ندوة

في احتفالات تونس بالمائوية السادسة لوفاة ابن خلدون:
العلاّمة تجاوز عصره... وأسس للحداثة السياسيّة العربيّة

تونس –أفكار أونلاين –حياة السميري (جامعية )

لقد نجح ابن خلدون "التونسي، العربي، ذي الأصول الحضريّة ثم الأندلسية"، في أن يكون عابرا للتاريخ وللثقافات، وان يظل حاضرا بيننا، نستدعيه إلى زمننا نحاوره ونسائله ونسأله علاجا لأدواء لحظتنا التاريخية، ويستدعينا إلى عصره لنقف على أصالة تفكيره، وقدرته على النقد والتمحيص، والتجاوز المعرفي السائد في عصره وموروثاته، ولكي نقاسمه القلق وأزمة الوعي وهو يقف شاهدا على نهاية إحدى أكبر الحضارات الإنسانية، الحضارة العربية، الإسلامية، فلا يجد من يلبي نداءه بان يوقف لحظة الانهيار والخراب الزاحفين.

ولأن لابن خلدون هذا الحضور الهائل في الفكر العربي والإنساني عامة، حيث أحصى ناقد برتغالي أكثر من 61 ألف بحث عن ابن خلدون متوفر على محرك غول فقط، ولأن ابن خلدون يعد إحدى أهم مرجعيات الفكر التونسي وخاصة فكر رواد الإصلاح في القرن التاسع عشر، الذين مازالوا يلهمون اليوم النخب السياسية والفكرية التونسية، فقد خصصت تونس عام 2006 سنة للاحتفال بالمائوية السادسة لوفاة صاحب المقدمة، حيث نشطت الفضاءات الجامعية والأكاديمية لتكريم مفكر قال عنه توينبي إنه "قد تصوّر وصاغ فلسفة، هي بلا شك، أعظم نتاج أبدعه أي ذهن، في أيّ عصر وفي أيّ بلد".

حضور في المرجعية الإصلاحية

ومن بين ما قيل في هذه التظاهرات العلميّة الدوليّة الكبرى اخترنا أن نقف على بعض أصداء التقبل العربي والغربي لابن خلدون، وتلك التي درست أشكال حضوره في فكر الحركة الإصلاحيّة العربية، ووقفت على بعض مظاهر الحداثة في تفكيره وفي نصّه الذي مازال مفتوحا على كل القراءات.

أولى هذه الندوات التي سنقف عندها، هي تلك نظمها المجمع التونسي للآداب والفنون "بيت الحكمة" بعنوان "ابن خلدون ومنابع الحداثة" وذلك بحضور أكثر من 90 باحثا من الدول العربية والغربية، وقد عمل هؤلاء الباحثين على إبراز أشكال حداثة النص الخلدوني و مواطن أصالته واستمرار يته في الفكر الإنساني. وفي الكلمة الافتتاحية التي ألقاها الدكتور عبد الوهاب بوحديبة أشار عالم الاجتماع التونسي إلى "أن ابن خلدون يذكّرنا في كلّ صفحة من المقدمة أن الحداثة هي من صنع الإنسان، وانه لعب دوره كمثقف في استنباط المبادئ العامة للظاهرة الإنسانية وانه طرق أبواب الأمراء والسلاطين لتجاوز عوامل انحدار الأمة ولكن أحدا لم يستمع إليه".

وبدوره أشار الدكتور المنجي بوسنينة المدير العام للألكسو في نفس الجلسة الافتتاحية أنّ كل الحركات الإصلاحيّة العربية والإسلامية، وهي جميعها ذات توجّه حداثي، قد انطلقت من الفكر الخلدوني، ممّا أدّى إلى بروز "مدرسة الخلدونية" مضيفا أنه ليس من باب الصدفة أن تتأسس في تونس جمعيّة بهذا الإسم منذ القرن التاسع عشرة ذلك أن هذا العلاّمة لم يكن فقط "خلاصة الثقافة العربية الإسلامية في عصره بل كان أيضا انطلاقا لمرحلة جديدة. لقد كان نهاية وبداية في الوقت نفسه". ولم تكن هذه البداية مقتصرة على عهده بل تجاوزته إلى ما بعده بقرون، إذ لم يكتف العلاّمة بإضافة علمه الجديد المستحدث الصنعة بل أضاف منهجا عقلانيا شاملا في كيفية التعامل مع الظواهر الإنسانية، لذلك"بقي حاضرا وحديثا على الدوام".

