ندوات

ندوة "الإسلام والسلام" بتونس:
على فكرة السلام أن تَنْهَضَ في العقول كما نهضت فكرة الحرب

تونس ـ "أفكار" ـ خيرة الشيباني

أية وجاهة للحديث عن السلم زمن الحرب؟
وأيّ معنى للتسامح والعرب ما ينفكّون يدفعون ثمن خطيئة لم يرتكبوها؟
وهل يمكن للحوار بين الأديان والثقافات وبين البشر ان يتحقّق على وقع أصوات المدافع وانفجار القنابل وحملات "الشيطنة" والتحقير للخصوصيات الروحية والثقافية للشعوب؟
وهل يمكن للحوار أن ينتظم من غير مقام الندية والتكافؤ والاعتراف بالآخر واحترامه؟

من المؤكد أن هذه أسئلة مشروعة وقد طرحها المثقفون العرب في اكثر من مناسبة وارتفعت بها أصوات عديدة بعد أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من تداعيات على المنطقة العربية، كما تداولها البعض في كواليس ندوة "الإسلام والسلام" التي نظمتها بتونس تحت إشراف الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية، وزارة الشؤون الدينية بالاشتراك مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي من 15 الى 17 أفريل/ابريل 2003، وذلك بمساهمة العديد من الباحثين والمفكرين وممثلي عدد من المنظمات والهيئات الاقليمية والدولية.

ولكن من المؤكد أيضا ان الحرب عارض تاريخي، وأنه ما كان يمكن للانسانية أن تبدع ثقافات وتبني حضارات وان يكون لها تاريخ لو لم تعمل بقيمة السلم فتكرّسها الأديان التي عرفتها البشرية وشرائعها وقوانينها وانتاجاتها الفكرية والفنية.

ولقد جاء الإسلام ـ خير الرسالات الإلهية ـ سلاما على العالمين، ومكرّسًا لنهج السلم في العلاقات بين الأفراد والمجموعات..

وإذا ما كان السلم قيمة ثابتة وأساسية في الإسلام، فإن الحديث عن السلام لا يخضع لظرفية ما، بقدر ما يكون ترسيخا لإيمان عميق بأن ما يجمع البشر اكثر وأهم مما يفرّقهم.. وأن الامن والاستقرار لن يتحققا في العالم دون تغليب لغة الحوار على لغة الصراع.

ولقد تردّدت جملة هذه المعاني ـ التي مثلت ردودا غير مباشرة على أسئلة مشروعة ـ في الخطاب الافتتاحي للندوة الذي ألقاه السيد محمد الغنوشي الوزير الأوّل التونسي، كما في الكلمتين الترحيبيتين اللتين ألقاهما كل من الدكتور جلول الجريبي وزير الشؤون الدينية بتونس والدكتور عبد الله بلقزيز الأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي.

فلقد أكد السيد محمد الغنّوشي ان اختيار "الاسلام والسلام" موضوعا لهذه الندوة يجسّد ما يحدو "النخب الفكرية في المجتمعات الاسلامية، وخارجها، من صحيح العزم على الاسهام الفاعل في دعم مقوّمات السلام العالمي. ومما يزيد في وجاهة هذا الاختيار ما يشهده العالم اليوم من تسارع التحوّلات وتفاقم التحديّات، وتعدّد مظاهر الخضوع لأهواء التصادم والتناحر".

وأضاف الوزير الأوّل التونسي "على هذا الأساس فإنه من أوكد واجبات النخب الفكرية، وكل محبي السلام، المساهمة في إشاعة ثقافته، اخلاصا لرسالتهم الانسانية النبيلة، ونهوضا بدورهم في القضاء على أسباب النزاعات والحروب، وتجنّب ما ينجم عنها من دمار ومآس".

وكان الدكتور جلّول الجريبي قد أشار في كلمته الترحيبية الى أن الرعاية الخاصة للرئيس زين العابدين بن علي لهذه الندوة ودعمه الماديّ والمعنوي لها هو تعبير صادق "عمّا يوليه سيادته لقيمة السلام وسائر القيم الإنسانية السامية من أجل ترسيخها في الفكر وفي السلوك، بما يضمن الأمن والاستقرار للأفراد والجماعات، مستبقا بذلك الأحداث التي شهدها العالم، ولا يزال، خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من منطلق رؤية استشرافية ثاقبة بعيدة عن ردود الأفعال الظرفية، ووفق قناعات حضارية ثابتة، تؤمن بالاعتدال والحوار والتسامح، وتنشد التعارف والتعايش"..

