السياسة وثقافة الغضب
د. عبد السلام المسدّي
أستاذ اللّسانيات بالجامعة التونسية- تونس
إذا غضب الإنسان فغضبه حالة، وإذا قال إنه غضبان فقوله إخبار عن السلوك، هو في الأولى قد تلبّس به المزاج وفي الثانية يتحدث عن نفسه وهو ماسك أمرها. فالغضب في ذاته انفعال ولكن تسمية الغضب غضبا شيء يقع خارج دائرة الانفعال، لأن استعمال اللفظ الدال على الحالة المزاجية دليل على أن الإنسان ما زال يسيطر على انقباض النفس وانبساطها. وهكذا ينكشف أن اللغة حين تتجلى تقيم حاجزا بين الآدمي وحالته الغضبية.
والسياسي المحترف لا يغضب، فإن غضب فمظنون فيه أنه يتماسك فيكتم الغيظ ويُظهر للناس غير ما تكتم عليه، وذاك أيضا شأن المقامات العليا بين خاصة الناس، والسياسي قد يخبر أنه غضبان فيكون إخباره قرينة على أنه متمالك ويكون استعماله للفظ الدال على الغضب دليل قوة لا قرينة انخذال. أما منتهى المفارقات فيتمثل في الخطاب السياسي المحبوك حين يتوسل بلغة الغضب فيكون في أعلى درجات السيطرة على الأحداث من خلال استخدامه للغة، وإذا بالمشهد على غاية من الشدّ : لفظ الغضب دليل على سكون المزاج وعلى هدوء الأعصاب يتوسل به الخطاب السياسي مكرا ودهاء ليصنع لحظة من الغضب يَغرق الخصمُ في انفعالها.
ربما كان لفظ الغضب يمور على خطوط التصاقب بين الوعي واللاوعي في ثقافة السياسة العربية وفجأة برز على السطح في محفل ناريّ وقاد : ففــــي (12 – 4 – 1996) شنت عساكر الجيش الإسرائيلي هجمة على جنوب لبنان متعللة بمطاردة جنود المقاومة وأطلقت على عمليتها اسما خاصا وظبته مطابخ ورشات الخطاب هو (عناقيد الغضب) وكان لفظ الغضب قد اقترن – على مسافة عقد ونصف قبل ذلك التاريخ – بعبارة (خريف الغضب) التي شاعت في ثقافة السياسة العربية كما سنراه. جاءت (عناقيد الغضب) عملية إسرائيلية بتسمية إسرائيلية، فقد كانت إسرائيل تريد الانسحاب من جنوب لبنان بعد أن توقدت نيران المقاومة عليها ولم تفلح في تثبيت جيش عميل لها، وعمت عمليات المقاومة القدس وتل أفيف (4 – 3 – 1996) فتأجل الانسحاب وأقدمت إسرائيل على حملتها التي بلغت ذورتها في (14 – 4 – 1996) ثمّ عمدت إلى قصف قانا في أبشع الجرائم (19 – 4 – 1996) وفي الذاكرة أن مجلس الأمن – تحت إصرار أمينه العام بطرس بطرس غالي – قد شق عصا الطاعة أمام الولايات المتحدة في موضوع قانا، وذاك هو الذي أسرّته في نفسها واختزنت حفيظتها حتى دالَ الزمن فلم ترحم الأمين العام العربي وحرمته فرصة التجديد والاستمرار.
(عناقيد الغضب) صورة لاندلاع الاسم كانفجار المسمى، وللتسمية إيقاع ذو رهبة لأنه يحدث أزيزا في الذهن كأنه دويّ على غشاء الطبلة في الآذان، ومن الصدف أن يلتقي الصدى بين إيقاعات الاسم وهو يتجوّل من لغة إلى أخرى :
The grapes of Wrath.
Les Raisins de la Colère.
عناقيد الغضب.
