التضامن العالمي
وأثره على العلاقات الدولية
القاضي الدكتور عبد السلام دمّق
جامعـي مختص في حقوق الإنسان
إن المفهوم القانوني للتضامن يعني تمتين الروابط بين
شخصين قانونيين ينوب كل منهما الطرف الثاني عند عدم
الوفاء بالتزاماته، فيكوّنان جزئين من كل واحد. وهذا
المفهوم القانوني متأت من الأصل اللاتيني للكلمة "صلدوس".
وقد تجاوز بعض الفقهاء هذا المفهوم ليتضمّن معاني العطف
والرحمة والود... كما أن التضامن عمل ملموس ودؤوب. وهذا
ما جعل العناية بالتضامن الإجتماعي من أهم ما يسجّل
لتونس في عصرنا هذا. والفضل كل الفضل يعود للرئيس بن
علي الذي أعطى لهذا المفهوم بعدا سياسيا وحضاريا فضلا
على إيلائه العناية الفائقة والإهتمام المستمر لتكريسه
في فكر ومعاملات كل المواطنين. فمناعة المجتمع في تضامنه
وتماسكه، وتضامنه لا يكون إلا بالترابط المتين بين مختلف
شرائحه بما يؤدّي إلى بلوغ المستويات المنشودة للتنمية
الإجتماعية والإقتصادية والثقافية.
كما يُعَدّ التضامن من القواعد الأساسية التي تنبني
عليها حقوق الإنسان، فبه تتنزل حقوق الإنسان المنزلة
اللائقة بها في حياة كل مواطن. فالتضامن يمثّل توجّها
من أهم توجهات حقوق الإنسان. وفي ذلك تكريس لشمولية
حقوق الإنسان في تونس والتي تعتبر من المبادئ التي ينبني
عليها المشروع المجتمعي لتونس اليوم. وقد كانت للرئيس
بن علي المبادرة بالإهتداء إلى عدم المفاضلة بين حقوق
الإنسان، حيث اعتبر أن حقوق الإنسان المدنية والسياسية
لا معنى لها حال غياب حقوق إقتصادية واجتماعية وثقافية
فعلية، مؤكّدا في العديد من المناسبات بأنه لم يبق مجال
للإقصاء الإجتماعي والتهميش في تونس ولا في أي مجتمع
متحضّر سليم. ولقد جاء إعلان مؤتمر كوبنهاغ لسنة 1995
متجاوبا مع الخيار التونسي للتنمية الإجتماعية ومصرا
على ضرورة النهوض بكل الحقوق بما فيها الحق في التنمية
وتلازمه مع بناء الديمقراطية والعمل على نشر ثقافة التضامن
والسلم لهذا الغرض.
كما أن قيم التضامن والتآزر أصبحت بموجب التعديل الجوهـري
للدستـور فـي 1 جوان 2002 مبادئ دستورية إذ جاء بالفصل
5 في فقرته الثالثة ما يلي : "تعمل الدولة والمجتمع
على ترسيخ قيم التضامن والتآزر... بين الأفراد والفئات
والأجيال". وهكذا يتّضح أنه لأول مرة في التاريخ
الدستوري لتونس يسجّل الإصلاح الجوهري للدستور المؤرّخ
في 1 جوان 2002 حقوقا إجتماعية إضافة إلى الحقوق المدنية
والسياسية. فكل الدساتير السابقة لتنقيح جوان 2002 إقتصرت
على الحقوق والحريات العامة من الناحية السياسية ولم
تتعرّض لبيان حقوق الأفراد من الناحية الإجتماعية. وبذلك
ساير دستور تونس في نسخته الحديثة بفضل سياسة الرئيس
بن علي المتبصّرة الإتجاهات الدستورية الحديثة التي
قرنت الديمقراطية الإجتماعية بالديمقراطية السياسية.
ويعتبر دستور تونس الحديث بتنصيصه على الديمقراطية الإجتماعية
بجوار الديمقراطية السياسية، أكثر إحاطة وشمولا لمختلف
حقوق الأفراد من كل الدساتير التي سبقته.