هذا الحضور في المرجعية الفكرية الإصلاحية العربية وتوظيف المنظومة الفكرية والمفاهيمية الخلدونية في تقديم مشاريع النهضة والتقدم بالمجتمعات العربية، تناوله العديد من الباحثين منهم الدكتورة منجية منسية أستاذة الحضارة بالمعهد العالي للغات الحيّة بتونس. وقد تناولت الدكتورة منجية منسية جدلية التحديث بين الفكر الإصلاحي والخلدوني متّخذة في ذلك أنموذج الطهطاوي، فذكرت أنّ المرجعية الإصلاحية لدى الطهطاوي كانت مرجعية داخلية وخارجية وأن ابن خلدون كان واسطة بين هاتين المرجعيّتين حيث أن الطهطاوي الذي أقام في باريس فترة مرسلاً من محمد علي باني الدولة المصرية الحديثة، قد قرأ ابن خلدون إلى حدّ كبير بعيون غربية حيث أنه تعرّف على فردينان دي ساسي الذي ترجم بعض فصول المقدمة ونشرها. وقد مثّلت قراءته لابن خلدون حسب الباحثة مدرسة فكرية وإيديولوجية، حيث كان هناك العديد ممّن جاروه في قراءته من الباحثين النمساويين والإيطاليين. وأضافت الدكتورة منسية أن قراءة الطهطاوي، شحنت بقراءة تنويرية ليبرالية واشتراكية، وهي مترجمة للصورة الغربية، لذلك تظلّ قراءة نقل، موضّحة ذلك بأن مشروع محمد علي لتحديث الدولة المصرية مرّ بثلاثة أطوار وأن الطهطاوي عاش طورها الأول الذي هو طور محاكاة الغرب والنقل عنه بحيث يمكن القول إن رائد حركة الإصلاح العربية قد أعاد إلى العرب ابن خلدون، وإن هذه العودة تمّت عن طريق القراءة الغربية له، وقد تمّت في صورة حديثة، بهدف تقديم مشروع نهضة وتحديث، وأنها كانت السبيل للذات لقراءة ذاتها.

منهجيّة تنويرية

المؤرخ التونسي الدكتور خليفة الشاطر اعتبر أن المنظومة الفكرية لابن خلدون وبالذات مفهومها الرئيسي أي مفهوم العمران البشري مثلت ركنا أساسيا في المشاريع التحديثية لحركة الإصلاح في تونس ولمفكريها الكبار وعلى رأسهم أحمد بن أبي الضياف وخير الدين التونسي.

وقد أوضح الباحث التونسي أن توظيف مفهوم العمران الخلدوني قد مكّن أولئك المصلحين من إضفاء مشروعية ثقافية وتاريخية على عمليات التحديث التي وضعوا أسسها في فترة انحطاط تشبه تلك التي عاشها ابن خلدون وأنهم وجدوا في المقدمة ومقاربتها المنهجيّة النقدية ما يخرجهم عن عمليات الاستقطاب الديني ويضعهم في قلب رصد الظواهر الإنسانية بمنهجيات تنويرية. وبعد قراءة للمقدمة تناولت أبعادها الجيوستراتيجية، ذكر الدكتور الشاطر أن خير الدين باشا الذي تولى رئاسة الوزراء في ظلّ حكومة باي تونس 1873 إلى 1877 وقدم مشروعه الإصلاحي الشهير في كتابه "أقوام المسالك" قد وظف العديد من المفاهيم الخلدونية لدراسة أسباب انحطاط وتقدم المجتمعات القديمة والحديثة، ومنها، وبالإضافة إلى مفهوم العمران، مفهوم السياسة العقلية ومفهوم الظلم المؤذن بخراب العمران، محققا بذلك تواصلا مع الموروث الثقافي العربي، الإسلامي وغير منفصل عن التفاته إلى الغرب للأخذ بأسباب تقدمه.