واشار الدكتور عبد الواحد بلقزيز الأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي من جهته الى ان اهمية الندوة لا تكمن في توقيتها وفي حسن اختيارها فحسب، وانما تكمن كذلك في انها "تعتبر سابقة حسنة، نرجو ان تقتدي بها دول اسلامية اخرى للمساهمة في تقصّي أحوال الاسلام والمسلمين في مطلع هذه الألفية الجديدة، وتدارس الظروف التي تحيط بهم في عالم اليوم، وفتح المجال امام اهل الاختصاص والمفكرين لتدارك ما ينبغي عمله لصالح المسلمين ودحض التهم المغرضة التي توجه إليهم".

فكرة السلام حاضرة في الضمائر..

ندوة الاسلام والسلام انبنت على اربعة محاور وهي ثقافة السلم، اركان السلم في الاسلام، الاسلام في العلاقات الدولية، وصورة الاسلام، في وسائل الاعلام والاتصال الدولية. وفي "مدخل الى ثقافة السلم" ذكر السيد الحبيب بولعراس أمين عام اتحاد المغرب العربي ان السلام وُضع في قلب الاسلام عقيدةً وحياةً، دنيا وآخرةَ. وتساءل ان كان البشر قد استجابوا لهذه الدعوة؟

وأشار المفكر التونسي أنه من المفارقات ان الدعوة للسلم تتصاعد عند اشتداد الأزمات حين تكون الظروف مانعة للاستماع اليها، وحين تكون الاثارة والنقمة والايمان بالقوة أقرب الى النفوس من دواعي العقل والرصانة. وذكر أن العالم العربي عاش طوال الخمسين سنة الأخيرة على الاعتقاد بأن الحلول لا يمكن ان تكون إلاّ عسكرية إيمانًا بأن الدعوة للسلم استسلام، فلم ننجح في عقلنة السلوك وأُهدرت أموال طائلة في شراء آلات حربية يصنعها المتسبّبون في فواجع العرب.

وأوضح الأستاذ الحبيب بولعراس ايضا في مداخلته ان نشر ثقافة السلام يبدأ بنشر الثقافة بين شعوبنا ونشر ثقافة الدين القويم لا نشر ثقافة الشعوذة، وان الحرية هي نتاج التقدم العلمي والتقني والاقتصادي والاجتماعي وكذلك التقدم السياسي. وكل هذا رهين عقلنة التربية وعقلنة السلوك.

ولقد كان تشخيص السيد بولعراس للواقع العربي مثار نقاش من المعقّب الدكتور سعيد بنسعيد عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط الذي اشار الى ان العرب حملوا السلاح خلال العقود الأخيرة دفاعا عن الأرض، وانه لا يمكن الحديث عن السلام في ظل إهدار حرية الشعوب والاعتداء على حقوقها، وهو ذات الموقف الذي عبّر عنه في جلسة لاحقة الدكتور سليم العوا رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار.

وعن ثقافة السلم تحدث ايضا المدير العام السابق لمنظمة اليونسكو السيد أحمد مختار أمبو مشيرًا الى ان الثقافة التي تبني هويات الشعوب وتاريخها كثيرا ما وجهت الى غير وجهة التعاون والتضامن بين الشعوب والحضارات، حيث استعملت اداة للسيطرة والهيمنة. وذكر ان الايديولوجيا الاستعمارية للقرن التاسع عشر قامت على فرضية ان هنالك شعوبا مهيأة للاستعمار، وان للرجل الأبيض رسالة إلهية تتمثل في ادخال هذه الشعوب الى مسار الحضارة، وهو ما لم يتحرّر منه مفكرون وأدباء بارزون من أمثال كيبلينغ او فيكتور هيغو..

وذكر السيد أمبو ان العديد من الشعوب المستعمرة شاركت خلال الحرب العالمية الثانية في تحرير أوروبا من البربرية التي انفجرت داخلها، ومع انتهاء الحرب بدا وان تلك الشعوب التي قاتلت من اجل حرية اوروبا لم تعد مستعدة ان تقبل هيمنتها، وبرز تصور جديد للعلاقات بين الشعوب مع المؤتمر التأسيسي لمنظمة اليونسكو الذي انعقد خلال النصف الاول من شهر نوفمبر 1945، وهو تصوّر يقوم على الحق في المساواة والعدالة والاختلاف.

وقد ارتفعت خلال ذلك المؤتمر أصوات تنادي بوحدة الشعوب وانتمائها الى رابطة انسانية جامعة، وأنه اذا ما كانت الحروب تولد في أذهان وعقول البشر فعلى فكرة السلام ان تنهض في عقولهم ايضا.