وبهذا المفهوم يكرّس الرئيس بن علي إحدى قيم المشروع
المجتمعي المؤسس على قيم الرحمة والتعاون، وذلك بالإرتقاء
بواجب التضامن والتآزر بين الأفراد والفئات والأجيال
إلى مستوى الإلتزام الجماعي ضمن نص الدستور حتى يصبح
ملزما لكل السلطات والأطراف وذلك ترسيخا لما عرفت به
الحضارة التونسية عبر تاريخها الطويل من تعلق بهذه القيم
الإنسانية وتأكيدا للمكانة المرموقة التي أولاها الرئيس
بن علي للتضامن الوطني الذي أصبح خاصية بارزة من خاصيات
الأنموذج التونسي للتنمية. وما قرار سيادته بإدراج هذه
القيم المجتمعية في نص الدستور إلا ترجمة لإيمانه بأن
تكتسب قيمة دستورية تجعل منها مصدرا من مصادر القانون
الملزمة، ومرجعا لجميع التشريعات المقبلة.
فبفضل السياسة الرشيدة للرئيس بن علي تمّ إحداث عديد
المؤسسات التي تُعنَى بالتضامن، لعلّ أهمّها "صندوق
التضامن الوطني" و"البنك التونسي للتضامن"
بما يجعل حقوق الإنسان في تونس ممارسة، وهذه الممارسة
هي من مشمولات الدولة والمواطن على حدّ السواء. فالتربية
على حقوق الإنسان هي تلك التي تغرس في الضمير الشخصي
إستعدادا ويقظة دائمة لمدّ يدّ المساعدة للغير.
وقد تميّزت تونس العهد الجديد في هذا المجال بمقاربة
رائدة أخذت في الإعتبار جوهرية البعد التضامني، وأقامت
التنمية على ثنائية المسارين الإجتماعي والإقتصادي تحقيقا
لشموليتها وعدالتها.
لذلك أصبح التضامن من أهم القيم التي يجب أن تقوم عليها
الإنسانية في عصرنا هذا، بما يتّجه تكريسها في نفس كل
إنسان في هذا الكون.
فما يشكوه العالم اليوم من أزمات واضطرابات ونزاعات
إنما يرجع بالأساس إلى النظرة المنقوصة لحقوق الإنسان.
ولعل الفكر "البراقماتي" واعتبار المصالح
الذاتية الضيقة وغياب النظرة الإستشرافية هي التي تكمن
وراء العزوف عن تجسيم الفكر الشمولي لحقوق الإنسان وتكريسه
على أرض الواقع الدولي.
فعالم اليوم أصبح عالما بلا حدود، متشعب المصالح، متعدّد
الأطراف المؤثرة، بما يتجه انتهاج سياسات وطنية ودولية
متماشية مع طبيعة المرحلة ومقتضياتها في عصر العولمة.
ولئن بشّر مؤيّدو العولمة بحلول عصر رخاء الإنسانية،
واستتباب الأمن والإستقرار بين البشرية قاطبة في ظل
اقتصاد معولم، فإن باطن العولمة عمّق الهوة بين مكوّنات
المجتمع الدولي. وقد عبّر الرئيس بن علي في أكثر من
مناسبة عن انشغاله بما تفرزه هذه الظاهرة من سلبيات.
فقد أشار في قمة الألفية إلى أن العولمة "ولئن
أتاحت فرصا اقتصادية جديدة، رافقها تقدّم تكنولوجي هائل،
فإن ذلك لم يحلّ دون تفاقم الهوة بين الدول في نسق التنمية،
وتكريس التفاوت وتوسيعه بين الأغنياء والفقراء. وهو
ما أثار المخاوف ودفع أغلب المتابعين إلى الدعوة إلى
إحداث منطقة ازدهار مشتركة من أجل تنمية متوازنة ومستديمة
لدول العالم كافة، دون إقصاء ولا تهميش".