ونجد كما يلاحظ الدكتور الشاطر لدى المصلح التونسي الكبير أحمد ابن أبي الضياف في كتاب "إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد"، نفس الاهتمام بابن خلدون إلى جانب حضور مونتسكيو وغيره من فلاسفة الغرب في مدوّنته، بل إن الدكتور الشاطر يعتبر أن مفهوم الظلم المؤذن بخراب العمران مفهوم مؤسس في كتاب الإتحاف حيث وقف ابن أبي الضياف ضد احتكار الدولة للأنشطة الاقتصادية وضد التعسّف في فرض الضرائب المشطة، ونادى بملكية دستورية يضبط القانون حقوقها وواجباتها، وطالب بحرية الفكر، غير أنه انتقد حتمية دورة الحضارة الخلدونية مؤكدا أن العدل يحفظ الدول مستشهدا على ذلك بطول عهد الدولة الفارسية والدولة العثمانية التي كانت تبلغ في عصره قرنها السادس. ويخلص الباحث التونسي إلى أنّ المصلحين التونسيين قد أعادوا صياغة المفاهيم الخلدونية كمفهوم العمران للبحث عن شروط تقدّم المجتمعات العربية والإسلامية، إلا انه يجب أن نغفل المساحة الزمنية التي كانت تفصله عنهم حيث كانوا يطالبون بملكيات دستورية في الوقت الذي اكتفى فيه ابن خلدون بالدعوة إلى إقامة العدل والإنصاف.

الفصل بين الدين والدولة

وبدوره يتساءل الدكتور كمال عمران أستاذ الحضارة العربية الإسلامية بالجامعة التونسية: إلى أي مدى استوعبت النخبة من المصلحين في البلاد العربية عامة وفي تونس خاصة الفكر الخلدوني في أعماقه وأبعاده؟

ويلْحق الباحث التونسي هذا السؤال بسؤال آخر: هل وظف المصلحون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الفكر الخلدوني في سياق يخدم فعلا الإصلاح في ظرف مختلف؟

وعودة إلى ما اسماه الباحث بالسنة الثقافية يذكر أن ابن خلدون نجح في أن يكسر نسق سنة الغزالي رغم انتشارها ونسق سنة ابن رشد رغم أهميّتها ليؤصل سُنة جديدة ترفض طريقة الفلاسفة المتعالية وترغب عن طريقة الفقهاء التي آلت إلى الهروب من الواقع إلى النصوص التي أضحت كالمقدس لا محيد عن الخضوع له، واختار ابن خلدون بمقابل ذلك السلوك إلى البعد الإنساني العميق، إلا أن تأثير المصلحين، وقد اختار منهما الباحث ابن أبي الضياف ومحمد السنوسي نموذجين، قد جاء محدودا، بل أن فهم المصلحين لآراء ابن خلدون، كما يضيف الدكتور كمال عمران، قد افسد عليهم الإصلاح لأنهم قصروا في استيعاب منطق المقدمة ثم علّلوا وبرّروا ودعموا بابن خلدون في غير ما إطار مرجعي ملائم، بل أن الدكتور عمران يذهب إلى أكثر من ذلك حين يقول إن هذين المصلحين قد انزاحا بالمنظومة العقلية الخلدونية إلى منظومة فقهيّة وإن التعامل النقدي مع ابن خلدون لم يبدأ مع المصلحين وإنما مع جيل الشباب بعد فترة الاستعمار الفرنسي لتونس بمدة طويلة.

على أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لعلي عبد الرازق صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي استفاد حسب الدكتور صالح مصباح أستاذ الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس من ذلك الفصل المنهجي الذي أقامه ابن خلدون بين العلوم الدينية والمدنية، ومن التمييز بين الخلافة والملك.

