نحــن وابن خلــــدون :
في مأزق الكتابة

د. عبد السلام المسدّي
أستاذ اللسانيات – جامعة منوبة - تونس

تعال معي – أيّها القارئ – نَطُفْ في جولة سريعة متحفزة بفضاءٍ لا أراك إلا محبّا إياه، مشتاقا له، متطلعا أن تسمع فيه كلاما يغيّر مجرى هواك بعض التغيير. أستضيفك معي إلى العالم الخلدوني وقد مضى على حينه زمن من التاريخ إذا حسبناه بسنوات الميلاد وجدناه قرونا ستة (1406 – 2006) وإذا عددناه بأعوام الهجرة فاض الحساب فوقها. غير أن رحلتنا لن تأخذنا إلى عبد الرحمان ابن خلدون بذاته وإن كنت أعلم أن الحديث عنه يروقك، ولن تأخذنا إلى فكره وأنا على يقين أنّك محب لفكره شغوف بالتجوال بين حناياه المتباينة، وإني لأرى العجب باديا على محياك مما أقول، ومن أجل ذلك أعرض عن فتنة التشويق مسارعا إلى مكاشفتك بالإفضاء.

إنّي أرغب عن أن أستصحبك معي إلى الخطاب الخلدوني بذاته ولذاته، أو إلى الخطاب الخلدوني في ذات التاريخ ولذات التاريخ، لأني أريدك على مرافقتي إلى الخطاب الذي يتخذ من ابن خلدون موضوعا له سواء ما اتصل منه بالذات أو ما تعلق منه بالفكر الذي أثمرته الذات.

لكني أرجوك ألا تسارعَ، وألا تحدّث نفسك بسوء المظنة هامسا أن الحديث عن ابن خلدون يشمل بالضرورة الوقوف على ما قاله الآخرون عنه ويقولون. وأنت محق في ما تذهب إليه، غير أن ما أدعوك إليه هو أشد دقة وأعسر استجلاءً، وغيرُ بعيد أن يكون أدعى للتأمل على غير المسالك المعبّدة. وفي كل الأحوال أطَمْئنك أن السؤال الذي أحملك عليه وأريدك على مقاسمتي إياه لا يساور الإنسان إلاّ مرّة واحدة ثمّ يُطوَى سجلّه لأنه ليس مما يتكرر بتكرر المناسبات ولأنه – في جوهره – يتخذ من "المناسبات" منطلقا للمساءلة. ثمّ اتركني أبادرْ لك بالقول : إن ما سأتحدث به إليك في هذه الفسحة الحوارية القصيرة – ذات الاتجاه الواحد – ليس له في حدود علمي اسم خاص به، ولن يكون متيسرا لي أن أصنفه ضمن خانات الكتابة المعهودة : هو ليس بالضبط من سوسيولوجية الثقافة، وليس بالضبط من حفريات المعرفة، ولا هو من علوم الخطاب ولا حتى من المباحث الغائصة على نشوئية النص، إنّه شيء من ذاك كله يضاف إليه شيء غير قليل مما قد نسميه "حيثيّات الاستكتاب وآليات الاستجابة".

بيسر كامل وفي بساطة متناهية سيدور موضوعنا على اللحظة التي يهمّ فيها الإنسان بالكتابة عن ابن خلدون، تلك اللحظة التي يقرر عندها المرء – في زمننا الفكري هذا – أن يعود إلى ابن خلدون يحاوره أو يستلهمه، تلك اللحظة التي تأتيه من تلقاء نفسها فتباغته إذ تتملك عليه خوالجه أو يستحثها دافع خارجي فتأتي ملبّية الحوافز الوافدة عليها، تلك اللحظة التي تأتي فيها الكتابة استجابة للاستكتاب.