ولكن شيئا آخر يثوي خلف الإيقاع المعلن، يغفل عنه بعض الناس ويفطن به بعضهم الباقي، فالتسمية ليست من ابتكار المخططين العسكريين الذين وظبوا العملية وإنما استخرجها بعض الدهاة من حراس الأرشيف هؤلاء الذين يديرون دواليب ورشة الخطاب ويتقنون بمهارة فائقة وصفة الأطباق في مطابخها. فالعبارة بنصها الحرفي عنوان قصة كتبها الروائي الأمريكي ذو الأصول البولونية جون شتاينبك John Steinbeck (1902 – 1968) كتبها عام 1939 فساهمت في إحرازه على جائزة نوبل (1962) ومن أوضح القرائن على أن السياسة تستخدم اللغة من حيث هي أداء لفظي لا غير فتعزله عن سياقه التداولي ثم تفصل بينه وبين دلالاته أن مضمون الرواية لا علاقة له بما أراده العسكر الإسرائيلي في جنوب لبنان، فالروائي شتاينبك كان يَصدر عن إيمان عميق بالفرد الآدمي وكان ينحو منحى المذاهب الإنسانية ذات المنزع المثالي، وفي روايته تلك يدين الصبغة غير الإنسانية التي آل إليها التطور الاقتصادي يومئذ بعد أن عم تصنيع الفلاحة وانجلت عواقب الرأسمالية المستبدة. فلا شيء يسيغ إذن استدعاء عنوان الرواية لإطلاقه على العملية العسكرية بكل فظاعتها الانتقامية إلا ذاك الإيقاع الصوتي محفوفا بلفظ الغضب.
من هذه اللقطة اللغوية سنمسك بسلك على طرفه عدسة كاشفة فنتجوّل به عبر أنفاق السياسة في رحلة إن لم نستطرفها فلا أقل لنا من أن نحوّلها إلى تسآل متجدد. فالغضب كلمة تحتل موقع النواة من جهاز ذهني كامل، وعلينا أن نتعقب منعرجات تناسله. لن يكون بأيدينا دفتر الحالة المدنية لتثبيت ساعة الميلاد في كل جنين لغوي جديد، ولكننا سنصطنع العلائق كما لو أنه استقراء يومئ إلى استنباط افتراضي. فلئن لم يحصل بأيدينا في خاتمة المطاف إلا حصاد يسير فسيكفينا زرع الوعي بالمساحة الفاصلة بين بديهيات نحن واعون بها وبديهيات لا نتبصّرها إلا بعد أن ينبهونا إليها، وعندئذ يغمرنا السؤال الحائر : كيف لم ننتبه من قبل ؟ وقد تكون نشوة الانكشاف بدأت حين وصلْنا رواية (عناقيد الغضب) بعملية (عناقيد الغضب).
ليس غريبا أن تقفز إلى الذاكرة العربية – بفضل هذا الاستنفار الذهني – لقطة إبداعية صيغت على مناويل الشعر ولم تنسجها ألياف الرواية. منذ زمن كان للشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي موعد مع الصورة الموحية، ففي الستينيّات وضع ديوانا أسماه (النار والكلمات) واستهله بقصيدة عنوانها (اعتذار عن خطبة قصيرة) أرّخها في (8 – 6- 1960) وجاء فيها :
سيّداتي سادتي
خطبتي كانت قصيرة
فأنا أكره أن يستغرق اللفظ زماني
ولساني
ليس سيفا من خشبْ
كلماتي – سيداتي – من ذهبْ
كلماتي – سادتي – كانت عناقيد غضبْ
وليس لنا من خيار أمام الصورة الشعرية إلا الاتجاه صوب التفكيك الدلالي المترع تكنية ومجازا : تركيبة العنقود لوحة مجسمة للارتصاف الكثيف، ولكنه – على غير صورة حبات الرمان – عار مكشوف لم تغلفه الطبيعة بجدار عازل ولا بغشاء ساتر، وأما الأبلغ فهو بنيته التي على شكلٍ مخروطي يبدأ حبّة ثمّ يتصاعد حبّات حبّات، فإذا جمعت العنقود على صنوه تكاثر فغدا عناقيد وتضاعف الناتج بلا حد. وهل أوفى من تلك الصورة تدليلا على تكاثر اللفظ باللفظ والغضب بالغضب : كلماتي سادتي كانت عناقيد غضبْ.