وقد اعتبر الباحث التونسي كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق تتويجا للموجة الأولى من الحداثة السياسية العربية، وهي حقبة، حسب قوله، تقع في ذات نسق اندراجنا في السياق العالمي، لأنها لا تمثل حركة إصلاح مقايسة بالإصلاح الديني الغربي وإنما هي حداثة ليبرالية اندرجنا فيها مع العثمانيين قبل حملة نابليون، ثم اندرجنا فيها قَسْرًا بعد مجيئة. ولا ينفصل كتاب علي عبد الرازق عن قيم الحداثة الليبرالية الاقتصادية والاجتماعية (الطهطاوي) وتنظيمات دولة القانون والمؤسسات (خير الدين التونسي) وقيم الحرية (لطفي السيد)، إلا أن ما يميز علي عبد الرازق، حسب الدكتور مصباح، هو توجهه إلى المعضلة الأساسية المتمثلة في العلاقة بين الديّن والدولة، وتخصيصه خمسة عشر سطرا من كتاب يقع في سبعين صفحة للحديث عن رأي ابن خلدون في هذه المسألة. إلاّ أن الباحثين الذين كتبوا عن الإسلام وأصول الحكم، لم يتفطنوا إلى صلته بابن خلدون، حيث ذكر الباحث أنّ علي عبد الرازق لم يستفد فقط من آليات الفحص الخلدوني أي المنهج التاريخي النقدي بل أنه سعى إلى نوع من المعارضة لبنية المقدمة، بل أن المحاورة مع ابن خلدون، وبالذات مع المقدمة، مكّنت من الانبناء النظري لكتاب عبد الرازق، وهذه المحاورة لا تقع فقط عند نظرية الخلافة، الواقعة في الباب الثالث من المقدمة حيث يأخذ منها علي عبد الرازق بعض المواد التاريخية التي يحتج بها، بل أنه يمارس خططا تاويلية تسمح له بتجاوز الشواهد الحجاجية والعقدية التي لا تتماشى مع نظره إلى هذه المسألة، ولذلك يعارضها معارضة جذرية مستخدما التاريخ السياسي الخلدوني للانتقال من الخلافة إلى الملك ويعتبر أن الخلافة كانت دائما ملكا حيث أن ما قاله ابن خلدون عن أبي بكر وحروب الردّة يؤكد أن أبا بكر كان ملكا. إلا أنها كانت فترة ذهبية استثنائية، كما كانت السياسة النبوية سياسة استثنائية، والاستثناء لا يمكن الانطلاق منه لدراسة الظواهر والربط بينها، وهو ما يؤكد ضرورة الفصل بين الخلافة والإسلام أي أن الإسلام لا علاقة له بالخلافة وبالتاريخية وهو ما يهيئ للأطروحة العملية أي الفصل بين الدين والدولة لدى علي عبد الرازق والتي أثارت عليه رجال الدّين في عصره. وهكذا يكون علي عبد الرازق قد استعمل ابن خلدون ايبستمولوجيا ونحا منحاه من ناحية النقد التاريخي و إن كان صاحب "الإسلام وأصول الحكم" أكثر جذرية في استخراج النتائج.

وظيفة تاريخية متجدّدة

إذا كان من الصعب تتبع كل أشكال حضور ابن خلدون في الفكر العربي الحديث، بل وفي الفكر الغربي أيضا، وإذا كان ثمة من معنى لهذا الحضور فإنه لا يخرج، حسب الباحث اللبناني الدكتور ناصيف نصّار، عن أن لابن خلدون علاقة متينة بالحداثة تجعله قائما بوظيفة تاريخية متجدّدة حسب عبارة الباحث التونسي الدكتور نبيل خلدون قريسة. لذلك خصّص الدكتور نصّار مداخلته لاستنطاق الحداثة في النصّ الخلدوني وللذهاب إلى ابن خلدون دون أن يقيم معه، وان يأتي به دون توهّم أن ابن خلدون يقيم معنا، ذلك أنّ هموم مفكّرنا العربي الكبير هي هموم مختلفة عن همومنا بالرّغم من الصّلات التاريخية التي تجمعنا به. ويتوقف الباحث عند لحظات ثلاث في التأليف الخلدوني، وهو ينظر إليه من منظور الحداثة، وهذه اللحظات هي، الحداثة والتاريخ، والعلاقة بين الحداثة وإنشاء علم العمران، والحداثة والسياسة العقلية.

وفي ما يخصّ اللحظة الأولى، يلاحظ الباحث أن "المقدمة" انطلقت من معنى للحداثة غير قابل للجدل وذلك لهيمنة فكرة الإبداع الجديد والأصيل السامي في الإنسان الساعي إلى صنع تاريخه، وهذا الاتجاه الحداثي المسيطر على "المقدمة" يقترن بفكرة التغيّر والتبدّل الذي يتمّ عند ابن خلدون على مستويين: المستوى البطيء والتدريجي، ثمّ مستوى التغيّرات، التبدّلات الكبرى على مستوى التاريخ الشامل أي على مستوى الحقب والانقلابات الكبرى التي ميّز ابن خلدون بين أربعة منها ويضيف الباحث اللبناني: " لم أجد في عبارات ابن خلدون عن تبدّل الأحوال" و" تبدّل الخلق"، و "عن النشأة المستحدثة" و "العالم المحدث" ما يضاهيها قوّة في التفكير في مدى عمق التغيّر التاريخي".