فما يلاحظ في عالمنا اليوم، هو تفشّي نمط ثقافي طاغ
ومهيمن يقوّي النزعة الأنانية لدى البلدان والشعوب متنكّرا
لتقاليد التضامن والتآزر. كما تخترق عالم اليوم قنوات
اتصال معولمة لا تخلو بدورها من مساوئ. فهي تهوّل من
جهة أحداث لا تخدم مصالح الإنسانية سعيا منها للضغط
والتأثير، وتغضّ النظر من جهة أخرى عن قضايا أساسية
هامة، وفي أغلب الأحيان حياتية. ولئن أتاحت الثورة المعلوماتية
الهائلة إمكانيات هامة خدمة لمجتمع المعرفة في عالم
مشبّك أزيلت فيه الحدود، فإنها تخفي في طياتها انحرافات
خطيرة. فعبر شبكات الأنترنات يمكن أن تحاك تحركات الإرهاب
والدعوة إلى العنصرية والكراهية.
كما تفاقمت البطالة في هذا العصر المعولم نتيجة انتهاج
الدول المصنعة والتي أصبحت أغنى "نقابة أعراف"،
سياسات صارمة في مجال التشغيل. وفي هذا الصدد فقد حذّر
عديد الخبراء في الإقتصاد منذ أكثر من عشرين سنة من
عواقب قطع العلاقة التقليدية بين الإستثمار وتوفير الشغل.
كما بيّنت نفس الدراسات أن مظاهر البؤس والحرمان والإقصاء
والتهميش والتعاسة تشير إلى بروز بعض التفكّك في أواصر
مجتمعات دول عالمنا اليوم.
وتجدر الإشارة إلى أن السنوات الأخيرة والتي عقبت انتشار
ظاهرة العولمة، كانت سنوات قاسية بالنسبة لملايين البشر
في كثير من دول العالم. فبسبب العولمة تآكلت الطبقات
الوسطى، وبرزت ظواهر التهميش والإقصاء والحرمان، فعزلت
عديد الفئات عن حضيرة الرخاء. وتدل آخر الإحصائيات على
أن أكثر من مليار و200 مليون نسمة يعيشون بأقل من دولار
واحد في اليوم وأن أكثر من مليار نسمة لا يتمتّعون بالماء
الصالح للشراب. كما يفتقد حوالي ملياران و400 مليون
نسمة للتجهيزات الصحية. كما ارتفع عدد الأطفال العاملين
في الشارع إلى ما يفوق 90 مليون طفل، في حين حرم حوالي
100 مليون طفل من حق التعلم، فضلا عن زجّ مئات الآلاف
من الأطفال في النزاعات الداخلية المسلحة.
وهكذا، ونتيجة لكل هاته العوامل التي سبق بسطها، فقد
تفاقمت الهوة في نسق التنمية بين الدول، فتصاعدت صيحات
الفزع أمام مخاطر التهميش والإقصاء الإجتماعيين الذي
يحمله نظام النمو الإقتصادي والإجتماعي الذي تشهده الدول
في عالم اليوم والذي أدّى إلى عدم المساواة في بنية
المجتمعات.
ولعل المزاحمة الناتجة عن العولمة ستكون لها آثارا اجتماعية
سلبية في حياة الشعوب، إن لم يتمّ صياغة الأطر الأخلاقية
التي تحميها من ذلك، وفي هذا السياق فقد دعا الرئيس
بن علي في خطابه أمام قمة الأمن الغذائي المنظمة بروما،
إلى اعتماد قدر من النسبية في اعتماد مقاييس الربح بالنسبة
للمبادلات التجارية قصد تحقيق التضامن الإنساني وذلك
حتى يُؤَمَّنُ الغذاء للجميع ويُسْتَبْعَدُ شبح الفقر
والجوع من العالم.
