تمثّل
السّيادة في التجربة التّونسية
المنذر الرّزقي
باحث في العلوم السّياسية
قد لا نبالغ إذا قلنا أنّ الإنسانية تمرّ هذه الأيّام
بإحدى أخطر المراحل وأشدّها تأثيرا على مستقبل الشّعوب
وقدرتها على التّعايش السّلمي في هذا العالم الذي ما
انفكّت المسافات تتقلّص فيه، والحواجز تزول عنه، والفوارق
تتعمّق بين مكوّناته، والعولمة في أشرس مظاهرها تهدّد
الدول في أبرز مقوّماتها وأيّ مقوّمات للدّولة أهمّ
وأرقى من السّيادة.
إنّها المرحلة المنعرج التي قد تشهد الحلقة الختامية
في مسلسل نهاية النّظام العالمي الذي تأسّس على أنقاض
الحرب العالمية الثّانية معتمدا توازن الرّعب أسلوبا
والحرب الباردة منهجا والثّنائية أساسا. مسلسل شكّل
سقوط المعسكر الشّرقي أولى حلقاته، وقد تكون الأزمة
الخانقة التي يعيشها المنتظم الأممي في مستوى أبرز هياكله،
مجلس الأمن، في مقاربة المسألة العراقية وما تنذر به
من نتائج وخيمة على كينونة منظمة الأمم المتّحدة، آخر
حلقات هذا المسلسل الذي قد نودّع معه نظاما عالميا دام
احتضاره عقدا ونصف العقد لنستقبل نظاما جديدا.
ولئن يتّفق عديد المحلّلين على أنّ استشراف طبيعة النّظام
العالمي الجديد وملامحه الأساسية بالدقّة التي تفرضها
المقاربة العلمية يبقى أمرا صعبا قبل أن تبوح هذه المرحلة
بكلّ أسرارها فإن العديد منهم قد انطلق في رصد بعض السّمات
التي ينتظر أن تطبع هذا النّظام. ويشكّل موضوع السّيادة
أحد أبرز المحاور التي غذّت النّقاشات والتّحاليل في
هذا الباب لاعتبارات عديدة لعلّ من أهمّها:
اعتماد مفهوم سيادة الدّول كأساس لمنظومة العلاقات الدّولية
في ظلّ النّظام العالمي القائم،
التّلازم الوثيق بين أيّة مراجعة للنّظام العالمي ومراجعة
مفهوم سيادة الدّول،
ظهور بعض البوادر في مراجعة مفهوم السيادة.
إلاّ أنّ جلّ التحاليل التي تناولت موضوع السّيادة قد
اعتمدت في طرحه مقاربة خارجية أو علوية تخضع في إطارها
السّيادات الوطنية لسائر الدّول إلى تمثّل مجموعة محدودة
من الدول المهيمنة لمفهوم السّيادة وتشكيله عبر التوظيف
الموجّه لمبادئ إنسانية كبرى ( الحرية، الدّيمقراطية،
حقوق الإنسان) والتّطويع الظّرفي للقانون الدّولي بما
يتيح التقييم الدّوري للدّول في ممارسة سيادتها وتحديد
هامش السّيادة الذي يجوز لكلّ دولة التحرّك في إطاره.
إنّ هذه المقاربة على الأهميّة التي تستمدّها من بعدها
القانوني المؤسّساتي الذي يمكن أن يخضع لسلطة موازين
القوى تهمل عنصرا أساسيا في معادلة السيادة ألا وهو
إرادة الشّعوب التي لا يمكن إدراكها إلاّ من خلال مقاربة
ثقافيّة تبحر في أعماق هويّة كلّ شعب لترصد إمكاناته
الظّاهرة والكامنة، وما يضمّه من نخب قادرة على إدراك
هذه القدرات وتفتيقها، وما يمكن أن تفرزه هذه النّخب
من قيادة تعي المصلحة الوطنية في تأليف رشيد بين الدّاخلي
والخارجي، وبين الفردي والجماعي، فتحقّق للوطن سيادة
لا يجد الطّعن إليها سبيلا مهما كان مصدره ومهما اختلف
لونه ومهما تنوّع شكله.
ولعلّنا نجد في التّجربة التّونسية ما يؤكّد أنّ معادلة
السّيادة على تعدّد عناصرها يبقى حلّها عند أصحابها
متى تعلّقت همّتهم بها لما تتيحه لهم من نخوة واعتزاز،
ومتى أدركوا تمام الإدراك الثّمن الواجب دفعه، ومتى
وعوا تمام الوعي ما تفرضه من واجبات.
فالتّجربة التّونسية تكتسي أهميّة بالغة باعتبارها تنبني
على رصيد من المراحل المتباينة التي يمكن أن يمرّ بها
شعب من الشّعوب في تعاقب يعكس تطوّر درجة الوعي بعامل
السيادة أو ما يمكن الاصطلاح عليه بـ"الحسّ السّيادي"
وتنامي التعلّق بتحصيل السّيادة إلى حدّ تحقيق الغاية
، ثمّ العمل على توطيد أركانها، فالحرص على تكريسها
وتأمين ديمومتها بصونها بشكل يقيها شرّ الانتكاس.
فالمرحلة الأولى التي تقابل مرحلة الاستعمار أو مرحلة
الفقدان التّام للسّيادة، قد شهدت التخلّي الاتّفاقي
عن السّيادة، ثمّ نشأة الحسّ السّيادي، فتحوّله إلى
معركة تحريرية لم تنته إلاّ باسترجاع السّيادة التي
كان عنوانها الاستقلال.
والمرحلة الثانية التي انطلقت مع الاستقلال وشكّلت مرحلة
بناء الدّولة بما يوطّد أركان السّيادة في مفهومها التّقليدي
الذي يذوب بمقتضاه كلّ شيء لتتحقّق كينونة الدّولة.
أمّا المرحلة الثّالثة فهي المرحلة التي تعيشها تونس
منذ التحوّل السّياسي الذي شهدته يوم 7 نوفمبر 1987،
وهي تشكّل مرحلة قد لا نجازف إذا ما اعتبرناها مرحلة
ترشيد السّيادة على ضوء اختيارات وطنية تضع الإنسان
في جوهر اهتمامات الدّولة ودون إغفال ما تشهده السّاحة
الدّولية من متغيّرات وما لها من تأثير على مفهوم السّيادة
بشكل عام.
لكن قبل استعراض التّجربة التّونسية في تمثّلها للسّيادة
يتحتّم التطرّق لمفهوم السّيادة بين ما يحدّده القانون
الدّولي وما تفرزه الممارسة في ظلّ العلاقات الدّولية
وما يراد له من تطوير باسم ضرورة مواكبة المتغيّرات.
أوّلا ـ أيّ معنى للسّيادة ؟
1 ـ نشأة مفهوم السيادة وتطوّره
مثلما يذهب إليه جلّ المحلّلين في مادّة القانون الدّولي
العام ظهر مبدأ سيادة الدّولة مع ظهور مفهوم الدّولة
ذاتها حيث كان يرمي أساسا في الأصل إلى ترسيخ وجود الدّول
في أوروبا تجاه هيمنة الكنيسة من ناحية والإمبراطورية
الرّومانية الجرمانية من ناحية أخرى.
ثمّ مرّ بمراحل مختلفة فكان إلى حدود القرن الثّامن
عشر القاعدة التي استند إليها الملوك لتبرير حكمهم المطلق
حيث كانت السّيادة تعرّف بـ"السّلطة العليا وغير
المحدودة". وهو ما ذهبت إليه المدرسة القانونية
الألمانية في القرن التّاسع عشر عندما ربطت تحت تأثير
هيغل (Hegel) بين مفهوم السّيادة ومفهوم القوّة العليا
للدّولة، فقد كانت في نظر جلّيناك (Jellinek) "السّلطة
الأصلية وغير المحدودة وغير المشروطة للدّولة في تحديدها
الذاتي لصلاحيّاتها".
وكردّ فعل على هذا التصوّر للسّيادة الذي يفتح المجال
أمام كافّة أشكال المبالغات والانزلاقات التي مآلها
الطّبيعي نفي القانون الدّولي جاءت المدرسة السوسيولوجية
لتمحو كلّيا مفهوم السّيادة من النّظرية القانونية وتذهب
إلى القول بوجود مصدر وحيد ومشترك بين كافّة الدّول
لتحديد الصلاحيّات، هوالنّظام القانوني الدّولي(1).
إلاّ أنّ هذه النّظرية قد وقعت بدورها في المبالغة إذ
نفت التجذّر العميق لمبدأ سيادة الدّولة في القانون
الوضعي والحال أنّ هذا المبدأ يشكّل دون ريب مقياس وجود
الدّولة ذاتها.