ومن خلال استشهاده بالعديد من الآيات القر نية، بيّن المدير العام السابق لليونسكو ان الاسلام اقرّ اختلاف الشعوب وتنوّعها ولكنه دعا الى لقائها وتضامنها، والى إحلال السلام في ما بينها، من خلال احترام الاسلام لحرية الايمان والعقيدة، ولكن هذه الحقائق قد غابت عن العديد من المتعصّبين الذين ينعتون الاسلام بما هو براء منه.

وفي تأثر واضح، ذكر الدكتور أمبو انه في الوقت الذي كان يكتب فيه مداخلته كانت لاف القنابل تسقط على شعب عراقي لا ذنب له سوى أن بلده يحتوى على ثروة نفطية، ولكن الحركة الواسعة المناهضة للحرب على العراق تؤكد ان فكرة السلام مازالت حاضرة في ضمائر الشعوب. ودعا الى تنمية ثقافة السلام ونشرها وايجاد سبل للحوار بين الشعوب، كما دعا الى وضع ما أسماه بسياسة اتصال نشيطة تقوم على معرفة عميقة بالولايات المتحدة.

السلام قيمة دينية أساسًا

وفي ذات المحور أيضا قدم الدكتور جورج جبور المستشار السابق للرئيس السوري وعضو مجلس الشعب السوري ما أسماه بـ "تأملات موجزة في العلاقة بين الأديان : من الحرب الى السلم" بيّن فيها أن كلّ دين يحتفي بالسلم حتى يمكن القول ان السلم قيمة دينية، ويركّز معظم المؤمنين من الديانات التوحيدية وفي العلاقات المتبادلة بين أديانهم على تماثل النظام الأخلاقي وتماثل قواعد السلوك في كل الأديان ولا سيما في المسيحية والاسلام. وخلص الدكتور جبور الى القول ان الرغبة في بناء العلاقة بين الأديان على أساس السلم تتقدّم في مرتبة الأهمية لدى المؤمنين على كل امر آخر، وأنه يشهد مزيدًا من التماهي بين الديانات وبين مبادئ حقوق الانسان، وهو تماه من الواجب دعمه بكل وسيلة لما فيه خير الانسان.
وفي تعقيب مطوّل على مداخلة الدكتور جبور، تساءلت الدكتورة إلهام كلاّب المديرة المساعدة بالمركز الدولي لعلوم الانسان لليونسكو عن امكانية قياس دينامية علاقة الأديان بمراحل الحروب ومراحل السلام، كما تساءلت ألا يمثّل السلوك اليومي في مواجهة مصير واحد، والنظام الأخلاقي المتأثر بالواقع المعيش موضعَ لقاء وتأثير متبادل، مشيرة الى التحاور التاريخي بين المسيحية العربية والاسلام العربي، الذي يقدم مثالا مقنعا يجعل المسيحي العربي أقرب للمسلم العربي منه الى المسيحي الغربي؟
وفي هذا المجال أيضا ذكرت المعقّبة انه لا يمكن اختصار العدوان الواقع على فلسطين والعراق بأنهما مُتْرَعان بكُرهٍ ديني ومسيحي غربي للاسلام، كما لا يمكن القول بأن الحروب الصليبية مسيحية لأن الذي دعا اليها هو البابا أوربان الثاني. وأشارت المتدخلة الى ان الشجب العنيد للبابا الحالي للحرب على العراق وتأكيده على لا أخلاقيتها شكل تيارا دوليا كسر كل المعادلات الدينية التقليدية، واحرج من يعتبر نفسه ممثلا للمسيحية القادمة من الغرب الى بلاد العرب.

انبناء المنظومة الاسلامية على المبادئ الكونية

وضمن المحور الثاني للندوة الخاص بأركان السلم في الاسلام وتصوّر الاسلام للاختلاف الفكري والتنوّع الثقافي، قدّم الدكتور المنجي بوسنينة المدير العام للألكسو مداخلة بعنوان "التنوّع الثقافي والاختلاف الفكري" أوضح فيها ان من أبرز مميّزات الثقافة العربية انها ثقافة واحدة من جهة اللغة وهي العربية التي جاء بها الاسلام، الا ان هذه الثقافة تقوم من جهة ثانية على التنوّع اذ انها تُمثّل نتاج ثقافات اخرى تمتدّ من افريقيا الى الصين ومن آسيا الوسطى الى بحر الظلمات كما تقوم على اسهام الأمم والشعوب الأخرى والعلماء من كل هذه الاصقاع.

