مكانة ابن خلدون في الحركة الإصلاحية بتونس
(خير الدين التونسي ومحمد السنوسي )

د. كمال عمران
أستاذ الحضارة الإسلاميّة- جامعة منوبة - تونس

1 – إشكالية البحث:

يتسنى أن نجمل إشكالية البحث في سؤال: إلى أي مدى استوعبت النخبة من المصلحين في البلاد العربية عامة وفي تونس خاصة الفكر الخلدوني في أعماقه وفي أبعاده ؟

ونقفي على أثر السؤال الأول بسؤال آخر وهو هل وظّف المصلحون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الفكر الخلدوني في سياق يخدم فعلا الإصلاح في ظرف مختلف يمكن أن نرصده من ثلاث زوايا وهي:

•  زاوية النظام الجغرافي التاريخي.

•  زاوية النظام المعرفي المختلف جذريا.

•  زاوية التصوّر لوجود غير التصور الذي عرفه ابن خلدون.

فقد انتقلت الزاوية الأولى من المركزية الإسلامية إلى المحورية الأوروبية، ولقد عاش ابن خلدون قبسا من تلاشي المركزية الإسلامية بل إنّه انتبه إلى أن ّ أمرا جللا كان يتحرك في العدوة الشمالية في أوروبا على أنّ وهم السلطان الثقافي كان منتشرا عند المسلمين وعزّ لديهم الوعي أنّ حالهم كانت تعدو نحو التدهور. أي فاصل هو بين وضع ابن خلدون ووضع المصلحين وقد كانت المحورية الأوروبية داحرة لا محيد عن الخضوع لمقتضياتها؟ أليس من الضروري مراعاة هذه الملاحظة عند التصدي للعلاقة بين ابن خلدون ورجال الإصلاح في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؟

ونحيل في الزاوية الثانية إلى الفرق بين مصطلحين يُجْمِلان نظرتين إلى الوجود وإلى الكون متناقضتين. المصطلحات أساسيان:

- مصطلح "التقمص" في غير السياق التيوزوفي Théosophyque وهي الحكمة الإلهية ويؤدي المعنى مصطلح Anthropomorphisme وهو تشكل الإنسا ن في ضوء الكون وعلى صورته والمعنى يحمل فكرة العالم إنسان كبير والإنسان عالم صغير
Micro cosme – Macro cosme .

- مصطلح "مركزية الإنسان" ويؤديه باللغة الفرنسية مصطلح Anthropocentrisme وهو الذي بوّأ الإنسان منزلة المركز في دائرة الكون وقل الاكتراث بالغيبيات وأضحى الفصل بين الدنيا والدين والروحي والمادي من نوافل الممارسة الاجتماعية .

ونقف مع الزاوية الثالثة عند الانتقال من الكون المغلق إلى العالم اللامنتهي وقد كتب ألكسندر كويري كتابا يحمل العنوان نفسه وقد دقق فيه تدقيقات أعلنت الفرق بين البنى التقليدية والبني الحداثية Alexendre Koyré , Du monde clos à L'univers infini ، وقد عاش ابن خلدون فترة الكون المغلق وعاش المصلحون مرحلة العالم اللامتناهي .واعتبار الفرق بين الشكلين مهم في فهم التحولات وما تتضمن من الأعماق ومن الأبعاد.

ونجعل السؤال الثالث متصلا بتوظيف الفكر الخلدوني في المشروع الإصلاحي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

لقد فتح باب على المصلحين مشروعا بسط على اختيارهم فرضيتين، أولاهما هل يتأسس التعامل مع أوروبا على الأخذ الكلي عن التمدن الأوروباوي ؟ أم يقتضي التعامل مع التمدن الاقتباس المشروط بالتوافق مع الشريعة الإسلامية؟ لا نجد خلال القرن التاسع عشر قولا أو رأيا تبنته المؤسسة الدينية الإسلامية لا يعتبر في كل تصور وفي كل إجراء الشريعة في المقام الأول. و نلخ ص السؤال الحاد الملازم لهذا الاختيار في الإشكالية التالية: هل كانت الشريعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر محصنّة عن التقليد، وهل من وجه للاجتهاد في إطار التقليد المستبد بالثقافة؟ الراجع إلى رسالة للشيخ محمد بيرم الخامس عنوانها "تحفة الخواص في حلّ صيد بندق الرصاص" وفيها كلام ضمن المقدمة على الشريعة يكشف عن الطوق الذي كانت يأسرها في تلك الفترة ولا سبيل للعقل معها البتة. ألا يفضي هذا السؤال إلى منعطف نكاد لا نجد له من حلّ: كيف التعامل بين التمدن وهو يعلي حقوق الإنسان مكانة عليّة والشريعة - بالمعنى الذي غلب عليه التقليد -

وهي لاترى غير حقوق الخالق - بالمعنى الذي غفل عن الإنسان وهو الخليفة للّه فوق الأرض المنوطة به مسؤولية النيابة لا التواكل أو التفسخ وانتظار البوار ق انتظارا سحريا يسعى إلى الخوارق وهو نمط التفكير الذي نجده لابن خلدون في المقدمة – ألسنا إزاء مفارقة تاريخية فظيعة ؟

وترتّبت على الإشكالية الأخيرة معضلة ذات بال وهي توهّم المصلحين جواز الانطلاق من نتائج التمدن كما نشأ نشأة تاريخية منطقية لإصلاح الخلل المتراكم على الأوضاع في البلاد الإسلامية، ولعل هذا التوهم هو علّة الفشل الناجم عن المشروع الإصلاحي. وإلا كيف نفسّر هجمة الحدث الاستعماري في غضون الحركة الإصلاحية في البلاد العربية الإسلامية كلها.

ألا يحطّ السياق في رحل معقّد يحيل إلى الأخذ بالمنطق التاريخي أو في الإخلال به. ومن ثمة التساؤل عن فرضية ملخصها: هل يتسنى للمصلحين وهم يغضون عن منطق الإصلاح بتوهم التبني لنتائج التمدن في أرض قيعان ؟

2- في السنّة الثقافية

نستعمـل مصطلح "سنة" في هذا البحث لنبصر من خلاله نماذج في الفكر العربي ارتقت إلى تأسيس سلطة معرفية فاعلة إن من قريب أو من بعيد.ونريد بالسنّة معنى الطريقة المتبعة المحصنة بجهاز مفهومي متكامل وبمنهج يفصح عن المنطق الداخلي الذي يتحكم فيها. ورأينا أن ننتخب ثلاثة نماذج لنقلّب البصر في تاريخ الأفكار في الثقافة العربية الإسلامية.