وربما تنضاف إلى اللحظة هالة تكسوها حين يتلقى فيها المرء خطابا يدعوه فيه أصحابه إلى الكتابة عن ابن خلدون للمشاركة في ندوة أو مؤتمر أو حوار حول هذا "العلامة" كما يُشاع عنه، أو تدعوه فيه مؤسسة تعليمية أو جامعية أو ثقافية ليتحدث فيه إلى "جمهورها" عن "صاحب المقدمة" كما قد يلذ لبعضهم أن يلقبوا صاحبنا به. سؤالنا البسيط جدا هو التالي : كيف يتحفز الإنسان نحو الكتابـة ؟ وكيف يتلقى خطابَ الاستكتاب ؟ وماذا يجول في داخله من انفعالات ؟ ثمّ كيف تتهيأ خوالجه تهيّؤا مخصوصا بمجرد أن يتمّ الوصل بينه وبين ابن خلدون لا سيما حين يَعمِد الخطاب إلى التنصيص على أن الدعوة قد وُجهت إليه بوصفه مفكرا ومثقفا يحمل – كما يحمل أترابُه – الهمومَ التي أفاض فيها ابن خلدون ؟

كأني بك تهمس – أيّها القارئ – أن هذا السؤال غير ذي جدوى، وأنّه لا يستند إلى أي معيار من معايير البحث العلمي. فاعلمْ أني أتفهم جيدا ما تناجيك به خواطرك، غير أنّي أسارع لك قائلا : أمّا أن الموضوع يفتقر إلى سند منهجي دقيق فهذا صحيح، لأن شبكة العلوم الاجتماعية والإنسانية لم تَجُد علينا إلى حد الآن بحقل دراسي أو بحثيّ يمكن أن ينعت – على سبيل الافتراض – بعلم النفس الثقافي، وأمّا أن الخوض فيه لا ينتهي بنا إلى أي استثمار فكري جاد فهذا حكم متسرع، ولا عجب أن يكون جائرا لأنه قد يحرمنا من فتح بعض الشبابيك على رحاب المعرفة وأدوات إنتاجها وآليات الإدراك فيها. ولا أطلب منك إلا أن تتحلى بعض الوقت بالسخاء النفسي كي تصبر معي إلى نهاية جولتنا اليسيرة.

سنسوق إليك بعض الخواطر، ومنها ما قد تصح تسميته بالأفكار، ولكننا نبادر منذ الآن بتنبيهك إلى أن فكرة واحدة هي التي نريد أن تكون الأصلَ وسائرُ ما حولها فروعا، وهي التي حفزتنا إلى أن نخط كل هذه الأسطر، ولولاها لما تجوّزنا لأنفسنا الاستهلالَ بتلك المقدمات التي أسلفناها. إنّنا نزعم أن الكتابة عن ابن خلدون ما فتئت تنحشر في مأزق، وما انفك المأزق يتلوّى، وتتلخص القضية في ما يلي : أن الناس يكتبون عن ابن خلدون "كتابة ثقافية" أكثر مما يكتبون عنه "كتابة معرفية" وهم – في جل أوضاعهم – إمّا غير واعين بالفروق الدقيقة بين الخطاب الثقافي والخطاب المعرفي وإما متوهمون أنهم ينتجون معرفة من حيث يحبّرون مقالات تندرج ضمن الكتابة النضالية ذات الوقع الحضاري المبين دون أن تفضي إلى أي إضافة علمية – بالمعنى الدقيق – لا في مجال علم التاريخ، ولا في مجال علم الاجتماع، ولا في أي حقل من الحقول الأخرى ذات الحضور المركزي في الخطاب الخلدوني.

هذه الظاهرة في حد ذاتها هي التي أدعوك إلى متابعتها معي، ولست أزعم أنّي جهزت إليك حلولا لها، بل لعلي لا أعتبرها بالضرورة مشكلة تتطلب الحل، أو علة تستدعي العلاج، وإنّما قصارى مطمحي أن أصِلَ بك إلى أن تشاطرني الوعيَ بها وتقاسمني بعض الجهد في تشخيصها، أو ربّما في استكشاف منابتها. وسأسوق لك ما يعن لي من حيثيّات وذلك بأسلوب سرد الخواطر على هواعنها، وفي البدء أبادر بتدقيق يسير أرتضيه لهذا السياق وأرجو أن ترتضيَه معي يتمثل في أن "المعرفيّ" هو إنتاج للعلم بينما "الثقافي" هو إنتاج للوعي، وقد يُستنكر أن نفاضل بين هذا وذاك، وربما يُستهجن أن نضع العلم دوما فوق الثقافة، ولكـــن