وذكر الدكتور بوسنينة ان هذا التنوع الثقافي قد اثرى منظومة القيم العربية الاسلامية وأكسبها أبعادًا انسانية كونية، اذ ان الأخوّة والعدل والمساواة والسلام والحرية والتسامح ورفض الظلم والعدوان الخ.. هي بديهيات في ذاتيتنا الثقافية وتراثنا الروحي والفكري، لذلك لا يمكن تصوّر تنوع ثقافي على معنى العداوة وعلى معنى المواجهة والتحارب، موضحا ان الدعوة لهيمنة ثقافة على اخرى والاقرار بثقافة عالية واخرى متدنية، وثقافة كونية وأخرى محلية، هو من صنع السياسات التي تحاول اقامة الحواجز والحدود بين الأمم والحيلولة دون التقارب بينها.

وينتج عن ذلك تعريف للانسانية من جهة انها تجسّد المثل الأعلى والقيمة الأسمى التي تجمع الشبيه الى الشبيه وتكون الثقافة على هذه الجهة ايضا ما يُجلّ لانسان، لذلك حق فيها ان تكون معنيّة بالسلم والتقدم والتسامح اذ هي في حقيقتها الأعمق، احترام الكرامة البشرية، وهو ما يمثل في استنتاج الدكتور بوسنينة قيمة اسلامية صرفا مصداقا لقوله تعالى: "يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" بما في ذلك من رفع لعلاقة الكوني بالخصوصي والهوية بالفارق الى مصاف المبدإ الأنطولوجي والقيمي والثقافي، حيث يمثل المسّ بالكرامة الانسانية تنكّرا لمبدإ تساوي البشر في الكرامة واهدارا له.

وقد خلص الدكتور بوسنينة الى الاقرار بحق الاختلاف الثقافي والفكري مقابل القول بالصراع الثقافي الذي يمثل ضربا من التحريض على القتل أو القول بتفوق ثقافة واحدة على الأخرى وهو قول يصدر عن الغطرسة والجهل. الا ان هذا الحق مهمة تتطلّب الانجاز في عالم يستوجب اعادة التنظيم، مهمة قوامها تربية ترتقي بأخلاقيات الاعتراف بالآخر وتنمية روح التسامح واحترام الكرامة والذات البشرية وترعى حقوقها الأساسية وتنشر ثقافة السلم والتعاون بين البشر.

وكان من ضمن المعقّبين على مداخلة الدكتور بوسنينة الدكتور دومينيك شوفالييه الأستاذ المتميّز بجامعة السوربون الذي تطرّق الى ما كاد يتناساه بعض المتدخلين في الندوة، وهو الحرب الراهنة على العراق متسائلا هل يمكن للمجموعة الدولية ان تكون شاهدة على جرائم التقتيل والتدمير التي تقترف في حق الشعب العراقي وحضارته في الوقت الذي يسمح فيه القانون الدولي بحلّ النزاعات الدولية سلميّا على أساس التفاوض والحوار. واستنكر الدكتور شوفالييه ما تعرضت له المعالم التاريخية في العراق والمتاحف من حرق وتدمير وعمليات نهب وسطو معتبرا أن تلك الآثار هي جزء من التاريخ الحضاري والانساني ولا يمكن للمجموعة البشرية أن تشهد اندثاره.

ودعا منظمة الامم المتحدة الى الاضطلاع بدورها الحقيقي في الدفاع عن حق الشعوب في الحرية والأمن والاستقرار.

وتعقيبا أيضا على مداخلة الدكتور بوسنينة، بيّن الدكتور محمد محجوب مدير المعهد العالي للعلوم الانسانية بتونس ان العولمة ليست فقط سياقا ينبغي ان نُثبت ضده خصوصية الثقافات وحقها في تلك الخصوصية، وانما هي كذلك من جانب آخر درس في تلك الخصوصية ان لم تكن درسا في الاختلاف. كما تساءل الدكتور محجوب من جهة اخرى هل يعني التنوع الثقافي ضرورة تنازل الانسانية عن كل طموح كوني؟ واذا كان التنوّع الثقافي يقتضي اخلاقية التعرّف على الآخر والاعتراف له بغيريّته غير القابلة للارجاء والاختزال، فهل يعني ذلك ان هذا التعرّف والحوار هما الاسم الآخر للريبة وللاّأدرية؟ ام هل يعني ذلك ان التسامح مع اختلاف الآخر هو ضرب من اللامبالاة؟

الاسلام في حالتي السلم والحرب

ودائما في اطار ما تنبني عليه المنظومة الاسلامية من تبجيل للانسان وحثّ على حفظ كرامته ورعاية حقوقه استمع المشاركون الى مداخلة لسماحة الشيخ كمال الدّين جعيط مفتي الجمهورية التونسية بعنوان "كرامة الانسان" بيّن فيها ان كرامة الانسانية هي من لوازم العقيدة في الاسلام الذي وضع القواعد والتشريعات المنظمة لمجموع العلاقات والترابطات والضامنة لسلام النفوس والأرواح والأبدان والممتلكات. واوضح ان الاسلام كان سبّاقا الى اقرار الحقوق المدنية للأفراد والمجموعات في حالتي السلم والحرب مشيرا بالخصوص الى الوثيقة التي وضعها الرسول الكريم تثبيتا لدعائم المواطنة بين متساكني المدينة من المسلمين والأنصار واليهود.