أ ـ السنة الثقافية مع أبي حامد الغزالي ( ت 505هـ):

ليس المجال لنتوسع في كل الجزئيات الثقافية المتوفرة في مدونة الغزالي بل لنقف عند عدد من الأفكار الرئيسية ننضّدها تنضيدا في نقاط محدّدة:

1 ـ أوّل عنصر في السنة الثقافية عند الغزالي رفض التقليد والإقبال على الجهد العقلي سعيا إلى درء مفاسد التوارث الأعمى في الانتساب للثقافة وخاصة منها ما يحتاج إلى الذهن ولا يعني الموقف التغاضي عمّا في البعد الماديّ من الأهمية الثقافية ويمكن أن نشير إلى ما أثبته الغزالي في مصنّفه "إحياء علوم الدين " من المعطيات السلوكية الراجعة إلى الحياة المادية في إطار الإبانة عن الآداب ومسالك التصرف في الجزئيات وفي الكليات لتأكيد الفكرة (1) .

2 ـ آلية القياس المؤدية إلى اختيار الموقف وهي تتمثل في إتباع مراحل أساسية توحي بالتدرج في المسك بأسباب التصرف الحر وإحكام التعامل معها ونعني بالحرية القدرة على التّمييز و رسم الأهداف و الطاقة على بلوغ أقصى ما فيها من الغايات(2).

2ـ أ- آلية القياس المعبّرة عن نوعية التعامل مع الحواس بوصفها أداة من أدوات المعرفة، فهي ضرورية ولكنها غير كافية وهو منطق رياضي يِؤدي إلى الوعي أنّ المعرفة الحسية لا تغني البتة عن طلب ما هو أعلى (3).

2ـ ب المقايسة المعبّرة عن حدود التعامل مع العقل، فقد كان العقل معيارا به أدرك الغزالي قصور الحواس عن أن توصل إلى المعرفة الكاملة ثم تحوّل العقل ذاته إلى اتهام يتمثّل جوهره في المغالطة التي لا ينكرها عندما يغرق المرء في النوم ويرى ما يرى مما لا ينبه العقل إلى فساد معانيه و رموزه ، فحقّ القول عند الغزالي إنّ العقل مقصور على الغاية وهو كلام نرجعه إلى أبي سليمان المنطقي عندما أقرّ بـ"أنّ الفلسفة حقّ ولكنها ليست من الشريعة في شيء وأنّ الشريعة حقّ ولكنها من الفلسفة في شيء" وهو كالنسق الذي تبنته الثقافة العربية الإسلامية وليس بعيدا أن نلمع إلى أنّ الموقف مبثوث في الفكر الإنساني بصفة عامة (4).

2ـ ج آلية القياس المفضية إلى القطع بأنّ الحدس هو السبيل الآمنة في طلب المعرفة وهو النسق الذي تبّناه فخر الدين الرازي في تفسير آيات من سورة الفاتحة في "التفسير الكبير" أو" مفاتيح الغيب " فجعل الآية" إياك نعبد " مقاما للشريعة والآية " إياك نستعين " مقاما للطريقة والآية "أهدنا الصراط المستقيم " مقاما للحقيقة وكأنّ الشريعة من المعرفة الحسيّة مكتفية بالسطح و الطريقة من المعرفة العقلية الساعية إلى العمق و الحقيقة الحدسية وصولا إلى الغاية وبلوغا لليقين .فوضح أنّ النسق غلب على الثقافة العربية الإسلامية و أنّ الغزالي أدّى المعنى السائد.وقد يعبّر عن هذا النسق بطريقة مختلفة نحيل إلى جزء منها من خلال كلام للفارابي يقول: " فإنّ الإنسان وإن بلغ نهاية الكمال في الإنسانية فإنّ منزلته عند ذوي العقول الإلهية منزلة الصبي و الحدث والغمر عند الإنسان الكامل وكما أنّ كثيرا من الصبيان والأغمار يستنكرون بعقولهم أشياء كثيرة مما ليست في الحقيقة منكرة ولا غير ممكنة ويقع لهؤلاء أنّها غير ممكنة فكذلك منزلة من هو في نهاية العقل الإنسيّ عند العقول الإلهية (5). ألا يرجعنا هذا الموقف إلى مدرج أو إلى حدثان ( Processus ) فكري ذي اتجاهين ينطلق الأول من البيان ليصل إلى العرفان وينطلق الثاني من البرهان ليصل إلى العرفان أيضا.

هل نتعامل مع هذه السنة الثقافية بالتسليم ونرتضي ما قرّره "حجّة الإسلام " ؟

لا نبتغي التعمق في هذا المقام في تفاصيل السنة الثقافية كما أنتجها الغزالي وإنما نريد أن نبدي ملاحظات جوهرية نربطها بالثقافة:

أ ـ لقد آلت الثقافة العربية الإسلامية مع الغزالي، على جلال علمه، إلى رفض المثاقفة على قاعدة التّأثر والتأثير، فلا الفلسفة مجديّة ولا علم الكلام بقادر على أن يفي بالمقصود ولا وجه أن يكون أي صنف من أصناف المعرفة مفيدا وإنما الاقتصار على التصوف هو المرقاة إلى النجاة والحال مع هذه السنة الثقافية حال الانجراف نحو الانغلاق الثقافي.

ب ـ لقد فتح الغزالي المجال للتصوف الشعبي المفضي إلى الطرقية ولن نجانب الصواب إن قلنا إنّ للطرقية دورا كبيرا في معاضدة التقليد وفي إحكام الطوق على كل نمط من أنماط الثقافة العقلية أو الإبداعية بصفة عامة فقد أدّت هذه السنة الثقافية إلى زرع ثالوث من السلوك الثقافي في مدار رعب فظيع: التقليد والطرقية والبدعة. والكلام على الانغلاق الثقافي، كل شكل من أشكال الانغلاق، أنه يؤدّي إلى الفقر الثقافي المدقع.

