ندوات

في ندوة بيت الحكمة حول "وحدة الانسان، تنوّع البشر" :
الحرب عارض تاريخي... ولا مبرّر لها

"أفكار" ـ خاص
ألقت الحرب المُعْلنة على العراق بظلالها على ملتقى قرطاج الدّولي السابع حول "وحدة الانسان، تنوّع البشر" الذي عقدته مؤسسة "بيت الحكمة" بتونس من 10 الى 14 مارس 2003 بحضور جملة من الأساتذة والباحثين والمبدعين من تونس والمغرب ومصر وفرنسا وألمانيا وغيرها، إذْ لم تخلُ المداخلات التي ألقاها الأساتذة صلاح ستيتية (لبنان) وفاطمة حدّاد، عبد العزيز قاسم، توفيق بوعشبة، ومحمد محجوب (تونس) من الاشارة الى ان الحرب تمثل خروجًا على الحضارة وتدميرًا لكلّ قيمها ومُنْجزاتها، وأنها عنوان فشل الانسانية في اقامة حوار مع نفسها، ودليل على عجز افرادها على التعايش في ظلّ ما نشأوا عليه من تعددية ثقافية وحضارية وما أقرّوه من قيم ومبادئ مشتركة.

وجاء في هذه المداخلات ان الحرب التي اصبحت مشهدا يوميا في حياة الشعب الفلسطيني والتي اكتوى الشعب العراقي في مطلع التسعينات ويكتوي الآن بنارها تمثّل صورةً من صور التصادم الذي يولّده عدم الاعتراف بالآخر وإنكار حقّه في العيش الحرّ الكريم، والذي يجسّدُ مقدار ما يمكن أن يكون عليه الانسان من عدوانية ازاء اخيه الانسان، بالرّغم من وحدته الأصلية.

وحدة انسانية أم هيمنة ثقافية؟

أن يكون الانسان في الأصل واحدا وان يكون الانسانيّ متعدّدا تحضر ضمنه الذات "المخرّبة" حضورًا كبيرًا، هذه هي المعضلة التي حاول الفلاسفة وعلماء الانتربولوجيا وعلماء النفس وغيرهم فهمها عبر العديد من المقاربات التي حاولت المسك بمختلف التقاطعات والانقطاعات للتجارب الانسانية التي خاضها الانسان الواحد المتعِدّد والتي تجعلنا نتساءل كيف يمكن لنا ان نُثْبِتَ وحدة الانسان دون أن نَغْفَل عن تعددية الانساني فيها؟ وكيف يمكن لنا فهم المفارقات وتجاوز المتناقضات بين هذه الوحدة وهذا التنوّع، وذلك كما جاء في التساؤلات الاولى حول الموضوع والتي طرحها عالم الاجتماع ورئيس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون (بيت الحكمة) الدكتور عبد الوهاب بوحديبة.
ان الانسان في الاصل واحد ـ يقول الدكتور بوحديبة ـ ولكن الزمنية والتاريخية والحرية والقدرة على الخلق والابداع جعلت المجتمعات تُبنى بصفة عنقودية وتتطوّر سنة بعد سنة وجيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن لتبني حضارات مختلفة، ولكنها رغم اختلافها تظل حاملة لطابعها الانساني الواحد.

ان هذا التمييز بين وحدة الانسان وتنوّع البشر اصبح ـ كما تقول الباحثة الفرنسية مونيك كاستيو في مداخلة عنوانها "جمالية الفوارق وسياسة التضامن" ـ مجالا للتصادم الى درجة ان بعض المقاربات "الفكرية" اصبحت تمثل عقبة أمام إدراك الرهانات السياسية والفلسفية لهذا التمييز.