وأكّد لدى تطرّقه الى المعاناة التي تعيشها عديد شعوب الارض اليوم ان تونس التغيير لم تدّخر جهدا في رأب الصدع وردم بُؤر الصراع ملاحظا أنها نجحت في تحقيق التفاف الأسرة الدولية حول مشترك انساني وهو احداث صندوق عالمي للتضامن.

واستعرض الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الاسلامي الدولي بجدّة في مداخلة بعنوان "من مظاهر الفطرة: العدل والسماحة" معاني هاتين القيمتين لدى الانسان المسلم، مؤكدا أن سماحة الاسلام كانت من اهم الأسباب التي تقف وراء ظهوره وانتشاره. وتدل على ذلك الفتوحات التي قادها المسلمون وما أعقبها من مصالحات. وقد شجعت سماحة الاسلام الناس على الدّخول في دين الاسلام افواجا وعلى الاستفادة منه والاستخلاص من حكمه ومن سلوك أتباعه.

الاسلام والعلاقات الدوليّة

ولكن اذا ما كانت الأخوّة والمساواة والحرية، وكان العدل والتسامح والتكامل واحترام العقل وكرامة الانسان من ثوابت الدّين الاسلامي المبدئية ومن بديهيات الحضارة التي انتجها، فإلى ماذا يرتد نعت الاسلام بالارهاب وبماذا يمكن تفسير هذا الجهل به والعداء لأهله؟

الدكتور صهيب بن الشيخ مفتي مرسيليا حاول في مداخلة بعنوان "تعايش المسلم مع المجتمعات غير الاسلامية وأساليب الحوار معها" الاجابة على بعض هذه الأسئلة معتبرًا ان مشكلة الاسلام لا تكمن في اسسه الجوهرية كمنظومة عقائدية كما لا تكمن في مساراته التاريخية بل تكمن في المسؤولية المنوطة بعهدة المسلم نفسه ومدى استيعابه للاسلام كنظرة للحياة وللعالم، ذلك أن جلّ الأزمات أو المشاكل التي تنسب للمسلمين لا علاقة لها بالاسلام بل هي في الحقيقة ناجمة عن فهم بعض المسلمين للاسلام وتعاليمه. وأشار الى ان الذي أضرّ بالاسلام هو نوع من التأويل القاصر المشوّه وغير الذرائعي.

كما اشار الدكتور بن الشيخ الى ان التحديات الكبيرة التي يواجهها المسلمون في البلدان غير الاسلامية لا يمكن مواجهتها بالانغلاق بل بالحوار والعمل على اعطاء صورة صحيحة عن الاسلام ومبادئه وقيمه. واعتبر المتدخل أيضا ان على المسلمين الانتباه الى أن الصورة المشوّهة التي يقدّمها بعض المسلمين على الاسلام تعاضد أحيانا تلك الصور الخاطئة التي ينحتها المناهضون للاسلام عنه وعن المؤمنين به.

وقدّم الشيخ حمدي يوسف صبايحيتش مفتي بلغراد ورئيس الجماعة الاسلامية في صربيا شهادة على تجربة الاقلية المسلمة في صربيا اثناء ما تعرّضت له يوغسلافيا السابقة من محنة التفكّك والصراع القومي واكد ان خلفية هذا الصراع كانت خلفية دينية ايضا تشهد عليها تلك الكوارث والجرائم التي عاشها مسلمو البوسنة والهرسك، واعتبر ان مسلمي بلغراد نجحوا في محاورة الكنيسة الارتودكسية وبالتالي في حماية أنفسهم كمسلمين وحماية ممتلكاتهم ومساجدهم. واشار مفتي بلغراد الى جهل العديد من المسيحيين للاسلام ولنظرته الى المسيحية ومن ذلك مقام مريم العذراء ومكانة السيد المسيح في القرن، كما انّهم يجهلون أن اول من ساعد المسلمين ونصرهم هم المسيحيون الارتودوكس في بلاد الحبشة.

كما اعتبر الشيخ حمدي يوسف صبايحيتش ان على المسلمين ان يدركوا ضعف قنوات التواصل بين الآخرين من الأديان الأخرى، وان ايجاد مثل هذه القنوات اضحى مطلبا ضروريا للتعريف بالاسلام وبمبادئه السمحة، ولتحقيق التفاهم مع غير المسلمين وارساء دعائم السلام في العالم بالتعاون والتضامن معهم.

