عن سلطة العلم والسياسة والأخلاق

د. عبد السلام المسدي
ـ أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية

هل على العالم إذا خشي أن تفضي أبحاثه إلى اكتشافات قد يستغلها الإنسان لغاية غير أخلاقية أن يمسك عن مواصلة بحثه العلمي فيكون بذلك ممتثلا لقاعدة اتقاء المحاذير، ومبدإ درء الشبهات، ولكنه ينخرط ليّا في مرجعية التعطيل؟ أم هل عليه ـ إذا تم له الاكتشاف ـ أن يتكتم عليه خانقا أنفاسه وهو في المهد؟ وما عسى أن يكون الأمر لو أن الاكتشاف كان قابلا لتقديم أعظم الخدمات للإنسانية إذا تم توجيهه وجهة الخير والمنافع، وكف الإنسان عن استغلاله تحت إغراء نوازع الشر؟ وهذا الاحتمال وارد يصدق في أغلب الحالات على معظم المستكشفات العلمية منذ فجر النهضة المعاصرة.

بين عام 1833 وعام 1896 عاش رجل يعرف كلّ الناس قصّتَه، ويذكرون اسمه خمس مرات في السنة على أقل تقدير، وكثير من الذاكرين ينسون أو يتناسون تفاصيل سيرته لأن اسمه أصبح رمزا، ومعلوم أن للرمز سلطة على الأذهان جبّارة تنسي أصحابها الأهمّ وتبقي لهم فتاتا من المهمّ. هذا الرجل العالم بوسعنا أن نعيد قراءة قصته في هذا الظرف الكوني تحديدا، وفي لحظة الارتباك الإنساني هذه تخصيصا، على أن تكون قراءتنا من خلال عدسة مجهرية استثنائية ربما لم يفكر هو فيها تفكيرا واضح الوعي، وهذه العدسة هي نقطة ضوئية غزيرة الكثافة لأنها حصيلة تجمّع أشعة ثلاثة: شعاع العلم وشعاع السياسة وشعاع الأخلاق. إنه العالم الكيمياوي السويدي ألفريد نوبل، ذاك الذي اخترع مادة النيتروغليسيرين، وهي الصيغة الأولى لكل التركيبات المتفرقعة، وهي كذلك نقطة الانطلاق لصناعة المتفجرات بأكملها. كان شغوفا بالعلم، وَلُوعا على وجه خاص بالعلوم التطبيقية، وكان كل مهجته للبحث والاكتشاف.

كان أبوه من طبقة الفلاحين، حصل على الهندسة والتحق بالجيش ثم ارتحل إلى روسيا وتعاطى صناعة الألغام، ولكن الابن كأخويه تربّى في كنف الرخاء، وسافر إلى الولايات المتحدة لينهل من العلم، وابتسمت الدنيا لأخويه في مجال استغلال البترول، والتأم شمل العائلة من جديد في وطنها السويد، وشرع الابن مع أبيه في استثمار ذاك الاكتشاف الكيمياوي العجيب: سائل النيتروغليسيرين الذي كان يتفجر من تلقاء نفسه فيحدث الأضرار المفزعة، وكان من بين الضحايا أحد إخوة ألفريد، فانكبّ صاحبنا على مزيد من البحث العلمي حتى اخترع الديناميت فسماه الناس مسحوق نوبل للأمان، وواصل البحث فاخترع الباليستيت الذي أصبح أساس صناعة البارود.

اجتمع لألفريد نوبل ما لم يجتمع لغيره من براءات الاختراع ومن المصانع الموزعة على مختلف البلدان الكبرى، وتدفقت إليه ثروات زادتها نماء حكمته في إدارة شؤون المال. وستزداد قصته إثارة إذا تأملنا فيها من خلال تلك العدسة الضوئية الكثيفة عند تقاطع العلم والسياسة والأخلاق، ولكل واحد من ثلاثتها سلطة: سلطة العلم وهي على العقول، وسلطة السياسة التي هي على العباد، وسلطة الأخلاق وفضاؤها الضمائر والقلوب.

