معركة الاعلام...
في غياب حرّيته!..
أ. د. صلاح الدين الدريدي
- معهد الصحافة وعلوم الاخبار - تونس
من الصعب أن نقوّم
الأداء الاعلامي والاتصالي للتحالف الأمريكي البريطاني
وللعراق بعد أسابيع قليلة فقط من اندلاع الحرب على العراق
بل وفي بداية الحصار حول مدينة بغداد الذي هللت له -
كالعادة - الدعاية الامريكية ومن خلالها سائر وسائل
الاعلام الغربية والعربية. ورغم صعوبة هذا التقويم فإن
بعض الاستخلاصات أصبحت في المتناول ما يمكّننا من تقديم
الملاحظات التالية:
1 - بروز الفضائيات العربية ودخولها حلبة الصراع من
الجانب الاعلامي ما مكّن من كسر احتكار الاعلام من قبل
التحالف الامريكي البريطاني، مثلما كان الأمر بالنسبة
الى حرب الخليج الثانية التي تفرّدت خلالها CNNبالإخبار
حول الحرب ومستجدّاتها.
2 - اعتماد التحالف الامريكي البريطاني في المرحلة السابقة
لاندلاع الحرب وخلال أيامها الاولى على عنصر "الترغيب"
في الحرب بالتركيز على فكرة أن الحرب تجري لتحرير شعب
العراق من "دكتاتورية" الرئيس صدام حسين.
وكان التحالف خلال حرب الخليج الثانية توخّى قاعدة "الترهيب"
بعد أن روّج فكرة أن الرئيس صدام حسين يمتلك أسلحة الدمار
الشامل وأن لديه رابع قوة عسكرية في العالم وأنّ الحرب
مشروعة لحمل الرئيس صدّام حسين على الانسحاب من أرض
الكويت.
وأمام مفاجآت الأسبوع الأوّل من الحرب والتغيرات الميدانية
التي وسمت العمليات العسكرية للحلف الامريكي البريطاني،
عاد الاعلام الحليف الى الأساليب المعهودة في معالجة
أخبار الحملة ووقائعها بالتخلّي - مؤقتا - عن مبدإ "الترغيب"
في الحرب وإبطاء ترويج فكرة "التحرير" على
ان يعود إليها ويستأنف تسويقها - حسب اعتقادنا - بعد
أن تتعدّل الأمور بما يتطابق مع الاهداف العسكرية للحملة.
3 - لقد اعتمد الإعلام الحليف قاعدة وحدة المصادر ووحدة
المعلومة ووحدة الخطاب الاعلامي. فخلال حرب الخليج الثانية
تجسّد ذلك من خلال "المجمّع" (POOL) الذي
كان الجنرال شوارتسكوف قائد الحملة العسكرية آنذاك يستعمله
لإخبار رجال الاعلام بمجريات الحرب. وقد تطورت هذه الفكرة
بمناسبة حرب الخليج الثالثة فلاحظنا أن الجيش الامريكي
قام بتجنيد الصحافيين الذين أرادوا تغطية وقائع الحرب
وألزمهم باتباع مدونة من القواعد الصارمة تتصل بكيفية
صنع الخبر وتحريره وتصويره أو نقله. وفي مجال هذا السعي
لاحكام السيطرة على مصدر الخبر - وبالتالي مضمونه -
أقيم مركز اعلامي من الطراز الرفيع بالسيلية في قطر
وهو بمثابة القلب النابض. ولاحظنا رغم أنّ ظهور قادة
الحملة العسكرية كان متأخرا نسبيا كيف أن هؤلاء يتداولون
ويتراوحون على هذا المركز الذي اشرف على اقامته رئيس
الحملة الانتخابية لجورج بوش الإبن لتمرير المضامين
والرسائل الاخبارية للتحالف العسكري الامريكي - البريطاني.