•  ب ـ السنة الثقافية مع ابن رشد الحفيد ( ت 595 هـ / 1198 م )

يمثل ابن رشد الأندلسي المغربي نمطا مختلفا عن الغزالي المشرقي وله الفضل في أن يقدّم سنّة مغايرة تنطق عن رفض الثقافة العربية الإسلامية أن تستسلم للحصر و القسر وهي سنة "تجاهد" في أن تحافظ على التوازن بين الأفكار و الاتجاهات و المدارس في الحقل الثقافي. ونروم أن نوجز الكلام على السنة الثقافية الرشدية في نقاط نعتبرها اختصارا لها:

1ـ شرح فلسفة أرسطو في ظرف تاريخي مال فيه النسق الثقافي العربي الإسلامي إلى رفض المثاقفة وارتضى التنكر للتعامل مع الثقافات المغايرة بل إلى اتهام من يجرؤ على أن ينادي بالأخذ عن الآخرين أو الإقبال على التفاعل مع منابت ثقافية خارجة عن الأرضية العربية الإسلامية. ويعني الشرح العودة إلى العقل والبرهان والنظر واعتماد التجربة منهجا عمليا وإجمال هذه النقطة الأولى أنّ الحكمة استعادت أريجها المنبئ بضرورة الانفتاح. ولقد تميّز الشرح بالمنهج العقلي الذي سيزرع في أوروبا الفلسفة الأرسطية بفضل ابن رشد(6).

2 ـ الاتصال بين الحكمة والشريعة وهو مبدأ يمكن أن نخوض غمارا له و أن نكشف عن أهميته بوصفه دافعا إلى الثقافة المتحركة من خلال المدونة الفلسفية أو الكلامية في الثقافة العربية الإسلامية. وحسبنا أن نتأمل أقاويل من كتيب ابن رشد "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال " (7)

2 ـ أ « إنّ الحقّ لا يضّادّ الحقّ بل يوافقه ويشهد له "

2ـ ب "هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع أم محظور أم مأمور به، إما على جهة الندب وإمّا على جهة الوجوب فنقول: إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات فإنّ الموجودات إنما تدلّ على الصانع لمعرفة صنعتها، وإنّه كلمّا كانت المعرفة بصنعتها أتمّ كانت المعرفة بالصانع أتمّ "( 8)؟

2 ـ ج " وكان الناس كلهم ليس في طباعهم أن يقبلوا البراهين ولا الأقاويل الجدلية فضلا عن البرهانية، مع ما في تعلّم الأقاويل البرهانية من العسر، والحاجة في ذلك إلى طول الزمن، لمن هو أهل لتعلّمها وكان الشرع إنما هو مقصوده تعليم الجميع، وجب أن يكون الشّرع يشتمل على جميع أنحاء طرق التصديق و أنحاء طرق التّصوّر "(9)

ندرك من خلال الأقاويل التي انتخبنا من نصّ فصل المقال أن ابن رشد يصدر عن رؤية جريئة تنزع نحو بعد إنساني لا يرى الحدود الفاصلة بين ألوان المعرفة وأصناف العلوم وهو الرأي الذي عبّر عنه "إخوان الصفاء " وإن في مرجعية مغايرة لما يراه ابن رشد. ولعل أهمّ ما ينبجس عن آراء ابن رشد طرح الأسئلة وتعهّد السّبل المنادية برفع الغشاوة عن العقول رفضا لأي شكل من أشكال التقليد والعزم على الإضافة في حقول المعرفة والعلم انطلاقا من حقّ الإنسان في الحكمة.

3 ـ كيف تفهم معاني النّص التأسيسي ؟ لقد طرح ابن رشد رؤية تأويلية كانت تكون منعطفا مهمّا في تاريخ الأفكار ضمن الثقافة العربية الإسلامية ونحسب أنّ علم اجتماع المعرفة سيمّكن من فهم الأسباب الدافعة إلى تعطيل الخطاب الرّشدي عن أن يؤتي أكله.

جوهر الخطاب عند ابن رشد يسعى إلى النصّ القرآني عبر آلية التأويل وينطلق من متعلقات الأدلة الشرعية لييّسر النّظر في مادة الفقه عبر منظومة الاجتهاد. وهل يجوز الكلام على الاجتهاد في ظل بيئة تقليدية مشبعة بالتفكير الخرافي ؟ فالمنطلق جليل ضروري لتطوير الثقافة الإسلامية ولعلم اجتماع المعرفة منهج يعبر عن نسقيّة الثقافة وتلخيصها في العلاقة العضوية بين التعبير من جهة ( المستوى اللغوي انطلاقا من كل مقولات اللغة ) والتفكير من جهة أخرى ( المستوى التجريدي الناطق عن القدرة العقلية الذهنية ) وهما عند ابن رشد على قدر كبير من التميّز قد لا يضاهيه شكل آخر عند غيره من معاصريه، كانت اللغة لديه متينة معبّرة تعبيرا فصيحا لم يرسب عند الأقفال التي وسمت لغة غيره من الفلاسفة وكان التفكير قاصدا إلى نحت سنّة ثقافية مختلفة عمّا رسمه الغزالي. ويستكمل منهج علم اجتماع المعرفة النظر في القضايا و المعضلات بالرجوع إلى البيئة المتصلة بها، ونعني بالبيئة الوسط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي تتنزل فيه العلاقة العضوية بين التعبير والتفكير إذ إنّ علاقة جدلية تنجلي بين القسم الفوقي وهو اللغة والفكر من جهة و القسم التحتي وهو البيئة من جهة أخرى ويطرح سؤال مهّم هنا هو القادح لمساءلة البيئة:هل تكتسب البيئة الطاقة على أن تنتج الأفكار الجديدة وهل تتيح للمفكر ذي العقل الرجيح أن يغيّر من السنة الثقافية السائدة والحال في الثقافة العربية الإسلامية كما أشرنا يقرّ بما فرضته السنة الثقافية عند الغزالي من التبني الذي بلغ الحدّ المشط بظهور أصحاب الطريقة وإن بعيده بقليل وبتدني مرتبة العلوم ( والفقه كذلك) فلقد خانت البيئة الثقافية السنة التي أنتجها ابن رشد في حين أفادت منها أوروبا، وهو مبحث يحتاج إلى مزيد من البحث في السياق الثقافي (10).