المستنكرَ المستهجَن هو أن ترى الناسَ يكتبون عن ابن خلدون منطلقين من أفضلية العلميّ على الثقافيّ فينجزون كتابة ثقافية من حيث يظنون أنها خطاب يساهم في إنتاج المعرفة العلمية ضمن دائرة الحقل الذي يتخذونه منطلقا ومَعادا، نعني – بالحصر والتمحيص – أنّهم لا يعتزمون إنجاز إضافة علمية في الحقل الثقافي، ولو أرادوا هذا لكان لهم، ولكنهم يتوهمون أنّهم يدفعون بعلم التاريخ، أو بعلم الاجتماع، أو بعلم السياسة، أو بأي علم آخر، خطوة نوعية إلى الأمام.

لعل ابن خلدون – دون مَن سواه على سبيل الإطلاق – هو ذاك الذي ليس من مثقف، أو مفكر، أو دارس، أو باحث أكاديمي، إلا ويعتبر نفسه جديرا بأن يكتب عنه، وكثيرا ما تتحول هذه الأحقيّة الاعتبارية إلى إحساس بالواجب والضرورة كي يكرس كل واحد من هؤلاء لابن خلدون قسطا من اهتماماته. ولسنا في حاجة – لا أنا ولا أنت – إلى شرح الأسباب التي تجعل ابن خلدون محطة التقاء الجميع، فهمّنا في هذا السياق همّ آخر، وشيء غير قليل من تلك الأسباب يُعدّ من المعلوم بالضرورة عندك وعندي وعند كل الذين عنهم نتحدث، وأنت ترى أنّنا نستكشف المغمور الذي غيّبه حجاب الغفلة، وليس أدعى لحجب الحقائق من شدة الألفة وكثافة العشرة، وابن خلدون كما تعلم عشيرُ الكلّ أليف الجميع.

أفلا ترى معي إلى ابن خلدون كيف تحوّل في مخيال الناس إلى كتلة متكتلة تبلغ في رمزيتها الدرجة العليا حتى لكأنه – في وعي الناس وفي لاوعيهم – هو (ابن خلدون) وكفى ؟ فإذا أردت تفصيلا عكّرت صفو هذه الرمزية العليا، فليس الناسُ مهمومين كثيرا بالتفاصيل كي يقتنعوا بأنّه (ابن خلدون) فريدُ عصره وفريد عصرنا، درّة زمانه ودرّة زماننا. إنّنا هنا مع تشكل الصورة التي تؤكد تحول رمزيته إلى كينونة ثقافية غلبت على أنطولوجيته المعرفية. وإلا كيف نفسر ذاك التنافس الذي شاع واستدام وانتهى ببعضهم إلى تصنيف الكتب فيه ومداره : هل ابن خلدون تونسي أم جزائري أم مصري ؟ ولا أنا ولا أنت في حاجة إلى تفصيل القول في حيثيات هذا التنافس واستلهام كل طرف محطة من محطـات حياة صاحبنا : بين النشأة، أو الاعتكاف الفكري، أو التكريس الختامي ؟ هذا ولو كتب للأندلس أن تبقى الأندلسَ لكانت الأصوات المتنافسة أربعة لا ثلاثة. والغريب أن خطاب السجال في مشهد التجاذب قد ساد في حقبة عرفت مدا قوميا زاهيا، بل هو خطابٌ أسهمَ فيه من كانوا يصدرون عن منطلقات قومية صارخة، والأوجع أن ذاك الخطاب كان موغلا في القطرية التي رُسمت حدودُها في زمن لاحق على ابن خلدون، ولم يتحرّج الباحث أو الدارس من إسقاط اللاحق على السابق في "لاتاريخية" ساخرة. فلو أن البحث كان يقوم على تمحيص المحطات التي ائتلفت منها سيرة ابن خلدون لهان الأمر، ولكن سيرة الرجل قد حُفظت لنا حفظا تفصيليا تاما. ألا تشاطرني القول بأن ابن خلدون هنا أصبح شأنا ثقافيا في أدنى درجات الفهم الثقافي العقيم، أفيمكن أن يكون ذاك الخطاب منتجا للمعرفة ؟

