّلان في الآن نفسه - من حيث الدّلالة القيميّة و التربويّة- مصدرا موازيا و منافسا للثقافة "العائلية" و المدرسيّة. لكنّهما أيضا يتيحان للأطفال بمختلف بيئاتهم و أصولهم الاجتماعية من مكتسب "معرفي" مبكّر و متقارب، و لو أن هضمه يتمّ لديهم بحسب إيقاعات مختلفة.

رابعا: ثمة ميل واضح لدى الأطفال من الجنسين و في كلا المجالين إلى استهلاك كثيف للمادة التّرفيهيّة على حساب المادّة التّعليميّة و التّكوينيّة.

خامسا: لم يكن الإختلاف في الانتماء المجاليّ (حضر / ريف) لدى الأطفال العينة دالا دلالة حاسمة، فثمّة تشابه نسبيّ في ممارسات المشاهدة بين الفئتين. لكن الاختلاف الذي يمكن أن نعدّه دالا فيتّصـل بسلوكات المشاهـدة لدى كلا الجنسيـن، وهو ما عكسه التفاوت في ميولات كلّ من الذّكـور و الإناث في استهلاك بعض المواد و في كيفيّـات توزيع اوقات المشاهدة، و لو أن هذا الاختلاف بقى نسبيّا و غير عميق.

و يجب التأكيد هنا أن هذا الواقع الجديد الذي يخوض فيه الطفل تجربته "الثقافية" مع التلفزيون يندرج ضمن سياق تحولي أشمل لمسّ مجمل الأطر الاجتماعية التقليديّة التي كانت تتمّ فيها تنشئة الطفل. نسجل هنا مثلا الانتقال التدريجي الذي عرفه نمط العائلة التونسيّة و تبلور الأسرة النووية الضيقة على حساب النمط الممتد. وقد تصاحب مع ذلك توزيع جديد للأدوار المنزلية بخروج المرأة للعمل إلى جانب الرجل، و هو ما أوجد فراغات زمنية في حياة الطفل أصبح يقضها بمفرده خارج المنزل او داخله، كما أعاد ذلك التغيّر تشكيلا مختلفا للسّـلطة العائلية وترتيبا جديدا للعلاقة بين الآباء و البنين، و هو ما ساهم في تقليص دور التأطير القرابي والأهلي الذي كان الطفل يخضع له ضمن العائلة الممتدّة وضيّق من مساحة الزمن الذي يجمع الأجداد و الأحفاد في المجال المنزلي معا، الأمر الذي أثر على آليات انتقال الإرث الثقافي و الرّمزي من الكبار إلى الناشئين.

و يجب أن نسجل هنا أن هذا الانتقال الحاصل في بنية العائلة قد توازى مع حصول تغيرات مجاليّة موازية مسّت أساسا فضاءات المجال الحضري. فغالب مساحات المدينة الرّحبة بما في ذلك الفضاءات المهمّشـة قد خضعت لعمليـّات من التأشير «  immatriculation  » والتهيئة العمرانيّة فأزيل بعضها تماما او قامت مقامه بناءات وأحياء سكنيّة، تقطنها فئـات اجتماعية ذات أصول جهويّة و طبقيّة مختلفة. و مثل هذا التحول المجالي أثر في تشكيل فضاءات "الحومة" و بطاحها فضاقت مع ذلك مساحات اللعب الجماعي التي كانت متاحة للأطفال. فتجربة جماعات الزمرة (les groupes de (pairs التي يخوضونها في هذا البطاح تسمح لهم بأن يعيشوا منذ الطفولة تجربة العيش في الجماعة "المدنية" و يستأنسوا بنواميسها و يكتسبوا منها خبرات عملية كثيرة كالتعويل على الذات و تدبّر الأمور دون مساعدة الكهول. و إلى جانب هذا عرف فضاء "الزنقة" الذي يجمع عادة الأنداد من الأطفال للّعب مصيرا مماثلا حيث اكتظّ بحركة المارّة و اجتاحه "الغريب"، فتراجعت مع ذلك ثقة الأهل المعقودة عليه. ومثل هذه التغيّر قلّص كثيرا من الفرص التى كانت متاحة للاطفال ليتشكّلوا جماعات مرجعيّة وسيطة قارّة، وتراجعت مع ذلك أنشطةّ لعبهم الجماعيّة الأمر الذي دفع بهم إلى استبدال ألعابهم الجماعية بأخرى فرديــة و قضاء أوقات أطول في انفراد.

ويجب ان نسجّل من جهة أخرى ايضا انّ دور التنشيط الطفولي و الشبابي المدعوّة إلى استيعاب الأطفال و تأطير أنشطتهم لم تقدر- لأسباب كثيرة- على استيعاب العدد الكبير من أطفال احياء المدينة لصقل مواهبهم و ملء أوقات فراغاتهم المتاحة و شدّ اهتمامهم ليبقوا يرتادونها باستمرار. ولعلّ الأمر يعود إلى أن نوع الأنشطة التي تؤدّى في هذه المؤسّسات و اساليب ادائها لا تستجيب للمبادئ البيداغوجيّة التي تراعي نفسيّات الطفل الحديث التي تفسح للناشئين مجالات المبادرة ليكونوا هم أنفسهم في محور العملية التنشيطية(9) ،إضافة إلى أن تلك المؤسّسات قد تتحول و الحالة تلك، إلى هيأت للتأطير أكثر منها مؤسّسات للتّنشيط وصقل المواهب، و مثل هذا الوضع يمنعها من أن تحافظ على علاقة مستمرة مع الأطفال.

و يمكن القول إن اجتماع كل هذه التغيرات التي مسّت أطر تنشئة الطفل وبالنّظر إلي التنامي المتصاعد لحضور التلفزيون في حياته و بالكثافة المغرية التي اشرنا اليها، تشكّل جميعها عوامل مساعدة على شدّ الطفل إلى التلفزيون و قضاء أوقات متزايدة أمامه ليتحوّل هذا الجهاز إلى هيأة منافسة للأسرة و المدرسة في تنشئة الطفل و تربيته.