جعلنا للغزالي سنة ثقافية حمل لواءها بفضل المصنّفات العديدة التي تركها وبفضل المنزلة التي احتلها بين علماء المسلمين وكأنّ مبايعة حصلت شيئا فشيئا بوّأته درجة "حجة الإسلام"

ورأينا أنّ السنة مع الغزالي آلت إلى إغلاق منافذ المثاقفة وفتحت سبلا إلى الطرقية فظيعة في حالات غير قليلة. وجعلنا لابن رشد سنّة أخرى مختلفة عن الغزالي ورجّحنا أن تكون الثقافة الأوروبية هي التي أفادت من ابن رشد أكثر مما أفادت منها الثقافة العربية الإسلامية.

وقد وجدت السنّتان الثقافيتان عند الغزالي وعند ابن رشد حظا من العناية العلمية في دراسات النقاد والباحثين وإن بأقساط مختلفة وكان يكون ممكنا أن نكتفي بهما بوصفهما آيتين من الثقافة العربية الإسلامية تحملان من الزاد الفلسفي ما يضمن الأطروحة ( ابن رشد حامل لواء الأرسطية والموفق بين البيان و البرهان اعتبارا لكون الحكمة لا تعارض الوحي البتة) ونقض الأطروحة ( الغزالي المبين عن تهافت الفلاسفة المنكّب عن البرهان التوّاق إلى العرفان )ج-السنّة الثقافية مع ابن خلدون ( ت 808)إنّ تقليب النظر في تفكير ابن خلدون يمهد لاستطلاع الخبر عن سنّة ثقافية من نمط مغاير للغزالي ولابن رشد.ولها أوجه تحتاج إلى الانتباه إليها وضبط المعايير الملازمة لها نظرا إلى كونها تحمل بذورا ليس لها من شبيه فيما تواتر عند الغزالي أو عند ابن رشد. وقد يبدو التصدّي لها من قبيل العزوف عن المقاربة الفلسفية إلا أنّ الطواف بأركانها يلمع إلى آفاق مازلت بحاجة إلى التفكيك و المساءلة والسبب في ذلك الصلة الممكنة بين السنة الثقافية كما جاءت عند ابن خلدون والواقع الذي تعيشه الثقافة العربية الإسلامية اليوم. ولا نرى وجها إلى عرض الفكر الخلدوني على عيار الحداثة لأننا نرجّح أن للمفاهيم أطر مرجعية لا محيد عن احترامها ومراعاة السياق الذي يحددها والرأي أنّ ابن خلدون لا طاقة له بأن ينعتق عن الدائرة التي كانت ترسم للفكر الحدود التي لا يتسنّى أن يتخطاها فهل يجوز أن نجعل ابن خلدون حداثيا قبل انبلاج طور الحداثة؟ ولعل التعبير عن طبيعة التفكير في المقدمة بصفة خاصة بمصطلح الاختراق هو الأنسب. و يمثل ابن خلدون سنة ثقافية – في نظرنا – قائمة الذّات وهذا ما سعينا إلى البحث فيه بالقياس إلى مدونة المقدمة و بالقياس إلى مدونة المصلحين في عصر النهضة و قد اخترنا خير الدين و محمد السنوسي مثالين في هذا الإطار. السنة من خلال المقدمة طريقة ورؤية, وهي تجديد في الثقافة وبعث في الحضارة قام على استنفار الطاقة البشرية على تحمل المسؤولية. والرجوع إلى الفكر الإصلاحي في القرن 19م يقصد به النظر في مدى إخلاص رجال الإصلاح في تلك الفترة لمنطق ابن خلدون وللسنة الثقافية التي أسس لها.لم يدرك ابن خلدون علم التاريخ في الصلة التي تمثلها بعلم العمران البشري إلا بالتمييز بين حقلين يستوجبان منهجين مختلفين وهما العلوم الشرعية وقد جعلها قائمة على الإنشاء و علم التاريخ القائم على المطابقة و هي تقتضي التدبر و البحالتمييز إذن منهج خلدوني يمكن تعقبه في كل المقدمة.

أ – في التمييز بيـن العمران البدوي و العمران البشري وقوفا عند نحلة المعاش المختلفة و ما يستوجبه كل عمران من خصائص رصدها ابن خلدون في الواقع البشري. و لا عجب أن ينقلب كل عمران إلى مدرج قائم الذات ( Processus ) يتسع لمراتب ولعناصر متلاحقة يستدعي الدارس لتعقبه في مظانه و في انعكاسه في الثقافة العربية عبر المراحل التي مرت بها بعده.

يحتوي مــــــدرج العمران البدوي عناصر متآزرة متداخلة هي نوع الصلة بالأرض و نوع العلاقات الناشئة بين سكان المدر سواء منهم الممعنـــون في بطن الأرض أو القائمون في الأطراف، في القرى والبوادي وهو عمران يتميز بالعصبية الدافعة إلى الملك و كل ملك إنما يطلب الحضارة.

ومدرج العمران الحضري وهو متسم بنوع الحياة التي يخوضها أهل الحضر و بنوع العلاقات بينهم فضلا عن مظاهر الحضارة التي وقف عليها ابن خلدون.

ب – التمييز بين أصناف الملك، الملك الطبيعي بخصائصه القائمة على الغلب و القهر بمقتضى الهوى و الشهوة و الملك العقلي أو السياسة القائمة على الأحكام و القوانين التي يضعها أكابر القوم و العقلاء وهي تحمل الكافة على ما فيه الخير في الدنيا. ثم الخلافة و هي السياسة الشرعية التي تحمل الكافة بالشرع إلى ما فيه الخير في الدنيا و في الآخرة. وقد ذهب ابن خلدون إلى أن الخلافة منصب غير طبيعي في السياسة وذلك بعد تحليل منهجي لم يسبق إليه بالطريقة التي توخاها وبنى عليها النتائج وبها طهّر الذاكرة من وهم الخلافة منصبا سياسيا أو هو مهد لذلك تمهيدا.