ألا ترى معي إلى مشهد آخر يتحول فيه ابن خلدون إلى كتلة "ذهنية – نفسية" غامضة لا جدوى من تشخيصها على التفصيل، فليس من سياسي عربي في كافة أقطار الوطن الكبير إلا وهو فخور بابن خلدون أولا، مفاخر به ثانيا، سخيّ في إحياء ذكراه وتمجيده ثالثا، وما انتظم في كافة أرجاء البلاد العربية احتفالا بالمائوية السادسة شاهد على ما نقول، وأكثر دلالة ما سبق لبيت العرب الثقافي (الألكسو) أن نظمته بمناسبة إطلال القرن الخامس عشر الهجري الذي صادف عام 1980 للميلاد وكان عنوان الندوة : ابن خلدون والفكر العربي المعاصر. ولكن ماذا يمثل ابن خلدون بالنسبة إلى رجل السياسة العربي فيما قد مضى وفيما هو راهن : هل هو عليم بما قال ؟ هل هو معنيّ بتفسيراته ؟ هل يستذكر أن أعظم ما أسهب فيه ابن خلدون – مما هو أعلق بالشأن السياسي – تلك الوصية الصارخة : أن الجور مؤذن بخراب العمران ؟ ولكنه – مرة أخرى – (ابن خلدون) وكفى، كتلة في المخيال الجماعي تتنزل تنزلا ضاغطا على الذهن بحيث كلما نطقنا بالاسم حضرت إلينا رمزيته العليا.

إن هذه الرمزية العليا مع ما يصاحبها من هالة تقديسية وما يرافقها من تكاثف ستائر الغفلة هي التي سوّغت طغيان "الثقافي" على "المعرفي" وهيأت لغياب الوعي بالفروق حتى لدى أهل الذكر. وإلا كيف نفسر أن من الدارسين الموقرين من ينبري اليوم يكتب بحثا وكل مداره حديث عن أن ابن خلدون نقد المنهج السائد في كتابة التاريخ وإذ هو يسوّي نقده عثر على مجال جديد فوضع أسس علم العمران ؟ فما عسى أن نسمي هذا الضرب من الكتابة لاسيما عندما نتأكد تأكدا تاما بأن الباحث لم يضف إلى المعلوم الشائع أي ومضة تفسيرية أو تأويلية جديـدة ؟

من أجل ذلك كانت لحظة الاستكتاب هي التجسيم الأقصى لسطوة هذه الرمزية، فيكاد لا يحصل أن تدعوَ أيُّ مؤسسة أيَّ مثقف للمشاركة في شيء يتصل بابن خلدون فيعتذر، ونخرج من دائرة رصدنا ما هو عائد إلى الأسباب العرضية الطارئة. لا يحصل أن يجيب من تلقى الاستكتاب بأنّه ليس من صلاحياته الفكرية أن يكتب عن ابن خلدون فكأنه يستحي، وليس واردا أن يجيب من سبق له أن اهتم بصاحب المقدمة بأنه لا يملك شيئا يضيفه إلى ما سبق له أن قاله، فكأنه يخشى التهمة الجاهزة و يتقي غمط الحق. وهكذا تتجمع الدواعي فتكبر حظوظ الكتابة الثقافية ويتقلص هامش الكشف والتنقيب عن الإضافة المعرفية.