وهكذا يتّضح أن الترابط الإجتماعي أصبح حاجة ملحة لمجمل
المجتمعات سواء تلك التي سايرت نسق العولمة أو التي
لم تسايره، بما يتعيّن على الإنسان في عصر العولمة أن
يبحث في قيم التضامن ما يعالج به واقعه. فمبدأ التضامن
من المبادئ التي لا يمكن الإستغناء عنها، فهو غذاء الفكر
والروح، فهو من المبادئ السامية التي يجب على الإنسانية
جمعاء الإلتقاء حولها. فالتضامن من القيم الأساسية المشاعة
في العالم التي ينبغي أن نستند إليها لدعم حقوق الإنسان
وتطوير رؤيتنا لها، بما يتعيّن إبراز هاته القيمة وتحليلها
كمكوّن أساسي في فلسفة حقوق الإنسان بنفس الدرجة التي
ننزل فيها قيم الحرية والمساواة والعدالة والكرامة والسلم.
فقد اعتبر عالم الإجتماع "دركايم" التضامن
منبعا للأخلاق وقاعدة لها، كما ركّز هذا الإجتماعي على
فكرة التضامن، كل تصرفات الإنسان.
وقد بوّأ الرئيس بن علي التضامن الصدارة في سياسته الإنسانية
مؤكّدا على عزمه على جعل الإنسان يحتلّ المكانة المحوريّة
في كلّ عمل سياسي وطني. وهو ما ركّز عليه في خطابه في
7 نوفمبر 1993 حين ذكر "وإن اهتمامنا بالبعد الإجتماعي
للتنمية يؤكّد قناعتنا الراسخة بأن الإنسان هو محور
كل عمل سياسي وازدهار اقتصادي، وإنّ الديمقراطية والتعددية
وحقوق الإنسان لا قيمة لها إذا بقيت فئات من المواطنين
مهمّشة أو محرومة من المرافق الضرورية". وإنّي
أودّ هنا أن أنقل رأي الكاتب "سالفاتوري لومباردو"
"SALVATORE LOMBARDO" حول هذا المقتطف من
خطاب الرئيس بن علي في 7 نوفمبر 1993: "إنه تصريح
ذو بعد ثوري في قارة إفريقية هي أكثر شغفا بالتقدّم
من أجل التقدّم منها بالتقدّم من أجل الإنسان.
وإذ لا يدّعي لنفسه أكثر من كونه الحافز لإرادة الشعب
العليا وبحثه عن حداثة إنسانية شاملة، فإن الرئيس، مرّة
أخرى، يتجاوز السياسة بكثير. إنه بذلك ينفذ إلى جوهر
"حقّ المواطنة" الذي عبّر عنه فلاسفة من اليونان
أو من العرب القدامى. إنّه لا يصيب هدفا عاديا، بل يرمي
إلى مقصد نبيل، بعيدا عن التّباهي كَبُعد صغار الأسياد
الغربيين ملقّني الدروس عن رغبة الشعوب في أن تحقّق
ذاتها".
فالرئيس بن علي لم ينتظر حدوث الهزات التي شهدتها بعض
التجارب لإقامة نموذج رائد للتنمية مبني على أسس التضامن
والإندماج الإجتماعي، وليرسم لتونس في خضم تحولات العولمة،
استراتيجية شاملة تقوم على الإنخراط في العولمة بوعي
ومسؤولية. فتزامنت الإصلاحات السياسية المتمثلة في تعاقب
الإصلاحات الدستورية آخرها وأبرزها الإصلاح الجوهري
للدستور في 1 جوان 2002 المؤسّس لجمهورية الغد، والذي
أجمع حوله الشعب في استفتاء رائع يُجْرَى لأول مرة في
تاريخ تونس، والذي كرّس دولة القانون والتعددية وحقوق
الإنسان، ودعّم مبادئ الجمهورية وسيادة الشعب، تزامنت
هذه الإصلاحات السياسية إذا مع الحرص المتواصل على تأمين
كرامة كل المواطنين بتمتيعهم بثمار التنمية وبالمقومات
الأساسية للحياة من سكن وصحة وتعليم وشغل.