ومن جهته بيّن الأستاذ عبد اللّطيف كونتي الأمين العام للمجموعة الدينية الاسلامية الايطالية ان مسلمي اوروبا، سواء كانوا مواطنين او مهاجرين، يحترمون قوانين الدول التي يعيشون بها، مشيرا من جهة أخرى الى مرحلة التحوّل الجذريّ التي تعرفها المؤسسات في هذه الدول على غرار فرنسا التي عالجت العلاقة بين الدولة والجاليات الدينية بتأمين الاحترام الدستوري لمختلف المعتقدات.

وفي اطار محور الاسلام والعلاقات الدولية أيضا، اعتبر الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري مدير عام المنظمة الاسلامية للتربية والثقافة والعلوم في مداخلة حول "دور الجاليات والمؤسسات الاسلامية في ابراز صورة الاسلام"، ان العداء الذي تتخذه بعض الدوائر الغربية لا سيما بعد احداث 11 سبتمبر ازاء الاسلام دينا وحضارة وثقافة مخالف للقانون الدولي ومناهض لروح التعايش بين الحضارات والثقافات.

واعتبر السفير سعد الدين الطيب مدير ديوان الأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي انه لا يوجد أي تعريف جديد للارهاب او تشريع لمناهضته يمكن ان يسمو الى الدرجة التي خصصها الاسلام لمكافحته وردعه، حيث جاء في محكم التنزيل "انه من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما احيا الناس جميعا". وأضاف الدكتور الطيّب أنه بالرّغم من ان الاسلام وقف من ظاهرة الارهاب هذا الموقف الرادع فإنه عمل أيضا على استئصال جذور الارهاب من مكامنه المحتملة، وتصدّى لبواعثه وأسبابه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وفي رصد للعلاقات التاريخية بين الاسلام والغرب أشار الباحث المغربيّ وأستاذ القانون الدولي أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر فتحت أبواب طوفان العداء الغربي ضدّ الاسلام والمسلمين، مشيرًا أنه لا يمكن ان ينسب كلّ عمل يقوم به شخص ما الى دينه أو عقيدته، حتى لو اتخذ من دينه ذريعة لذلك. كما لا يعقل أن يحاسب العالم الاسلامي كلّه بمئات ملايينه بجريرة عدّة أشخاص. وخلص الدكتور سعد الدين الطيب الى الدعوة الى القيام بحملة دولية لوقف التيّار المروّج للصورة المضلّلة حول علاقة الاسلام بالارهاب.

صورة الاسلام في وسائل الاعلام الدولية

واذا ما كانت احداث 11 سبتمبر تمثل مجرّد منعطف ضاعف من الحملات المغرضة على العروبة والاسلام، فما هي الجهات التي تولّت هذه الحملات؟ وما هي أهدافها الحقيقية ومضامينها؟وهل تمثل جهودًا رسمية أم اجتهادات فردية؟ وما هو موقف الحكومة الامريكية منها؟ ثم ما تأثير هذه الحملات على الرأي العام الأمريكي وعلى السياسة الأمريكية وأخيرًا ما هي المسؤولية العربية والاسلامية في مواجهة الحملة؟

أسئلة كثيرة اجتهد في الاجابة عليها باحثون مرموقون مختصون في الاعلام والقضايا العربية في اتصالها بالرأي العام الأمريكي، مثل الأستاذ خليل جهشان الرئيس التنفيذي للجنة الأمريكية العربية لمكافحة التمييز (الولايات المتحدة) والأستاذ أسامة الرمضاني الباحث الجامعي والمدير العام للوكالة التونسية للاتصال الخارجي والدكتور عبد القادر طاش الرئيس التنفيدي لمؤسسات اعلام، دراسات واستشارات بالمملكة العربية السعودية والدكتور علي بلعربي مدير الاعلام بمنظمة المؤتمر الاسلامي، وغيرهم من الباحثين.

وقد أوضح الأستاذ خليل جهشان انه لا توجد حملة تدار مركزيا من قبل أي طرف في الولايات المتحدة وانما هنالك حملات متعدّدة ومتشعّبة تشنّها فئات او اطراف مختلفة يجمعها عداؤها للعروبة والاسلام ومحاولاتها ربط الاسلام والمسلمين بأحداث 11 سبتمبر وبظاهرة الارهاب الدّولي الذي تبنته الولايات المتحدة كأساس لسياستها الأمنية الجديدة.

ما اوضح الباحث ان عمليات 11 سبتمبر كان لها تأثير عميق وجذري على الرأي العام الأمريكي وعلى النظام الامريكي، ومن ذلك انها أخلّت بالتوازن التقليدي بين حقوق الأفراد وحقوق الدولة أو بحسب القاموس السياسي الحديث، بين الحريات المدنية والأمن القومي الى درجة أن 60% من الأمريكيين يقبلون اليوم التضحية بالحريات الشخصية مقابل دعم وضمان الأمن العام.