لذا ودون الوقوع في نظرية السيادة المطلقة التي يفنّدها
التشكّل الحديث للمجتمع الدّولي ولا في النّفي التّام
للسيادة يمكن الأخذ بما ذهب إليه لويس لوفور (Luis Lefur)
(2) في أواخر القرن التاسع عشر من "أن السيادة
هي صفة الدولة التي لا تلتزم إلا انطلاقا من إرادتها
الذاتية وفي حدود مبدأ علوية القانون وطبقا للغاية الجماعية
التي تنشد بلوغها". فالدولة ذات السيادة لا تتحرك
إلا وفق إرادتها وأن إرادتها لا يمكن أن تتجلى إلا في
إطار القواعد القانونية.
ويتفق جل المؤلفين على إسناد وجهين للسيادة:
وجه داخلي تمارس من خلاله الدّولة سلطة عليا على كافة
تراب الإقليم، وتجاه المواطنين وتحتكر وسائل الضغط المادي.
في هذا المجال تحدد الدولة صلاحياتها بنفسها وتكون سلطتها
مباشرة.
ووجه خارجي (الاستقلال) يخول للدولة إقامة علاقات مباشرة
مع الدول الأخرى والتعامل معها على قاعدة المساواة.
ويشكل مفهوم السيادة والمساواة بين الدول أحد المبادئ
الأساسية في القانون الدولي إذ تنص المادة 2 من ميثاق
الأمم المتحدة على "أن المنظمة تستند إلى مبدأ
السيادة المتساوية لجميع الأعضاء". وينطوي هذا
المبدأ على إقرار(3):
المساواة القانونية بين الدّول،
حقّ كلّ دولة في التمتّع بمقوّمات السّيادة،
واجب كلّ دولة في احترام شخصية الدول الأخرى،
منع انتهاك الوحدة الترابية والاستقلال السياسي للدّول،
حرّية كلّ دولة في اختيار وتطوير نظامها السّياسي والاجتماعي
والاقتصادي والثقافي،
واجب كلّ دولة في الإيفاء الكامل بتعهّداتها الدولية
والعيش الآمن مع بقية الدول.
وهذا المبدأ ذاته يندرج في نفس الخطّ الفكري الذي قام
عليه الحكم القضائي الشّهير لماكس هوبر (Max Hubert)
الذي جاء فيه أنّ "السّيادة في العلاقات بين الدّول
تعني بالنّسبة لجزء من الكرة الأرضية الاستقلال والحقّ
في الانفراد الكلّي بممارسة وظائف الدّولة فيه، إنّ
تطوّر التّنظيم الوطني للدّول خلال القرون الأخيرة وما
رافقه من تطوّر في القانون الدّولي قد أسّس مبدأ الصلاحية
الكاملة للدّولة دون غيرها فيما يتعلّق بإقليمها بما
يجعل هذا المبدأ منطلق تسوية جلّ المسائل المتّصلة بالعلاقات
الدّولية" (4).
وقد شكّلت السّيادة بهذا المفهوم خلال النصف الثاني
من القرن العشرين المحرّك الرّئيسي لحركات التّحرير
الوطنية في مقاومة الاستعمار، والحصن المنيع التي احتمت
به الدّول الصّغرى عموما والدّول المستقلّة حديثا على
وجه الخصوص، عبر الآليات الأممية. كما شكّلت في الآن
ذاته مرتكز الدّول القويّة لتبرير تهرّبها من الرّقابة
الدّولية في عديد المجالات (5).
فانتشر على هذا الأساس تعلّق الدّول بهذا المفهوم للسّيادة
الذي أسهم في تحقيق استقرار نسبي في العالم بفضل تأمين
الحماية القانونية للدّول من التدخّل الأجنبي، وإنشاء
المنظّمات الدّولية وإسنادها دورا هامّا في تصريف العلاقات
بين الدول وصياغة القانون الدولي على أساس اتفاقي يضمن
له تطبيقا واسعا(6).
2 ـ الحدود الجديدة للسيادة
الأحداث التي شهدها العالم خلال العقد الأخير من القرن
الماضي وفي بداية القرن الحالي قد أفرزت بوادر تحول
في مقاربة مفهوم السيادة في اتجاه تقييدها بشروط تختلف
في طبيعتها انطلاقا من الإنساني مرورا بالسياسي وصولا
إلى الأمني، و تشترك في غايتها الرامية إلى تحويل السيادة
من منطق الحق المطلق إلى منطق الحق المسؤول.
و لعل ما يجمع هذه الشروط التقييدية للسيادة على اختلاف
طبيعتها هو:
تقديم مصلحة الشعوب على مصلحة الدول،
تقديم حقوق الأفراد على حقوق الدولة،
تقديم المصالح المشتركة الإنسانية على المصالح الفردية
للدول.
وقد تأكد هذا التحول التقييدي في مفهوم السيادة فيما
جاء على لسان الأمين العام الحالي للأمم المتحدة الذي
قال :" تخضع سيادة الدولة في معناها الجوهري إلى
مراجعة عميقة وليس فقط تحت تأثير قوى العولمة والتعاون
الدّولي. فقد ساد الاعتقاد الآن بأنّ الدول ينبغي أن
تكون أدوات في خدمة شعوبها وليس العكس. كما تعزّزت في
نفس الوقت سيادة الفرد...عبر وعي بالحقوق الفردية لا
يلبث يتجدّد وينتشر...ينبغي صياغة تعريف جديد وأوسع
للمصلحة الوطنية في القرن الحادي والعشرين، تعريف يحث
الدّول على التوصّل إلى مزيد توحيد أهدافها والاشتراك
في نفس القيم" (7).
كما يتأكد ذلك عبر التحول الذي شهدته نظرة الدول الإفريقية
للسيادة في مستوى ميثاق الاتحاد الإفريقي مقارنة بميثاق
منظمة الوحدة الإفريقية التي كانت تعتبر عدم التدخل
مبدأ أساسيا (8).
في هذا الإطار نشأ مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول
ليشكل تضييقا هاما للسيادة مازالت لم تتحدد معالمه بصورة
كاملة وجلية مثلما تبرزه الممارسة (التدخل في الإقليم
الكردي شمال العراق سنة1991, التدخل في الصومال سنة
1992, التدخل في إقليم تيمور الشرقية في اندنوسيا سنة
1999, والتدخل الجاري حاليا في العراق).
فهذه الممارسة لا تسمح باستنتاج مقاييس ثابتة للتدخل,
ولا بتحديد إطار مؤسّساتي دولي ملزم لاحتضان اتخاذ قرار
التدخل وبضبط مجالاته وأهدافه. فهي بذلك لم ترتق بمبدأ
التدخل إلى مرتبة "الحق" مثلما يريده البعض
أو إلى مرتبة "الواجب" مثلما يراه البعض الآخر.
وهي بالتالي لم تؤمن له الشرعية الدولية. فبقي هذا المبدأ
رهن إرادة الدول العظمى دون التزام بالأطر الدولية،
ووفق تقديرها لمصلحة "الإنسانية"، وحسب ما
تمليه موازين القوى بالنظر إلى كل حالة تتطلب التدخل
(9).
إلا أن هذا الواقع لا ينفي محاولة تحديد الأرضية التي
يستند إليها مبدأ عمليات التدخل والتي يلخصها ريتشارد
هاس (R.Haass) (10) في ثلاثة أركان هي :
اقتراف عمليات إبادة أو جرائم ضد الإنسانية من قبل دول
على إقليمها أو عدم التحسّب لمنع حدوث مثل هذه الجرائم.
مساعدة الإرهابيين أو إيوائهم أو الامتناع عن إيقافهم
.
النّزوع نحو العدوانية ومساعدة الإرهاب والسعي إلى تحصيل
أسلحة الدمار الشامل .
وهو بذلك يلتقي مع ما ذهب إليه الرئيس التشيكي، فاكلاف
هافل، في قمة منظمة دول الحلف الأطلسي في نوفمبر 2002
ببراغ حين قال "حياة الإنسان وحريته وكرامته قيم
أهم من السيادة الوطنية".
وبالنظر إلى تطور الموقف الأمريكي تجاه المسألة العراقية
قد لا نبالغ إذا أضفنا ركنا رابعا يتصل بإزاحة الأنظمة
الدكتاتورية وإقامة أنظمة ديمقراطية تعددية خاصة وأن
المسؤول الأمريكي، ريتشارد هاس، أكّد في محاضرته (10)
أن مفهوم التدخل مازال بصدد التشكل وأن الاجماع العالمي
حول الواجبات التي تفرضها السيادة لم يتحقق بعد.