لحظة "الاستكتاب" هذه تخلق حول الباحث هالة ضبابية، بل هي – على وجه الدقة والتبصر – لحظةُ "تلقي الاستكتاب"، إنها محفوفة بالسحرية ينضاف إليها ما يسكن نفوسَها من تلك الرمزية العليا المحايثة لاسم ابن خلدون. إنهما معا تقذفان برجل الفكر في حوض الضرورة التي توشك أن تجعله في التسلل إن هو رفض الاستجابة. هي هذه البرهة المتقاطعة التي أدعوك – أيّها القارئ – إلى الانتباه إليها، فإذا راقك الوقوف عندها فتساءل معي عما يترتب على "ضرورة الاستجابة" من استتباعات فكرية ومنهجية عميقة على رأس قائمتها الجنوحُ إلى التوشيح الثقافي بدل الكدّ المعرفي. فلو رمنا أن نجوس بين خلايا الأذهان عند استكشاف لحظة تلقي النداء والاستجابة – كما لو أنّنا قد أسّسنا فعلا "علم النفس الثقافي" – لرأينا أن سعادة الجهة الداعية تحصل بمجرد استجابة "المفكر" لدعوتها، وقليلا ما تكون سعادتها وقفا على طبيعة الموضوع الذي سيدور حوله بحث الباحث، والسبب أن "المؤسّسة" مهمومة أكثر بتأثيث تخت الاحتفال، وهذا من أقوى الدواعي التي تحمل الناس على ارتداء الجلباب الثقافي دون القصد إلى الارتداء المعرفي، ويكفي أنك تعرف، وأنا أعرف، وغيري وغيرك يعرفان كما نعرف أن الذين يكتبون عن ابن خلدون ولم يسبق لهم قطعا أن قرؤوا ولو مرّة واحدة في حياتهم مقدمته كاملة كاملة ليسوا قليلين، وبينهم أناس من المحسوبين على البحث الأكاديمي، وتعرف ذلك عندما تراهم يفاجَأون بقولة تتصل بحقل اختصاصهم ولكنها لم ترد في الفصل الذي لم يرجعوا إلاّ إليه لأنه يحمل عنوان مجالهم، وإنّما جاءت بين الثنايا، مبثوثة في المظان الأخرى. فكيف للمعرفة أن تتأسس على هذه الانتقائية في القراءة ؟

ذاك كله من الظواهر الثقافية، وإليه ينضاف أن بعض خلق اللّه يسوّغون لأنفسهم أن يكتبوا عن ابن خلدون معوّلين بشكل يكاد أن يكون كاملا على ما كُتب عن ابن خلدون، وهذا من العوامل المعطلة للإضافة المعرفية والمزوّدة للتضخم الثقافي، ذلك أن العطاء الفكري لئن انبنى على توليد النص من النص فإنه محكوم بقانون منهجي صارم، ألا وهو توليد الحاشية من المتن إلى أن تستوي الحواشي بمرور الزمن استواءً مستقلا، وأما الزهد في المتون وإحلال الهوامش محلها فإنه يقصُر بالفكر عند حدود الخطاب الثقافي. على هذه الظاهرة تترتب مسألة أخرى لا وجه لنكرانها، ولا وجه لاستنكارها، ولكنها جديرة بالذكر، نعني ارتفاع نسبة التكرر والمعاودة. فلا غرابة – لو توفرت لدينا آليات الرصد والإحصاء – أن تحظى الكتابة عن ابن خلدون بأرفع نسبة في الكم والنوع من حيث استئناف الأقوال ومعاودة الآراء، وهذا يعني أن الخطاب عن ابن خلدون كثيرا ما يتحلى بتأكيد المؤكَّد أو تثبيت الثابت، ولا مطمح في أن تتأسس المعرفة العلمية الصارمة إذا ما سادت فيها آلية خلع الأبواب المفتوحة.