ويجدر التوقف هنا عند امر وجب التفطن إليه حتى لا نغترّ
- كما هي عادتنا - وحتى لا يذهب في اعتقادنا - كما يروّج
العديد منّا هذه الأيام - أنّنا كسبنا الحرب اعلاميا،
وأنّ الاعلام الحليف كاذب كذّاب لا يفصح عن الحقيقة:
هو ان "مكتب التأثير الاستراتيجي" التابع
للبنتاغون والذي تم انشاؤه بعد أحداث 11 سبتمبر وفي
غمرة الحرب على انصار القاعدة في أفغانستان، ان هذا
المكتب هو الذي تولّى وضع الخطة الاعلامية والاتصالية
للحرب ملتزما في ذلك بالمبادئ العسكرية الأساسية وأهمّها
الانضباط والتكتّم والتحيّل ومن هنا ندرك لماذا تصل
روايات الصحافيين الذين يرافقون قوات التحالف مبدئيا
منقوصة ومقتطعة حيث لا تفيد بكافة مكوّنات الحدث والخبر
وخاصة المكان والزمان.. وندرك لماذا يتذمّر مراسلو ومندوبو
الصحافة في مركز السيليّة من شحة المعلومات وندرتها،
ونفهم أيضا لماذا تأتي المؤتمرات الصحفيّة للقيادة الوسطى
والبيت الأبيض والبنتاغون، ونعي كذلك لماذا غابت الصورة
التلفزيونية ذات المضمون الاخباري الواضح والجلي وحلّت
محلها صور عن الحرب تشبه الى حدّ بعيد صور لعب الفيديو
الغربية أو - كما قال أحدهم - صور سباق باريس داكار!
لقــد توخــّى الاعـــلام الحليـــف بكـــل بساطــــة
- التحريــف والتعتيـــم والتضلـيــــل Désinformation
et sous-information حتى تكون بحق الضربة مفجعة ومروّعة
عندما تكتشف الحقيقة ويُكشف عنها. ولنتذكر كيف أنّنا
خلال حرب الكويت، تهيأنا إعلاميا لكون أن العراق بحرسه
الجمهوري العتيد وبجيشه الحصين وبصواريخه العبّاس والحسين
وبسلاحه "النووي والكيمياوي" كان يسير نحو
نصر مبين على جيوش التحالف، ولنتذكر كيف أننا استيقظنا
ذات صباح على نبإ فرار الحرس الجمهوري من الكويت واندحاره
جريا صوب البصرة.. لتنتهي الحرب.. وليهزم رابع جيش من
العالم بعد أن نفخ الاعلام الحليف في صورته!
وخلال الحرب الجارية، يوظف الاعلام المتحالف هذا الأسلوب
فهو ينفخ من صورة الحرس الجمهوري. وهو يروّج لمعركة
بغداد الضارية والحاسمة والحازمة ومن يدري كيف سيكون
المُنْقَلب وكيف سيأتي المنعرج وكيف سيكون المآل؟
4) لقد تحوّل الإعلام حول وقائع الحرب والإخبار عنها
الى قضية وطنية في امريكا وبريطانيا. وقد ساعدت الصور
الاولى للأسرى الامريكيين على تحويل وسائل الإعلام وخاصة
محطات التلفزيون الى أبواق للدعاية العسكرية ولتأجيج
المشاعر الدينية والوطنية والقومية. وفي أمريكا بلد
الحريات وخاصة حرية الاعلام، لاحظنا كيف أن هذه الحرّية
انتكست بدعوى الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي، خاصة
بعد أحداث 11 سبتمبر 1002. وتأتي الحرب الدائرة حاليا
لتزيد من انتكاسة هذه الحرية ولتعمق الاحساس ولتصنع
القناعة بأن الوطن قبل الإعلام.. وبأن الوطن قبل.. حرية
الاعلام. ولاحظنا كيف أن محطة تلفزيونية امريكية عمدت
الى فصل Peter Arnett الذي كانت له الريادة في نقل وقائع
حرب الكويت من بغداد، بحجة أنه أتى عملا منافيا للوطنية
الامريكية، عندما تولّى نقد الاستراتيجية العسكرية للتحالف
الأمريكي البريطاني، أثناء برنامج بثه التلفزيون العراقي.