وابن خلدون يؤسس بهذه العبارات لمفهوم حقيقي للحداثة في التاريخ، حداثة قائمة على التغيّر والابتداء والاستئناف...

حقل حداثي

وعلى مستوى ثانٍ يرى الدكتور نصّار أنّ إنشاء علم العمران هو حقل حداثي، وابن خلدون لا يبخل علينا بالعبارة التي تؤكد وعيه بإنشاء حقل حداثي، والصفحات التي تحدّث فيها عن العلاقة بين الوعي التاريخي والواقعة التاريخية واضحة الدلالة على هذا الفعل، خاصة إذا ما كان هذا التبدّل من البطء بحيث لا يتفطّن إليه إلاّ كبار المؤرخين ممّن يحيلنا عليهم ابن خلدون كالمسعودي، والذين يعتبرهم "أصلا يقتدى بهم، ونحن نريد أن نكون أصلا يُقْتَدى بنا" وهو ما يضعفا أمام عقل لا يعبّر فقط عن اعتزازه بنفسه في العمق وإنما يعبّر عن موقف استقلالي إبداعي على صعيد الحداثة النظرية، وعملية إنشاء علم العمران لاستكمال علم التاريخ.

ويجد الباحث في بحث ابن خلدون عن معقولية للتاريخ ومنهج عقلاني مجالا مشتركا بين الحداثة التي نستقرئها في نصّه وبين الحداثة التي كرّستها أوروبا والتي نصبو إلى بنائها اليوم. ويميّز ابن خلدون بين ثلاثة عقول هي العقل التميّزي وهو عقل التعامل مع الأشياء والبحث في ترتيبها وضعيا، إنه عقل الصنائع والمعاش، ثم العقل التجريبي الذي هو عقل اجتماعي سياسي، والعقل النظري الذي كانت الفلسفة قد حددّته ضمن علوم الحكمة، والذي يطبّقه ابن خلدون على مشروعه. إلاّ أن ما يستوقفنا أنه يضيف ما يسميّه "بالعقل المزيد" المتكون من ممارسة لأنشطة العقلية عبر العلوم والصنائع في الحضارة، أي أنه ناتج عن تراكم النشاط المعرفي والعملي وهو ما يمكن أن نسميّه بالعقل الحضاري وهو مفهوم يمكّننا من الانخراط في تاريخ العقل، والقول بأن للعقل تاريخا، وهو مفهوم جديد يستنبطه ابن خلدون، للتأكيد على أن لكل من ينخرط في تاريخ العقل، الحق أن يبني على نتاج السابق، ويدخل في العقلانية التاريخية المتطوّرة.

ويتساءل: هل هذا كل ما صنعه ابن خلدون على صعيد الحداثة، ألم تكن المقدمة مخيّبة للانتظارات عندما لم تفصح عن مشروع إصلاح يربطه ابن خلدون بعلم العمران، حيث أننا لا نجد موقفا صريحا واحدا في اتجاه الإصلاح والتغيير إلى ما هو أفضل، عدا دعوته الصريحة للانخراط في تاريخ العقل؟

ويسرع الباحث اللبناني إلى الإجابة عن هذا التساؤل: قد يكون الجواب نعم في حدود النظرة الضيقة. ولكن هل فكّرنا في المفهوم الخلدوني المركزي "السياسة العقلية" وماذا لو صوّبنا النظر أيضا إلى العقل التجريبي بما هو تفكير في أحوال السياسة التي يميّز ابن خلدون بين ثلاثة أنماط منها، وهي السياسة الطبيعية، والملك السياسي، والسياسة الشرعية الدينية؟

وفي هذا التميز يتحدث ابن خلدون عن السياسة بلغة العمران البشري وبلغة التاريخ، أي أنه حقق نقلة عما تركه أسلافه من المؤرخين من تاريخ للمماليك والأمراء والسلاطين بتفكيره الجذري في السياسة على أنها ظاهرة عمرانية تاريخية. كما أنه يمكن اعتبار أن ابن خلدون قدّم لنا نظرة جديدة في العلاقة بين الدّين والدولة حيث أنه لم يجعل السياسة الدينية تحت الملك، أي أنّه يجعل الملك السياسي "حملا للكافة على مقتضى العقل البشري المتمثل في حكماء الدولة الأكابر". أما الخلافة التي هي محور نقاش السياسة الدينية فإنها من حيث علم العمران، عائدة إلى شروط اجتماعية منها الإجماع، أي أن الخلافة قد نشأت بإجماع الصحابة، أي إنها لم تكن فعلا إلهيّا، كما أنها كانت في قريش لأن هذه الأخيرة كانت متمتّعة بقوّة عصبية قريش، ويعترف ابن خلدون، إن الخلافة، كسياسة دينية، لم يعد لها أي شرط اجتماعي لكي تتواصل، كما يذهب إلى أن السياسة العقلية هي التي تطبّق في أرجاء العالم الإسلامي وخارجه إلاّ أنّ الملوك المسلمين يُجْرونها في إطار السياسة العقلية، على مجموعة من القواعد بعضها مستمدّ من الشرع والعصبيّة وبعضها من الآداب السلطانية، المتعلقة بسياسة الحكم، إننا إزاء نوع متطوّر من السياسة العقليّة المركبة.