بين المعرفي والثقافي يندس طارئ ثالث كأنما ينبري مسوّغا لظاهرة التكرار والمعاودة، ألا وهو الجنوح بالكتابة إلى "التعليمية المستدامة" ولو أنّك ألمحت ببعض ما أسلفناه إلى نخبة الباحثين الكاتبين عن ابن خلدون فاشتمّوا من نبرة كلامك ما يشي بالنقد أو حتى بالمعاتبة لانبرَوْا رادّين بأن ثراء الفكر الخلدوني يتيح دائما التذكير به وبمضامينه، بل ربما يستوجبه جزما، فإذا استأنفت معهم المجادلة لم تظفر بما يؤكد أنهم واعون بالفروق الجوهرية الدقيقة بين الكتابة البحثية والكتابة التعليمية، وهنا يقوم سؤال ضاغط قلما نهتدي بهديه لصقل حيرتنا الفكرية، أو نتوسل به معيارا لقيس جدوى القلق التأملي المنتج للمعرفة. وسيبدو لك السؤال – أيّها الرفيق في هذه الرحلة الاستثنائية – من البداهة بحيث تظن بي ظنا مغاليا، ولكن إياك أن تنسى أن بيني وبينك عهدا : أنّنا معا نفحص الأمر من خلال عدسات خاصّة، هي تلك التي تسميها بعض الثقافات بالعين "الفاسقة" على معنى أنّها تستطلع كشف "العورات" النفسيّة، وتميط الألثمة عن المحجوب والمتواري والمغيّب المسكوت عنه.

هذا السؤال – ببساطة عارية – يقول : تُرى إلى أي مدى أم إلى أي حد بوسع الباحث الذي يكتب – بيننا – عن ابن خلدون أن يحدد لنا إلى من يتجه بخطابه ؟ أإلى أصفيائه الباحثين المكدين الذين يُضنيهم الكشف عن جواهر الأفكار الغائبة ؟ أم إلى أخلائه الذين هم على عتبات الحقول الفكرية المتاخمة بحيث لا ضير عليه أن ييسر لهم بعض المداخل حتى يصل بهم إلى مقاسمته همّا فكريا دقيقا ؟ أم إلى فئة المتطلعين للبحث في مدارج سلّمه بحيث يكونون أقرب إلى الطلب منهم إلى المشاركة الإجرائية في صنع المعرفة ؟ أم إلى الجمهور الفسيح الذي يعنيه أن يصغي إلى زاد خلدوني يتزوّد به متوسلا بالإدراك الشمولي على منهج الجشتلت ثمّ يغادر الفضاءَ المخصوص طارحا من ذاكرته النصيبَ الأوفر ومستبقيا فقط عيّنة فكرية واحدة يقوم فيها الجزء مقام الكلّ ؟ أم تراه يتجه – إن علَنا أو تضمينا – إلى "الآخر" الثقافي ذاك الذي ما انفك يوقد نيران الصراع الحضاري ؟ فأما أنت فحرّ في التفسير وحرّ في التأويل وأما أنا فجازم بأن أجلّ الباحثين قدرا وأعمقهم وعيا بحكمة المنهج إذا همّ بالكتابة عن ابن خلدون نسيَ صرامته وترك المنافذ مفتوحة بين كل تلك المناضد، وذاك – هو أيضا – عارض من أعراض مأزق الكتابة عن ابن خلدون، فاعرفه. ولكن لا يظلمن المثقف نفسه إذ الأولَى أن يتوقف عن إرسال الحكم المعياري ريثما يستوفي التشخيصُ أشراطه القصيّة.

فاعلمْ أن الكتابة عن ابن خلدون محكومة بالمُفارِق أكثرَ مما هي محكومة بالمُحايث، وقد نفاجئك بالقول إنّنا على يقين بأن هناك قانونا من التناسب العكسي بين ازدهار العرب حضاريا وازدهار الظاهرة الخلدونية، فالكتابة عن ابن خلدون تتغلف – إن ظاهرا أو باطنا – بغلاف السياق التاريخي الأكبر، ذاك الذي يجعل الوعيَ ينوس بين الزمن الحاضر والزمن الذي مضى في نزوع إسقاطي نحو استشراف المآل. إن الزمن الحضاري الذي يعيشه العرب الآن يدفعهم إلى أن يحتفوا بعظمائهم أكثر من احتفاء الأمم الأخرى بروّادهم السالفين، بل كثيرا ما تسقط حدود المقاسم السياسية الراهنة عند احتفاء الآخرين بروادهم لأن الفكر المعاصر ينزلهم منازل الإنسانية المتحررة من قيود القطرية التاريخية. إن احتفالنا الاستثنائي بابن خلدون يشي بحقيقة واقعنا الحضاري الراهن، بل كثيرا ما يعبق منه نسيمٌ ميلودرامي تمتزج فيه الملحمة بالمأساة، إنّنا نلوذ بابن خلدون وفي صوتنا تأوّه، وبين حناجرنا أنين كشهقة اليتامى الباحثين عن أب ينتسبون إليه وقد أضناهم اليتم الروحي.