يتبين مما تقدم أن مفهوم السيادة اليوم، ولئن يمر بمرحلة
تحوّل عميق يفرضها المجرى الذي سارت فيه العلاقات الدولية
بفعل العولمة والنزعة الأحادية، مرحلة ستنتهي حتما إلى
إقرار نسبيّته، فإنه سيبقى مع ذلك القاعدة الأساسية
لنظام دولي جديد لن يقوم بصورة دائمة إلاّ متى تمسك
بتحقيق سعادة الإنسانية في بعدها الكوني بعيدا عن المصالح
الضيقة، وإلاّ متى استمد شرعيته من القانون الدولي واستند
إلى مؤسسات دولية فاعلة تؤسّس مصداقيتها على إجماع المجتمع
الدولي حولها، مجتمع دولي يتجاوز إرادة الدول في صيغة
المفرد مهما علا شأنها ويكون قادرا على صون هذه المؤسّسات
من الوقوع تحت هيمنة أي طرف وعلى تمكينها فعليا من آليات
الأداء الناجح لوظيفتها .
ورغم ظلال الأحادية التي تخيم على العلاقات الدولية
اليوم والتي تتأكد بالخصوص في هذه الأزمة الدولية حول
المسألة العراقية فإن هذه الأزمة ذاتها، بقطع النظر
عن نتائجها، قد ساهمت بشكل عميق في :
إيقاظ الرأي العام العالمي إلى احتضار النظام الدولي
وإلى ضرورة مراجعته،
التحسيس لمخاطر الأحادية التي إذا تآلفت مع العولمة
قد تتحول إلى غول يبلع الكيانات والتنوع والاختلاف و
لا يدين إلا بالنمطية ليفرض نظاما كليانيا واحدا على
العالم بأسره (11)،
كشف اهتراء المنظومة الأممية في أعلى هرمها وفشلها في
أداء رسالتها،
بروز إرادات دولية مختلفة وتبلورها لخلق قوة مضادة للانفراد
بالرأي والقرار ومؤازرة الشرعية الدولية،
ولعل هذه النتائج التي تبدو في ظاهرها سلبية تشكل بوادر
الأمل لقيام نظام دولي جديد تتحقق في ظله فعلا سيادة
الإنسان.
ثـانيـا ـ الحركة الوطنية أو معركة السيادة
لقد شكّلت السّيادة المحرّك الأساسي للحركة الوطنية
في مقاومتها للإستعمار على مدى تجاوز ثلاثة أرباع القرن.
و"الحسّ السّيادي" الذي يترجمه التعلّق اللاّمحدود
والتمسّك اللاّمشروط بالحرّية وبالهويّة وبالذّاتية
لم يكن جديدا على شعب أرض تونس التي كانت على امتداد
تاريخها الطّويل محلّ أطماع الغزاة الذين غالبا ما كانت
تغذّيهم إرادة الهيمنة والتوسّع والانتشار وبسط دائرة
السّلطان.
وقد أثبت شعب تونس على امتداد حقبات التّاريخ على اختلاف
ألوانها رفضه الانصياع للمستعمر وتمرّده عليه. "منذ
28 قرنا وقرنا نجد هذه البلاد متمسّكة باستقلالها. حتّى
عندما منيت بغزو أو باحتلال وجدنا أهلها الأصليين أو
الغزاة أنفسهم بحكم توطّنهم ينزعون إلى الإستقلال حتّى
أنّ المؤرّخين فسّروا عديد الثّورات والانزلاق للشّذوذ
المذهبي بالحرص على الإستقلال وعلى عدم الانسجام مع
الأجنبي" (12).
ولا غرابة إذن في أن يتميّز تفاعل الشّعب التّونسي مع
الاستعمار منذ انتصابه تحت عنوان "الحماية"
سنة 1881 برفض الهيمنة الأجنبية والتعلّق الشّديد بالذّاتية
التّونسية وبالاستقلال.
فعلى هذه الأرضية التي تشكّلها طبيعة البشر في هذه الأرض
نشأت الحركة الوطنية ونمت لتمرّ بمراحل عديدة مضنية
حافظت خلالها كلّها على شعلة الكفاح بشتّى الأشكال انطلاقا
من السّياسي مرورا بالنّقابي وصولا إلى العسكري، وعبر
مختلف التّنظيمات الحزبية والمنظّماتية وحتّى خارج كلّ
التّنظيمات، من أجل استرداد السّيادة المغتصبة دون اكتراث
بثمن الدّم الواجب دفعه. فإرادة الهيمنة الاستعمارية
بعدّتها وعتادها قد وجدت في مواجهتها مقاومة وطنية شرسة
تستمدّ قوّتها من إيمانها بشرعية موقفها وبعدالة قضيّتها.
وكانت الغلبة للشّرعية على ضعفها المادّي وكان الفشل
والخسران للهيمنة الاستعمارية على عظمتها المادّية.
وخرج الحسّ السّيادي كقيمة أخلاقية منتصرا واستردّت
تونس استقلالها الدّاخلي في 3جوان 1955 واستقلالها الكامل
في 12 ماي 1964.
1 ـ طبيعة السّيادة المنشودة ومقوّماتها
إنّ البحث في طبيعة السّيادة التي شكّلت محور الحركة
التّحريرية التّونسية يرجعنا بالضّرورة إلى القاعدة
الإتّفاقية التي تأسّس عليها الاستعمار الفرنسي تحت
غطاء الحماية. فقد جاء انتزاع السيادة التّونسية على
مرحلتين: مرحلة أولى شملت الوجه الخارجي للسيادة بموجب
اتفاقية باردو في 12ماي 1881 ومرحلة ثانية شملت الوجه
الدّاخلي للسيادة بمفعول معاهدة المرسى في 8 جوان 1883.
ثمّ تتالت الأحداث طوال الفترة الاستعمارية لتكرّس سلب
تونس كافّة مظاهر السيادة سواء من خلال استفراد المقيم
العام بكافة الصلاحيات السيادية (العلاقات الخارجية
ـ الدّفاع ـ الأمن)، أو من خلال المؤسّسات السّياسية
المحدثة في تلك الفترة بقطع النّظر عمّا شهدته من تطوير
(13)، أو من خلال التّصريف اليومي لشؤون البلاد، وبشكل
عام من خلال تهميش الجهات التّونسية.
ورغم رضوخ الباي، أثار فسخ معالم السّيادة التّونسية
ردّ فعل قوي في صفوف العامّة دفاعا عن الذّات وعن الاستقلال،
ردّ فعل غذّى الحركة الوطنية في كافّة مراحل المعركة
التّحريرية، وتميّز بالازدواجية بين جانبه التّلقائي
الشّعبي ضدّ التسلّط الأجنبي وجانبه الفكري النخبوي
المستند إلى القانون والشّرعية (14).
ولعلّ المزج بين هذين الجانبين قد أهّل حركة التّحرير
لبلورة مقوّمات السّيادة المنشودة وتنزيلها المنزلة
الشّرعية وهو ما يتبيّن من خلال المطالب التّونسية والأحداث
التي خلّفتها في ساحات الكفاح التّحريري الدّامية.
فأحداث مقبرة الزلاّج سنة 1911 تتّصل بصورة مباشرة بتمثّل
التّونسي للسّيادة من حيث حقّه في صون ذاتيته في أحد
أقدس مظاهرها. وأحداث 8 و9 أفريل 1938 تعكس بدورها نضج
المفهوم السّيادي لدى التّونسي الذي ارتقى إلى التّعبير
عن حقّه في تحديد معالم نظامه السّياسي بما يكرّس سيادة
الشّعب عبر تركيز "برلمان تونسي" ذلك المطمح
والنّداء الذي سقطت لإعلائه عشرات الضّحايا من بين الوطنيين.
ثمّ تنامت المطالب وبلغت درجة عالية من النّضج لتتميّز
بالشّمولية والوضوح والاستناد إلى مرجعية دولية لا سيما
في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثّانية ونشأة منظّمة
الأمم المتّحدة وخروج الحركات التّحريرية من عزلتها.
كما أصبحت تواجه محاولات الإصلاح الشّكلية التّضليلية
التي كان يلجأ إليها الاستعمار بين الفينة والأخرى أمام
تنامي ضغط حركة التّحرير وذلك بالتّعاقب مع موجات القمع
والاضطهاد. ولم تحد عن هدفها الأساسي المتمثّل في استرداد
السّيادة. وقد كانت الحركة الوطنية دائمة الحرص على
مزيد تعميق شرعيتها من خلال العمل على جلب الباي(15)
إلى صفوفها وتمرير جانب من مطالبها عن طريقه بصورة غير
مباشرة وغير معلنة، وكذلك من خلال اللّجوء إلى المنتظم
الأممي (16).
وقد انتهت هذه الحركة التّحريرية إلى إمضاء اتّفاقية
الاستقلال الدّاخلي في 3 جوان 1955 ثمّ الاستقلال الكامل
في 20 مارس 1956.