وتعمد الباحثة ـ في هذا الاطار ـ الى تحليل المقاربات الداعية الى تغليب مبدإ النسبوية الثقافية على مبدإ الوحدة ونقدها. فبالرّغم من ان هذه المقاربات تنهض على نقد الموقف الكوني للانسان طبيعة وقيمًا، والذي تمثله الانتربولوجيا الكونية لعصر الأنوار باعتبارها تبرّر للهيمنة الثقافية ـ وبالذات لهيمنة الثقافة الغربية ـ فإن الباحثة الفرنسية ترى في موقف الفيلسوف الألماني هاردير ـ على سبيل المثال ـ والذي دعا الى الاعلاء من شأن الخصوصيات الثقافية انتصارًا للثقافة الالمانية التي كانت تعاني من هيمنة النموذج الفرنسي، أي في النهاية استبدالا لسيطرة نموذج ثقافي بسيطرة الآخر.

وتتوقف مونيك كاستيو أيضا عند ذات الموقف الثقافي النسبوي الذي عبّر عنه غادمير وشارل تايلور لتتساءل : ألا يمثل هذا الموقف نوعا من العدمية الثقافية حيث تُفْضِيَ الدعوة الى القول بمساواة كل الثقافات الى الاقرار بأن لا قيمة لكل واحدة منها، ثم ألا يُفْضِي الالحاحُ على اختلاف الثقافات وخصوصياتها الى ضرب فكرة الحداثة والتقدم وذلك بإسم مبدإ المغايرة والاختلاف، فيتمّ رفضُ هذه الثقافة او تلك لأنها فرنسية او لأنها اوروبية او غربية لمجرّد انها متقدمة عن الأخرى؟

وللخروج من هذا المأزق الفكري ـ بين قبول الهيمنة باسم الكونية، ورفض التقدم باسم التعددية ـ تدعونا مونيك كاستيو الى مقاربة "جمالية" تعتبرها اقل اثارة لخيبة الظن والشك. وبمقتضى هذه المقاربة يمكن التمييز في مختلف أنظمة الثقافة بين ما هو ابداعي وما هو أسطوري وبين ما هو قانوني وسياسي، بحيث توجد بعض التعبيرات الثقافية، التي تُمثّل جزءًا من الذاكرة الجماعية لهذا الشعب او ذاك، وتتجذر في أصوله وتمثل مصدر إلهام له ولكن لا يمكن ان تمثل تراثا للانسانية قاطبة، أي لا يمكن ان تُرْفَعَ الى مرتبة الكوني أو الكلّي الذي ندعو الجميع الى الانتماء اليه أو تبنّيه.

ان جمالية الفوارق التي تدعونا مونيك كاستيو الى العمل بها في مقاربتنا للعلاقات بين الثقافات ورصد تقاطعاتها وتناقضاتها لا يمكن ان تدمّر الافق الممكن للتضامن الانساني ولوحدة انسانية هي دائما في طور التشكّل، وغير مكتملة أبدًا، لأنه من غير المقبول ان نرهن مستقبل أبنائنا لاختياراتنا وان نفرض عليهم نوعية التحالف معنا.

وعند مقاربة فلسفة الأنوار للانسان توقف أيضا الأستاذ عبد العزيز اللبيب أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية في مداخلة بعنوان "الانسانية والغيرية في العهد الكلاسيكي" ليؤكد على طابعها الكوني التجريدي ثم ليدرسها من خلال الأزواج المفاهيمية التالية: الآخر/الغريب، البداية/الأصل، والايطوبيا/البدائية.

وقد خَلُصَ الباحث من تحليله لهذه الأزواج المفاهيمية متسائلا إنْ لم يكن تنوّع الخطابات الفكرية حول الانسان مرتدّا في النهاية، لا الى اختلاف المناهج ووجهات نظر أصحابها، بل الى اننا عندما نتكلّم عن الانسان فإننا قد لا نعيّنُ بموضوع خطابنا نفس الانسان؟

تجذر مفهوم الاختلاف في الثقافة العربية

وفي فضاء ثقافي وحضاري خر، يدرس الباحثان، الألماني جوزاف فَانْ سْ المختصّ في الفلسفة الاسلامية والمغربي عبد السلام شدّادي أستاذ التاريخ بجامعة محمد الخامس اشكالية الانسانية والغيرية، حيث قدم الاستاذ فَانْ سْ مداخلة بعنوان "التعددية والتسامح في الاسلام" في حين اختار الاستاذ شدّادي "الكونية والاختلاف في الاسلام الكلاسيكي".