مرّة أخرى هو (ابن خلدون) وكفى، ذاك الذي اخترق الحُجب فاقتلع صكوك الاعتراف من الآخر في زمن يتثاقل بالأبناء والحفدة ويسومهم خسفا لأن الآخر لا يعترف لهم، ولا يعترف بهم، بل يجاهر بأن حضارتهم في مؤخرة الركب الإنساني، هو ابن خلدون الذي لو قدّر لنوبل أن يسبقه لَما نال جائزته غيرُه، لا من حيث الكفاءة ولكن بحكم ضرورات الإجماع. هي ذي الرمزية الحضارية القصوى التي يذوب في محضنها الإخصاب الفكري حتى إذا ما دار الكلام حولها توارى "المعرفي" وتقدّم عليه "الثقافي". فمَن الذي – مِن بين الباحثين والمفكرين – لا تحدثه نفسه بأن يعتليَ قلمُه عرش ابن خلدون كي يردّ الاعتبار لأمة كأنما أصابها الجدب بعد الرّواء، وطالها العقم بعد الإنجاب، وأضناها القحط بعد الإخصاب. ليكتبْ إذن كتابة الانتشاء، وليسوّ خطابَ المباهاة، وليصْغ إلى الضيوف القادمين من عوالم "الآخر" بين مستشرقين ومستغربين ينوّهون فمنهم مَن تخلص سريرته ومنهم من يجامل، عازفا على أوتارنا الرقيقة، يلامس بأطراف أنامه زغب السواعد وهو حَذِرٌ أن يعاكسها.

ولأنه (ابن خلدون وكفى) فإننا نتوسد مقدمته ثمّ نضغط عليها بكل مجامعنا كي ننطقها بما نروم، نحْملها حملا على أن تجهر لنا بأفكار عصرنا حتى نعيد صياغتها ثمّ نؤكدها وبعد ذلك نستدل بما فعلناه على أنّنا محقون في صوغها بما أن ابن خلدون قد أوحى لنا بها  ! ولمَ لا نتوسل به كي نقول إننا السابقون إلى الأفكار الكبرى قبل أن تقترن برجالٍ عظماءَ ليسوا من بني جلدتنا، وهكذا تأتي عناوين الأبحاث سخيّة متهاطلة : ابن خلدون وهيجل، ابن خلدون ونيتشه، ابن خلدون وماركس... مع أنّهم جميعا لاحقون له لا سابقون. وحين نتحدث عن ابن خلدون يفيض منه على علم الاجتماع المعاصر فائض غريب مريب، فحيثما كنت بين محافل المختصين لا تنفك تسمع من الفلاسفة الناقدين لأصول المعرفة كلاما يؤكد على الأزمة الإيبستيمية التي يمر بها علم الاجتماع وهو ما به يفسرون التشظيَ الذي آل إلى تصاقبه مع الأنتروبولوجيا والأتنوغرافيا وفضاءات أخرى، لكنك وأنت تتحدث عن ابن خلدون وريادته في تأسيس علم العمران يصبح من "غير اللائق" أن تعرّج على أزمة علم الاجتماع، ولو فعلت لكنت كمن أخلّ بآداب المراسم أو كمن استخف بالأعراف البروتوكولية. وتحت سطوة الهالة الرمزية البالغة يكون من النشاز أن تقول بأن أهم القوانين التي فسر بها ابن خلدون المجتمعَ – ومنها قانون العصبية – لم تعد مجدية لتفسير مجتمعاتنا التي أصبحت تحكمها آليات أخرى مغايرة.