بين الشعر والرواية وأرض المعركة تنتصب التماثيل لتقول لنا : عليكم بثقافة الغضب حيث الرمز الموّار. فمن لنا بمنجد يسعفنا في التقريب بين الغضب الروائي والغضب الشعري وذاك الغضب الذي هو إعلاء لصوت الباطل كي يغمر بقايا الصدى من أصوات الحق ؟ ثم على من كان البياتي يعلن غضبه في ذاك الزمن زمن "النار والكلمات" يا ترى ؟
صعبٌ على المتابع للأحداث أن يفهم سر تواتر لفظ الغضب إن لم يكن قد جمع بين القرائن على مدى السنوات، فهذه الكلمة أصبحت من الحضور في الأسامي بحيث غدت رسالة مشفرة على صعيد الإعلام، وليس يتسنى فك شفرتها إلا بعدسة كاشفة للولائج المتوارية بين سلطة اللغة وسلطة السياسة. منذ عناقيد الغضب الإسرائيلية كف "الغضب" عن كونه لفظا من قاموس النفس في وصف مزاجها وتصوير تقلباتها وأضحى مفردة عسكرية كاملة الأوصاف، ثم على التدريج أمسى حاملا لخطاب رمزي يكاد أن يكون عاري الطلاء مكشوف المساحيق.
في سياق المناخ النضالي الذي هيأ الانتفاضة الفلسطينية الثانية ثمّ تابعها بعد أن رافقها انطلقت التسمية مخصصة الثانية كي تميزها من الأولى فقيل عنها هي انتفاضة الأقصى لأن شارون قد داس بقدميه تراب الحرم المقدس، يومئذ أعلنت المقاومة أن يوم الجمعة الموافق (6 – 9 – 2000) هو (يوم الغضب) فكانت الأذن العربية على موعد مع إيقاع ثقافة جديدة، وربما تكون الآذان لاهية، وربما تكون صاغية، ولكن تواتر الصدى سيغتصب من الأذهان خمولها ليضعها على جمار الوعي المتلضي. بعد زمن – هو بقياس التاريخ هنيهة ولكن بقياس ضحايا القنص الإسرائيلي أزل جحيمي – عادت المقاومـــة الفلسطينية لتعلـن أن يوم (8 – 10 – 2004) هو ( يوم غضب) تشهيرا بفظاعة القمع الإسرائيلي في قطاع غزة، وكان ذاك اليوم هو الآخر يومَ جمعة، فتكاثف الرمز على الرمز، وبدا واضحا أن الرسائل المشفرة تصل إلى أصحابها بصفاء الخمسة على الخمسة. ويكفي المتثبت أن يلاحظ كيف بدأت العبارة في الاستعمال الأوّل باستعمال الغضب معرّفا بالألف واللام ثمّ نزعتهما عنه في المرة الثانية وجاءت به على النكرة : ذاك معناه أنه لم يعد يوما واحدا وإنما هو سيتعدد ويتكاثر.
ولم يمض شهــران حتى تجدد الموعــد وكان حارا حميما : صقور فتح – الجناح العسكري لمنظمـة فتح – تنجز عمليـــة نضاليـة وتتبناها، كانت غاية في الدقة والإعجاز، وكانت أنموذجا في تطابق الأسماء على مسمياتها. في (12 – 12 – 2004) تمّ تفجير مجمّع معماري هائل في تلك العملية التي اختير لها اسم (براكين الغضب) وليس الاسم تخييلا شعريا ولا هو مجرّد صورة فنية، إنه وصف يحاذي الحقيقة الفيزيائية، فالعملية تمثلت في حفر نفق أرضي يصل منتهاه إلى قواعد المجمّع المعماري، ودام الحفر أربعة أشهر حسب توصيف صقور فتح أنفسهم، ثمّ زرعت الألغام فانفجر المعمار من قواعده في باطن الأرض، وهل هناك ما يحاكي معنى "البركان"بأفضل من ذاك الصنيع ! وبين الدلالة العسكرية والدلالة الجيولوجية يستوي خطاب المقاومة متألقا ببهاء التسمية.