وفعلا فقد اتسمت السنوات الأخيرة وبالتحديد منذ 7 نوفمبر
1987 بتحقيق عديد الإنجازات والبرامج المدعّمة لحقوق
الإنسان الإقتصادية والإجتماعية والثقافية في إطار المقاربة
التونسية المتسمة بالتكامل والترابط بين مختلف حقوق
الإنسان. ويمثل إحداث الصندوق الوطني للتشغيل 21/21
آلية جديدة وهامة للنهوض بالتشغيل وتقليل نسبة البطالة
في تونس وذلك بتوفير فرص العمل. كما يمثّل الحق في التعليم
المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه النظام التربوي في تونس،
وقد شهد التعليم نقلة نوعية سواء كان ذلك التعليم الإبتدائي
أو الثانوي أو التعليم العالي والذي شهد اليوم إصلاحا
شاملا وهاما على جميع الأصعدة. كما يشهد القطاع الثقافي
تطورا ملحوظا وإشعاعا معترف به داخليا وخارجيا. كما
قامت تونس بتكريس الحق في الصحة والذي يعتبر من أسس
حقوق الإنسان احتراما منها للمعاهدات والمواثيق الدولية،
وذلك بتوفير المؤسّسات الإستشفائية وتطوير التوعية الصحية
وتوفير الدواء والذي انعكس إيجابا على المؤشرات الصحية
(كانخفاض نسبة وفايات الأطفال، ارتفاع عدد الأطباء...).
كما تدعم الحق في السكن اللاّئق في الفترة الأخيرة إذ
أصبح عدد المساكن يفوق عدد الأسر، فضلا على أن 80% من
السكان في تونس يمتلكون مسكنا. وفي هذا إحترام لحرمة
الإنسان التونسي وكرامته ضرورة وأن المسكن يمثل عاملا
من عوامل استقرار الأسرة وتوازنها.
كما عزّزت تونس الحق في بيئة سليمة فضلا على حمايتها
لحقوق بعض الفئات القابلة للتأثر وتقديم المساعدة لها
كحقوق الطفل وحقوق المعوقين وحقوق المسنين وحماية حقوق
التونسيين بالخارج.
ولعلّ ما لفت انتباه كل الخبراء المتتبّعين للمسيرة
الناجحة في تونس العهد الجديد هو عمل "صندوق التضامن
الوطني". فقد تدخّل صندوق 26/26 ليشمل أكثر من
مليونين ساكن في الفترة الممتدة بين سنة 1993 و 2002،
فضلا على أن خدمات الصندوق غطت مختلف القطاعات في كل
مناطق البلاد. فقـد انتفعـت 71.867 عائلـة بالتنويـر،
و80.618 عائلة بالماء الصالح للشراب. كما تدخّل الصندوق
لتحسين البنية الاساسية من خلال تعبيد الطرقات (4335
كلم بالنسبة للطرقات) ولتركيز 133 مركز صحّي، ولبناء
عدة مساكن أو تجديدها (46.200 منزل). كما تدخّل الصندوق
في مجال التعليم في 129 مناسبة لتشييد المدارس، بما
كرس مبدأ التنمية العادلة وبصورة أشمل حق كل فرد بأن
يتمتّع بخدمات اجتماعية وبالمقوّمات الأساسية للحياة
كالصحة والسكن والتعليم والشغل والسلامة المهنية وحق
كل شخص في التّمتع بمستوى عيش كاف (إذ أدرج التقرير
العالمي حول التنمية البشرية سنة 1997 بلادنا ضمن الأقطار
العشرة الأولى التي حققت أفضل النتائج على صعيد تقليص
الفقر). وفعلا فقد تراجعت نسبة التونسيين الذين يعيشون
تحت عتبة الفقر بفضل تدخلات الصندوق الوطني للتضامن
من 22% سنـة 1966 إلى 6.02% سنـة 1997 و 6% سنة 1999
و 4.2% سنة 2000. وهكذا نلاحظ أن التجربة التونسية قلصت
من نسبة الفقر وارتقت بمستوى عيش المواطن التونسي. وهو
ما أكّده عديد الخبراء والمحللين في العالم من سياسيين
وبرلمانيين وصحفيين والذين عاينوا عن قرب الإنجازات
الرائعة لهذا الصندوق.