وهكذا افتكّ الشّعب حقّه في تقرير مصيره وتصريف شؤونه
وكان الاستقلال.
2 ـ الاستقلال خطوة ضرورية ولكن...
استرداد السّيادة لم يتحقّق دفعة واحدة بمجرّد إمضاء
اتّفاقية الاستقلال في 20 مارس 1956. فالاستقلال ولئن
يشكّل شرطا ضروريا لتحقيق السّيادة فإنّه وحده يبقى
غير كاف. فهو لم يكن "الحد الفاصل نهائيا بين عهد
استعمار وعهد استقلال مطلق وإنّما كان الحدّ الفاصل
القانوني"(17). وهو ما يعني عدم التّطابق بين الصّورة
التي يوحي بها القانون والوضع الذي يفرضه الواقع. لذلك
كان من الطّبيعي أن تتواصل معركة السّيادة في اتّجاهين
: اتّجاه يهتمّ بسيادة الدّولة واتّجاه يتّصل بالسيادة
في الدّولة (18).
3 ـ تكريس سيادة الدّولة
إنّ تناول مسألة تكريس سيادة الدّولة لا يستقيم إلاّ
شريطة إدراك الوضع الحقيقي الذي كانت عليه تونس بعيد
الظّفر بالاستقلال والذي لم يكن يوحي بتوفّر كافّة مقوّمات
السّيادة من ناحية ولا باستقرار ما تحقّق من مظاهر السّيادة
من ناحية أخرى. فالحضور العسكري الفرنسي كان لا يزال
هامّا ومحافظا على قواعده رغم تناقصه العددي مقارنة
بفترة الاستعمار، والتبعية الاقتصادية والمالية للمستعمر
السّابق لا تزال شديدة، والأحداث التي كانت تعيشها الحدود
التونسية الجزائرية جرّاء المساندة التّونسية الفاعلة
للقضية الجزائرية كانت تهدّد السيادة التونسية الناشئة
بالانتكاس، دون أن ننسى الدّعم المصري للحركة اليوسفية
وما شكّله في تلك الفترة من تدخّل في الشّؤون الدّاخلية
ومن مس بالسّيادة الوطنية.
لذلك تعلّقت همّة حكومة الاستقلال برئاسة الزّعيم الرّاحل
الحبيب بورقيبة بمواصلة الكفاح السّيادي الذي دخل مرحلة
جديدة اصطلح عليه خلالها بـ"تصفية مخلّفات الاستعمار".
وقد تميّزت تلك المرحلة بتنوّع الأساليب بدءا بالمناورات
السياسية، مرورا بتوظيف معركة المواقع التي كانت تجمع
المعسكرين الشّرقي والغربي أحيانا وبالتّحكيم الدّولي
أحيانا أخرى، وصولا إلى الصّدام العسكري الدّامي.
ولعلّ أبرز المحطّات التي شهدتها هذه المرحلة والتي
تتّصل مباشرة بالتّكريس الفعلي لسيادة الدّولة تتمثّل
في تحقيق الجلاء الكامل للقوّات العسكرية الفرنسية عن
تونس في 15 أكتوبر 1962 والذي دفع الشّعب لنيله ثمنا
غاليا.
كما شهدت هذه المرحلة محطّات أخرى (19) هامّة على نفس
الدّرب واجهت تونس لتحقيقها مقاومة شديدة من مستعمر
سابق كان يعتقد أنّ قبضته ستتواصل على البلاد بعد الاستقلال،
ونذكر منها بالخصوص:
تحقيق الاستقلال المالي بإصدار الدّينار التّونسي في
3 نوفمبر 1957 وتكريسه الفعلي في 19 جويلية 1958 بتحرير
البنك التّونسي من إشراف البنك المركزي الجزائري حيث
أصبح يحمل أسم البنك المركزي التّونسي في 1 أكتوبر من
نفس السّنة.
إبطال الوحدة الجمركية الفرنسية التونسية في 20 أوت
1959 وتعويضها بالاتفاقية التجارية بداية من 1 أكتوبر
1958.
مواجهة الضّغوطات الفرنسية المتمثّلة خاصّة في تعليق
المساعدة المالية ووقف الإمدادات من الأسلحة وذلك بالتوصّل
إلى إقناع جهات أخرى، الولايات المتّحدة الأمريكية والمملكة
المتّحدة البريطانية، بتقديم المساعدات المالية والعسكرية.
تحقيق الاستقلال العقاري عبر تأميم الأراضي الفلاحية
في 12 ماي 1964.
4 ـ تكريس السيادة في الدّولة
بالتوازي مع تكريس سيادة الدّولة في التّعامل مع المحيط
الخارجي عملت القيادة السياسية في تونس المستقلّة على
تكريس السيادة في الدّولة من خلال إقامة نظامها السّياسي
وتركيز مؤسّساتها وبناء الدّولة بشكل عام على أسس متينة
تحقّق الاستقرار وتسمح بالتفرّغ لكسب معركة التّنمية.
أ ـ إقامة نظام سياسي أساسه سيادة الشّعب
لقد كان من الطّبيعي أن تستلهم القيادة السّياسية التّونسية
غداة الاستقلال تمثّلها للنّظام السياسي الجديد للبلاد
من الطّموحات التي غذت الحركة الوطنية والتي جعلت ضمن
مطالبها الأساسية تمثيل الشّعب في مؤسّسة تشريعية تونسية
(برلمان تونسي) ليسهم في تصريف شؤون البلاد بصورة فعلية.
مثلما كان من الطبيعي أن تستبعد نظام الحكم القائم على
التّجربة المريرة التي عرفتها البلاد والتي كانت من
الأسباب الرّئيسية لفقدان السّيادة بمفعول القطيعة بين
الرّاعي والرعية والتشتّت الذي ساد أجهزة الدّولة.
وإن لم تظهر الحركة الوطنية طبيعة النّظام السّياسي
المنشود قبل الاستقلال فذلك يعود لاستراتيجية الكفاح
. وقد تأكّد ذلك مباشرة بعد الاستقلال من خلال المبادرة
بتمكين الشّعب من تعيين هيكل (المجلس التّأسيسي) يتولّى
وضع النّظام السّياسي من خلال صياغة دستور تونس المستقلّة
ويشكّل بالتاّلي أولى تجلّيات سيادة الشّعب(20).
ثمّ جاء إعلان المجلس التّأسيسي عن اعتماد الجمهورية
نظاما للدّولة في 25 جويلية 1957 ليؤكّد منح الشّعب
السّيادة الأصلية بصفة نهائية لا تقبل المراجعة. وبذلك
استبق المؤسّسون وضع الدّستور (1 جوان 1959) باختيار
النّظام الجمهوري الذي يرتقي به الشّعب إلى موقع السّيادة،
سيادة لا تتحقّق أبعادها إلاّ في ظلّ جمهورية تستند
إلى نظام رئاسي يؤمّن لها القوّة والاستقرار للاستجابة
لمتطلّبات مرحلة بناء الدّولة مثلما يعكسه الدّستور
في صيغته الأولى.
ب ـ تكريس السّيادة في بناء الدّولة الحديثة
إنّ إقرار سيادة الشّعب التي يؤمّنها النّظام الجمهوري
في تلازمها مع الحاجة إلى الاستقرار التي يوفّرها النّظام
الرّئاسي كانت تقوم في تلك المرحلة على تصوّر سيادة
الشّعب في سيادة الدّولة.
على هذا الأساس كان الإبحار في مسار تكريس السّيادة
نحو تأمين أرضية صلبة لعمل الدّولة تجلّت مظاهرها في
جملة من المبادرات نذكر منها:
القضاء على حلقات التّضامن القديمة مهما كان أساسها
(قبلي أو جهوي) وإعادة تنظيم التّراب الوطني بما يدعم
حضور الدّولة بوصفها المصدر الوحيد للشّرعية، حيث تمّ
في 21 جوان 1956، حذف مؤسّسة "القائد" و"المراقب
المدني" وتعويضها بالولايات، كما تمّ حذف 734 مشيخة
وتعويضها بـ 100 بلدية.
إصلاح القضاء بتوحيد المحاكم من خلال حذف المحاكم الاسلامية
والمحاكم اليهودية والمحاكم الفرنسية في 27 سبتمبر 1957.
إصدار مجلّة الأحوال الشّخصية في 13 أوت 1956.
إصدار مجلّة الإجراءات المدنية.
حلّ الأوقاف العمومية في 31 ماي 1956 والأوقاف الخاصّة
في 1 ديسمبر 1959 بما أعاد ربع الأراضي الفلاحية للاستغلال
بعد أن كانت مهملة.