وتحت وقع اللحظة التاريخية الراهنة نستجيب لطقوس الأعراف، ونذعن لمراسم المقامات، فنجد أنفسنا منصاعين طيّعين نعقد حلفا مع الكائن الثقافي الذي يسكننا ثمّ نتواطأ وإياه على كينونتنا المعرفية، وعندئذ سيكون من لوازم هذا التواطؤ – الجميل المريب – أن نقفز على فصول جاءت عناوينها بأحكام قاطعة جازمة لا تساعدنا على مواربة أنفسنا، منها الفصل ( II 26) في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، ومنها الفصل ( II 28) في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك، والفصل ( V 21) في أن العرب أبعد الناس عن الصنائع...

الخوف يسكننا فنهرب، فإما هي أقوال صادقة فهروبنا من جلد الذات، وإما هي أقوال مجازفة فنخشى أن نشوّه بالزلل التاج الخلدوني.

أتراني – أيّها الرفيق – قد أضنيتك في تجوالنا، أما أنا فليست غايتي في سرد ما سردته أن أستنكر أو أدين، وإنما قصارى همّي أن أصوّر لك منعطفات في النفس همست لي بتلك الفكرة اليتيمة التي فاتحتك بها وهو أن "الثقافي" قد طغى على "المعرفي" في تصورنا للظاهرة الخلدونية، وأن هذه السطوة هي معطّل جوهري يحول دون انبثاق الإضافة المعرفية الخصيبة.

وفي هذه البرهة الزمنية من التاريخ المتحرك تأتينا الذكرى المائوية السادسة لوفاة ابن خلدون والأرض العربية قد أمست مخبرا للتجارب اللاإنسانية العاتية : الحرب الاستباقية التي فلسفتها "اضربْ ثم ابحث عن مبررات الضرب" والصراع الحضاري المعلَن حيث تنسف أركان الهويات ويُدفن ميثاق التنوع البشري الخلاق. في هذا الزمن بالذات نحتفل لنقول إن ابن خلدون ما زال يحاورنا، ما زال يناجينا، ما زال يضمّد جراحنا، ونحن – في ذلك كله – نمعن في تدبيج الخطاب الثقافي من حيث نتوهم ونوهم أنّنا نؤسس في العلم معرفة ولا أحد بوسعه أن يلوم أو يُدين. وفي هذه البرهة بالذات تنتظم أكبر تظاهرة احتفائية فتكون على الأرض الولود التي أنجبت صاحبنا، فينعقد أكبر مؤتمر حول ابن خلدون هفت إليه قلوبُ تسعين باحثا جاءوا من الأنحاء المتباينة، كلهم استجاب للمؤتمر الذي اختار لنفسه محورا صيغ عنوانه بلغة ابن خلدون وصيغ أيضا بغير لغة ابن خلدون، قيل في الأولى :

ابن خلدون ومنابع الحداثة

وقيل في الأخرى:

Ibn Khaldûn aux Sources de la Modernité

فكل الناس مبتهجون مهللون فلا تسمع أحدا يقول لك : قف، ها هنا زللٌ، فدلالة العناوين ليست واحدة، ولا نحتاج إلى حصافة باهرة كي ندرك الفرق بين العبارتين تركيبا ومقصدا. ولكنه حجاب الغفلة يسطو به "الثقافي" فيغمض أعيننا عن "المعرفي" ولكن الناس جميعا كانوا سعداء، وإياك أن تنغص عليهم فرحتهم، وويحَك لو تسللت إلى الشقوق وأثبت لهم بالبراهين العلمية المستمدة من المعرفة اللغوية المتطورة أن المؤسسة قد فكرت باللغة الأجنبية ووضعت لتصورها ذاك تلك العبارة المكتنزة الراقية ثمّ جاءت إلى اللغة العربية لتترجم ما وضعته فلم تعثر على قالب صوغي ملائم، فانتحت ظلا آخر من ظلال لغة الضاد، وصنعت فيه صورة ذهنية أخرى... وتحت وقع الرمزية الساحرة تتقبل مدارك الخاصة وخاصة الخاصة ما تهيأ أمامها ولا شفيع لها إلا أن تردد : إنّه ابن خلدون وكفى.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org