ج – التمييز في الباب السادس بين العقل التمييزي وهو العقل الذي وهب للإنسان تفضيلا له على الكائنات الأخرى و العقل التجريبي وهو العقل العملي و العقل النظري وهو الحامل إلى التجريد. وليس التمييز قولا في هذه العقول فحسب بل هو نظر في الواقع البشري بعين ترفض التحليق في المتاهات و تؤثر الاقتراب من النبض الإنساني أيضا.

و لا يمكن أن نغفل في هذا الإطار مظهرا آخر خطيرا من مظاهر التمييز وهو الموقف الذي اتخذه ابن خلدون من العقل في المسائل العقدية فقد عرف علم الكلام تعريفا دقيقا ثم استطرد ليؤصل موقفا لم يجد صدى عند فقهاء الكلام ممن كانوا يجتهدون في إبراز الصلة المتينــة بين العقل و الدين في عصره وبعد عصره إذ تجلى لنا أن التفكير الخلدوني اتخذ نسقا ذا حركة متدرجة تنطلق من الموجود و تسعى من خلاله إلى تدبر الحال و البحث عن المخارج الممكنة بغض النظر عما تراكم على الثقافة العربية الإسلامية من الركام الآسر.

فقد رأى ابن خلدون أن للعقل مجالا لا يمكن أن يرقى إلى ما فوقه إذ إن سلطان العقيدة في الماوراء ينهض على أسباب يسلم المؤمن بها تسليما بالحكمــــة وبها يخـــرج عن السذاجة و يرتفع إلى طمأنينة اليقين. أما العقل الضروري للحياة الاجتماعية في الدائرة البشرية فقوامه على التدبير و المراجعة و السعي إلى الأفضل.

إذا جمعنا هذه العناصر المبثوثة في المقدمة في كل أبوابها سواء ما تعلق بالتاريخ أو بالعمران البشري أو بالعلوم و التربية فإننا ندرك العلاقة التي بناها ابن خلدون بين التمييز منهجا في النظر و طريقة في البحث و الاستنتاج من جهة و المنطق الداخلي الذي يسم كل حقـــــل من حقول المعرفة أو كل ميدان من ميادين النشـــــــاط الثقافي الذي يسلكه الإنسان من جهة أخرى.

فقد استطاع ابن خلدون أن يكسر نسق سنة الغزالي رغم انتشارها و نسق سنة ابن رشد رغم أهميتها ليؤصل سنة جديدة ترفض طريقة الفلاسفة المتعالية و ترغب عن طريقة الفقهاء التي آلت إلى الهروب من الواقع إلى النصوص التي نحتها الرجال ثم أصبحت مدونة آسرة ثم أضحت كالمقدس لا محيد عن الخضوع له و اختار ابن خلدون مقابل ذلك السلوك إلى البعد الإنساني العميق.

هي طريقة في البحث سبيلها التمييز و عمودهـــــــــــا الفقري المنطق الداخلي فهو يقتحم مجال الدرس و ميــــدان التحلــــــــيل بعقل حيادي يلبس العقــــــل المستنبط عنده لبوس الفاعلية وهي القاعدة المؤسسة للعمران و التاريخ و ينضـــــــــاف إلى العقل المميز العقل التأليفي النقــــــدي في العلــــــــوم و التربية. لذلك سعينا إلى ضبط فضل ابن خــــــــــــلدون بين مصنفي العلوم في وضــع المعرفة موضع الممكـــــــن البشري لا موضع الممتنـــــــــع الماورائي و رمنا أن نحيل إلى البنية المعرفية التــــي لم يخرج عنهــا مهما علـــــــت همة البحث لديه.

3 – تصنيف العلوم عند ابن خلدون في المقدمة: (11)

أ – العلوم النقلية الوضعية:

1 . علم التفسير.

2 . علم القراءات.

3 . علوم الحديث.

4 . علم أصول الفقه.

5 . علم الخلافات.

6 . علم الجدل.

7 . علم الفقه.

8 . علم الفرائض.

9 . علم الكلام.

10. علم التصوف.

11 .علم تفسير الرؤيا.

ب – العلوم الحكمية و الفلسفية:

1 . علم المنطق.

2 . علم الطبيعي.

أ ) الطب.

ب) الفلاحة.

ج) السحر.

د ) الطلسمات .

هـ) الشعوذة.

و) الكيمياء.

3 . علم ما وراء الطبيعة: الإلهيات.

4 . التعاليم ( الرياضيات )

1) العلوم العددية.

•  الأرما طيقي.

•  صناعة الحساب.

•  الجبر و المقابلة.

•  المعاملات.

•  علم الفرائض.

2) العلوم الهندسية:

•  الهندسة المخصوصة بالإشكال الكروية و المخروقات .

•  المساحة.

•  المناظر .

3) علم الهيأة :

- علم الأزياج

•  الأحكام النجومية.

•  الموسيقى.

كثف ابن خلدون من العلوم النقلية وفصل القول فيها وقد جعلها وضعية إحالة إلى وضع الشارع لها. وقد كان أبو الحسن العامري قسم العلوم العربية الإسلامية تقسيما ثنائيا فنظر في العلوم الملية ثم في العلوم الحكمية وجاءت العلوم الملية عنده مكتفية بعلوم القرآن وعلوم الحديث وعلم الفقه المستنبط من العلمين السابقين.ونفهم الفصل عند ابن خلدون بالمناخ الذي نشأ فيه وبما آل إليه أمر المعرفة و العلم في عصره.

وقد مزج ابن خلدون في هذا التصنيف العلوم العقلية الصحيحة بالعلوم المعتبرة هامشية. والملاحظ أن ترتيب الموسيقى جاء في آخر سلم العلوم وقد كانت معدودة من الرياضيات (عند إخوان الصفاء مثلا ) وتسمى علم التأليف نسبة إلى التناسق المتوفر فيها .كما نلاحظ الفصل بين العلوم العددية و العلوم الهندسية في حين نشأ العلمان متعاضدين وهي الصفة التي ميزت العلم عند العرب إذ لطفت الثقافة العربية الإسلامية من بجريدات العلم الإغريقي وما هو نظري بما هو علمي.

وإجمالا نجد ابن خلدون يجاري التصنيف السائد في الثقافة العربية المتوارث عبر الأجيال.