إلا أن ابن خلدون لا يعطينا أيّ أفق للتفكير في المستقبل انطلاقا من السياسة العقلية. حيث لم يطوّر هذه الأخيرة إلى السياسة المدنية إنما جعل من السياسة المدنية جهدا يهدف للارتقاء بالمواطنين إلى كائنات أخلاقية تستغني عن الحكام إطلاقا، وهو بهذا لا يقطع فقط مع الموروث الفلسفي السياسي اليوناني، وإنما حتى مع الموروث الفلسفي الإسلامي مع الفارابي مثلا حيث تدور المدينة الفاضلة حول الرئيسن. ويؤكد الدكتور نصّار أن مهمّتنا اليوم هو أن نرفع هذا الخلل في الفكر الخلدوني وان نعيد الصلة بين السياسة المدنية والعقلية، وأن نضعها في إطارهما اليوناني القديم وفي إطار الحداثة التي هي في الحقيقة، كما يقول الباحث، إعادة بناء للمشروع اليوناني. وإذ ما أصلحنا هذا الجانب في الفكر الخلدوني فإنه يقودنا، كما يظن الدكتور نصّار، إلى وجهة جديدة في النظر إلى السياسة.

ويخلص الدكتور نصّار من ملاحظته حول حركة الحداثة في المشروع الخلدوني إلى أنّ هذا الأخير يمكنّنا من الإبحار في فضاءات العلوم الاجتماعية الحديثة التي كان ابن خلدون وراء نشأتها، ومن الأكيد أنّ العرب سيغنمون كثيرا في مواجهة قضاياهم الحضارية إذا ما اعترفوا بأهمية العلوم الاجتماعية، وقد كان ابن خلدون في ذلك كاشفا ومجدّدا وفاضحا، حسب عبارة الباحث اللبناني، إلا أنّ مأخذ ابن خلدون أنه لم يمكّننا من المفاتيح الأسس لبناء سياسة جديدة قائمة على مبدأ الحق الإنساني، ومكرّسة لقيم العقل والحرية والمساواة، التي نهضت عليها الحداثة الغربية، خاصة أنه يجعل من الإنسان معطى ضمن الوجود الطبيعي المنظم، في حين أن نظرتنا للإنسان اليوم تقوم على أنه كائن واجد وموجد. ورغم تمسّك ابن خلدون بمبدأ الحداثة على مستوى النظرية إلا أنه لم ينجح أولم يكن ممكنا له في عصره أن يضع فكرة الإبداع في التاريخ، في إطار فلسفة شاملة للوجود يكون مركزها فكرة الإبداع الإنساني.

رسالة إنسانيّة

إذا كان ابن خلدون حاضرا لهذه الكثافة في فكرنا اليوم فمن المؤكد أنه يلبيّ حاجة أو حاجات سواء كان على الصعيد العلمي المعرفي أو الحضاري و ربما على الصعيدين معا. وقد كشف عن هذه الحاجة الملحة لاستحضار ابن خلدون اليوم بيننا العديد من المتدخلين في الندوة التي نظمها المعهد العالي للعلوم الإنسانية حول ابن خلدون عالما ومفكرا وسياسيا.