وقد أشار الباحث الألماني الى أنه بالرّغم من ان مفهوم التسامح لم يظهر في الدائرة الاسلامية الا متأخرا، فإن الاسلام أبدى تسامحا كبيرًا تجاه الديانات والشعوب الأخرى. كما أشار الى ان المجتمع الاسلامي كان متعددا في داخله. وفي الوقت الذي كان اليهود يعيشون في اوروبا المسيحية كأقلية منبوذة، فإن عشرات المذاهب والعديد من الديانات غير الاسلامية كانت تتعايش في ظلّ الخلافة الاسلامية وبالذات في العصر العبّاسي. الا ان نزوعا نحو الوحدة كان يسيطر على المجتمعات الاسلامية التي كانت تنبذ الخلافات المذهبية وتسعى الى وحدة المذاهب والآراء بالرّغم من الحديث المنسوب قوله الى الرسول محمد: "اختلاف امّتي رحمة".

أما الأستاذ عبد السلام شدّادي فقد ذهب في مداخلته "الكونية والاختلاف في الاسلام الكلاسيكي" الى ان الثقافة الاسلامية صاغت ثلاثة تصورات للكونية، أوّلُها ذو طابع ديني عَقَدي يعيّن "امّة" المسلمين المؤمنين بقطع النظر عن انتمائهم القبلي والاجتماعي والاتني. اما التصور الثاني فذلك الذي صاغه الرحالة والأدباء والمؤرخون والذي يعيّن "المملكة" ذات الأبعاد الدنيوية، السياسية والاقتصادية، في حين يتعلّق التصور الثالث بما يمكن ان نسميه بالكونية الفلسفية أو بكونية العقل وبالتالي كونية العلوم التي ينتجها والتي تتجاوز الحدود الاثنية والدينية والسياسية.

وبالرّغم من شمول مفهوم الكونية لكافة اوجه حياة المسلمين (الدينية، السياسية، الفكرية) فإن مفهوم الاختلاف كان مفهوما متجذرًا في الثقافة الاسلامية نجده لدى الادباء والفلاسفة والجغرافيين كما لدى رجال الدّين.

وخلص الباحث المغربى الى ان أشكال الكونية التي تمّت صياغتها في الفضاء الثقافي الاسلامي مازالت تمارس تأثيرها على داخل المجتمعات الاسلامية المعاصرة، التي تجد نفسها بدورها في مواجهة أشكال جديدة من "الكونية" التي تفرضها العولمة.

وأشار الباحث من جهة اخرى الى ان التحديات التي تواجهها المجتمعات الاسلامية اليوم، تتطلب مقاربة اشكال التشابه والاختلاف بين تجربتي الكونية لدى الشعوب الاسلامية في القرون الماضية وتجربة الكونية حديثا، ودراسة المبادئ التي تؤسسها، وبالتالي المساهمة في الجدل الدائر اليوم حول ما يجب ان تكون عليه الكونية الفعلية تلك التي تنهض عليها جميع شعوب العالم.

دَحْض ايديولوجيا الحرب

الامبريالية والارهاب والحرب والقانون الدولي، مفاهيم لم تغب عن هذا الملتقى الذي عقد في سياق دولي حامل لنُذُر الحرب ومُقْدِمٍ على العديد من التحولات.

واذا ما كان الأستاذ توفيق بوعشبة، أستاذ القانون الدولي بالجامعة التونسية والمعروف بأنشطته في صلب العديد من المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الانسان، قد تناول موقع الانسان في مشاغل القانون الدولي متتبعا تطوّر اهتمام القانون الدولي برعاية حقوق الانسان والحفاظ على سلامته في الحرب كما في السلم، فإن الأستاذ صلاح ستيتيّة تناول العلاقة بين ثنائية الشرّ: الامبريالية والارهاب مشيرًا الى ان العولمة التي اختزلت القيم الانسانية الى قيم السوق، تسلك مسارها الحالي تحت هيمنة الولايات المتحدة التي تعمد الى فرض ايديولوجيتها وأنماط تفكيرها وعيشها على العالم بالقوّة.