لقد أثمر العلم اكتشافا، ولقد أفادت البشرية منه لمّا أحسن الإنسان استغلاله، فلولا ما اكتشفه نوبل ما حفرت قناة باناما، ولا نسفت صخور الهلغات في ممر نيويورك، ولا تمت السيطرة على نهر الدانوب عند ما يسمى بأبواب الحديد. يومها كان الزواج سعيدا بين العلم والأخلاق والسياسة. ولكن السياسة سرعان ما أدخلت المادة الجديدة إلى مصانع الأسلحة فأصبحت آلة من آلات إنتاج الدمار، فقفزت أدوات الحرب من شكلها اليدوي البدائي إلى أشكال ميكانيكية رهيبة. يومئذ حصل الطلاق بين السياسة والأخلاق فبدا كأنه طلاق بين العلم والأخلاق أو بين العلم والسياسة.

أوصى ألفريد نوبل بقسط وفير من ثروته الضخمة لإحداث جائزة تتوزع على مجالات الفيزياء والكيمياء والطب والآداب، وجائزة ترصد إلى قضية السلام في العالم، وكانت كلها من حقل العلوم العملية حيث يسود التطبيق بعد سيادة النظرية، لذلك لم يخصّ الرياضيات بجائزة رغم أنها أنبل العلوم من حيث تمثل أقصى درجات التجريد الذهني. وراجت قصص وحكايات لتفسير هذا الحيف، وقيل عبر التخييل الأسطوري إن نوبل قد كان يبغض علم الرياضيات لأنه تَعلّق امرأةً فوجدها قد تعلقت عالما من علماء الرياضيات ولذلك لم يكوّن أسرة في حياته قط. وراح المخيال يفعل فعله، والسبب أن ألفريد نوبل قد غدا أسطورة: فيما صنع أولا، وفيما أوصى به تاليا. والأسطورة تستمد سلطتها من سلطة الرمز، لذلك جنى هذا الإرث الأسطوري على صاحبه فلم يعد الناس متقبّلين للقراءة الأخرى. ومن مظاهر إجحاف المجد بصاحبه، وجناية الشهرة على ذويها، ما شاع في أذهان العامة والخاصة من تفسير لحيثيّات الوصية بالجائزة. فكيف تأوّلها الناس؟ وكيف حادوا عن صواب التأويل؟ وما عسى أن يكون مفهومهم لقراءة التاريخ؟

في مسألة حدّ تاريخ الإنسانية قد نذهب إلى الاهتمام برواية الأحداث وسرد الوقائع، وقد نميل إلى اتخاذ كل ذلك مادة خاما للمعرفة نتحسس من أسرارها، ونستكشف ما انحجب من عللها، فنكون عندئذ بحضرة نشاط ذهني خالص هو حقل علم التاريخ. فمن وراء التاريخ يقوم علم التاريخ، ومن وراء علم التاريخ تقوم كذلك فلسفة لذاك العلم. ولم تخرج النظريات الفلسفية الكبرى في هذا المجال عن ثلاث: قال بعض الفلاسفة إن تاريخ الإنسانية يتطابق على تاريخ ملوكها، وقال البعض الآخر إنه يتماهى مع تاريخ شعوبها، وبين هؤلاء وهؤلاء ذهب كثيرون إلى القول بأن تاريخ الإنسان إنما هو صورة من تاريخ الحروب. اليوم ليس ابتداعا منا أن نزعم بأن أشمل التواريخ في أوسع الآفاق ـ عندما نريد الجمع بين مؤسسة القرار ومؤسسة المعرفة ومؤسسة القيم ـ هو أن نقول إن تاريخ الإنسانية الحقيقي هو تاريخ مقاومة الحروب، وبشيء من التدقيق سنضيف قائلين إنه تاريخ مقاومة استغلال العلم في إيقاد لهيب الحروب. وليس أولى بارتياد جداول الاعتراض واغتراق سوائل النقض من الفكر الخالص التواق.