على ضوء ما تقدم، يصبح بإمكاننا رصد الاداء الاعلامي
العربي كما هو حاصل الآن وطرح بعض الاشكاليات التي تبدو
لنا ملحّة وجديرة بأن تحسم في اطار مقاربة عقلانية تدرك
الحاضر لتستشرف المستقبل.
أوّلا: نظل نحن العرب على غيّنا الاعلامي وعلى جهلنا
بقواعد اللعبة الاعلامية على ضوء التحديات التي ينبني
عليها صراعنا الحضاري مع الآخر: تماما كما اعتقدنا -
خطأ - بأن صورة الشهيد محمد الدرّة وهو يموت بين يدي
والده قد أضفت على انتفاضة الشعب الفلسطيني الشرعية
التي فشلنا الى حدّ التاريخ في كسبها عسكريا ومازلنا
لم نوفق بعد في كسبها سياسيا وديبلوماسيا، فإننا اخطأنا
ومازلنا نخطئ القول - والتفكير - بأن صور الأسرى الامريكان
التي بثها التلفزيون العراقي في اليوم الثاني والثالث
لاندلاع الحرب قد عجّلت بانتصار إعلامنا على إعلامهم
وبينت للعالم عدالة قضيتنا ولا مشروعية الحرب ضد العراق!
وننسى في الاثناء ان لا أحد سمعنا، ولا أحد يسمعنا!
ثانيا: فكيف ينتصر اعلامنا ونحن نلاحظ أنّ العراقيين
- أصحاب القضية أولا وبالذات - محرومون من الحق في الإعلام
والاستعمال ولا ندري إن كانوا بحق على علم باندلاع الحرب
الثالثة ضدهم. وكيف ينتصر هذا الإعلام ونحن ندرك بأنه
لا توجد رواية عربية واحدة للحرب بل روايات عديدة متعددة
تدافع كل منها عن الموقف الرسمي ازاءها وتروّج لأصحاب
هذه المواقف وصواب مواقفهم عوضا عن أن تروّج للقضية
وعدالتها.
ثالثا: أسلوبنا العنتري في التعامل مع القضايا القومية
المصيرية لم يتغير. فبعد السباب والشتائم التي تبادلتها
بعض الوفود العربية في اجتماعات الجامعة العربية ومنظمة
المؤتمر الاسلامي قبيل اندلاع الحرب، يطلع علينا وزير
الاعلام العراقي - وهو ذو مقدرة تواصلية لا شك فيها
- بتصريحات أعادتنا الى عهد المذيع محمود سعيد وعنترياته
في اذاعة "صوت العرب". فعندما يعلن الصحاف
"سنروّعهم.. سنوحلهم" فكأنما اعاد واستعاد
قولة "سنلقي بهم في البحر..". ومن ألقى بمن؟
ومن يُلقي بمنْ؟
رابعا: ونصل الآن الى جوهر المسألة وعينها: الفضائيات
العربية التي يصوّرها البعض منا وكأنها العصفور "الاعلامي"
النادر الذي سيدحر الغزاة والطامعين.
لا نشك ولا نشكك في ان الميزة الاولى لهذه الفضائيات
تتمثل في كونها تساهم في كسر الطوق الاعلامي الامريكي
حول الحرب ومستجدّاتها بتقديم روايات ضافية وتفصيلية
وتكميلية لبعض ما يتجاهله الاعلام الحليف أو ما يغض
النظر عنه. إلا أن المتتبع لأداء هذه الفضائيات لا بدّ
وأن يتوقف عند بعض النقاط التالية:
- رواية الحرب تتم من بغداد حيث يتواجد المراسلون والمندوبون
ومن الاستوديوهات المركزية أو الخارجية عن طريق توظيف
المستشارين والمحلّلين والمختصين.