لكأنما غدا الغضب المفردة العسكرية الأدلّ، ولكأنه الأحق بالتجلي حيثما كانت مقاومة تتصدى لاغتصاب الحق، على زمن واحد كان للتحالف الإسرائيلي الأمريكي صورة مضادة يعليها تحالف الهوية على أرض فلسطين وعلى أرض العراق. وأقبلت اللغة بأسمائها تحتفي بهذا القران. فعندما قالت المقاومة الفلسطينية إنها أنجزت (براكين الغضب) لم يكن من إسرائيلي قياديّ إلا وهو يتجرّع مرارة الاسم الذي اختارته عساكره عام 1996 جنوب لبنان. أما في الساحة الأخرى – حيث التوأم في الهوية والتاريخ – فكان الموعد موعدين : في(25 – 8 – 0 200) والنجف محاصر، ومرقد الإمام عليّ مطوّق، اندفعت المقاومة العراقية في عملية قنص استثنائي فاحتجزت "شخصيات" عراقية يتعاونون مع الغزاة المحتلين، وأعلنت أن للذين أنجزوها اسما، وأن اسمهم (كتائب الغضب الإلاهي) وبعد أربعة أشهر ونيّف في (4 – 1 – 2005) ومعركة ليّ الذراع في ما أعلن أنه الانتخابات المؤسسة للديموقراطية على أشدها عمّت بغداد عمليات للمقاومة قال عنها منفذوها إنهم (كتائب الغضب الإسلامي).
أفلا يرى الرائي إلى سحرية المشهد وألوان لوحته تتداخل فيها ريشة السياسة وأقلام اللغة، إنها شبكة من الرسائل المكشوفة ولكن الإعلام العربي – في معظم أحواله – كان يتلهى فقلما كان فيه رجل رشيد يميط اللثام عن لعبة "التغبية" التي تَحيكها الأصوات الرسمية. في النجف كان الاسم (الغضب الإلاهي) وفي بغداد (الغضب الإسلامي) أما الذي هو مقصود بالرسالة فالقائمون على تدبير الانتخابات والماسكون بأزرهم واللذين يصرون على إجرائها في موعدها (30 – 1 – 2005) مهما تكن أحوال السياق، ولكن فحوى الرسالة أن أهل السنة ليسوا أقل كفاءة في صياغة مفردات الغضب وهم – بسبب ذلك ومن أجله – ليسوا أقل قدرة على الإمساك بناصية الأحداث. الغضب الإلاهي والغضب الإسلامي قرينان على ساحة واحدة يحتفلان بمراسم التضحية والفداء : هذا باسم الجماعة وذاك باسم الشرف الخالد.
كان الركب اللغوي متخلفا مع جيش الاحتلال، ولم يكن يسيرا عليه أن يلعب بمفردته على منصة اللغة. ففي يوم من الأيام لذ له أن يداعب أهواء التسمية فأطلق يوم (9 – 10 – 2004) على عملية اقتحام الفلوجة اسما كانت له على ألسنتهم قصة تغري وتلهي، قالوا هي (عملية الفجر) فهل كانوا يمرّرون مدينة التاريخ على جراح الذاكرة بساعة الفجر من يوم السابع عشر من رمضان سنة 40 للهجرة ؟ ربما، ولكن لا أحد يجزم، أما المقطوع به يقينا فهو العزف على أوتار التسمية بالإلهاء السخي : في (14 – 10 – 2003) قبض الأمريكان على صدام حسين وسموا تلك العملية (الفجر الأحمر) أفلا ترى أنهم يربطون بين الفلوجة معقل المقاومة السنية والرئيس العراقي المخلوع ذي الانتماء السني، فأي إغاظة هذه ؟ ومن للإعلام العربي بواخز يوقظه ؟ ولكن الأدق والأدعى للتمحيص هو أنهم بعد أيام من انطلاق (عملية الفجر) في اقتحام الفلوجة تبينوا أن الأمر أصعب بكثير مما تصوّروا وخططوا، وكان ذلك دأبَهم في كل مراحل مشروعهم الغازي، فأعلنوا اسما جديدا للعملية، سموها (عملية الشبح الغاضب) فعادوا إلى التوسل بهذه المفردة "السحرية" مفردة الغضب بوصفها عتادا ضمن منظومة الأسلحة في الميدان العسكري، أما الأشباح فمن لوازم الليل والفجر إن أردت، وهي من توابع سلاح الجو حيث تطير الطائرات محجوبة عن عدسات الرادار إن ابتغيت، ففي كل الأسامي نوافذ للتأويل وأخرى للتأويل المضاد.