يؤدي هذا التصنيف إلى فهم المرجعية التي انطلق منها ابن خلدون، فقد أبقى على التصنيف الثنائي للعلوم، العلوم النقلية الموضوعة من الشرع، والعلوم العملية الموضوعة من العقل الإنساني و هي قائمة على تقسيم رباعي.

وخلاصة التقسيم عند ابن خلدون أنه يطرح رؤية جعل فيها منهجين مختلفين، منهج العلوم الشرعية وقوامها على البيان ( علوم اللسان العربي . ) و منهج العلوم العقلية و قوامها على البرهان ( المنطق ).

و لــــــم يخلد ابن خلدون في تقسيمه للعلوم ما يعتبر علوما هامشية أو مذمومة ( كالسحر و الطلسمات و الشعوذة ) إلى النسيان، بل دقق النظر فيها مراعاة لمنطق لديه هو ذاته رؤية و خلاصته اعتبار الواقع و الممارسة و فضل ابن خلدون في كل هذا أنه استجد طريقة حول بها اتجاه البحث كما ساد عند أسلافه من فوق نحو الأسفل إلى اتجاه من تحت نحو الأعلى. استند الاتجاه الأول إلى فرض المجرد من النظريات على الواقع واستند الاتجاه الثاني إلى الانطلاق من الواقع لاستنباط الرؤى. ولئن جارى النظام المعرفي المتبع عند العرب فإنه استطاع أن يخترق هذا النظام عندما تحول إلى وصفات وأن يرجع إلى الأصل المتمثل في الترابط بين النظري و العملي.

السؤال المطروح هو إلى أي مدى أفاد المصلحون في القرن 19 م من ابن خلدون ؟

و هل كانت السنة التي حرصنا على أن نلخص عناصرها الكبرى في تفكير صاحب المقدمة واضحة بينة و هي التي جرت على منطق الحركة و على مبدأ الصيرورة و كان يكون الظرف التاريخي في النصف الثاني من القرن 19 م على وجه الخصوص، المنعطف المنطلق من آراء ابن خلدون الدافع للثقافة العربية إلى التحديث الصحيح.

وقد رجعنا إلى خير الدين و إلى السنوسي لنستطلع خبر التعامل مع أفكار ابن خلدون و لنشير إلى نبذة مما جاء في أقوم المسالك و في الرحلة الحجازية من مقاطــــع تحيل إلى ابن خلدون و تبين عن طريقة الفهم و درجة الاستيعاب.

4 – ابن خلدون في "أقوم المسالك" :

حضرت مقدمة ابن خلدون في كتاب "أقوم المسالك" لخير الدين بطريقتين.الطريقة الأولى صريحة تمثلت في مقاطع من المقدمة جعلها خير الدين شواهد في تحليله. و طريقة ثانية ضمنية توزعت في الكتاب بشكل منثور وهي في نظرنا بمثابة مرجعية من مرجعيات النظر عند خير الدين.

4 -1- من الشواهد التي تعرض لها خير الدين قوله: " ومن تصفح الفصل الثالث من الكتاب الأول ومن مقدمة ابن خلدون رأى أدلة ناهضة على أن الظلم مؤذن بخراب العمران كيفما كان". ( 12 )

في الشاهد مقابلة بين الظلم والعدل وقد آثر خير الدين التنصيص على الظلم إحالة إلى السياسة السائدة في عصره داخل الإيالة التونسية أو في سائر البلاد العربية. و للعبارات المستعملة سجلات في الكلام مختلفة. أما الظلم فالمراد به القصور عن التعامل مع القوانين السياسية المحيلة إلى مبدأ الشورى و الاستعمال غير واضح عند مصلحي القرن 19 م فقد أرادوا به أن يؤدي معنى الديمقراطية السائد في استعمال مفكري السياسة عنـــد الأوروبيين وأجل من نذكر منهم مونتسكيو صاحب كتــاب روح القوانين Montesquieu ، «  L'esprit des lois » . فكلام ابن خلدون في أقوم المسالك مطية و ليس غاية في ذاته، إذ للظلم في المقدمة إطار مرجعي خاص مختلف عما كانت عليه الأوضاع في تونس في الفترة التي كتب فيها خير الدين أقوم المسالك(1867).و للعمران سياق آخر ذو سجل في الكلام تعين بالعلم الذي استنبطه ابن خلدون.

فهل يجوز أن نقيس مفهوم العمران إلى مفهوم التمدن ؟ وهل من وجه للتعامل مع الظلم كالتعامل مع الحكم المطلق ؟ لقد كان الظلم بوصفه ظاهرة أخلاقية منتشرة رذيلة مندرجة في الشبكة التي صاغها القدامى على المعنى الذي أشرنـــا إليه آنفا و ملخصه نصوغه في جدول:

قوة النفس الناطقة / التعقل التفريط – الاعتدال – الإفراط

الجهل - الحكمة - السفه

القوى النفسية

قوة النفس الحيوانية / الانفعال الجبن – الشجاعة- التهور

قوة النفس النباتية / الشهوية التزهد – العفة – الشره

= الانظلام = العدالة = الظلم.

فللظــلم موضع في هذا الجدول الأخلاقـي السياسي لا يخرج عنـه وهـــو صـادر عن غريزة في الإنسـان دافعة إلى التملك، و الظلم جائز في نظام الحكم كما هو جائـز في سلوك الإنسان العـادي. أما الحكـم المطلق فهو سياسي صرف. ملخص السؤال المطروح:هل أفاد خير الدين من منهج ابن خلدون المتميز بالاختبـار والواقعــية فضلا عن المعقولية ؟

4-2- و يقول خير الدين نقلا عن منطق التفكير عند ابن خلدون:

" وإنما بلغوا تلك الغايات و التقدم في العلوم و الصناعات بالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي و تسهيل طرق الثروة و استخراج كنـوز الأرض بعلم الزراعة و التجارة و ملاك ذلك كله الأمن و العدل اللذان صارا طبيعة في بلدانهم. (13).