وفي سيرة العالم السويدي ألفريد نوبل عِظة وأيّ عظة في هذا المضمار، فلقد ترك وصية تكافئ العلماء الذين أخلصوا مهجتهم للعلم الذي يعين البشرية على مغالبة قسوة الطبيعة ومكائد الزمن فيما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان، وكم يخطئ الناس كلما تأولوا شططا تلك الوصية إذ يظنون أن نوبل قد ندم على اكتشاف مادة النيتروغليسيرين وعلى ما اشتقه منها من مادة الباليستيت وتركيبة الديناميت. إنما الذي لا مراء فيه هو أنه قد عاش الكآبة حين أيقن أن السياسة تفسد العلم لأنها تلغي مرجعية الأخلاق. لقد كان نوبل تجسيما حيا لتضارب العلم والسياسة والأخلاق، فكان هو بنفسه صورة لملحمة الصراع الدائر بين الفكر والقيم والقرار. ولكن هل من المستساغ أن نتصور عالما يندم على كشف المجهول من خلال المعلوم فيتمنى لو أن اختراعه لم ير النور؟ كيف وفي ما اكتشفه نِعم شتى أعانت الإنسان على مغالبة الطبيعة؟

إن نوبل قد عاش بامتلاء مكين تجاذُب الأطراف بين العلم والسياسة والأخلاق، وعاش التمزق الذاتي لأنه أدخل في المعادلة عنصرا رابعا لم يسبق لغيره أن أقام سلطته بيده من خلال ثمرة الكشف العلمي، إنها سلطة المال، فالثروة الطائلة كانت رمزا إضافيا أعان على تحويل الذات إلى أسطورة. عرف نوبل أن السياسة بدون أخلاق تفسد العلم وتسخّر المال فتنتج الحرب وتصنع الدمار، وبناء على ذلك نصت الوصية على أن جوائز البحث العلمي في الفيزياء والطب والكيمياء تمنح لمن يقدم "أفضل الحسنات للإنسانية". وعلى أن جائزة الآداب تعطى لمن "أشاد بالمثل". وتعطى جائزة مخصوصة لمن ساهم في "إخاء الشعوب وتقليص الجيوش وتنظيم مؤتمرات السلام".


لم تأت وصية نوبل وليدة استفاقة مثالية غامرة كتلك التي تنتاب الكائن عند مشارف خاتمة المطاف، بل جاءت تجسيما لموقف نضالي يعززه وعي حاد تجلى بشكل مخصوص على مدى عشرين سنة: منذ 1876 الى عام وفاته 1896. فلقد ارتفع في أيامه صوت دعاة السلام، وأعلنوا شعارهم "تسقط الأسلحة" فقام جدل عنيف ذهب البعض فيه الى إلقاء التهمة على كل عالم يعين بأبحاثه على تطوير صناعة الأسلحة سواء بقصد أو بدون قصد. واقتحم نوبل ساحة الصراع الفكري وكانت بينه وبين الأديبة الروائية بيرثا كينسكي محاورات شديدة، كان يرى أن حماية السلام لا تتم إلا بتوفر السلاح الرادع، وكان يدعو الدول الكبرى ـ وكلّها يومئذ أوربية ـ الى أن تجهّز نفسها بما يكفل لها أن تردع كل من يبدأ بالنّزاع. وكتب يوما الى داعية السلام بيرثا كينسكي يقول : "قد تكون مصانعي أقدر من برلماناتكم على إنهاء الحروب، ففي اليوم الذي يمكن فيه لجيشين متقابلين أن يحوزا على ما يبيد به الواحد منهما الآخر في ظرف ثانية واحدة فإن جميع الأمم المتحضرة ستتراجع أمام هذا الرعب الهائل فتسرّح كلّ جيوشها".

هو ذا الحلم الجميل، ولكن ألفريد نوبل قد كان يعرف أن محرك الجماعة أقوى من "فرامل" الفرد، وأن السياسة تقتل أنفاس القيم فتستعبد العلم وتسخّر المال، ولم يكن صاحبنا يخفي حزنه أو يتستر على كآبته، فقد سأله أخوه لودفيغ أن يصف نفسه بأوجز العبــارات فكتب له يقول : "ألفريد نوبل : نصف إنسان، ضئيل، كان ينبغي أن يشرف على ولادته طبيب من أهل الخير يخمد أنفاسه الأولى قبل أن يرسل صرخته الأولى في هذه الدنيا".