ها نحن بحضرة الغضب وقد ترسخ مفردة عسكرية على أرض المعارك ولكنه اتقد لهيبا على حلبة التراشق اللغوي : كل معسكر يقذف برسائله المشفرة نحو المعسكر الآخر وجمهور الناس صم أو بكم في محفل الزفاف، ولكن الغضب لم يألُ جهدا في الانصياع إلى قيود السياق، يتلبس بلبوس الشرط الحاضر فتغلب عليه سمة الوصف والتدوين ثم يستوي مفردة سياسية خالصة، هكذا وظفه محمّد حسنين هيكل عندما وضع مصنفه الخطير (خريف الغضب) حيث روى قصته مع محمّد أنور السادات في كتابة سردية هي أعلق بكتابة السيرة الذاتية.
ما يعنينا تخصيصا هو الكثافة العالية التي كان لفظ الغضب بجل مشتقاته يتواتر في سرد الخطاب، أما المضمون فمداره إخراج عملية اغتيال الرئيس المصري في ثوب النتيجة الحتمية لحيثيات صنعها السادات بنفسه كان آخرُ مشاهدها حملة الاعتقالات الواسعة التي شملت المؤلف نفسه. جاء الكتاب في ستة أقسام، بدأ الحديث في آخر القسم الخامس عن (الغضب في كلّ مكان) وانتهى بالقول (كانت موجات الغضب تعلو حتى تكاد تغطي كل نواحي الحياة في مصر : الشارع غاضب... المسجد غاضب... وفوق ذلك كان الجالس على العرض البابوي غاضبا) ثمّ يأتي القسم السادس تحت عنوان (الصواعق) مفصلا المشهد الأخير من حياة السادات ومتخذا من لفظ (الغضب) طاقة تصريحية تتوالد وتتناسل حتى تحمل القارئ حملا على تعجل النهاية بأكثر مما تعجلت به عجلة الزمن. وبدأ الفصل الأوّل من القسم السادس بعنوان (3 سبتمبر 1981) فساغ لمن يصر على تفسير المفردات أن يقتنع بعنوان الكتاب (خريف الغضب) فشهر سبتمبر هو أول أشهر فصل الخريف في سماء الطبيعة.
من ذاكرة الزمن يعود الغضب على ركح مفردات السياسة، وحين يصدر اللفظ عن الجهات التي عرفت باتزان الخطاب وأناة التدبير وجميل الصبر يكون له أفق رمزي كثيف : في مطلع سبتمبر 2001 كانت الأمم المتحدة تستعد لدورتها العادية وكان الرئيس الفلسطيني يتأهب لحضور جلساتها وإذا بالبيت الأبيض يعلن أن جورج بوش غير مستعد للاجتماع بياسر عرفات فلم يكن من الأمير سعود الفيصل – وهو في واشنطن يتجه نحو نيويورك – إلا أن صرح قائلا (إن المملكة السعودية تشعر بالإحباط والغضب) وأردف (إن فشل الرئيس بوش في التوصل إلى تسوية سلمية يجعل العاقل يفقد صوابه) والذي يُمد أفق التحليل في وشائج اللغة والسياسة هو هذه المصادفة بين اللفظ ورديفه : فالغضب توترٌ وهو من القواميس الطارئة على العرف الدبلوماسي ولكن فقدان الصواب يسوّغه، فسبب السبب هو السبب : فشل بوش في أداء وظيفته (وسيطا أمينا) على حد عبارة سعود الفيصل فيما أفاض فيه بعدئذ (الشرق الأوسط 10 – 11 – 2001).