وفي هذا الإطار تسائل الدكتور محمد نجيب بوطالب مدير المعهد في كلمة الافتتاحيّة للندوة عن الأسباب العميقة التي تجعل صاحب المقدمة يُقيم في نصوصنا، وفي أسئلتنا وفي مواجهتنا لواقع تفصله عن السياق التاريخي الذي عاش فيه ابن خلدون، 6 قرون كاملة، قائلا:

" ألأنّ قوّة الاكتشاف وفرادة الإضافة العلميّة عند العلاّمة مكّنتاه من فرض نفسه علينا ومزاحمة لاحقيه أو سبقهم؟ أم هل أن إضافة ابن خلدون لا تعدو أن تكون مراكمة للمعرفة وإضافة نوعية للعلم؟ أم لأن ما يعرفه وضع العرب والمسلمين اليوم من فقر نظري ومعرفي وعلمي يجعل بعضهم يتشبّت بمعالم أولى لنهضة وحلم لم يتحقّق بعد؟"

والجواب على هذا التساؤل جاء على شقين: شقّ يخصّ ابن خلدون في علاقته بعصره حيث مكنته ثقافته وتجربته السياسية من قراءة تناقضات مجتمعه وإشكالاته، من خلال مفاهيم مركزية قرأ بها تاريخ العرب والمسلمين وتاريخ العلاقات بمحيطهم، وشقّ يخصّ علاقتنا، نحن اليوم بابن خلدون، حيث اعتبر الباحث أن الاحتفال بهذا "التونسي العربي ذي الأصول الحضرمية ثم الاندلسية" يعدّ رسالة إنسانية ووطنية تؤكد لنا ولغيرنا بأننا نحن هنا نساهم في بناء المعرفة الإنسانية، نجرّب ونخطىء، نبني ونصلح، نتعثّر ونمشي وننهض بعد سقوط ووهن، وأنّ فينا من البعيد والقريب ما يمكن أن يعيد لنا جزءًا من إنسانيتنا المهدّدة بالاقتلاع أو الابتلاع".

قراءة مفتوحة على التعدّد

لقد وظف العديد من الباحثين العرب ابن خلدون توظيفا إيديولوجيا، وهم يستدعونه للقراءة والدرس واستخلاص النتائج ويقيمون جسورا للتواصل مع التراث، كما قال الدكتور علي الفريوي من المعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان حيث كانت قراءة ساطع الحصري، حسب رأي الباحث التونسي، لصاحب المقدمة، لم تنفصل عن الخليفة القومية العربية للحصري، ولم يتحرّر الطيب تيزنيي، حسب الباحث أيضا، من هذا الهاجس الإيديولوجي حيث تراه ينطلق من القراءة المادية والتاريخية للفكر الخلدوني ليقرّر أن الطرح الخلدوني يمثّل تمهيدا حقيقيا الأطروحات التي أحرزها الفكري المادي التاريخي لأنه أدرك بعمق أن منهجه ونجاح تطبيقاته يمثلان الدوافع الأساسية المحركة للتطور الاجتماعي التاريخي، كما أن قراءة محمد عابد الجابري لابن خلدون حملت معها مؤثرات المنهج البنيوى والايستمولوجي الذي شكل منابع ثقافة الجابري وحدد منهجه النقدي. والواقع أن أبرز ما يمكن أن نستخلصه من هذه القراءة للأستاذ الفريوي تعليقا على بعض القراءات العربية لابن خلدون وأشكال توظيفه هو أن النص الخلدوني، ككل نصّ في الواقع، وبالذات النصوص الكبرى، يحتاج إلى قراءات مفتوحة على التعدد والاختلاف.

حاجة معرفيّة حضاريّة

وبعيدا عن هذه القراءات الإيديولوجية يطالبنا للباحث التونسي يطالبنا الباحث التونسي في علم الاجتماع الدكتور المولدي اليوسفي الذي كان قد أعدّ أطروحة دكتوراه عن ابن خلدون، بأن تكون عودتنا لابن خلدون تلبية لحاجة علمية، وهي النظر في مدى "استفادتنا من مدوّنة ابن خلدون في علم الاجتماع لبناء منظومة فكرية تفيدنا في دراسة مجتمعنا وإدراك أحواله وكنه تفاعل عوالمة". ومن منطلقات هذه العودة وضرورتها يذكر الباحث اعتبار الحاضر ثمرة الماضي، وحاجة البحث العلمي للمراجع والتأصيل، خاصة أن الواقع المعرفي لعلم الاجتماع يقتضي أن الدراسات ومناهجها لا تستورد. وإذا اعتبرنا، بالإضافة إلى هذا، عمق العلاقة بين علم صاحب المقدّمة والوقع الذي عاشه، أدركنا إذن بعض ضرورات العودة لابن خلدون الحضارية والمعرفيّة. ويختم الباحث التونسي بحثه بالقول إنّه يمكن تطوير المدرسة الخلدونيّة بالإطلاع على ما ينتج في العلوم الاجتماعية التي تتقدم بما تحقّقه من تراكم، كما يدعونا الباحث أيضا إلى التأني في قراءة النصّ الخلدوني.