ومات نوبل كمدا، وكثير من العباقرة والأفذاذ يموتون كمدا، وكان منبع الأسى ومصدر الشقوة أن الحروب لم تخمد، وأن الأسلحة لم تسقط، فأما بيرثا كينسكي فقد أحرزت بعد موت عنيدها ألفريد نوبل بتسع سنوات على الجائزة المخصصة من وصيّته للسلام وذلك تثمينا لروايتها "تسقط الأسلحة" وأما صاحبنا فقد ترك إرثا من الجدل اختط به نهجا، وسيلقى عبقريّ آخر نفسه في نفس المضيق الشائك الوعر : إنه ألبيرت أنشتاين. ويراودنا الإغراء عن أنفسنا مرة أخرى، إغراء ارتداء المجهر الاستثنائي لإنجاز القراءة الاستثنائية. فبين أنشتاين ونوبل علاقة التزاميّة قاسية في دلالتها، عصيّة في نضالها، عاتية في رمزيّتها، لا تقف فقط عند حصول أنشتاين عام 1921 على جائزة نوبل في مجال اكتشافاته العلمية الدقيقة.

القصة المنسيّة هي قصة التوريط التي تصنعها السياسة بحقول العلم قصة الأوجه النيّرة للعلم نقرأها بعدسات السياسة الظلماء، ونزداد خوفا على العلم، ورعبا على الأنفس، لأن مجال البحث قد خرج من يد الأفراد ليدخل مخابر الجماعة، ولأن الاكتشاف كان موكولا إلى تلقائية العلماء وهم يبحثون فأصبح موكولا إلى المؤسسات وهي ترصد المال وتستثمر عوائده. لقد أذعن العلم إلى سلطان المال تحت غطاء تمويل المشاريع البحثيّة. والذي قد يتراءى هو التحالف الماكر بين سلطة القرار وسلطة الاستثمار مما سيعمّق الفُرقة القاسية بين العلم والأخلاق.

إن قراء سيرة أنشتاين من خلال المجهر الاستثنائي بواسطة العدسات المنسية أو العدسات المسكوت عنها هي التي ستوصلنا إلى القول: لئن استحق هذا العالم جائزة نوبل في علم الفيزياء عام 1921 فإنه كان أولى ـ لو لم ينلها قبلئذ ـ أن ينالها من أجل نضاله في سبيل إرساء السلام العالمي. ذلك أنه قد جسم بحق أنبل صورة عن التاريخ الإنساني من حيث هو تاريخ مقاومة الحروب، وجسم بحق مسؤولية المفكر في صناعة السلام.. يعد ألبيرت أنشتاين خر من فجّر المعرفة العلمية عن طريق الاستلهام الفردي، فبعده أصبح متعذرا على العالم الباحث أن ينجز النقلات النوعية للمعرفة إلا إذا اشتغل داخل أسوار المؤسسات الحاضنة والممولة والمستثمرة، فضلا على أن العلم أصبح مقتضيا للإنجاز الجماعي سواء بضرورة تكاتف عناصر الفريق أو بضرورة تضافر حقول شتى من المعارف المتحاذية.

إن نظرية أنشتاين في ما يعرف علميّا بالنسبية هي التي قادت الباحثين إلى التسليم بمبدإ تكسير الذرة، ومن أجل نظريته أحرز سنة 1921 على جائزة نوبل وسافر لأول مرة إلى الولايات المتحدة. وفي ألمانيا عاش عن كثب أواخر أيام القيصر وبدايات عهد هتلر فتملّكه الذعر الشديد من فكرة الحرب وانتابه خوف متجدد من جنون العظمة كلما استبد بأصحاب النفوذ السياسي، وترسّخ عنده أن غريزة الحرب إذا خالطها الانتماء العرقي الضيق أو مازجتها القومية المنغلقة انتهى الأمر بالقويّ إلى ممارسة الإقصاء الإنساني المقيت.