وأشار المتدخل من جهة ثانية الى أنه لا توجد حملة حكومية رسمية أمريكية ضدّ الاسلام ولكن الموقف الرسمي متناقض ومُثيرٌ للتساؤلات ومن ذلك ان العديد من أفراد الادارة الامريكية لا يشاركون الرئيس بوش نظرته المنفتحة تجاه الاسلام حيث أنه أكد يوم 17 سبتمبر 2001 "ان وجه الارهاب ليس هو الوجه الحقيقي، للاسلام" الا ان الرئيس الامريكي ما ينفك يدعم هؤلاء الأشخاص ومن ذلك ترشيح البيت الأبيض ـ خلال الفترة القريبة الماضية ـ أحد أشدّ أعداء الإسلام وهو دانيال بايبس عضوا في مجلس ادارة المؤسسة الأمريكية للسلام وهو ما يعتبر اهانة شخصية لكلّ امريكي عربي أو مسلم.

وأضاف السيد جهشان ان الذين يقودون الحملات المناهضة للمسلمين ويحقّرون دينهم وعقيدتهم هم جزء لا يتجزّأ من النخبة الدينية والسياسية في الولايات المتحدة وهو ما جعل صحيفة الواشنطن بوست مثلا تتساءل اذا ما كانت هذه الآراء لا تعبّر عن الموقف الرسمي للرئيس بوش وللادارة الأمريكية فلماذا لا يعلن عن ذلك؟

وتعقيبا على مداخلة الرئيس التنفيذي للجنة الامريكية العربية لمكافحة التمييز، أوضح السيد اسامة الرمضاني الباحث السابق بجامعة جورج تاون والمدير العام الحالي للوكالة التونسية للاتصال الخارجي أن المواقف العدائية للعرب والمسلمين شأنها شأن المواقف من الأقليات ليست حكرا على الولايات المتحدة بل اننا نجد تلك المواقف والمشاعر العدائية في أوروبا وآسيا وغيرها، وهي تسقط ذات الصور النمطية الجاهزة التي تنهل من الارث الاستشراقي وتغذّيها في ذات الوقت التداعيات السياسية والحضارية للصراع العربي ـ الاسرائيلي بالاضافة الى تداعيات 11 سبتمبر وغيرها.

كما أوضح الأستاذ الرمضاني اننا لا يمكن إلا ان نرفض وندين تهجّم الاصوليات في الغرب على الاسلام كعقيدة وعلى المسلمين في أنماط عيشهم، وهو تهجّم نابع عن جهل وتعصّب. ويمكن المساهمة في القضاء عليه والحدّ منه من خلال الذهاب الى مصادره والتحاور معها واقناعها بما تحمله المنظومة الاسلامية من مبادئ انسانية كونية مثل احترام كرامة الانسان وحقوقه ودعوته للوسطية والاعتدال والتسامح والانفتاح على الآخر. إلاّ أنه من المؤسف ـ كما يوضح المتدخّل - أن بعض المسلمين - بما يبدونه من مواقف اصولية مضادّة ـ يقدّمون للرأي العام العالمي ذرائع للتهجّم على الاسلام فيصبحون بالتالي جزءًا من المشكلة بدلا من حلها.

وألحّ على أنه لا سبيل لتغيير الصورة النمطية عن الاسلام التي تنسجها الأوساط الغربية المتحاملة الا بمخاطبتها ـ وفي اطار ضوابط وثوابت حضارتنا الاسلامية ودينها ـ بلغة العصر، وبلغة العقل، وبلغة الحوار، متمسّكين في ذلك بذاتيتنا وخصوصياتنا الثقافية رافضين كل عمليات الاستنساخ والتقليد والاستسلام لنماذج وأنماط الفكر والعيش التي يحاول ان يفرضها علينا الآخرون.

أما الدكتور عبد اللّه طاش فإنه أكد أن الحملات المناهضة للاسلام عزّزت اليقين ان الولايات المتحدة تستهدف النيل من الاسلام واعادة ترتيب خارطة الشرق الأوسط.
وبعد ان تعرّض الدكتور طاش للعديد من الحملات العدائية ضد العرب والمسلمين والتي ساهمت فيها أيضا نخبة فكرية وسياسية غربية، أكدّ أن المسلمين أصحاب رسالة عالمية ولا يمكن أن نعيش بمعزل عن العالم، خاصة ان علاقتنا متداخلة مع الغرب وأن تقديم صورة حقيقية وموضوعية عن الاسلام جهد يجب ان تشترك فيه جهات وأطراف ديبلوماسية وثقافية واعلامية تتجاوز ردود الأفعال وتفنيد المغالطات والخطابات الاستعدائية لتتجه الى الرأي العام العالمي عبر المتوفّر من شبكات الاتصال الحديثة.