اجتهد ابن خلدون في مراعاة الواقع مهما اختلفت عناصره ومهما تبدلت أحواله فلم يسقط عليه عقيدته أو ميوله. ونجد في نص خير الدين المقابل لمنهج ابن خلدون القائم على قاعدتي التمييز و ترصد المنطق الداخلي، فنحن إزاء نسقين مع خير الدين مختلفين، نسق أول يهم الثقافة العربية الإسلامية الراكنة إلى الماضي التالد و نسق ثان يعود إلى الثقافة الأوروبية بمقتضى مآثرها في حاضرها الممعن في القوة المادية و الذهنية. فالأمن و العدل عند ابن خلدون مدرجان وصل إليهما بعد نظر في أحوال العمران و مقتضاهما الصيرورة على المعنى الذي أبنا عنه سابقا. وهما عند خير الدين قيمة جاهزة أضحت زجاجة ترصد من عَلٍ ما آل إليه أمر أوروبا و مقتضاهما الدعوة إلى التوفيق بين منظومة الثقافة العربية و منظومة الثقافة الأوروبية. فدل الشاهد على حضور ابن خلدون الضمني إلا أنه حضور غير وظيفي لم يؤد إلى تفطن المصلحين إلى أن قـــــوام الفكر الخلدوني معقود على الحركة وهي في نظرنا من مرتكزات تطهير الذاكرة، ولئن لم يفد المصلحون من هذا الفكر في بدايات النهضة فإن الإفادة منه في عصرنا، عصر العولمة، جمة الخاطر لأنها تتيح للفكر العربي اليوم الارتباط بالأصول على أنها الأصول التي تمكن من الحركة و لا تشلها وكذا ابن خلدون في فكره.

4-3- المقايسة بين تفكير ابن خلدون و تفكير خير الدين بمقتضى استمداد صاحب أقوم المسالك الشواهد من صاحب المقدمة إلحاحا على الإفادة و هي كما ألمعنا محدودة، مقايسة تستدعي النظر في سجلات الكلام بين الرجلين:

•  معجم ابن خلدون:

الملك عبارة عن المجتمع الضروري للبشر معجم العمران البشري

مقتضاه: التغلب و القهر رجوعا إلى القوة الغضبية معجم سياسي أخلاقي

أحكام صاحبه: حايدة عن الحق معجم سياسي أخلاقي

• تعسر طاعته و سر ذلك يفهم بالعود إلى العصبية معجم العمران البشري

خضوعا له أو إعراضا عنه

• الهرج و القتل و هما يحوجان إلى وضع الأحكام

السياسية.

. من العقلاء : سياسة عقلية = إنسانية

. من الشارع : سياسة دينية = مثالية وحكمها كما أشرنا معجم عمراني سياسي

سابقا أنها غير طبيعية وأنها لا تاريخية .

•  معجم خير الدين :

أ- أصول الشريعة الإسلامية : وجوب المشورة . معجم فقهي أصولي

. أصول الشريعة و مقاصدها : اعتبار المصالح معجم فقهي أصولي

. درء المفاسد ووجوب المشورة . معجم فقهي أصولي

. الكمالات و الحكمة و تغيير المنكرات معجم أخلاقي سياسي

المرجعية ، ابن العربي و علي بن أبي طالب و الغزالي معجم صوفي سياسي تقليدي

ب- المعجم السياسي أهل الحل و العقد معجم سياسي فقهي

. الوازع معجم سياسي فقهي

. مجالس ( الأورباويين ) معجم سياسي حداثي

. المطابع معجم التمدن

تقوم الصلة بين المعجمين على خانات مختلفة. فهي عند ابن خلدون راجعة إلى العقل الاستنباطي الراجع إلى منظومة تفطن إليها بعمق التجربة و بفضل منهجية حصرناها في عمليتي التمييز و استحضارا لمنطق الداخلي. وهي عند خيرالدين إجرائية إلا أن الجهاز المفهومي مستمد من العقل المستعار(عقل كبله الموروث وعاقه عن التفاعل مع الواقع فجعل يستعير الحلول من الخارج ). ومآل هذا العقل التوفيق و هل يأبق التوفيق عن التلفيق؟

5 – ابن خلدون في الرحلة الحجازية :

لم يشذ محمد السنوسي ( ت 1900 ) عن زمرة المصلحين في عصره في التعرض لمقدمة ابن خلدون، وقد كانت المقدمة بمثابة المصدر الذي نهل منه المصلحون مغربـا و مشرقا و قارئ مقدمة "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس و عهد الأمان" يلمس شدة التأثر بابن خلدون عند الشيخ الزيتوني أحمد بن أبي الضياف. وقد انتخبنا شاهدين من كتاب الرحلة الحجازية أردنا بهما أن نقفي على أثر خير الدين في الإفادة التي لاتستقيم إلا إذا استحضرنا وجهين من التفكير الخلدوني. و يضيف محمد السنوسي في رحلته، موقفا نقديا تعرض فيه لرأي في المقدمة بأن سلط عليه النظر و التمحيص و رفض للتسليم.

5-1- ولع المغلوب بالغالب

« فمن العقل أن يقتدي الإنسان بغيره فيما يعود عليه بالمنفعة، لكن كثيرا ما رأيت في الأمم الشرقية المستضعفة التي لا يمنعها الدين في هذا الزمان مصداق تقرير ابن خلدون في ولع المغلوب هي الإقتداء بالغالب في شعاره و زيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده، وهو تقرير مهم في الفصل الثاني من الكتاب الأول الذي تكلم فيه على أحوال العمران البشري من مقدمة تاريخية " ( 14) .

إذا كانت قاعدة ولع المغلوب ممثلة في الإقتداء بالغالب كالحكم القطعي تثبته التجربة فإن مداه ليس المدى المحمود في المقطع الذي تعرض فيه السنوسي لهذه القاعدة و جعلها تمهيدا لفتوى طلبها من شيخ الإسلام محمد ابن الخوجة ( ت 1907 م ) رجح فيها كفر لابس البرنيطة وانتقد فيها ما ذهب إليه الشيخ سليمان الحرائري ( ت 1874 ) في إباحة لبس البرنيطة.