إن الغضب كلما اقترن بالخريف كانت الدلالة في الطبيعة من تحصيل الحاصل، ولذلك تشيع في أدبيات التعليم وفي لغته الإنشائية عبارة غضب الطبيعة في فصل الخريف، ولئن كانت العبارة ذاتها مما قد أثث معجم الرومنسيّين الألمان والفرنسيين ثمّ الأدباء العرب المهاجرين وغير المهاجرين فإن الصورة المناظرة لها قد كانت دوما هي ابتهاج الطبيعة وزهوها في فصل الربيع، وتحوّلت مفردات الطبيعة إلى حقل السياسة، وكان الموكب اللغوي بهيجا حين تألقت عبارة (ربيع براغ) يوم انتفض الشعب التشيكوسلوفاكي في (15 – 4 – 1968) رافضا القهر الشيوعي المنتصب منذ 1948 ومناديا بإرساء الديمقراطية، وقد تزعم رئيسه أكسندر دوبشاك هذه الانطلاقة التي قمعت بدخول عساكر حلف فرسوفيا في (20 – 8 – 1968) وفي الأثناء كانت اللغة تَجدِف في إعياء شاحب على مجاديف اليأس حين اجتمع سبعون من العلماء والمثقفين والفنانين فحرروا بيانا مؤلفا من ألفي كلمة سموه (مانيفاست الألفي كلمة) وانتصـروا فيه لريــاح الحرية، ولكن ستار الأمل أســدل على المشهد التراجيـدي يوم أقدم الطالب جون بالاش (16 – 1 – 1969) على إضرام النار في جسده وسط جماهير براغ في أعظم ساحاتها أشهرها : ساحة فانشاسلاس.
فإذا أسلمنا خواطرنا للتداعيات مذعنين إلى إيحاءات اللغة حين يكون اللفظ كالزائر المتجوّل بين السياقات تذكرنا ربيعا آخر وضع بصمته على جدران السياسة وترك مآثره في سجل الكفاح الديمقراطي. كان على رأس الحزب الشيوعي الصيني رجل اسمه هُو ياوبنغ، حاول فتح النوافذ فأزيح (1987) ومات بعد عامين. ويوم جنازته (22 – 4 – 1989) عمت بيكين مظاهرات طالبية للبكاء عليه وإعلان الغضب على النظام القهري وتحولت ساحة تيانامان فضاء فسيحا للاحتجاج ولإقامة معلم للحرية صُنع من مادة البولستيران، وإذا برئيس الحزب يومئذ زهاو زيانغ يجنح للمهادنة ويسعى إلى المحاورة في ما سمي عندئذ (ربيع بيكين) لأن الشهر كان الثاني من فصل الربيع. ويوم (25 – 5 –1989) أزيح الرجل وأودِع الإقامة الجبرية لتنطلق عملية القمع الفظيع (4 – 6 – 1989) حتى إذا مات زيانغ بعد خمسة عشر عاما (16 – 1 – 2005) وشطرنج العالم قد تبدل لم يلق مماته ولو بقية باقية من أصداء النفس الثوري.
قصة (ربيع براغ) و(ربيع بيكين) جزء من تواشج سلطة اللغة وفعل السياسة ولكنها لم تكن لتسوغ في سياقنا هذا لولا ومضة لغوية جاءت بها الأحداث فاستحقت النصاب الذي نحن فيه. فعلى مسافة متراوحة من التاريخ ومسافة صغرى من الجغرافيا كانت المنظومة اليوغوسلافية قد ارتطمت على جدران الزمن الجديد فتطايرت شظاياها وفي (5 – 10 – 2000) تجدد الموعد مع تسمية الأحداث باسم فصل من فصول الطبيعة الأربعة هو فصل الخريف ذاك الذي رأيناه قرينا وفيا للغضب، يومها انتصر فوسيسلاف كوستونيكا في الانتخابات الرئاسية اليوغوسلافية على الرئيس القائم سلوبودان ميلوزوفيتش، ولكن الرئيس المهزوم قرر إلغاء الانتخابات فتهاطلت جموع الناس كأمواج بشرية لتحاصر مقر البرلمان في مد غاضب سموه (خريف بلغراد) وكان الزمن في أواسط فصل الخريف فعلا فتعانق فعل اللغة وفعل السياسة على منبر الطبيعة ولم يبق لميلوزوفيتش إلا أن أسلم أمره بعد يومين للغضب الشعبي الذي دلت عليه كلمة الخريف.