وأشار الشاعر والناقد اللبناني المقيم بفرنسا الى ان الامبراطوريات تحتاج دائما الى خصم او الى خصوم لكي تضمن وجودها وولاء حلفائها، والخطر الحالي الذي يترصد الولايات المتحدة ليس هو صدام الحضارات كما زعم هانتنغتون، بل تلك الحركات الارهابية التي لا تمثل بأي شكل من الاشكال الدّين الاسلامي الذي يعتنقه أكثر من مليار ونصف ومن المسلمين بكل اطمئنان، والذي يمثل في جوهره دعوة للإخاء والسلام، وهي دعوة ساعدت على تأسيس حضارة تعايشت في ظلّها مختلف الاتنيات والثقافات.

ولم يُخفِ الأستاذ ستيتية ان عمليات 11 سبتمبر شجعت اولئك الذين يقسّمون العالم الى محور للخير و خر للشرّ على تعزيز نزعة الهيمنة الأمريكية، والسعي الى تدمير العراق الذي يستند الى سبعة آلاف سنة من الحضارات المتعاقبة من أجل السيطرة على مقدرات المنطقة العربية وبالذات على منابع النفط العراقية.

ونفى الأستاذ ستيتيّة ان يكون لـ "الجهاد" الذي تدعو اليه الحركات الاصولية ضدّ الهيمنة الامريكية ذلك المعنى الجليل الذي اعطاه له الاسلام والذي يعني خاصة كفاح النّفس، واستخلاف الأرض.

ولكن كيف يمكن ان ننهي مع حالة الهيمنة والحروب التي تثيرها؟ كيف يمكن "ان نعمّر عالمنا دون تخريب؟ وكيف يمكن لأهل الارض ان يكونوا من اهلها؟".

على جملة هذه الأسئلة حاولت الدكتورة فاطمة حدّاد استاذة الفلسفة بالجامعة التونسية ان تجيب من خلال مداخلتها "حرب وانسانية" التي تتبعت فيها مفهوم الحرب وموقعها في فكر بعض الفلاسفة (كانط، روسو هيغل وريكور) لتصل الى القول ان الحرب ليست قدرًا محتوما لأنها لاتتصل بطبيعة الانسان ولكن بتاريخه، ولذلك تعتبر الحرب هذه حدثا تاريخيا، أو مجرّد عارض.. بل انها حسب تعبير ريكور استعارة " METAPHORE " للانسانية، وتعبير عنها مع ما يبدو في هذه العبارة من مفارقة، لأن الحرب تمثل في نهايتها تدميرًا لكلّ ما هو انساني.

وبالرّغم مما أقرّه هيغل من ان الحرب محرّك للتاريخ، وصانعة لديناميته، ولحريّة الانسان، فإنه من الواضح ان الأستاذة حدّاد تذهب الى ما ذهب اليه ريكور من ان لا مبرّر للحرب، ولا مجال لوضع حدّ لها الا بتعدّدية السلطة، لأن التعدّدية هي ضمان للعمل المشترك الكفيل بدحض ايديولوجية الحرب ومبرّراتها بالاضافة الى العمل على احترام القانون الدولي المقرّ للمساواة بين الدّول والحفاظ على سلامتها واستقلالها.

مداخلات عديدة هامّة قُدّمت خلال هذا الملتقى وساهمت في انارة العلاقة المعقدة بين "وحدة الانسان وتنوّع البشر" ولعلّ اجملها تلك التي ظلّت عصية على الاختزال مثل مداخلة الشاعر والناقد التونسي عبد العزيز قاسم ومداخلة الروائي التركي نديم قيرسال لأنهما قدّمتا شهادتين حيّتيْن عن التمزّق بين ثقافتين، ووجدانين وذائقتين، تمزّق تحتدّ تراجيديته كلّما تعمّق انتماء صاحبه الى الطّرف المغلوب.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org