يواجهنا الشاهد بانزياح في السياقات و سجلات الكلام انطلاقا من معجم اختلف فيه السنوسي عن ابن خلدون في الخروج عن قاعدة تحتكم إلى الواقع نحو قاعدة تسعى إلى التنظير و البحث في العلة و الحكم ضمن مادة الفقه. المسافة بين كون واقعي حضاري وهو منطق ابن خلدون في العلاقة بين الغالب و المغلوب من جهة و اعتبار قيمي معياري هرع إلى الفتوى لإصدار حكم على ظاهرة كانت في نهاية القرن 19 علامة على التمدن عند السنوسي. أليست طريقة السنوسي لجوءا إلى الحكم الفقهي بعقلية رفض المحدثات و بالذهنية المنتشرة في تلك الفترة و هي كالهروب من الواقع استمساكا بعروة التجريد ؟

غاية الانزياح الرغبة عن منهجية خلدونية تمس الظاهرة العمرانية و الإسراع إلى ظاهرة فقهية عبر الفتاوى وهي في ذلك الظرف مليئة بالتناقضات.

5-2-القول في النسب:

عقد ابن خلدون فصلا في المقدمة ( الثامن من الباب الثاني في الكتاب الأول ) عنوانه في أن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب و قد رجع إليها في ظل تحليله للعصبية، وهي عنده أنواع آيلة إلى منطق متكامل سواء ما رجع منه إلى طريقة المعاش في البادية أو إلى طريقة المعاش في الحاضرة و في رأي ابن خلدون تعتبر النعرة على ذوي النسب و ظيفة معنوية داخلة في حيز العصبية الدافعة أو المطالبة و هي من وظائف العمران البشري.

وقد تعـــــرض السنوسي بالنقد لابن خلدون و جعل ذلك في إطار المراجعة ووقف عند رؤيتين.

تتمثل الأولى في أن النسب أمر وهمي يخالف الشرع و العقل و الدليل أن أحكام المواريث في النسب مبنية على أنه أمر محقق لا وهمي. وهكذا حكم صلة الرحم والدية في العاقلة (عصبية الرجل أو القرابة من جهة الأب) (15)

ويحيل السنوسي إلى ظاهرة تعظيم آل البيت للاستدلال على أن حفظ سلسلة النسب وأنها من الأبواب الفقهية الموجبة للاشتغال بالنسب كما أشار إلى آلية التعديل و التجريح و من فروعها معرفة الأنساب لدى الرواة، وتساءل: كيف يكون النسب وهميا كما ذهب إليه ابن خلدون ؟

و الراجع إلى المقدمة في الفصل الثامن المذكور يدرك الفرق في التحليل و التخريج. فالكلام على النسب عند ابن خلدون ذو مراتب و منازل جعل لكل واحدة منها وظيفية فلا يؤخذ الحكم في النسب على أنه وهمي مطلقا و إنما في الحالات الموجبة. كما أن للوهم عند ابن خلدون معنى دقيقا يخرجه عن الباطل وعن الهـــــواجس ويدخله في سياق النظر "المخبري " في أحوال العمران. و الصلة بين تفكير ابن خلدون و تفكير السنوسي صلة بين ممعن البصر في الواقع و في أحوال البشر و المنطلق من الجاهز ( الرجوع إلى الشريعة في هذا السياق مردود لأن المجال – كما هو معلوم عند ابن خلدون راجع إلى الخبر لا إلى الإنشاء وكنا أكدنا الفصل بينهما بحكم الفصل بين ظاهرة التسليم في الشرعيات وطريقة التدبر في الأخبار فهل يجوز أن نقبل الوهم القائل إن كل " شريف " منتسب إلى آل البيت ؟

خلاصة ما حرصنا على أن نبين عنه نضبطه في نقاط:

أ – مثل ابن خلدون طريقة فريدة في التفكير و نحت رؤى متكاملة أبرز سمة فيها أنه كسر نسقا موروثا وأسس لنسق جديد. فقد كسر النسق المتعالي الذي لا يرى وجها للبحث إلا من الأعلى نحو الأسفل وهو النسق المسلط للأحكام الجاهزة على الواقع المتحرك.وأسس لنسق الاختبار المنطلق من أرض الواقع المستنبط منها الرؤى و المواقف.

ب – جاء تأثر المصلحين – بابن خلدون محدودا واخترنا نموذجين فحسب، ولعلنا لن نجازف عندما نذهب إلى أن فهم المصلحين – المحدود – لأراء ابن خلدون أفسد عليهم الإصلاح لأنهم قصروا في استيعاب منطق المقدمة ثم عللوا و برروا و دعموا بابن خلدون في غير ما إطار مرجعي ملائم.

ج – يحتــاج ابن خلدون اليــوم إلى قراءة متجددة تنهل من المقاربات والمناهج المتطورة لأنه – في نظرنا – الوحيد بين المفكرين ( حال عدد من الفلاسفة الذين يحتاجون إلى مزيد من نظر) الذي استطاع أن يبصر في الصيرورة ( بالمعنى الذي حددنا عنده ) منطقا للعمران البشري. ألا يستحق منا ابن خلدون الرجوع العملي القادر، في زمن العولمة، على أن نغذي المرجعية داخل الثقافة العربية بالمنهجية التي اختار والأفكار التي أبدع وهو الذي هيّأ للتعامل الحر العقلاني مع الظروف المتبدلة، ولنا أن نحيل إلى التعامل في الزمن الراهن مع العولمة على وجه الخصوص.

*************************

الهوامش

1- Jabr Farid, La notion de la ma'rifa chez Ghazali, Beirouth, 1958

2- مذكور إبراهيم، الغزالي الفيلسوف ضمن مهرجان " أبو حامد الغزالي " دمشق 1961.

3- انظر الغزالي: المنقذ من الضلال، الدار التونسية للنشر 1989، ص 27.

4- نفسه ص 27، 28

5- الفارابي، إحصاء العلوم ص 108- 109

6- Léon Gauthier, La Théorie d'Ibn Rochd sur l'accord de la Religion et de la Philosophie, Paris, vrin ; 1909 

7- ابن رشد، فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال " تقديم وتعليق البير نصر نادر، دار المشرق، بيروت، 1986.

8- ابن رشد فصل المقال ص 27-29

9- نفسه ص48

10- Leaman , O , Averroès and his Philosophy , New York – Oxford , 1988

11- ابن خلدون، المقدمة دار الكتاب اللبناني، د ت ص 769 – 1036 .

12- خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ج1 ص 133

13- نفسه ج1، ص 132

14- محمد السنوسي الرحلة الحجازية تحقيق علي الشنوفي ، الشركة التونسية للتوزيع ، تونس ، 1974 ، ج1 ص 118

15- نفسه ً 249

 

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org