بين قاموس الحرب ومعجم السياسة يتجوّل لفظ الغضب في رحلة خفية لا يتعقبها إلا من أمسك بالفوانيس ونزل أدغال السياسة لا تثني عزمه متاهات اللغة ولا حبائل الدلالة، فهاهو الغضب يكف عن سِمته القدحية فينزع عنه السياق غبار الأتربة ووعثاء الرعونة، لم يعد مَثلبة يتوارى بها العاقل كلما أفقده الانفعال صوابه، إنه مطلب من مطالب النضال، بل هو الكائن الهَلامي تتعدد مَلامسه بتعدد مقتضيات الخطاب : إثر مأساة 1967 – وقد تلطف الحس العربي مستجيبا لنداءِ أولي الأمر في تسميتها نكسة والتخلّي عن تسميتها نكبة – هزجت فيروز بالشعر المغنى لزهرة المدائن فكانت مفردة الغضب هي القادحَ لأنوار الأمل (الغضب الساطع آت، بجياد الرهبة آت، وسيهزم وجه القوة، ويعيد بهاء القدسِ...) وتجدد موعد العرب، كل العرب بإذاعاتهم وفضائياتهم، مع صوت نهاد حداد – فيروز – وهي ترتل على الآذان وأمام العيون أهازيج زهرة المدائن حيث امتزجت في بهاء متعالٍ إلهامات عاصي الرحباني وأوتار الأخويـن، كان ذلك يوم داست الأقدام المدنسة أتربة القدس الطاهرة في ما سمّي بعدئذ بالانتفاضة الثانية (28 – 9 – 2000).
مفردة الغضب – كما ترى – مسدس في ميدان المعركة، وهي شعار على منبر السياسة، ثمّ هي نشيد في مصداح الحماسة، ولكنها أيضا راية يرفعها الشاعر ليعلي بها صوت الهوية والانتماء، ويوما كان الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد خائفا على العروبة يرتجف خوفا من ضياعها فصاح صيحته ملتحما بالقضية فلم يجد خيرا من تلك المفردة فنادى (لبيك أيها الغضب) ويوما آخر كان المثقف العربي يجهد نفسه ليلتقط بين سجوف الظلام حبة من النور ثائرا على سخرية المواعيد : بعد نضال دام سبعة أعوام قفل رياض الريس مجلة الناقد (جوان 1995) فجمع مقالاته فيها ونشرها في كتاب وضع له من العناوين أدلها وأعلقها بما نحن فيه، هو (أكتب إليكم بغضب) ثمّ أضاف (كيف تقول لا في عصر نعم).
وترتدّ القيم على أعقابها فإذا بالغضب - وهو الانفعال الشائن المقيت الذي طالما حذرتنا منه وصايا الأنبياء ووصايا الحكماء ونبهنا إلى مخاطره علماء النفس وأطباء الشرايين – قد استوى قيمة في ذاته، بل إنه الفضيلة الغائبة التي لا مطلب على لسان المثقف الملتزم إلا بإقامتها وإعلاء شأنها، من أجل ذلك بدا لأسامة أنور عكاشة – ذاك المثقف المصري الذي اختص بكتابة النص الدرامي وأصبح فيه مرجعا – أن يوقع هو الآخر على ميثاق الغضب في حمية عربية كلها جرأة على النفس وعلى الوطن مستهلا بالقول (غضب لا يأتي) وواصلا (هُنا على أنفسنا فهُنا على الجميع، ومن يَهُن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام، وهُنا لأننا نسينا أن الغضب الحقيقي هو التغيير وهو هجر الاستكانة والضعف، فأصابنا الهوان ولن ينقذنا إلا الغضب الحقيقي نصنعه ولا ننتظره) كما جاء في أوراق مسافر (الاتحاد، الإمارات، 9 – 12 – 2000)
لكأن الغضب هو الميثاق الثوري في زمن التفاهة.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>