- رواية الحرب من المواقع الأخرى غير العاصمة بغداد
لا تتميز فيها الفضائيات بشيء خاص بل أنّها تأتي كنسخة
تكاد تكون مشابهة لأصل الرواية الأمريكية. فالمراسلات
الصحفية التي تغطي المؤتمرات التي تعقد بمقر القيادة
الوسطى بالسيلية وبالبيت الأبيض والبنتاغون تجعل الحيز
الذي تخصصه هذه الفضائيات للرواية الامريكية - قسرا
- أكبر من الحيّز الذي يحمل بحق مضمون الرواية العربية.
فنلاحظ انه عدا الصور التي تأتي من بغداد أو الموصل
أو باقي المدن العراقية، فإنّ جلّ الريبورتاجات المصوّرة
منقولة عن مصادر تتزود بها عند التحالف وتمرّر من خلالها
رؤيتها وروايتها بحيث ان المشاهد العربي يجد نفسه في
نهاية المطاف مجذوبا الى رواية مستقلة لكنها منحسرة
جغرافيا (بغداد والموصل وغيرها) ومنجذبا الى رواية معادية
لكنها حيّة وتعددية، غنية بالوقائع ووفيرة بالصور.
وما من مرّة إلا ويتساءل فيها المشاهد: هل هو بصدد رواية
عربية للحدث ام بصدد روايات أخرى تقطع الأمل وتعيده،
تضيء السبيل وتعتمه، تنير الرؤيا وتحجبها.
ويدفعني هذا الى أن أنتزع صفة"العربية" عن
هذه الفضائيات وأن أقول بأنها فضائيات "أوف شور"
تقدم رواية "أوف شور" لعرب "الأوف شور".
وفعلا، عندما نتمعّن المسألة نلاحظ أن هذه الفضائيات،
علاوة على كونها لا تنطق بخط واضح ولا تستند الى أصول
روائية إخبارية ثابتة، ورغم الهالة التي أضفيت عليها،
قد أفسدت روايتها للحرب عندما تغاضت عن الحديث عن دول
أخرى تُمَثّلُ نقطة ارتكاز الحرب وخاصة نقطة انطلاقها.
فهل يجوز الحديث، والحالة هذه، عن رواية عربية للحرب،
كاملة ومكتملة، قائمة وقويمة؟
إن هذه الرواية "الأوف شور" تتناقض مع الرواية
"الداخلية" التي تكرّس مواقف الحكومات وتدعو
لها وإليها وتبشر بها وتنذر بها.
إن هذا الإعلام "الأوف شور" الذي بدأت تكرسه
هذه الفضائيات العربية، ومع أنه لا يمكن لأحد أن ينكر
مزاياه، يعكس متناقضات المجتمع العربي، هذا المجتمع
الذي لا يجيز للتلفزيون العراقي ان يُعلم بصدق ومصداقية
فيدفع بالصّحاف الى الإبداع الخطابي والبلاغي على "الجزيرة"
و"أبو ظبي" و"العربية" وغيرها،
هذا المجتمع الذي يعتبر المرأة إنسانا من الدرجة الثالثة
لنراها تندفع الى التألق عبر شاشات هذه الفضائيات وعلى
ميدان المعركة (لاحظوا عدد المراسلات الحربيات والمقدمات
الجميلات الرشيقات المتمدّنات)، هذا المجتمع الذي ينكر
على مواطنيه ممارسة أبسط الحقوق من التعبير والكتابة
والإعلام والاتصال فنراهم.. خارج حدود الوطن خبراء يحللون
ويفكّرون، ينقدون وينتقدون، يُعملون العقل ويعملون..
وعن الحرب على العراق.. يتحدثون ويُعلمون...
ان المعركة تبدأ أولا وبالذات من هنا وهي معركة الحواسم
وإن معركة الإعلام تبدأ أيضا من هنا، وهي أمّ المعارك..."