صياغة استراتيجية اعلامية للدول الاسلامية

ومن جهته اعتبر الدكتور علي بلعربي مدير الاعلام بالأمانة لمنظمة المؤتمر الاسلامي، أن للحملات المضادة للاسلام دوافع متجذرة في المجتمعات الغربية تلتهب كلما اصطدمت بأحداث تثير ما احتواه التاريخ من احقاد دفينة، ولها كذلك ردود فعل جاهزة في المجتمعات الاسلامية لا تكنّ في مُجملها مودّة ومحبة لمكوّنات المجتمعات الغربية. واضاف المتدخّل ان لهذا العداء المتبادل خطابا في العالمين الاسلامي والغربي تنعكس مضامينه عبر وسائل متعدّدة: الاعلامية والمدرسية. وتساءل عن فحوى الخطاب الاعلامي في الغرب ورديفه في العالم الاسلامي.

وعبر تحليل محتوى العديد من الصحف والمجلاّت والمؤلفات المنشورة حديثا في الغرب وفي العالم الاسلامي، بيّن الدكتور بلعربي ان المركزية الاوروبية قد انعكست على الموقف الغربي من العرب، الذي يذهب الى شيطنتهم والى اعتبارهم مجرّد جيران لاسرائيل اي مجرّد اطراف لهذه الحضارة العالمية التي ساهموا في انتاجها وصياغتها.

وتذهب صورة العرب في المناهج الدراسية الأمريكية والاعلام الامريكي الى ادنى مستويات التحقير حتى ان نيكولاس فون هوفمان الصحفي بجريدة الواشنطن بوست يذهب الى القول : "لم تشوّه سمعة جماعة دينية او ثقافية او قومية ويحطّ من قدرها بشكل مركّز ومنظّم، كما حدث للعرب والمسلمين". ومن المفارقة ان هذه الصورة البشعة للعرب في الاعلام والفكر الامريكي تقابلها دائما صورة تقترن بالحداثة والديمقراطية لدولة اسرائيل.
وتساءل المتدخل: هل يوجد خطاب اعلامي اسلامي ممنهج لدى وسائل الاعلام في الدول الاسلامية مقنع يردّ على الهجمات التي تشنها الآليات الاعلامية الغربية عليه بانتظام وكلّما فسح المجال لها؟

وعن هذا السؤال أجاب مدير ادارة الاعلام بالأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الاسلامي، أن وسائل الاعلام في الدول الاسلامية والعربية خاصة لا تتوصّل دائما الى تنسيق محتويات خطابها الاعلامي الموجّه الى الغرب، لأنه لا توجد سياسات تسعى الى توحيد معالم هذا الخطاب، وذلك بالرّغم من المحاولات التي صدرت عن منظمة المؤتمر الاسلامي انطلاقا من النداء الذي تضمّنه اعلان مكّة ـ الطائف عام 1981 لصياغة استراتيجية اعلامية ووضع ليات لتنفيذها لم تفلح في توظيفها وبلورتها كرؤية عمل لدى الدول الأعضاء التي تشكلها.

وخلص الدكتور بلعربي الى القول إنّه لا سبيل الى تجسير الهوّة بين الغرب والشرق الا باطلاق سبل الحوار القائم على المعرفة المتبادلة ونبذ التعصّب والانغلاق، وان هذا يستوجب من المسلمين الاجتهاد في تقديم مبادئ الدّين الاسلامي بشكل لا يُحرّف مراميها ومقاصدها السَنيّة وبما يبرز أبعادها الانسانية والكونية، التي تجعل منها مبادئ تتفق مع ما يفترض ان تقوم عليه الحضارة الحديثة من احترام للحريات المدنية والسياسية ومن ضمنها حرية المرأة، التي يرى الدكتور بلعربي ان حضورها يجب أن يكون فاعلا سواء في بناء النهضة العربية، او في بلورة خطاب اعلامي متقدم، ولعله الوحيد، من بين كل المتدخلين، الذي اشار الى مساهمة دور المرأة العربية والمسلمة في هذا المجال، وهي اشارة كانت جدّ مناسبة خاصة ان لتونس التي انعقدت فيها ندوة الاسلام والسلام دورًا رياديا في تمكين المرأة من جميع حقوقها وذلك استلهاما من روح العدالة والمساواة بين بني البشر التي تنطوي عليها اهم مصادر التشريع الاسلامي: القرآن الكريم.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org