وربما تعيننا قراءة القرائن على تحديد زمن تلك اللحظة، إنها بلغت ذروتها في عام 1933، ففي تلك السنة أصدر بالتعاون مع واضع علم النفس التحليلي ـ سيجمون فرويْد ـ كتابا بعنوان : "لماذا الحرب؟" وفيها كذلك ارتحل الى الولايات المتحدة ليبشّر بدعوته الفريدة التي ارتآها لحل معضلة "السياسة والعلم والأخلاق" كما سنتبينها، والتي تجيء تجسيما لما يسميه بمسؤولية العلماء السياسية والاجتماعية، وهي شيء مغاير تماما لفكرة الالتزام السياسي كما تقرّه الأعراف المطّردة وكما كان يكره أن يتحلى به.

بعد ست سنوات يأتي المنعرج الثاني في هذه المسيرة النضالية: فكل الأجواء تنذر باندلاع الحرب الكونية، والعدد الهائل من علماء أوروبا ولا سيما الألمان كانوا يتدافعون نحو الولايات المتحدة هاربين بعلمهم أكثر مما كانوا هاربين بأجسادهم، فتلقفتهم الجامعات هناك، فنقلوا إليها الخبر المخيف: أن بعض العلماء في ألمانيا توصلوا الى تكسير ذرة اليورانيوم، وأن ألمانيا قد وضعت يدها على كل ما تنتجه تشيكوسلوفاكيا من تلك المادة. هنا بالتحديد تأتي اللحظة الحائرة، وهنا تخصيصا نعيد قراءة سيرة الرجل فنزكّي المقاصد النبيلة ثم نلقي السؤال على السبل التي توسّل بها لتجسيم أمانته الجامعة بين العلم والسياسة والأخلاق. لقد بادر أنشتاين بالكتابة إلى الرئيس الأمريكي روزفلت يستحثه أن يهتم بمشروع تفجير الذرة في إطار صنع القنبلة النووية قبل أن تمتلكها ألمانيا النازية تحت إمرة هتلر، وكان مسوّغه في ذلك هو اعتقاده أن سبق هتلر إلى القنبلة سيؤدي إلى كارثة إنسانية كبرى سواء أفجّرها أم اتخذها سيفا مسلولا على أعناق البشرية.

هكذا دخل العلم في أحرج موقع عرفه في التاريخ، وهكذا انحشرت المعرفة في المضيق الخانق بين السياسة والأخلاق. فما فعله أنشتاين قد كان باسم فلسفة الردع، وكان ضربا من البحث عن التوازن الاستراتيجي، بل كان تشريعا لمبدإ التسلح الوقائي تماما كما سبق لنوبل أن أسّس وشرّع. إننا نقرأ اليوم سيرة العلم والعلماء بمقاييس ما ل إليه التاريخ تحت وقع صنيعه وصنيعهم. لقد فتح أنشتاين باب الوشاية العلمية تحت غطاء الآلية النضالية، وسطّر الأحرف الأولى لفلسفة كاملة فيها أنه إذا باع العلم نفسه لصالح الحرب فللعالم أن يبيع وطنه لصالح السلم.

وانفجر مأزق الضمير الأخلاقي تطحنه الرحى بين العلم والسياسة، فلقد هزم الحلفاء ألمانيا النازية، وخيل لأنشتاين أن زوال العلة يوجب زوال النتيجة طبقا لقوانين العقل الخالص، ولكن للسياسة منطقها الآخر، فاليابان كانت جاهزة للاستسلام، والاتحاد السوفياتــي ـ حليف الولايات المتحدة ـ كان يتولى مفاوضة اليابانيين على حيثيات الاستسلام، ولكن ترومان قد أمر بإلقاء القنبلة وإذا بالعلم يجد نفسه في التسلل على ملعب السياسة، ويجد نفسه في قفص الاتهام الأخلاقي، وتحل بأنشتاين أزمة نفسية حادة من هول ما رأى ومن هول ما يستشرف به المآل. وهذا صديقه روبرت أوبنهيمر الذي يتولى إدارة مشروع تفجير الذرة يصاب بالهلع لأن السياسة قد قررت إخراج مجمع الأبحاث من يد السلطة الأكاديمية لجعله تحت إشراف المؤسسة العسكرية.