تجاوز معرفي

لعلّ أبلغ وأصدق ما استمعنا إليه في هذه الندوة الأخيرة هو إن الأثر الخلدوني قد دام أكثر ممّا دام صاحبه... هكذا جدّد الدكتور محمد نعيم فرحات أستاذ علم الاجتماع بجامعتي القدس المفتوحة وبيت لحم التأكيد على عمق الحضور الخلدوني اليوم وهو عمق يردّه الباحث إلى "أصالة بنية تفكيره" أصالة تبدو واضحة في عمق الارتباط بين نصّ صاحب المقدمة وعالمه، كمعطى قائم لا يحتاج لافتعال العلائق أو البحث عن مسار البرهنة حول وجود هذه العلاقة المتينة.. وفي مزيد التدقيق لهذا الرأي يوضّح الباحث الفلسطيني أن القراءة الأولية تحيلنا إلى خاصيّة مركّبة من قيمتين متلازمتين هما الجدّة والإبداع، جدّة اتّسمت بانفتاح واسع على النقد والتمحيص والتجاوز المعرفي للسائد في عصره وموروثاته. أما الإبداع فقد عبّر عن نفسه في كيفيات التناول ومقاربة المسائل وفي الاستخلاص وبلورة المفاهيم. أما الخاصية الثانية التي يمكن ملاحظتها في نصّ ابن خلدون فهي تعدّد الإبعاد والاتساع والتداعي في تناوله، وهو تعدّد يذهب إلى أفق يصعب ضبط مواضيعه وامتداداته، ويرتبط، على رأي الباحث، بفيض معرفي وقدرة موسوعية وتوجّه نظري ومنهجي متميّز أفصح مرارا عن خياراته المختلفة والجديدة. ويمثل انتباه صاحب المقدّمة الميّز للخصوصيات والتقاطها وتصنيفها وتحليلها الخاصية الثالثة التي يقف عندها الباحث ويستشهد هنا بعلي أوميل الذي انتبه إلى هذه الخاصيّة واعتبر أن ابن خلدون قد حقّق خطوة هامة في مستوى تنظير التاريخ العربي بفصله المنهجي لعلم التاريخ عن العلوم الدينية، مستنتجا بأن هذا الفصل هو " انجاز لم يسبق إليه صاحب المقدمة أحد" إلا أنّ هذه الخاصيات الثلاث ترتبط بخاصية أمّ هي خاصية الأصالة في بنية تفكيره والتي تمكننا من تفسير قدرة هذا الفكر على أن يكون راهنا اليوم وأن ينطوي على كفاءة لقراءة الحاضر. إلا أن هنالك- كما يضيف الدكتور فرحات – قوّة دفع تتجاوز كل ما تحشده البراهين النظرية على راهنية فكر ابن خلدون، وهذه القوة تكمن في تاريخنا الحالي اليوم، حيث نجد "واقعا يعيد إنتاج العديد من الشوائب البنيوية التي عرفها عصر ابن خلدون وتحكمت في أحوال الدول والناس والتاريخ والبنيات الذهنية لهذا العصر". وهو يجعلنا نقف مع الباحث عند نقطة مفصلية وهي أن فكر ابن خلدون قد حقق قطيعة معرفية مع أنماط تفكير سابقة ومعاصرة له، إلا أن الواقع والتاريخ ووعي الفاعلين التاريخيين المتعاقبين فيه لم يشهد كل هذا قطيعة موازية إلى اليوم.

إن ما اسماه الباحث بـ" بنية الشوائب الأصلية" في واقعنا، تحتاج فيما تحتاج إلى بنية تفكير أصيلة لفهمها وتفسيرها ومحاولة تغييرها، وفي هذا السياق تتوّلد الحاجة لفكر ابن خلدون لمساعدتنا على التعامل مع إشكاليات تاريخنا الراهن، مما يتطلب من جهة ثانية توفر فاعل تاريخي يتجاوز بؤس الحاضر، لا باتجاه تحويل "الماضي سيدا للأيام" بل يتجه إلى المستقبل بصفته حقل الرهان الممكن والمتاح.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org