إصلاح التّعليم باعتماد نظام وطني يسمح بنشر المعرفة
والارتقاء النّوعي بالتّونسيين.
إلاّ أن معركة السّيادة التي انطلقت مع الاستقلال وتنوّعت
تجلّياتها حسب الأهداف المرسومة، قد غلب عليها هدف أساسي
ورئيسي هو بناء الدّولة وتمكينها من كافّة أسباب المناعة
لتكون الحصن الواقي لسيادة الشّعب النّاشئة. وقد طمست
هذه الغاية الأساسية تدريجيا أهدافا وغايات وطموحات
أخرى عبّر عنها الشّعب بكل قوّة خلال مرحلة التحرير،
أهداف تتّصل بالخصوص بالدّيمقراطية والتعدّدية والحرّيات
العامّة في مستوى الممارسة. هذا الطّمس كان يجد في البداية
ما يفسّره حينا وما يبرّره أحيانا في واقع البلاد وما
أفرزه من ضرورة وحدة الصفّ (21) وتعبئة الطّاقات وتركيز
الجهود على عملية البناء، لكن مع مرور الأعوام وبمفعول
الزّمن بدأت تلوح على هذه المقاربة مظاهر التصدّع خاصة
في مستوى ممارسة الحكم. فعوض أن تسعى القيادة السّياسية
تدريجيا، بالتّوازي مع تجذّر الوحدة الوطنية وتقشّع
مخاطر الفوضى وارتفاع مستوى الوعي السّياسي، إلى الاستجابة
إلى تطّلعات الشّعب إلى الدّيمقراطية والتعدّدية والحرّيات
مثلما عبّر عنه عاليا في عديد المناسبات , أخذت تحيد
تدريجيا بالسّيادة من صاحبها الأصلي، الشّعب، لتضعها
في قبضة رجل واحد عبر مسار تشخيصي أفقد القانون حرمته
والمؤسّسات رسالتها والدّولة هيبتها (22).
وقد كرّس الدّستور هذا المسار عندما أقرّ الرئاسة مدى
الحياة في 19 مارس 1974 والخلافة الآلية للوزير الأوّل
في 8 أفريل 1976 ليفقد بذلك النّظام الجمهوري طبيعته
وتنتزع من الشّعب سيادته.
ثالثـا ـ حركة التّغيير وتطوّر مقوّمات السّيادة
عندما حدث التّغيير
السياسي في تونس يوم 7 نوفمبر1987 أعقاب مرحلة خطيرة
وعسيرة مرّت بها البلاد، قابله التّونسيّون بارتياح
تلقائي عكس ما كان يخالج نفوسهم من قلق عميق وانشغال
حاد وخوف مريع وثورة صامتة. وقد لا نبالغ إذا قلنا أنّ
النّفوس قد عمّها شعور بالخلاص لا يختلف كثيرا عن الشّعور
الذي ساد يوم 20 مارس 1956 ممّا يعكس خطورة الوضع التي
آلت إليه البلاد بعد نحو ثلاثة عقود من الاستقلال.
وقد كان ذلك الشّعور بالخلاص بالغ التّعبير عن طبيعة
انتظارات الشّعب وطموحاته التي أحسن الرّئيس بن علي
قراءتها وجعل من الاستجابة إليها أساس حركة الإصلاح
التي أعلن عنها في أوّل بيان توجّه به إلى الشّعب التّونسي.
لذلك اختار الإنسان ليكون غاية الإصلاح وأداته فجعله
يتصدّر سلّم الأولويّات وكأنّه استشرف منذ 1987 التحوّلات
الجذرية التي شهدها العقد الأخير من القرن الماضي، واستشرف
مفعولها المباشر وغير المباشر وتأثيراتها الآنية واللاّحقة
التي غيّرت للسّيادة عنوانها من الدّولة إلى الإنسان
في الدّولة لتصبح سيادة الدّولة رهينة سيادة الإنسان
فيها.
وهو ما يجيز القول بأنّ حركة التّغيير عندما رسمت لنفسها
مسيرة الإصلاح قد استبقت الزّمن لتجد اليوم نفسها بموجب
اختيارها الإرادي في انسجام تام مع مقوّمات السّيادة
سواء في مفهومها التّقليدي أو في مفهومها المستحدث.
ولا مراء في أنّ النّظرة الاستشرافية التي ميّزت المقاربة
التّونسية قد عمّقت الوعي بمفعول التحوّلات العالمية
على مفهوم السّيادة وما ستفرضه من تحدّيات جديدة في
مطلع القرن الواحد والعشرين. وقد شكّل هذا الوعي بالذّات
المحرّك الأساسي الذي قاد حركة التّغيير في تمثّل السيادة
الوطنية وفي مقاربة كيفية تطوير أساليب صونها مثلما
يتجلّى عبر سلسلة الإصلاحات التي شهدتها البلاد على
امتداد عقد ونصف من الزّمن والتي شملت مختلف أوجه الحياة.
فهل أنّ الحديث عن تمثّل جديد لمفهوم السّيادة يعني
الإقرار بشرعيّة تدخّل الغير في الشّؤون الدّاخلية للدّولة
وما يحمله في طيّاته من ضروب التخلّي الذّاتي عن السّيادة
حتّى وإن كان ذلك بصورة نسبية؟
أم أنّ هذا التمثّل ينحو منحى تكريس السّيادة المطلقة
للدّولة بمفهومها التّقليدي دون اعتبار طبيعة موازين
القوى والتّأثيرات التي يفرضها واقع العلاقات الدّولية
اليوم؟
إنّ محاولة الإجابة عن مثل هذه التّساؤلات في تونس اليوم
تمرّ حتما عبر مساءلة السّياسة التي انتهجتها حركة التّغيير
وما حملته من إصلاحات، ولغاية تبيّن الخيط الرّابط بين
هذه الإصلاحات والملازم لها والذي يشكّل في تقديرنا
جوهر المقاربة التّونسية لمسألة السّيادة، يمكن من منظور
استكشاف طبيعة السّيادة المنشودة توزيعها إلى محورين
أساسيّين: محور يتّصل بتفعيل الجبهة الخارجية ومحور
يتّصل بتحصين الجّبهة الدّاخلية وهو المحور الذي سنقتصر
على بحثه في هذا المقال.
فإذا كانت معركة السّيادة بعيد الاستقلال قد تركّزت
على ضرورة دعم الوحدة الوطنية وبناء الدّولة مع تأجيل
كلّ ما يتّصل بالإصغاء لانتظارات الشّعب، فإنّ حركة
التّغيير جعلت منطلق معركتها السّيادية في تحصين الجبهة
الدّاخلية من خلال التّجاوب الواعي مع طموحات الشّعب
ماضيا وحاضرا ومستقبلا في إطار مشروع مجتمعي يلتقي فيه
التّونسيّون على اختلاف فئاتهم الاجتماعية، وانتماءاتهم
السّياسية، وتطلّعاتهم الفكرية والثقافية، واختياراتهم
الفردية والجماعية ليشكّلوا فعلا "الإرادة الجماعية
للتّعبير عن ذاتية متميّزة، وممارسة حق تقرير مصير متميّز،
في قطر هو وطن، له تنظيم دولة"(23). مشروع مجتمعي
ينبذ الإقصاء والتّهميش ويروم الإشراك الفعلي للتّونسي
في تقرير مصيره. مشروع مجتمعي يحقّق أعلى درجات الرّضا
وأعلى مستويات الانخراط في الفعل الجماعي. مشروع مجتمعي
يحقّق فيه الإنسان في صيغة المطلق ذاته إلى درجة يستحيل
عليه معها التخلّي عن هذا المجتمع لأنّه إن تخلّى عنه
يكون قد تخلّى عن ذاته.
فحركة التّغيير جعلت التّونسي غاية السّيادة ليكون في
الآن ذاته حصنها المنيع، وانطلقت من هذه القاعدة الأصلية
في عملية البناء التّدريجي للمجتمع المنشود على أسس
ثابتة يستشفّ منها جميعا المنزلة الرّفيعة التي يحتلّها
الإنسان في حركة الإصلاح، حركة تحصين السّيادة، سواء
عبر تطوير النّظام السياسي أو من خلال تهيئة الأساس
الاجتماعي الملائم.
1 ـ النظام السّياسي وتأمين السّيادة
لقد ثبت لدى حركة التّغيير أنّ تحصين السّيادة يمرّ
حتما عبر الاستناد إلى نظام سياسي الجمهورية أساسه والدّيمقراطية
منهجه ودولة القانون والمؤسّسات إطاره(24)، نظام يسخّر
كل الطّاقات البشرية والمادية، المتاحة والكامنة، لخدمة
قضايا الإنسان وتحقيق ازدهاره وسعادته.