وازدادت تركيبة "العلم والسياسة والأخلاق" تأزما وانفجارا حتى ضاعت من الفكر نجمته القطبية فصار يسير في ليل دامس بغير هدى، ولَذَّ للتاريخ أن يعيد نفسه بنفسه، فقد جرى بعض العلماء يَشون بأسرار القنبلة إلى الروس لأن كواليس السياسة قد همست بأن قنبلة هيروشيما وناجازاكي قد كانتا لإرهاب الحليف السوفياتي وردعه أكثر مما كانتا لهزم اليابان. خاف هؤلاء أن يفقد الكون توازنه وأن يختل قانون التعادل الاستراتيجي فسرّبوا الأسرار، وانتصبت محاكم التفتيش هنا وهناك، وكان من أشهر الذين حوكموا بتهمة التسريب وأقروا بها في شموخ فلسفي رهيب العالم جوليوس روزنبرج في أمريكا وكلاوس فوخس في بريطانيا.

لقد أدان أنشتاين نقل الأسرار إلى الروس والحال أن الذين قدموها كانوا قد دافعوا عن أنفسهم بأنهم قدموها بدون مقايضة، وإنما كانوا في ذلك مستجيبين لنداء الضمير الإنساني النقي، وهم لم يفعلوا إلا ما سبق لأنشتاين أن فعله. فأما الرأي العام فقد انتفض بحملة شعواء على أنشتاين نفسه وعلى زميله أوبنهيمر، وأما الإدارة الأمريكية فقد حملت على أنشتاين لأنه لم ينخرط بحماس في هستيريا التمجيد للقوة الأمريكية وطلبت منه الكف عن إثارة الشغب بين صفوف الرأي العام...

ندم أنشتاين على فتح طريق التصنيع النووي أمام الأمريكان، ولكنه من حيث هو ذات علمية لا يمكن أن يندم أبدا على اكتشافاته البحثيّة، تماما كما أن نوبل ما كان بإمكانه أن يندم على اكتشاف النيتروغليسيرين وعلى اختراع الديناميت وإنما كان أسفه وأساه أن غريزة التسلط تدفع بأصحاب القرار إلى تحويل وجهة العلم من فضيلة إسعاد الإنسان إلى لة جهنمية تصنع بؤسه وشقاءه. كل القضيـة إذن ـ وكل استعصائها ـ ليست في العلم وإنما هي في توظيف العلم، فمدار العلة قائم في الإنسان وليس قائما في المعرفة. غير أن العلم والمعرفة والثقافة جميعا صور في الذهن مجردة لا تتشخص إلا بالإنسان، وهنا يتعين حتميا الاحتكام إلى قيم تحقق التواؤم بين العلم والإنسان، فالعلم نابع من السلوك وعائد إليه.
وفي نقطة التقاطع هذه تنبلج فوهة الجدل بين السياسة المثالية والسياسة البراجماتية علما بأن صفة المثالية قد أصبحت ضربا من القدح والتهجين كلما أرسلها الذرائعيون النفعيون. قد تكون مرجعية الأخلاق قد اندحرت الآن بحكم سطوة النجاعة العملية الناجزة، وقد يكون معيار قيم الفضيلة صوتا يحكي أصداء الماضي أكثر مما يحاكي صورة المستقبل، ولكن الإنسان بإنسانيته الجماعية هو الذي ابتدع "المواثيق الدولية" حتى تكون حكما عدلا يتساوى حيالها الناس والشعوب والأمم مهما تباينت أعراقهم، وتباعدت ثقافاتهم، وتفاوتت سلطاتهم، واختلفت عقائدهم.

عندما نعيد قراءة حياة بعض الرموز العلمية نقف على عجب عجاب في أمر الحلم والأحلام، فألبيرت أنشتاين يعتنق اعتناقا تاما ما يذهب إليه الفيلسوف البريطاني وعالم الرياضيات الشهير ـ برتراند راسل ـ من التأكيد على دور الخيال في اهتداء العلماء الى الاكتشاف، إنه يقول إن الاكتشاف العلمي ـحتى ولو كان في العلم المجرد كالرياضيات ـ متوقف على لحظة تمتزج فيها ثلاثة عوامل : معرفة متخصصة وإرادة إنسانية وخيال مجنح توّاق.