"الأدب" التلفزيوني: مميّزاته و مضامينه

منذ انتشار التلفزيون و حضوره على نطاق واسع في الحياة العائلية جلب معه نوعا من الأدب المصوّر يختلف، من حيث مضمونـه وأسلوب التلقّـي الذي فرضـه، مع الأدب المكتوب والمحكيّ. و المهمّ في هذا التحوّل أن بؤرة الحدث الفكري والتخيّلي قد انتقلت من اللّغة المكتوبة والمسموعة لتنصبّ على المشهد المصوّر. ففي النصّ المحكيّ و المقروء تتركّز الطّـاقة الذّهنيّـة والتّعبيريّة على الكلمة و الأعمال اللغويّ التي ينجزها القاصّ بما تتضمّـنه من معجمية لغويّة وبلاغة خاصّة يطوّعها و يشحنها بالدّلالة الرّمزيّة والأخلاقية ليصوّر الأحداث والشخصيّات ويجسّدها بالكلمات لتصبح قريبة من تمثّلات القارئ أو السّامع ممّا يدفع بطّاقته التخيّلية إلى الاشتغال بقوّة ونشاط، ومن هذه الصّورة المتخيّلة ومن الّلعبة السّرديّة التي ينشئها لها مبدع الأثر الأدبي تتشكّل اللذّة الذوقيّة التي يجدها مستهلك المادّة المحكيّة او المقروءة.

أما بالنسبــة إلى الأدب المصوّر في التلفـزيون فالأمر مختلف، لانّ الصّورة تشتغل في ظروف تختلف عن ظروف اشتغال الصّورة المتخيّلة في النصّ المقروء أو المحكيّ، لانّ الصّورة المشاهدة تتّصل أكثر بالظرفي والعابر L' ephimère ، والمشهد فيها يستمدّ مضامينه من طاقته الإبهارية واللذة المشهدية التي تصحبه و هو يقوم على جاهزيّة الصّورة الماثلة وعلى طاقتها التصويريّة والتجسيديّة المباشرة أكثر مما يقوم على بلاغة الكلمة و اللغة. و مثل هذا الأدب يضع أمام الطفل مادة مصوّرة كثيفـة تولّد لديه بفعل كثرة المشاهـدة وتكرارها تخمة مشهديّة وتترك في مخيّلته وذاكرته صورا نمطيّة يغلب عليها العابر والمبهر. ويتبيّن من تحليل المضمون العام الطاغي على المادة التلفزيونيّة التي يستهلكها أطفال العينة المدروسة أنهم يتلقّون أربعة أنواع من الخطاب، نعرضها فيما يأتي:

أ- خطاب محلّي تبثّه القناة الوطنية التونسيـة يحتوي على مادّة متكوّنة أساسا من الصّور المتحـرّكة المستوردة عادة والمدبلجة، ومن "الكليبات" الغنائية والرّياضة، وهي الموادّ التي تجد رواجا كبيرا لدى الأطفال. ومادته محليّة الإنتاج تتضمّن مسلسلات درامية، بيئة أحداثها محلية وأبطالها تونسيـون، لكن عرضـها يبقى موسميّـا مرتبـطا أساسا بالمناسبات الدّينية كـشهر رمضان (10) ، وتحضي هذه المادّة لدى العائلة التونسـيّة وبخاصّـة الأطفـال بالاهتمـام الكبير، لمحلّية شخوصها وحبكتها ومضمونها الدّرامي والهزلي أحيانا كثيرة. ويتضمّن هذا الخطاب أيضا مادّة درامية من إنتاج بعض دول أمريكا الجنوبية، تعرض في شكل مسلسلات مطوّلة تمّت دبلجة لغتها الي العربيّة ولكن بلهجات مختلفة، وتتم أحداثها عادة في بيئـات اجتماعيـة وحضارية من أوروبـا أو من جنوب أمريكا، وتتميز مادّتها بثراء المعجم العاطفي و بحبكتها الدرامية. و يتضمّن هذا الخطاب أيضا مادّة ثقافية ذات طابع تراثي وديني، شخوصها و أزمنة أحداثها مستوحاة من التاريخ الإسلامي الزاهر.

ب- خطاب ثان غربيّ المصدر يتضمّن المسلسلات و أفلام "الأكشن" التي يظهر أبطالها في أكثر الأحيــان ذوي مهارات خارقة و قدرات فائقة على مواجهة الصّعاب و تحدّيها. و تقدم هذه المـادّة التلفزيونيّة صورا مـن الحياة الغربيّة وخاصة الأمريكية بأنماطها القيميّة و الأخلاقية.

ج- خطاب ثقافي ثالث يغلب عليه الإنتاج الأمريكي والياباني خاصّة وتتكوّن مادّته أساسا من الصّور المتحركة، وهي مادّة تجمع في الآن نفسه بين الواقع العلمي والخرافي معا. ويتقدّم أبطال هذه المادّة المصوّرة في شكل شخوص وأبطال خـارقين للعادة لا وجود لهم في الواقع. ولغة هذه المادّة مدبلجة لكن الترجمة فيها تتم للكلمات لا للصّور والمشاهد. ولئن تسمح هذه المادّة الثقافية بتنمية ضروب من الخيـال العلمي والأسطوري عند الطفل وتشبع نهمه في استهلاك المادّة السّرديّة، فإنها في نفس الوقت لا تستجيب لحاجاته الآنية والمحلّية، إضافة إلى إنّ التخييل فيها يتركّز على وقائع يغلب عليها العنف الممجّـد للقوة والحرب في تحقيق الغايات.

إذن، بإزاء هذه المعطيات يجد المراقب نفسه أمام مجموعة من الظواهر السّوسيولوجية الدّالة بحقّ، نتناولها بالتحليل متطرّقين إلى المحاور الأساسية التّالية: تجربة المشاهدة التي يخوضها الطّفل مع الحكاية المصوّرة- أداء ملكة التّخييل لديه- المضمون الثقافي و اللّغوي والإضحاكي الذي تتضمّنه المادّة التلفزيونية المصوّرة.