أ ـ تصحيح المسار الجمهوري أو إعادة السّيادة إلى الشّعب
ينبغي التّذكير بأنّ التّعديل الدّستوري الذي أسند في
19مارس1974 الرّئاسة مدى الحياة للزّعيم المرحوم الحبيب
بورقيبة مثّل انتهاكا واضحا لروح الدّستور ونصِّه في
أرفع قيمة من قيمه, قيمة الجمهوريّة الّتي عليها تأسّس,
القيمة الوحيدة الّتي لا تقبل المراجعة باعتبار تكريسها
لسيادة الشّعب, هذه السّيادة الّتي تتمثّل إحدى تجلّياتها
في حقّ الشّعب في اختيار رئيس الجمهوريّة بصفة دوريّة.
كما أنّ إسناد الخلافة الآليّة في منصب رئيس الجمهوريّة
للوزير الأوّل بموجب التّعديلين المؤرّخين في 31 ديسمبر
1969 و8 أفريل 1976، يتعارض مع النّظام الجمهوري الّذي
يقوم على حقّ الشّعب في اختيار من يرأسه.
لذا كان من الطّبيعي أن تبادر حركة التّغيير بتصحيح
المسار وإعادة النظام الجمهوري إلى أصله من خلال تخليصه
ممّا علق به من شوائب وفاء لمؤسّسي الجمهورية وصونا
لمبادئ الدّستور المتّصلة أساسا بتعميق الرّوح الوطنية
وتجذير القيم الإنسانية وتجسيم سيادة الشّعب باعتماد
النّظام الجمهوري (الإصلاح الدّستوري لسنة 1988)، هذه
السّيادة التي تتحقّق أعمق معانيها بالنّظر إلى ما بلغه
الشّعب التّونسي في مستوى الوعي السياسي والنّضج الفكري
والاهتمام بالشّأن العام والتطلّع إلى حياة سياسية أرقى.
ب ـ السّيادة في تشييد مجتمع ديمقراطي تعدّدي
لقد تميّزت حركة التّغيير بإدراكها العميق لضرورة اتّساع
قاعدة المشاركة وانخراط كلّ الفعاليات والحساسيات في
ضبط معالم المجتمع المنشود ومباشرة عمليّة الإصلاح لتكريسه.
لذلك جاءت التعدّدية في تونس خيارا ثابتا نابعا من وعي
حقيقي بطموحات الشّعب ومن إرادة صادقة للاستجابة لهذه
الطّموحات ومن قناعة راسخة بأنّها المنهج الأسلم لتحقيق
الرقيّ الشّامل(25).
كما أنّ المقاربة التّونسية لا تحصر التعدّدية في حقل
العمل السيّاسي الصّرف الذي يترجمه تعدّد الأحزاب بل
تجعلها تشمل كافّة صور الفعل الاجتماعي ومختلف تجلّياتها
الميدانية وما تستند إليه أو ما تعكسه من أنماط فكريّة
متنوّعة تصبو كلّها إلى الإسهام الفاعل في البناء الاجتماعي.
وقد حرصت على ضمان سلامة الخيار التعدّدي وديمومته وتطوّره
الإيجابي الموصول حيث وفّرت له أرضية عمل صلبة اعتمدت
جملة من المبادئ والقيم المشتركة التي التزم بها مختلف
الأطراف من أحزاب سياسية و نقابات ومنظمات وحساسيات
سياسية، والتي مثّلت ولا تزال تمثّل نقطة التقاء كافّة
التونسيّين، وأنّ هذه الأرضية الوفاقية التي يجسّمها
الميثاق الوطني مثّلت صمّام الأمان الذي يجنّب من الانزلاق
في متاهات تعددية عشوائية مطلقة وما يمكن أن تحمله من
صراعات وتصادمات لا طائل من ورائها.
ولعلّ المجال يضيق لاستعراض كامل مسيرة التّجسيم الفعلي
للخيار التعدّدي لكنه لن يضيق لملامسة بعض ملامح هذا
التّجسيم خاصّة في مستوى الدّستور نظرا لاعتلائه هرم
المنظومة القانونية وباعتباره المرآة الأولى التي تعكس
مدى تبنّي الخيارات ودرجة اعتمادها ونسبة التمسّك بها،
وهي التي تسند هذه الخيارات أفضل مراتب الشّرعية وتجعل
منها قاعدة لسائر التّشريعات الأخرى.
إنّ الإعلان في توطئة الدّستور في جوان 1959 عن إقامة
"ديمقراطية أساسها سيادة الشّعب وقوامها نظام سياسي
مستقر يرتكز على قاعدة تفريق السّلط" لم يتطوّر
إلى تكريس للخيار التعدّدي إلاّ عبر الإصلاح الدّستوري
لسنة 1997 الذي أدرجت بموجبه الأحزاب السياسية ضمن الدّستور
إذ تنص الفقرة الثّالثة من الفصل الثّامن على ما يلي
: "تساهم الأحزاب السّياسية في تأطير المواطنين
لتنظيم مشاركتهم في الحياة السياسية ..."
ثمّ تأكّد هذا الخيار في الإصلاح الدّستوري لسنة 2002
من خلال التّنصيص في الفقرة الثانية من الفصل الخامس
"على أنّ الجمهورية التّونسية تقوم على مبادئ دولة
القانون والتعدّدية وتعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية
شخصيّته." فأصبح الخيار التعدّدي يستمدّ قوّته
وشرعيّته من الدّستور, وتحوّلت الدّيمقراطية من مستوى
المبدإ العام في إطار التّوطئة لتبلغ درجة التنصيص على
أحد الشّروط الأساسية للممارسة الدّيمقراطية : ألا وهي
التعدّدية التي ينصّ عليها كمبدأ من مبادئ الجمهورية
التّونسية.
هذا التّكريس الدّستوري للتعدّدية لم يكن منعزلا بل
رافقته جملة من الإصلاحات شملت التّشريعات ذات التأثير
المباشر في هذا المجال نذكر منها بالخصوص القوانين المتعلّقة
بالأحزاب السياسية، وبالمجلّة الانتخابية، وبالجمعيّات،
وبالصّحافة. فكانت لهذه التهيئة القانونية للتعدّدية
آثارها على الصّعيد المؤسّساتي فكان مجلس النوّاب بمثابة
التّكريس السّياسي للتعدّدية وشكّل مجلس المستشارين
تكريسها القطاعي وجاء تكريسها المحلّي في مستوى المجالس
البلدية والمجالس المحلّية.
وقد كان للإصلاحات التي شهدتها المنظومة القانونية والمؤسّساتية
لغاية تأهيلها لاستيعاب البناء الدّيمقراطي التعدّدي
انعكاس هام على صعيد الممارسة حيث كانت تجلّياتها التّطبيقية
في الحقل الدّيمقراطي التعدّدي متعدّدة الوجوه، مترامية
الأطراف، دائمة التطوّر، منها ما يستهدف السّلوك عبر
أركان النّظام التّربوي، ومنها ما يتّصل بالممارسة الفعلية
على السّاحة السّياسية.
ج ـ السيادة في إرساء دولة القانون والمؤسّسات
إذا كان مفهوم السيادة وثيق الارتباط بمفهوم الدّولة
فإنّ الدّولة تستمدّ شرعيّة احتكارها للصلاحيّات السّيادية
من القانون وتباشر هذه الصّلاحيات عبر القوانين التي
تعبّر في ظلّ النّظام الجمهوري، وعبر جملة من الآليات
المضبوطة، عن إرادة الشّعب. وهي بذلك تتجاوز مظاهر التصرّف
الظّرفي ومختلف أشكال الخضوع لإرادة الأشخاص الذين يتساوون
أمام القوانين التي تسهر على تطبيقها جملة من المؤسّسات
لا تعترف إلاّ بسلطة القانون في إطار منظومة محكمة التشكّل
تنتفي فيها اعتباطية الأشخاص وتسودها الشّرعية التي
بها تتأكّد سيادة الإنسان في صيغة المفرد وفي صيغة الجمع.
فهذه الشّرعية ذاتها هي التي تسند كافّة الإصلاحات معناها
وتوفّر لها الأرضية الملائمة للفعل والتّأثير, أرضية
يصطلح عليها بـ"دولة القانون والمؤسّسات".
هذا الوعي بضرورة تنزيل المشروع الحضاري الجديد في إطار
دولة القانون والمؤسّسات كان حاضرا في حركة التّغيير
التي حافظت على المكاسب التي تحقّقت في هذا المجال عبر
مسيرة البناء الأولى، وعملت على توطيدها وتكريسها بصورة
جذرية تقطع مع أسباب التّراجع من خلال ما تمّ اتخاذه
من إجراءات هامّة لعلّ أبرزها إحداث آلية تسهر على تأمين
هرمية المنظومة القانونية وتأمين علويّة الدّستور على
سائر القواعد القانونية، والمتمثّلة في مؤسّسة المجلس
الدّستوري الذي تعزّزت مكانته ليصبح مؤسّسة دستورية
منذ سنة 1995 وتنامت صلاحيّاته وتدعّم حياد أعضائه واستقلاليتهم
على ضوء إصلاح 2002 ليصبح الرافد الأساسي لدولة القانون
والمؤسّسات.