ولكن بين أنشتاين وراسل أكثر من قرينة جامعة، الأول عالم فيزيائي ذو نضال فكري وذو ثقافة عضوية، والثاني رياضيّ تفلسف فجمع مهجاته تحت قباء المنطق الصوري وحفر الأخاديد في أرض فلسفة العلم. الأول أحرز على جائزة نوبل في الفيزياء وكان الأولى أن يأخذها باسم صناعة السلام والثاني خدم السلام باسم المنطق فأحرز على جائزة نوبل للآداب عام 1950. كان راسل مناضلا ملتزما كليا: إبان الحرب الكونية قاوم بضراوة أسطورة الحرب فدخل السجن عام 1918، زار الاتحاد السوفياتي واجتمع بلينين لأنه بدْءا متعاطف مع الكادحين ولكنه أعلن عداءه للشيوعية، ثم تفرغ لمقاومة الفاشية. ولكن الإنجاز الأدعى للتساؤل عن أبعاد الرؤى الحالمة قد تمثل في مبادرته بإنشاء مؤسسة للسلام تحمل اسمه ثم بتكوين محكمة باسمه هي "محكمة راسل" كانت مهمتها محاكمة الولايات المتحدة لما فعلته في الفياتنام.

كان نوبل ـ يوم ظن أن تعميم السلاح يفضي إلى نزعه وإلى تسريح كل الدول لكل جيوشها ـ عالما حالما. وكان راسل يوم أقام محكمة لمقاضاة الدول هو الآخر حالما. وكان أنشتاين أكثر منهما أحلاما وخياله أبعد انسراحا. كان يؤمن بأن الخيال الحالم عامل فاعل في إخصاب المعرفة العلمية وقد تحقق له ذلك فيما اكتشف من أسرار تركيب المادّة ومكونات الذرة ثم راح يطلق الجناح لخيال واسع وهو يتناول الموضوع السياسي. ففي الوقت الذي دعا فيه إلى نبذ فكرة الحرب أطلق دعوته للفكرة البديلة وهي "الحكومة العالمية". ومن أجل ذلك هجر بلاده ألمانيا واتجه صوب الولايات المتحدة حيث كان مسموحا له أن يدافع عن رؤيته، وأن يحرض الشباب على رفض الخدمة العسكرية، وأن يُجرّئَ النّاس على عصيان الأوامر.

كانت فلسفته تقوم على القول بأن الإنسانية قد زيفت تاريخها لأنها استسلمت لفكرة الدولة كأن الدولة هي التي صنعت الإنسان بدل أن نتذكر بأن الإنسان هو الذي صنع الدولة. وعندما تم تصنيع القنبلة الذرية ثابر أنشتاين بحماس فيّاض مناديا بمراجعة فكرة الحرب وفكرة الدولة وفكرة السيادة، وانبرى يقود حملة واسعة جمع إليه فيها أدمغة العباقرة فحرروا ميثاقا هو بمثابة المانيفست قالوا فيه ان الحرب مستحيلة في العصر النووي، وإن سر القنبلة الذرية سيتفشى، ولن يقوم السلام في نظام حكومات ذات سيادة وطنية، وأن كل دولة ستجد نفسها نازعة نحو امتلاك السلاح الذي تمتلكه الدولة الأقوى، وأن الحل الوحيد هو أن تتحول الأمم المتحدة الى حكومة عالمية.

من حق الفكر الخالص أن يجنح في فضاء الخيال ليستلهم الطبيعة كي يغوص على أسرارها، ولكن هل من حقه أن يحوّل الحلم في السياسة الى مدينة أفلاطونية تقطع صلته بالواقع؟ ومن العجب أن يصبح الخيال الحالم آلة فكرية تنتج الخيالات "الإيتوبية" فتعمّ العدوى ويسود الوهم فترتبك أدوات التشخيص.

من وراء كل سطر ينبلج طيفٌ تلو طيف: نوبل، وفرويْد، وراسل، وأنشتاين، فماذا لو أن هؤلاء جميعا قد طال بهم العمر فرأوا معنا ما نراه نحن اليوم!

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org