1-الطفل و تجربة المشاهدة:

إن الكثافة التي أصبح يحضر بها التلفزيون في حياة الطفل و بتنوع المادة الثقافية التي أشرنا إليها جعل من هذا الجهاز هيأة تنشيئية ومدرسة موازية حقيقيّة كما قال "جورج فريدمان". فهو يضع أمام المشاهد الصغير العالم الكبير والكون البعيد بمادّته وصوره و رموزه و يجعله ينفذ عبر مادّته تلك إلى عالم الكهول الذي كان مغلقا، لكنّ الكهول الذين يكتشف حياتهم في هذا العالم الجديد ليسوا اولئك الذين يعرفهم في محيطه المحلي و القريب، بل هم يختلفون ولا يشبهون في أحيان كثيـرة الكهول الذين عرفهم من حيث رموزهم و مظهرهم ونماذجهم التي يتّخذونها. ثم إن المادة المصوّرة التي يشاهدها الطفل بتنوعها و غزارة صبيبها تدفع بتفكير الطفل إلى إثارات انفعالية تحرّك لديه رغبـات و مشـاعر مختلفـة، كما تثري الحوارات في الأفلام المدبلـجة و الصّور المتحرّكة مخزونه اللغوي، و تجعله يتعلم بشكل مبكّر- وعلى خلاف تجربة أبويه والكهول عموما-، رموزا اجتماعية جديدة ومستأنسا بمشاهدة ظواهر وعلامات لم يكن متاحا للآباء أن يتعرّفوا عليها عندما كانوا في سنّ ابنائهم. و لقد صوّر "جون كازانوف" هذا الواقع الجديد الذي فرضه حضور التلفزيون في حياة الإنسان الحديث في مؤلفين: " مجتمع الحضور الشامل" (11) و"الإنسان مشاهد التلفزيون"(12) . فأمام التلفزيون أصبح بإمكان المشاهد الصّغير

أن يسافر في أنحاء العالم بل ويحضره بين يديه بأوجهه وصوره المختلفة و شخوصه المتنوعة وهو ما سيجعله يخرج من محلّيته الثقافية الضّيقة و يصيّره كائنا كونيا.

و يذهب "كازانوف" بعيدا في توصيفه لوضع إنسان المشاهدة «  Teléspectateur  » هذا، و يبين وجود تماثل كبير بين الدور الذي تنهض به الثقافة البصرية-السمعية بالشكل الذي تقدمه التلفزيون اليوم في حياة المشاهدين من جهة، و ما كانت تلعبه الأنشطة الطقوسية في حياة مجتمعات التقليد من جهة ثانية، و ذلك من حيث الفعل التواصلي و التربوي الذي تؤديه. و مثل هذه المشابهة تبين حجم الحضور الثقافي و الرمزي الذي يتخذه التلفزيون في حياة المشاهدين و خصوصا من الأطفال. إضافة إلى ذلك فهذا العالم المفتوح و الفان تحرك لدى مشاهديه من الأطفال حاجات رمزية لم تعد أطر التنشئة التقليدية من بيئته المحلية تقدر على إشباعها لديهم. ثم إن المادة الترفيهية التي تبينا كثافتها –كالصورة المتحركة و أفلامك "الأكشن" و المغامرات و الصور المتحركة- لا تخلو من تعليم و تثقيف علمي و لغوي، علاوة على أنها تثير فضول الطفل و تحرك رغباته و تدفعه إلى أن يعيش إثارات انفعالي تكون عادة منطلقا لإثارة أسئلة كثيرة.

و ثمة حقيقة يجب تأكيدها، و هي أن المشاهد الصغير ليس سلبيا أمام التلفزيون لأنه عندما يستهلك مادته يطوعها حسب اهتماماته و رغباته و يعيشها بحسب إيقاع خاص به.

لكن يجب القول رغم ذلك أيضا إن تجربة المشاهدة التي يخوضها مع التلفزيون تختلف عن تجربة الكهل، و الأمر يعود إلى اختلاف المكتسب الحاصل لدى كليهما فالكهل الراشد و هو يشاهد مادة التلفزيون، يحاورها موظفا خلال ذلك مكتسبه الحاصل و يقيم عليها أشكالا من الغربلة و التصفية بحيث إنه عندما يشاهدها و يستهلكها، يحولها إلى شيء يعكس حاجاته الدخيلة و يجري عليها ضروبا من الانتقاء الموافق لميولاته و طباعه. بيد أن التجربة التي يخوضها الطفل مع المشاهدة تختلف نسبيا عن تجربة الكهل، لأن هذا المكتسب لم يتبلور بعد لديه بنفس "الاكتمال" الذي حصل عند الكهل. فالناشئ ما يزال يعيش في ضباب مرحلة الطفولة لذلك ستبقى ذكريات التجارب التلفزيونية - وبعكس الكهول – تثير وتحرك ذكرياته اللاحقة. كما قد يتبلور لديه ميل نحو تجريد العلاقات التي سيصادفها من صفاتها الواقعية و تبقى تجربة التلفزيون ترسل بأصدائها النفّاذة إلى عالم الوقائع الحقيقية التي يعيشها.

و من جهة أخرى، و بحكم اكتساح التلفزيون لجانب مهم من مساحات الفراغ المتاحة لدى الطفل خلال يومه، فإن مجالات الصمت "اللذيذ" قد تقلص من جدول أوقاته و تتمثل هذه المساحات في ما يعرف لدى المراهقين بظاهرة "الميل الظرفي إلى الانعزال" وهي حالة من القلق الوجداني تصاحبهم (13) وعنـد حضور التلفزيون بكثافة في حياة الطفل اقتطع جانبا من تلك المسـاحات الحميمة وحرمه من أوقات أوسع للضجر اللذيذ.

2- من الحكاية المقروءة و المحكيّة إلى الحكاية المصوّرة والمشاهدة:

إن حضور التلفزيون بالحجم الذي أشرنا إليه و بمساحة الوقت التي تقضى أمامه تجعل الطفل يعيش مع الصّورة المشاهدة و القصة المصورة تجربة ذهنية تختلف مع تجربته عند مطالعة قصّة في كتاب أو الاستماع إليها محكيّة من قبل أحد الكهول. فشتّان بالنسبة إلى الطفل بين لذّة ذهنيّة يجدها في مطالعة كتاب يجتهـد في الحصول عليه و يقرأ فيه قصّـة أو في خرافة يرويها له أحد الكهول من جهة، وبين لذّة يجدها في مشاهدة عدد كبير من الحكايات المصوّرة يقدمها له التلفــزيون جاهزة. فبالتأكيد ثمّة فروق في مستوى العمق و الكثافة في أداء الأنشطـة الذهنية والتخيّلية التي ينجزها الطفل بإزاء عمليّة القراءة والاستماع وبإزاء عمليّة المشاهدة، و ستكون لمثل هذا الاختلاف انعكاسات حقيقيّة على أسلوب التلقّي ومضمون النصّ الذي يتلقّاه الطفل في كلتي التجربتين. فالحكـاية المشاهدة على شاشة التلفزيون جاهزة في كلّ وقت يريد، لذلك لا يبذل الطفل كثيرا من الجهد في مشـاهدتها وفهم أحداثها بحكم ما تنجـزه الصّورة فيها من تجسيـد للأحـداث والشّخوص وبحكم الكثرة والجاهزيّة التي تسمح للمشاهد الصّغير بها، ثمّ انّ اللذّة التي يجدها الطفل تكتسب بيسر وبجهد اقلّ، وذلك بخلاف اللذّة التي يجدها مع قراءة حكاية أو الاستماع إليها فهو يبذل جهدا اكبر في البحث عنها وإيجادها ويستغرق وقتا أطول في قراءتها وتمثّل أحداثها، لذلك تكون المتعة التي يجدها حصيلة للجهود الذهنيّة والجسديّة التي يبذلها، إضافة إلى انّ تلك الجهود تكسبه مهارات تعلّميّة كثيرة. أما بالنّبسة إلى العمليّات الذّهنية التي ينجزها خلال عمليّة المشاهدة فانّ بعضها- وخاصّة نشاط التخيّل واستحضار الصّور- يتّجه بفعل حالة العطالة إلى الخمول والرّاحة وذلك في مقابل حجم النشاط المبذول خلال عملية المطالعة أو الاستماع. إضافة إلى أنّ الطفل بإزاء نشاط المطالعة أو الاستماع إلى الحكاية المروية يكون منتجا لانّه خلال عمليّة تخيّل الأحداث يشغّل بنشاط جلّ حواسّه الإدراكية من استماع و تصّوّر مرهف وخاصّة من تخييل كبير يحصل عمّا تتّخذه الشخصيات والأحـداث من إضمار وغياب وعمّا يعتمده الراوي من ألاعيب سرديّة وطـقوس في الحكي خلال عمليّة السّرد (14) . ثمّ إن جاهزيّة الصّورة و تجسّـد الأحداث والشخصيات بملامحها و وضوح إطاري الزمان والمكان يوفّر على المشاهد الصّغير كثيرا من الجهد كان سيبذله في نشاط التخيّل والتصوّر والتذكّر ليجد نفسه بحكم كثرة الحكايات المشاهدة أمام تخمة مشهديّة تنفّره من الالتفات إلى الكتاب.

إن الفرق بين التجربتين هو أن وظيفة التخيّل نشيطة وعميقة في عملية المطالعة وتحفّز حواسّ الطفل على النّشاط بحيث تتحقّق لديه اللّذة من جهوده الحسّية والذهنية المختلفة التي يبذلها. أما مع تجربة المشاهدة فإن الطفل يجد نفسه أمام كثافة مشهديّة تؤدي به إلى نوع من التخمة والإشباع يقلّلان رغبته في المطالعة. ومن جهة أخرى فاللغة والألاعيب السّردية التي يعتمدها الرّاوي في الحكاية المسموعة أو المقروءة والتي تصنع الصورة المتخيّلة ترد في تجربة المطالعة والاستماع مشحونة بطاقـات تصويـريّة تتوظّف فيها كثيرا المهـارات البلاغيـة والبديعيّة، و لذلك يتحـوّل التّصوير اللغوي و الإنشائي فيها إلى طاقة تنشّط عند الطفل حواس التخيّل و التذكّر و تحمل وجدانه إلى الانفتاح على عالم السّحر و العجيب، و عندما تنفتح مخيّلته على هذا الباب يتعزّز لديه نشاط التّخييل وتنمو طاقة التصوير وإنتاج الصّور. ومن خلال هذه العمليات يتحوّل المشهد والصّورة غير الماثلين مادّة قابـلة للاستحضار والتمثّـل بفعل عمليّـات الإخراج اللغـوي التي يتـخذها الراوي مثل الاستعارة و التشبيــه و الكناية و التورية و غيرها من الإنشاءات البديعية كالسّجع و الطّباق و التّقابل. ويجب القول هنا إن الطفل رغم كونه متلقيا، إنما يشارك بدوره في عملية إنتاج الحكاية وإنشاء الصّورة، لانّه يقوم بتحويل أحداثها وشخصياتها ورموزها ويبنيها في خياله بما يتوافق مع حاجاته النفسيّة والوجدانيّة، وبمثل هذه الأنشطة الذهنية التي يتعوّد على إنجازها مبكّرا تقوّي شغفه بالمطالعة و تجعله يستأنس مبكّرا بإنتاج الأعمال الفنّية والإبداعية وتذوّقها و تقييمها، كما تعزّز معجمه اللغويّ و التّعبيري. لكن يجب القول إن مثل هذه الأنشطة الذهنية لا ينجزها الطفل خلال تجربة المشاهدة بنفس الكثافة والعمق اللذين ينجزهما مع تجربته في استهلاك الأدب المقروء أو المسموع لأن الحكايات المصوّرة بما توفّره له من تجسيم مشهدي وسهولة في الاقتناء تقلص لديه فرص تحقيق نفس الفوائد التي يجنيها مع عملية المطالعة أو الاستماع إلى الحكاية، و قد تدفع حاسّة التخييل لديه إلى الخمول و العطالة، وعلى هيأة ما يقول عبد السّـلام المسدّي فإن "المشاهـدة التلفزيونيـة المكثّـفة بما توفّـره من تشخيص للحركة... و تجسيم للواقع و رسم تشكيلي للظواهر والأحداث تحول دون تبلور وظيفة اللّغة الأساسيّة... المتمثّلة في وظيفة التخييل" . (15)

3-المشاهدة و التّجربة اللّغوية عند الطفل:

إن اتّساع حضور التلفزيون في الحياة اليومية للطفل بتعدّد الخطابات التي يبثّها وبالكثافة التي أشرنا إليها،إنما يخلق ضمن تجربة النّاشئ الصّغير اللغويّة وضعا جديدا، فما ينتجه التلفزيون من أدب مصوّر ومسموع يضيف إلى مجموع الخطابات التي يستهلكها الطفل وينخرط فيها في حياته اليومية خطابا جديدا. فإلى جانب الخطاب اليومي في البيت و الشارع، والخطاب المدرسي التجريدي الذي يتعلمه ويمتـحن فيه ويطلب إليه أن يوظّفه في المواقـف "الجديّة، يأتي خطـاب التلفزيون المتعدّدة، مختلفا عن الخطابين الأولين من حيث اللّهجات والسجلاّت و السّياقات المتعدّدة التي يعرض بها. فالطفل بإزاء هذا الخطاب ينصت دون أن يكون طرفا في إنتاج الكلام أو المعنى، ثمّ إن اللّغات في هذا الخطاب مزدوجة، وهذا الازدواج يضع أمام الطفل رمزيّة ثقافيّة متداخلة بتداخل المرجعيّات الحضاريّة التي تحيل إليها، كما أن السّجـلاّت الرّمزية والمعياريّة تبدو نتيجة لذلك غير متناغمة وغير منسجمة، ومثل هذا الوضع الجديد يجعل الطفل يعيش تجربة اللّغة بصفة غير طبيعيّة، وهو ما سيساهم من هذا الجانب أساسا في مزيد تشويش المشهد الثقافي والوجداني العام المتّسم أساسا بالتناقض والتداخل في مجتمع متحوّل يعرف قطيعات ثقافيّة متعدّدة.