2 ـ الأساس الاجتماعي للسيادة
أ ـ السّيادة في حصانة المجتمع
لقد أدركت حركة التّغيير منذ البدء ضرورة إقامة مشروعها
المجتمعي على أرضية صلبة متينة تغذّي الوئام والانسجام
فيه فبادرت بتوضيح مقوّمات الهويّة الوطنية التي تشكّل
الرّكيزة الأساسية للمجتمع من خلال ردّ الاعتبار للدّين
الإسلامي الحنيف وإعادة اللغة العربية إلى مكانتها الطّبيعية
وتحقيق المصالحة مع تاريخ البلاد الممتدّ عبر العصور
وعيا بإسهامها في بناء الحضارة الإنسانية. كما عملت
على تأسيسه على منظومة من القيم الإنسانية النّبيلة
الحاثّة على العمل الطيّب والرّحمة والتّسامح والتّضامن
والعدل والحرية والحوار الرّصين المعمّق والدّيمقراطية
وحقوق الإنسان. قيم اخترقت الحضارات لتبلغ مرتبة الكونية.
وقد رسمت له كذلك منظومة من الضوابط والقواعد الأخلاقية
والقانونية التي تشكّل الأرضية المشتركة للتّعامل في
مجال تصريف الشّؤون العامّة. وحصّنته أيضا من مخاطر
الفتنة والفرقة والظّلامية والتعصّب والتطرّف التي كانت
تتهدّده بالأمس القريب.
ب ـ السّيادة في تنمية البشر
لا غرابة في أن تتوجّه عناية الدّولة في تونس إلى الإنسان
ما دام يشكّل الثّروة الحقيقية وأداة التّنمية الفّعلية
والمصدر الأصلي للسّيادة. لذلك تأسّست الإصلاحات الاجتماعية
على تأمين الحقوق الأساسية التي تجسّم العدالة الاجتماعية
وتشيع التّضامن والانسجام والاستقرار.
فكان من الطّبيعي أن تستهدف العقول عبر النّظام التّربوي
لتحقّق من خلاله القفزة النّوعية بالتّونسي نحو مجتمع
المعرفة ، المعرفة العامّة والمعرفة المعلوماتية والرّقمية.
كما استهدفت الأجسام عبر المنظومة الصّحية التي وقع
دعمها بصورة جذرية سواء في مستوى التّمويل مثلما يعكسه
تطوّر ميزانية الصحّة العمومية أو في مستوى إصلاح هياكلها
وتعصير أساليب التصرّف فيها بما يعمّم الانتفاع بالخدمات
الصحية ويكرّس "مبدأ الصحّة للجميع".
ولم تكن الحماية الاجتماعية الأقل حظّا في هذه الإصلاحات
حيث تدعّمت كمّيا ونوعيا باعتماد آليات جديدة أوسع انتشارا
وأكثر فعالية، آليات تكرّس التّضامن ضدّ الإقصاء والتّهميش.
ولن نبالغ إذا قلنا أنّ التّضامن كقيمة حضارية وكقاعدة
تعامل قد أمسى يشكّل السّمة الأساسية والرّكيزة الرّئيسية
في المشروع المجتمعي للتّغيير بل هو الرّابطة الصّلبة
التي تشدّ التّونسيين إلى بعضهم بعضا وتغذّي تعلّقهم
الوثيق بوطنهم وتمسّكهم الشّديد بسيادته التي يعانقون
من خلالها سيادتهم.
ولمّا كانت حركة التّغيير تنشد الانخراط الكلّي للمجتمع
في معركته السّيادية اليومية، وإيمانا منها بصواب الاختيار
الرّامي إلى تحقيق التّوازن بين شطري المجتمع فإنّها
لم تتنكّر للمكاسب التي حقّقتها المرأة التّونسية منذ
الاستقلال والتي تجسّمها مجلّة الأحوال الشّخصية (13
أوت 1956) ، بل عملت على تدعيمها من خلال إدخال تنقيحات
عديدة على عدد من النّصوص القانونية (مجلّة الأحوال
الشّخصية، ومجلّة الجنسية، والمجلّة الجنائية، ومجلّة
الشّغل، والدّستور)، واتخاذ الإجراءات الكفيلة على الصّعيد
المؤسّساتي بدعم صيانة حقوق المرأة وضمان المتابعة اللاّزمة
لحمايتها، فحقّقت نقلة نوعية هامّة في وضع المرأة التّونسية
ومنزلتها في المجتمع حيث جعلتها شريكا كامل الحقوق للرّجل
ودعّمت بذلك توازن الأسرة وتوازن المجتمع.
ولا غرابة إذن أن يتولّد عن هذه المقاربة تحسّن جذري
وملموس في كافّة المؤشّرات التي تهمّ تنمية البشر بالمقاييس
الأممية في دولة أعطت الأولوية للتّنمية البشرية لأنّها
اختارت المراهنة على الإنسان.
ج ـ سيادة البلاد في سيادة العباد
لا مراء في أنّ دستور 1959 قد كان له السّبق في مجال
حقوق الإنسان من خلال ما أعلنه في توطئته من مبادئ وما
أقرّه في بابه الأوّل من حقوق وحرّيات مثّلت رصيدا ثريّا
وأرضية هامّة نسبيّا. إلاّ أنّ الممارسة لم ترتق إلى
مستوى المبادئ المعلنة للاعتبارات التي سبق بيانها.
وقد أدركت حركة التّغيير هذا القصور الذي يتعارض مع
القيم التي اتّخذتها نبراسا في مسيرتها الإصلاحية فبادرت
بتطوير منظومة حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية في تونس
نصّا وتطبيقا، في مقاربة تونسية خصوصية لم تهمل التّفاعل
الواعي والإرادي والمؤثّر مع ما تشهده السّاحة الدّولية
من تنامي وتطوّر لهذه الحقوق بمختلف أجيالها.
وقد شكّل الإصلاح الدّستوري لسنة 2002 إثراء عميقا وتتويجا
هامّا لهذه المنظومة شمل المضمون والمقاربة على حدّ
سواء. ففي مستوى المضمون نصّ الدّستور ولأوّل مرّة على
أنّ الجمهورية التّونسية تضمن "الحريات الأساسية
وحقوق الإنسان في كونيّتها وتكاملها وترابطها"
(الفقرة 2 من الفصل 5). كما وسّع الحقوق الأساسية التّقليدية
لتشمل حماية المعطيات الشّخصية (الفصل 9) مهما كانت
وسيلة التّداول المعتمدة في هذا العصر الذي يتميّز بتسارع
نسق تطوّر التّكنولوجيات الإتّصالية. كما ارتقت جملة
من الضّمانات والمبادئ القانونية إلى المرتبة الدّستورية
على غرار الضّمانات القضائية حول الاحتفاظ والإيقاف
التحفّظي, ومبدأ تطبيق النصّ الأرفق, ومبدأ المعاملة
الإنسانية في كنف احترام الكرامة لكلّ من فقد حرّيته.
أمّا المقاربة فقد صارت تتميّز بالشمولية والتّكامل
والكونية بصريح نصّ الفقرة الأولى من الفصل الخامس.
فحقوق الإنسان في إطار هذه المقاربة تمثّل منظومة متناسقة
من مختلف أجيال حقوق الإنسان لا مفاضلة فيها لجيل على
جيل, منظومة كونية في طبيعتها بمفعول منشئها الدّولي
وانتشارها العالمي.
وإذا كان توطيد منظومة حقوق الإنسان في تونس يشكّل ضربا
من ضروب التّكريس الفعلي لسيادة التّونسي فإنّها، من
خلال، القيم الإنسانية النّبيلة مثل التّضامن والتّآزر
والتّسامح المستمدّة من رصيدنا الثقافي والحضاري العربي
الإسلامي التي يستند إليها المشروع الحضاري للتّغيير،
تجد الأرضية الملائمة للتجذّر والانتشار.