وانطلاقا من نجاح التجربة التونسية في مجال التضامن
وجّه الرئيس بن علي في خطابه بمناسبة اختتام الندوة
السنوية لرؤسـاء البعثـات الديبلوماسيـة والقنصليـة
فـي 25 أوت 1999 نداء إلى كافة قادة العالم وإلـى المؤسسـات
الأمميـة والدوليـة المختلفـة "لإحداث "صندوق
عالمي للتضامن" يتولّى جمع التبرعات والمساهمات
الخيرية لتوظيفها في مقاومة الفقر والنهوض بالمناطق
الأكثر بؤسا في مختلف الجهات وخصوصا في الدول الأكثر
فقرا والتي تعاني من مآس وأزمات متنوعة...". وقد
لاقى هذا النداء تأييدا منقطع النظير، فأتت مصادقة الجمعية
العامة للأمم المتحدة على مشروع القرار عدد 265/57/A
الداعي إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن، كتتويج لما أطلقه
الرئيس بن علي من أعلى رحاب الجمعية العامة للأمم المتحدة
في قمة الألفية الثالثة عندما دعا إلى إحداث صندوق عالمي
للتضامن، يعمل على تخفيض وطأة الفقر بالمناطق الأكثر
احتياجا ويسهم في إدماج تلك المناطق في الدورة الإقتصادية
ويساعد على دفع التنمية الإجتماعية فيها. هذه المصادقة
هي بمثابة تثمين لمجهودات الرئيس بن علي الإنسانية من
قبل المجتمع الدولي. فجاءت هذه المصادقة كشهادة على
إشعاع سياسته دوليا، وتجاوزها الحدود الوطنية. فتأكّدت
وجاهة الإستراتيجية التونسية، وتجسّمت النظرة الإستشرافية
للرئيس بن علي على المستوى الدولي، بتركيز آلية هامة،
عملية، وجيهة، ذكية، للقضاء على مظاهر تفاوت النمو الموجودة
بين الشعوب الغنية والفقيرة في كافة أنحاء العالم، والقضاء
تبعا لذلك على أسباب الضغينة التي يمكن أن تتولّد على
هذا التفاوت، من خلال دفع قيم التضامن والتآزر والتكافل
بين كافة شعوب العالم، بقصد نشر المبادئ السامية للسّلم
والتسامح والإستقرار والأمن بين البشرية قاطبة. وهو
ما سيؤثّر إيجابا على العلاقات الدولية.
هذه المبادرة هي إذا مبادرة تونسية، وتستند إلى تجربة
تونسية ناجحة أرساها الرئيس بن علي منذ عشر سنوات، وهي
تجربة الصندوق الوطني للتضامن 26/26 الذي أصبح مضرب
الأمثال. فقد أكد عديد الخبراء في العالم من سياسيين
وبرلمانيين وصحفيين أن بعث الصندوق العالمي للتضامن
مستلهم من التجربة التونسية "صندوق 26/26"
الذي حقّق نتائج فاقت كل الآمال والتوقعات، بما يجعل
مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع القرار
الداعي إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن مبعثا للفخر والإعتزاز
لكل تونسي، ليعاين كيف أن التجربة التونسية هي مصدر
الإستلهام وكيف أصبحت أفكار الرئيس بن علي مؤثّرة، فاعلة
في المجتمع الدولي، لأنها بناءة ذات بعد نظر، ترتكز
على البعد الإستشرافي والإستراتيجي، وعلى البعد العملي،
والذي يعطي نتائج إيجابية ملموسة.