لكن يجب القول في هذا الإطار أن ثمة ملاحظات تؤكّدها المعاينات الميدانية وشهادات المدرّسين في التعليم الأساسي مفادها أن استهلاك الأطفال المكثّف للمواد الأدبية التلفزيونية قد مثلت مزودا مهمّا للزّاد المعجمي واللغوي عند الأطفال والتلاميذ وهو ما يعكسه سجلّ الألفاظ والجمل الجاهزة والتسميات التي يردّدها الأطفال خلال وضعيّات التواصل الشفوي حفظوها من حوارات أفلام الكرتون المصوّرة وأغاني الكليبات. و يؤكد هؤلاء المدرّسون أن تلك "الكفاءات" التعبيرية التي تظهر من خلال الأداء الشفوي تغيب في إنتاجات التلاميذ الكتابيّة، ويعلّّّق الكثير منهم على ضعف الأداء التعبيري في انشطة الكتابة عند الجيل الجديد من الأطفال قائلين " نحن بإزاء جيل من الأطفال فقير الخيال ". ولعلّ « فقر الخيال الذي يشار إليه يعود إلى أن ما يحفظه الأطفال من جمل و صيغ تعبيرية جاهزة- بما يوهم بنبوغ في الأداء الشّفويّ- لم يتحقّق لديهم من خلال تجارب تواصليّة وحوارية انخرطوا فيها بالفعل، بل هم اكتسبوها من استماعهم المكثّف لحوارات أفلام الكرتون التي تجريها شخوص نمطيّة أصبحت لديهم مألوفة بحكم كثافة المشاهدة. و إذا استحضرنا هنا الدّرس العلمي الذي يفيدنا به "جون بياجي" ف علم نفس الطفل (16) فإن عمليات التعلّم التي لا ينخرط فيها المتعلّم بنفسه لا تحقّق لديه إلا مكتسبات سطحية.

معنى ذلك أن التّجـربة اللّغوية التي يخوضها الطّفـل خلال المشاهدة- بالطريقة التى اشرنا اليها- لا تساعده على اكتساب عميق للمهارات اللّغوية بما يتطلبه ذلك من قدرات على إنجاز أعمال منطقيـّة وتعبيريّة من إسنـاد لغويّ وربـط معنويّ بين مكوّنات الكلام و تراكيبه، و وضع كهذا يجعل الطفل يعيش تجربة اللغة بصفة غير طبيعيّة و يصيّر سجلّه اللّغوي خليطا فسيفسائيا غير متنــاغم.

و يتّضح الأمر أكثر عندما نقيم مقارنة بين أداء الذهن لدى الطفل خلال نشاط المشاهدة من جهة و أدائه خلال نشاطي المطالعة و الكتابة من جهة ثانية. فبإزاء العمليّة الأولى ينصبّ اهتمامه على الإنصات والمشاهدة ولا يبذل مجهودا كبيرا في إعمال حاسّة التخيّل، أما مع النشاطين الأخيرين فالطفل ينشّط هذه الحاسّة كثيرا فيكتسب بحكم التدرّب الذّهني مهارات تعبيريّة أعمق وأدوم. فهذان النشاطان يستدعيان منه أن يستنفر طاقاته الذهنيّة للتنسيق بين أداء ثلاث عمليات: مرئية (حيث يدرك الطفل الحروف و المفردات بأشكالها و أحجامها)، و سماعيـّة (حيث يستأنس بأصوات الكلمات وصوامتها وجرسها الإيقاعي والنغمي حين ينطق بها)، ودلالية (حيث يتعرّف إلى معانيها و رموزها). و إذا تعطّل أداء إحدى هذه العمليّات اختلّ التناسق بين باقي العمليّات الذّهنية المتّصلة بالأداء اللغويّ وهو ما قد يتسبّب لدى بعض الأطفال في حالات من العسر في تعلّم القراءة و الكتابة ( dyslexie ) .

بالإضافة إلى هذا يجب التأكيد مستحضرين الدّرس اللّساني أن اللغة تختلف عن الكلام بما هو مكوّن سلوكي لحدث التواصل وهي لا تمثّّّل إلا الجزء الاجتماعي من الكلام، معنى ذلك أنّها تتحوّل بحقّ إلى ظاهرة اجتماعية ملزمة تخرج عن إرادة الأفراد الذين ينطقونها و تفرض عليهم مضامينها ومنطقها، من هنا فإن الأطفال عندما يكتسبونها خلال تجربتهم لا يكتسبونها مفصولة عن محمولاتها الثقافية و القيميّة. فالصّور و المشاهد نفسها بما هي لغة، وحوارات الأفلام والخطاب الاشهاري وافلام الكرتون و" الأكشن " وأغاني "الكليبات"، كلّها تحتوي مضامين ثقافيّة وقيميّة لا ينفصل فيها القول والإشارة عمّا تحتويه من رسائل وعلى هيأة ما يقول "جون اوستين": أن نتكلّم يعنى أن نفعل" أو بمثل ما يتساءل بيار بورديو "ماذا يعني أن نتكلّم ؟"، ففي كلّ هذه الاوضاع تحدث اللغة عند الطفل المتلقّي فعلا تغييريا و تولّد لديه استعدادات و قناعات مختلفة. لكن في مقابل هذا الانبهار الحاصل لدي النـاشئين بمضمون هذه المادّة الأدبية التي يستهلكونها و بنجومها و أبطالها، يتقدم منتجو البرامج التربوية والدينية في القنوات المحلّية والعربيّة خلال برامجهم في زيّ غير متناسق وعلى محيّاهم علامات الجدّية المفرطة والمصطنعة أحيانا ويستعملـون لغة نمطيّة لا تتماشى مع روح الطفــل المرحة ولا تبدو البرهنة والقضايا التي يعالجونها فيها قريبة من اهتماماته. وفي مثل هذه الحالات تتعمّق لدى النّاشئ أشكال التمزّق الوجداني حتى لقد يصل الأمر به إلى ضروب من بخس ثقافته المحلّية ويظلّ أبطالها المحلّيين والتاريخيين في تصوّره و ذاكرته مغمورين وغامضين. ثمّ ومن جهة أخرى إن هذا الخليط الثقافي والاجتماعي بما يصاحبه من إبهار مشهدي ومتعة عابرة وخطاب غير المنسجم لا يترك لدى النّاشئ معرفة عميقة، بل – وهذه ميزة الثّقافة المشهديّة- يترك لديه مادّة تتصل أكثر بالظـّرفي و اليومي و العابر تستمد قوّتها و سلطتها عليه من إبهارها و لذّتها المشهديّة الخاصّة.