د ـ السّيادة في التّنمية الاقتصادية
التّنمية التي تفتح باب السّيادة إمّا أن تكون شاملة
أو لا تكون. لذلك فإنّ التّكريس الفعلي للسّيادة بقدر
ما يحتاج للتّنمية البشرية يحتاج للتّنمية المادية التي
تتجسّم في الحقل الاقتصادي. إنّ العلاقة بين التّنميتين
جدلية, تفاعلية. ففي منظور سيادي بحت لا يمكن أن يستقيم
حال الواحدة دون الأخرى. وقد شكّلت هذه النّظرة إحدى
أسس المقاربة التنّموية في حركة التّغيير التي خطّطت
للتّنمية الاقتصادية بحكمة وتبصّر مثلما تعكسه النقلة
النّوعية التي شهدتها البنية الأساسية بصورة جلية في
تونس في مختلف القطاعات ومن استنهاض لروح المبادرة من
أجل خلق الثّروات. فتحقّقت الإصلاحات الاقتصادية التي
تنشد تركيز اقتصاد متحرّر تنافسي متفتّح على العالم
متوثّب لرفع تحدّيات العولمة والانخراط فيها واستغلال
ما تتيحه من إمكانات لخدمة الإنسان في تونس. لقد تمّ
إصلاح الاقتصاد الوطني وإعادة هيكلته بصفة معمّقة في
اتجاه تحريره والانتقال به من موضع التّسيير والحماية
والتّوجيه إلى اقتصاد سوق متفتّح على الخارج، اقتصاد
تنطلق فيه الطّاقات وتتحرّر فيه المبادرة الخاصّة في
مناخ تنافسي يكون فيه الحصاد بقدر البذل والعطاء. ولم
تغفل هذه العملية عن تحديد الضّوابط التي تحكم هذا التحرّر
الاقتصادي بما يضمن توازن النّجاعة الاقتصادية مع العدالة
الاجتماعية وفق رؤية ديدانها اعتماد المنوال التحرري
في التّنمية أداة لتحقيق ازدهار الإنسان في تونس جيلا
بعد جيل مهما كان انتماؤه الاجتماعي.
إنّ الحرص على تحقيق التّنمية الاقتصادية لم يهمل عنصرا
يقع في منزلة وسيطة بين التّنميتين البشرية والمادية
ولعلّه أقرب إلى التّنمية البشرية. إنّه يتعلّق بالتّنمية
المستديمة. فالموارد الطّبيعية بعد أن مثّلت المصدر
الرئيسي في تطوّر طبيعة الحياة البشرية بفعل العقل الإنساني
وسعيه الدّائب إلى الارتقاء الدّائم في سلّم الرّفاه
الذّاتي، قد أصبحت بحكم تسارع التطوّر العلمي والتكنولوجي
معرّضة للاستنفاذ، فاعتمدت تونس المقاربة التّنموية
على أساس التنمية المستديمة والتزمت بقواعدها عن اقتناع
وإيمان بمسؤوليتها في التحكّم في عملية التنمية حتّى
يصان حقّ الإنسان في العيش في بيئة سليمة وحقّه في الاستفادة
من خيرات الأرض لا في الحاضر فقط وإنّما في المستقبل
كذلك.
إنّ أركان الإصلاح في حركة التّغيير أوسع من حصرها في
هذا المقال الذي سعينا فيه إلى التّركيز على الجوانب
التي تسمح أكثر من غيرها بإدراك طبيعة المقاربة التّونسية
لموضوع السّيادة. وقد تبيّن لنا ممّا تقدّم أنّ السّيادة
تشكّل في تونس بحثا دائبا وجهدا موصولا في إطار مسار
حركي يرتكز أساسا على الذّات استنادا إلى عبَر التّاريخ
وارتكانا إلى دروس الماضي البعيد والقريب ويضعها موضع
الجبهة الرّئيسية للسّيادة، الجبهة الواجب تحصينها في
المقام الأوّل. وليس التّحصين بمعنى الاختفاء وراء الحصون
العالية، أو التّركيز على القوّة العسكرية، أو النّزوع
إلى العدوانية نحو الآخر، ولا الانغلاق وانتهاج طريق
القمع والاستبداد. وإنّما التّحصين بمعنى توظيف الإمكانات
على قلّتها في خدمة الإنسان سواء عبر تصحيح النّظام
السّياسي في اتّجاه الدّيمقراطية والتعدّدية ودولة القانون
والمؤسّسات بما يحرّر الطاّقات الخلاّقة للإنسان ويجعله
ينخرط انخراطا فاعلا ومسؤولا في تصريف الشّؤون العامّة
فيحقّق أعلى درجات المواطنة التي لا معنى للسّيادة من
دونها، أو من خلال إقامة مشروع مجتمعي يستند إلى منظومة
قيمية إنسانية تتميّز بالكونية في سموّها ونبلها، منظومة
تتجسّم في ظلّها التّنمية البشرية التي لا تنفصل في
جوهرها عن التّنمية المادية وتوفّر للإنسان الأرضية
الملائمة لتحقيق الذّات. وهكذا يشكّل الإنسان جوهر السّيادة
في التّجربة التّونسية. ويلخّص الرّئيس بن علي هذه المقاربة
كما يلي: "إنّ المحافظة على الاستقلال لا تقلّ
شرفا عن نيله كما أنّ الذود عن السّيادة الوطنية وتثبيت
أركان النّظام الجمهوري وتعزيز مكوّنات المجتمع المدني
وتنويع مجالات التّنمية وتوسيع الحرّيات لا تقلّ كذلك
شرفا عن مرحلة الكفاح من أجل التّحرير"(26).
N.Q.Dinh,P.Dailer,A.Pelet:
Droit International public, LGDj, Paris, 1987,p383
A.Patry:La notion de souverainete, Critere,no.28,
Montreal, 1980.
Luis Lefur: Etat fédéral et Confédération d'Etats,
Paris, 1896.
الحكم الذي أصدره القاضي ماكس هوبر بخصوص جزيرة بالماس
في 4 أفريل 1928 في إطار الهيأة الدّائمة للتحكيم (
Cour Permanente d'Arbitrage)
P.M.Desfarges: Souveraineté et ingérence, RAMSES 2001,p171-182.
الصادق شعبان: قانون المنظّمات الدّولية، م.د.ب.ن، تونس،
1985.
كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتّحدة،1999.
يلزم ميثاق الاتّحاد الدول الأعضاء باحترام مبادئ حقوق
الإنسان وحسن تدبير شؤون الحكم.
B.Pouligny: Intervention et Souveraineté, C.E.R.I,
Paris, mai 2001
ريتشارد هاس ، مدير إطارات التّخطيط السّياسي بوزارة
الخارجية الأمريكية، في محاضرة ألقاها في مركز الدراسات
الدولية بجامعة جوج تاون بواشنطن، في 14 جانفي 2003.
جلال أمين: عولمة القهر، دار الشروق، القاهرة،ص151 .
الحبيب بولعراس، الإستقلال اليوم،تونس 1991، ص 5.
عبدالفتّاح عمر: الوجيز في القانون الدّستوري م.د.ب.ن،
كلية الحقوق والعلوم السياسية، تونس 1987، ص345.
الحبيب بولعراس، الإستقلال اليوم،تونس 1991، ص 8.
N.Boudali: Protectorat et Indépendence, Tunis 1992,p131
N.Boudali: Protectorat et Indépendence, Tunis 1992,p122
الحبيب بولعراس، الاستقلال اليوم،تونس 1991، ص 13.
عبدالفتّاح عمر: الوجيز في القانون الدّستوري م.د.ب.ن،
كلية الحقوق والعلوم السياسية، تونس 1987، ص249.
S. Bessiss, S.Belhassen: Bourguiba, un si Long règne,
J.A.L, Paris 1989,p9
عقد المجلس التّأسيسي اجتماعه الأوّل في 18 أفريل 1956.
هاجس الوحدة الوطنية شكّل القاسم المشترك بين الدول
حديثة العهد بالاستقلال حتى وإن اختلفت في مستوى وسائل
وآليات بلوغ هذه الغاية. أنظر: Y.Ben Achour:l 'Etat
Nouveau et la Philosophie Politique et Juridique Occidentale,C.E.R.P,
Tunis 1980, p329.
"تشخيص الحكم في الدول حديثة العهد بالاستقلال
يشكّل حائلا لايستهان به، دون تطوّر فكرة الدولة"،
عبدالفتّاح عمر: الوجيز في القانون الدّستوري م.د.ب.ن،
كلية الحقوق والعلوم السياسية، تونس 1987، ص103.
الحبيب بولعراس، الإستقلال اليوم،تونس 1991، ص 5.
في هذا الموضوع أنظر بالخصوص : زهيّر المظفّر: جمهورية
الغد، الأسس والأبعاد، تونس 2002.
حول المقاربة التّونسية في إرساء الدّيمقراطية والتعدّدية
راجع بالخصوص : الصّادق شعبان: بن علي والطّريق إلى
التعدّدية، سراس، تونس 1995.
من خطاب الرّئيس زين العابدين بن علي في الذّكرى 47
للإستقلال، بتاريخ 20مارس 2003.