فإحداث مثل هذا الصندوق من شأنه أن يضمن تكافؤ الفرص
وتفادي الشروخ الإجتماعية التي قد تنال من استقرار المجتمع
وتوازنه. كما يهدف هذا الصندوق إلى تقريب الشقة بين
مختلف الشرائح الإجتماعية داخل الدولة الواحدة، من جهة،
وتقريب البون الحاصل بين الدولة الغنية والدولة الفقيرة
من جهة أخرى. فما يلاحظ اليوم أن البشرية تشهد تفاوتا
مجحفا على المستويات الإقتصادية والإجتماعية والتكنولوجية
بما يملي على الأسرة الدولية ضرورة بلورة مفهوم جديد
للتضامن الدولي وإقامة تعاون فاعل قصد الحدّ من الهوة
التي ما فتئت تتسع بين الشمال والجنوب وجعل الألفية
الجديدة ألفية الشراكة والتضامن والتآزر بين الشعوب.
فإحداث مثل هذا الصندوق ينطلق من قناعة الرئيس بن علي
بتكريس "الترابط العضوي بين السلام والأمن والتنمية"
(خطابه : قرطاج، 15 جانفي 2002) و"تعزيز الشعور
بالإنتماء إلى أسرة عالمية واحدة متضامنة ومتماسكة تسودها
قيم الخير والعدل المشتركة بين البشر كافة" (خطاب
الرئيس بن علي : الجزائر، 11 فيفري 2002).
وما إمضاء الرئيس بن علي الأمر المحدث لـ"جائزة
التضامن العالمية لرئيس الجمهورية" في 2 ديسمبر
2002، إلا تأكيد منه على مضيه قدما على درب تكريس قيم
التضامن العالمي وتعزيز حقوق الإنسان وتطوير آلياتها
في كل مكان في العالم.
ومثلما لاقى صندوق التضامن الوطني 26/26 استحسان دول
العالم والمنظمات الدولية، وجد إحداث الصندوق العالمي
للتضامن بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في
20 ديسمبر 2002 ترحابا منقطع النظير من قبل بلدان العالم،
والمنظمات الدولية، بعد أن وقعت مساندته ودعمه - منذ
أن بادر الرئيس بن علي بالدعوة إلى إحداثه - من قبل
دول العالم والمنظمات والهيئات الإقليمية والدولية سواء
كان على المستوى العربي الإسلامي، أو على المستوى الإفريقي
أو على مستوى دول عدم الإنحياز ومجموعة 77 أو على مستوى
الجمعية العامة للأمم المتحدة.
هذا الإجماع الأممي حول بعث صندوق عالمي للتضامن يؤكّد
نجاح التجربة التونسية، كما يؤكّد رغبة المجتمع الدولي
في تعميم هذه التجربة دوليا. كما أن هذا الترحاب والإستحسان
من قبل كافة مكوّنات المجتمع الدولي ينمّ عن اقتناع
راسخ بأن هذا الصندوق سوف يساهم في بروز عالم متضامن،
أكثر إنسانية، بما يجسّم مسؤوليات الدول إزاء بعضها
بعض قصد إرساء علاقات دولية مبنية على التعاون والتضامن
والتسامح.
ولعل مهمّة الصندوق العالمي للتضامن الجوهرية تتمثّل
في توفير آلية للمجموعة الدولية تمكّنها من المساهمة
في مقاومة الفقر والنهوض بالتنمية البشرية في المناطق
الأقل حظا في العالم. لذلك تجنّدت كل الأطراف لكي ينطلق
نشاط الصندوق في أحسن الآجال. وبصفته صندوقا إنمائيا
يخضع لإدارة برنامج الأمم المتحدة للتنمية سارع صندوق
الأمم المتحدة للتنمية لاحتضان إدارة الصندوق العالمي
للتضامن. كما بادر صندوق الأمم المتحدة للتنمية بوضع
طرق تسيير وتمويل الصندوق العالمي للتضامن. هذا التمويل
يتمّ عن طريق الهبات والمساهمات التطوعية المقدمة من
الأفراد والقطاع الخاص والجمعيات والمؤسسات والحكومات
الراغبة في ذلك.