4-الطفل و إضحاك الصّورة:

تقدّم المادة التلفزيونية و خصوصا الصّـور المتحركة للطفـل مساحات كبيرة من الإضحاك وتستحوذ أحداثها و شخصياتها النمطية على اهتمامه. يعنينا هنا أن نقف عند مضمون هذه المادة المضحكة و طبيعة الشّخوص النذمطية المثيرة لضحك الطفل و تأثيرها في مخيّلته. هنا يجب أن نشير إلى أن حدث الضحك – و إن هو يعكس أنشطة فيزيولوجية وعصبية تتّصل باداء الذهن- فهو فعل ذو مضمون ثقافي و اجتماعي في المقام الأول. و لكي نفهم هذا الفعل " يجب – كما بين هنري بركسون- إدراجه ضمن إطاره الطبيعي، أي المجتمع. كما ينبغي خصوصا تحديد وظيفته الناجعة: الوظيفة الاجتماعية " (17)

. و الوظيفة التي يشير إليه "بركسون" تتخذ طبيعتين إثنتين، يمكن أن نسمي الأولى بالتنفسية حيث يؤدي الضحك على نفس الضّاحك فعلا تفريجيا (relaxant) ، وهو ما يجعل هذا النّشاط يتّخذ بعدا صحيّا يتماشى مع الروح المرحة للطفل. أما الطّبيعة الثّانية وهي التي تهمّنا هنا أكثر، فهي اجتماعية. ففعل الضحك " يخفي لدى الضاحك نوعا من التّواطؤ مع الضاحكين الآخرين الحاضرين منهم أو المفترضين " كما يوجد (بكسر الجيم) بين أعضاء الجماعة الضاحكة حالة من الألفة Sociabilité والودّ. يصوّر "الجاحظ" وقع الضحك وأثره في الضاحكين عندما يكونون في جماعة فيقـول: " أكلته (يقصد طعاما منعه عنه أحد البخلاء) جميعــا، فما هضمه إلا الضّحك و النشــاط والسّرور(...) و لو كان معي من يفهم طيب ما تكلّم به (يقصد البخيل و هو يمتنع عن إطعام ضيفه الجاحظ) لأتى علي الضّحك أو لقضى عليّ، و لكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر (أي على شاكلة) مشاركته الأصحاب .

لكن ما الذي يثير فعل الإضحاك و يسبب الهزل كسلوك جماعي ؟ إن هذا الحدث المضحك إضافة إلى وظيفته التنفيسيّة يعبّر عن موقف ما تجاه حالة من الخرق أن اللاّتناسب مع سياق قولي أو فعلي تؤتيه شخصية ما في مقام محدّد. لذا تتركز بؤرة الحدث الهزلي و اللّهوي في المقام الضاحك أساسا على ما في الحدث مما يثير ملهاة الضاحكين، أي على ذلك الجانب الذي يمكن وصفه بالمأساوي في سلوك الشّخصية موضوع الضحك، و ثمة جانب اجتماعي آخر في ذلك يتّصل أساسا هذه المرّة بالمؤثّرات " الأخلاقية " المصاحبة لفعل الضحك وبما ينتج عنه تجاه الشّخصية أو الشّخصيات موضوع الضّحك من موقف ساخر أو متشفّ أو متعاطف أو معتبر أو غير ذلك.

لنأخذ الان بهذه الملاحظات و لنراقب الطفل في تجربته مع الصّورة الضّاحكة:

- نشير في البدء إلى أن مساحة التّسلية في المادّة الهزليّة من المشاهدات التلفزيونية مضمونة بالنسبة إلى المشاهد الصغير من حيث كمّها و تنوّعها بحيث يسرّ الطفل و يشبع جانبا كبيرا من نهمه وحاجته في الضحك.

لكن يجب القول إن الشّخوص البطلة في مجمل نصوص الإضحاك و خصوصا الصّور المتحركة تتّصل بنماذج حيوانية وفوق بشرية ولا واقعية، و هو ما يجرّدها من جانب كبير من محلّيتها الثقافيّة ودلالتها الاجتماعية. معنى ذلك أن الجانب الذي يكتنز المعنى الأخلاقي الدّال بالنسبة إلى الطفل و الذي تتولّد منه المأساة المضحكة يتقلّص لينحصر في فعل التّسلية حيث يتأتّى الإضحاك في هذه المادّة أساسا من "المقالب" التي تصنعها الشخصيات لبعضها البعض ومن المصير الذي تؤول إليه نهايات شخوص عنيدة تأبى الاعتبار من تصرّفاتها المتكرّرة فتلقى نهايات مؤلمة. وتجسّد تلك النماذج شخصيّات ألفها الأطفال كثيرا في الرّسوم الهزلية التي يشاهدونها مثل "توم و دجيري" والثعلب صائد النعامة و الكلبان "سكوبيدو" و "بلوتو" والفهد الوردي والعصفور "نقّار الخشب" والبطّة "دونالد" و غير ذلك. فالمأساوي المضحك في هذه الحكايات المصوّرة يغلب عليه طــابع التّسلية ويقلّ فيه البعد التربوي و السّاخر.

و يفيدنا هنا من جديد أن نقارن شخصيات الحكاية الهزلية المصوّرة بشخصيات الحكاية المقروءة أو المحكية التي يستهلكها الطفل، ولنتّخذ شخصية "جحا" الشعبية مثلا. فبما تؤتيه هذه الشخصية في الحكايات من انحراف عن المعتاد و فطنة غير مألوفة و تلاعب بالكلمات و تصنّع في الأفعال، إضافة إلى ما يتميّز به مكان الأحداث و زمانها من تجرّد لا يلغي عادة الرمزيّة الثقافية التي يترجم عنها اللباس واللغة و القيم، فإن ذلك كلّه يضفي على السّردية الضاحكة طابعا اجتماعيا هزليا ساحرا و يحقّـق في الآن نفسه لدي الضّاحك متعـة التسلية و يرشّح في وجدانـه الرّمز الثقافي والاجتماعي. ثم إن التداخل في أزمنة السّرد (الماضي المنقضي و المضارع المستمرّ) يجعل وقائع الحكاية تمتدّ في مخيّلة الطفل بمحتواها الثقافي و تشبع لديه في الآن نفسه نهمه في التّسلية، ولكن أيضا تعطي لضحكه و تسليته مضمونا اجتماعيا وثقافيّا ذا دلالة.

و في مجمل القول، يتأكد بعد تحليل سجلاّت المادّة التي يستهلكها الاطفال أن تجربة التي يخوضونها مع التلفزيون بالأسلوب والمضامين الكثيفة التي أشرنا إليها تضعنا أمام حقيقتين اثنتين: أولا، الحجم الكبير الذي يحضر به التلفـزيون في حياة العائلة والطفل، ومثل هذا المؤشّر يعني أن الإطار الاجتماعي والثقافي الذي يخـوض فيه النّاشئ تجربته الثّقافية والتربوية في تونس اليوم متّسع و متشعّب. ولكن ثمّة ضمن هذه المعطيات ما يشير الى حقيقة ذات أهمية سوسيولوجية بالغة وهي انّ التلفزيون وخاصّة في العشريّة الأخيرة وبعد تعدّد فضائياته وتنوّع مادّته المتخصّصة لم يعد يعكس السّرد الثقافي العام، فمع انفتاحه الكبير– الايجابي بالتأكيد- لم يعـد يصنع سرديّة متماسـكة وموحّدة للحفـاظ على إحساس أخلاقي (ethos) جماعي  ومشترك، لكنّ الاستثناء الوحيد يبقي متّصلا ببعض المناسبات التي يجتمع فيها أفراد العائلة مثل شهر رمضان وعندما يتّصل الأمر بأحداث عالميّة كوقائع الحرب أو بعض المناسبات الوطنيّة والدينيّة حيث يتقاسم الجميع الإحساس بالحزن أو البهجة. أما بالنسبة إلى حضور التلفزيون في حياة الطفل فانّه- وبالحجم الكثيف الذي اشرنا إليه- قد تحوّل بكل امتياز إلى هيأة تنشيئية موازية للأسرة والمدرسة معا، وهو بذلك يؤثر- من حيث المضمون الثقافي والقيميّ الذي يقترحه ومن حيث عادات المشاهدة وكيفيّات استهلاك المادة الثقافية التي يستحدثنها-، كثيرا في تجربة التّثاقف التي يخوضها الطفل التونسيّ، كما يسـاهم -ولو بشكل متفاوت نسبيّا- عند الفتيان والفتيات ولدى أبناء الفئات الاجتماعيّة المختلفة، في تشكيل مخيّلتهم و ذاكرتهم الفردية و ذائقتهم الأدبيّة والذّوقيّة المكتسبة.

أما الحقيقة الثانية التي نقف عندها، فهي أن أسلوب النظر في تجربة الطفل مع التلفزيون بصيغة "مفيد/غير مفيد" أسلـوب غير صائب، لأن الأمر لا يمكن أن نحصره بين قطبي الإفادة المعمّمـة و الضّرر المهدّم. ثم إن السّـؤال الذي يثار حول مؤثّرات التلفزيون ومضمونه على نمو الطفل وتربيته ينتهي دوما إلى جواب ذي محتوى نسبيّ واحد مفاده أن المسالة لا تحتمل هذه الحصريّة وهذا الضّيق في فهم التجربة مع التلفزيون، فمستويات الظّاهرة تتّصل بعوامل كثيرة و نسبيّة و مؤثّرة بأشكال متفاوتة هنا وهناك، كما انّها تختلف بحسب التجربة المخوضة و بمضامين المشاهدة و ظروفها و أساليب تلقّيها و كيفيّات توظيف الطفل لها ومستوى الوعي" التربويّ "الذي لدى الآباء. لكن و في الوقت نفسه ثمّة واقع مستحـدث قد فرضه تنـامي حضور التلفزيون في الحياة العائلية ولا يمكن تجاهله، وهو ما يستدعي من المربّين المنشغلين بهذا الأمر وعيا بيداغوجيا خاصّا في التعامل مع سلوك الطفل إزاء المادة المصورة، نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض مقوّمات هذه البيداغوجيا:

•  تنظيم مشاهدات الطفل من حيث المـادة والزّمن، وإتباع هذه المشاهدات وخاصة العنيفة والمثيرة منها بحوار تقييمي و نقدي يتمّ بين الكبار والصغار، لكن دون السقوط في الخطاب الواعظ.

•  تكثيف الأنشطة التعلّمية المتصلة بتحليل الصور وخاصة اللوحات الفنيــة والأعمال السينمائية لإكساب المتعلّم الخبرة في إنتاج الصورة وتحليلها ونقدها وهو ما سيخلّصه من سلطتها عليه ويزيل الأوهام التي يحملها عنها.

•  تعليم الأطفال وخاصة الناشئين منهم تقنيات إنتاج الصور الفوتوغرافية والسينمائية وجعلهم يستأنسون باستعمال أجهزة التصوير الثابت والمتحرك وتوظيف تقنياتها حتى يعرفوا أن وراء المادة المصوّرة ثمة أشخاص ينتجون الصّورة و يتحكمون فيها وانّه بامكان الطفل أن ينتج مثل ذلك. ونعتقد انّ مثل هذه "التعلّمية" ستحرّر الطفل وتجعله يدرك أن متعة الصـورة وحتى عنفها إنما هو شيء يبتكر و يصنع و يلهى به.

***********************

1 - مدينة تقع في السّاحل الأوسط من البلاد التونسية. وتنتمي إلى ولاية المنستير وإلى أحد أكبر الأقاليم من حيث الكثافة السكانيّة. تمثّل نسبة المجال الحضري لهذه الولاية إداريّا 100/100 ، لكن من زاوية نظر سوسيولوجيّة فإنّ جانبا من القرى والتجمّعات السّكنيّة المحس%بة على المجال الحضريّ هي ذات خصائص ريفيّة من حيث نمط العيش والعلاقات الاجتماعيّة.

2 - Baudrillard (Jean) : La société de consommation. Paris. Gallimard ? idées ? 1979.

: Pour une critique de l'économie politique du signe. Paris. Gallimard. 1972.

3 - Bourdieu (Pierre) : Sur la télévision . Ed : liber/ raison d'agir. Paris .1996.

4 - Chalvon (Mireille), Corset (Pierre) et Souchon (Michel) : L'enfant devant la télévision des années 90. Paris,

Casterman 1991- p 11.

5 - Lurçat (Liliane) : Violence à la télévision : L'enfant fasciné. Paris Syros. 1989 – p : 129.

6 - Ibid ...  : p 162.

7 – Schramm , Lyle et Parker : cité in : vilches ( lorenzo) : La télévision dans la vie quotidienne . Etat des

savoirs. Paris. ed Apogée.1995.

8- المعهد الوطني للإحصاء: مؤشرات إحصائية تونسية ، تونس 2005.

9 - Zghal (Abdelkader) : Note pour un débat sur la jeunesse Arabe. In : Actes du colloque : Jeunesse et changement social- CERES. 1983, p. 24.

10- تذكر على سبيل المثال منها المسلسلات: "الخط ّ اب على الباب ... "، شعبان في رمضان ... "، "شوفلي حل ّ... ".

11 - Cazaneuve (Jean) : La société de l'ubiquité. Paris, Danoël, 1972.

12 - Cazaneuve (Jean) : L'Homme téléspectateur, Paris, Danoël, 1974.

13- يذهب قاستون باشلار في كتابه: "شــاعرية الفضاء" إلى اعتبار أن الطفل بحاجة إلى نوع من العزلة يختارهــا بنفسه ليعيش شعورا بالقلق و الضجر، و يرى هذين العنصرين أساسيين في توازن شخصية الطفل و نمائه. انظر:

Bachelard (Gaston) : La poétique de l'espace : Paris, PUF, 10 e ed. 1981.

14 - من طقوس الحكي الكثيرة قول الراوي في بداية الحكاية مثلا: "كان يا مكان، و في سالف العهد و الزمان..." أو القول في النهاية: "الحكاية دخلت الغابة و عام السني (المقصود: هذه السنة) ايج ي نا صابا..." و من وظيفة هذه الأقوال أنها تفتح مخي ّ لة المتلق ّ ي على العجيب و تدخله في الز ّ من الخرافي و الس ّ حري.

15 - عبد السلام المسد ّ ي: ما وراء اللغة، بحث في الخلفيات المعرفية، مؤسسات عبد الكريم عبد الله للنشر و التوزيع، تونس 1994، ض 83.

16- تقوم فكرة " جون بياجي " في التعل ّ م على اعتبار أن الطفل ليس مجرد متقب ّ ل سلبي خلال تجاربه في الاكتساب المعرفي بحيث يكف يه أن ين قل إليه الكبار المعرفة ل يتعل ّ مها بالمحاكاة و التقليد، إنما يكتسبها بعمق عندما ينخرط هو بنفسه في التجربة التعل ّ مية و يكون محورا فيها وينجز بنفسه أنشطة وأعمالا ضمن وضعيات دال ّ ة ، وهو ما سيطـوّر أداءه و ينم ّي خبرتـه و ذكاءه. و تنهض عملي ّـ ات النمو الذك ـ ائي والمعرفي عند الطفل في مقاربة "بياجي" على مسارين أساسيين متكاملين هما: الاستيعاب و التمث ّ ل Assimilation من جهة والملاءمة و الت ّ كييف Accommodation من جهة ثانية .

17 - Bergson (Henry) : Le rire, essai sur la signification du comique. Paris, Ed. ALCAN. 1924, p12.

***********************

بيبليوغرافيا

- ماري وين (ترجمة: عبد الفتاح الصبحي): الأطفال و الإدمان التلفزيوني. سلسلة "عالم المعرفة" عدد 247، المجلس

الوطني للثقافة و الفنون و الآداب. الكويت 1999 .

- شاكر عبد الحميد : عصر الصورة، السلبيات و الإيجابيات، الكويت سلسلة "عالم المعرفة"، 2005.

- مؤشرات إحصائية تونسية - المعهد الوطني للإحصاء، تونس 2005.

_ عبد السلام المسدي : ما وراء اللغة، بحث في الخلفيات المعرفية - مؤسسات عبد الكريم عبد الله للنشر و التوزيع، تونس 1994،.

- الجاحظ (أبو عثمان): كتاب البخلاء (حكاية: البخيل  و محفوظ النقاش)، دار الكتب العلمية – بيروت، الجزء الأول.

- Abdelkader (Zghal)  : Note pour un débat sur la jeunesse Arabe. In : Actes du colloque : Jeunesse et changement social- CERES. 1983 .

- Cazaneuve (Jean ) : La société de l'ubiquité. Paris, Danoël, 1972.

: L'Homme téléspectateur, Paris, Danoël, 1974.

- Baudrillard (Jean)  : La société de consommation. Paris. Gallimard ? idée1979.

- Pour une critique de l'économie politique du signe. Paris. Gallimard. 1972.

- Bourdieu (Pierre)  : Sur la télévision . Ed : liber/ raison d'agir. Paris .1996.

- Bachelard (Gaston)  : La poétique de l'espace : Paris, PUF, 10 e ed. 1981.

- Bergson (Henry)  : Le rire, essai sur la signification du comique. Paris, Ed.

ALCAN. 1924.

- Chalvon (Mireille) , Corset (Pierre) et Souchon (Michel ) : L'enfant devant

la télévision des années 90. Paris. Casterman 1991.

_ Lurçat (Liliane)  : Violence à la télévision : L'enfant fasciné. Paris Syros.1989.

Schramm , Lyle et Parker  : cité in : Vilches (Lorenzo) : La télévision dans

la vie quotidienne . Etat des savoirs. Paris. Ed Apogée.1995

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org