ندوات

في ندوة "بيت الحكمة" بتونس حول تجديد الفكر العربي والتسامح :
العرب: الدعوة الكونية للتنوير ظلّت في الكتب..

- افتقار جلّ التيارات الفكرية العربيّة الى الوعي التاريخي بالحاضر وبأسئلته ومتطلباته.

- عوائق التقدّم لدى العرب ذهنية أساسا والممارسة العقلية تحرّرنا منها.

- النخب الثقافية العربية عجزت عن التواصل مع مجتمعاتها ومعاركها الايديولوجية تبعدها عن الواقع وعن التأثير فيه

- لا مجال للقطع مع الماضي نهائيا ويمكن للدّين ان يلعب دورا تحرّريا وتنويريّا

- لا شيء يمنع العرب من خوض تجربة التنوير لأنها تجربة غير محلّية

- التربية على قيم التنوير تحرّرنا من فكر الانغلاق والتعصّب وتدفع بنا في دورة التاريخ العالمية

تونس – "أفكار أونلاين" - خيرة الشيباني

مازالت حركة التنوير العربيّة تثير العديد من الأسئلة حول مدى نجاحها أو إخفاقها في تحقيق آمال وطموحات من نهضوا بها من مفكّري الإصلاح والتحديث منذ بدايات القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين.

كما أن هذه الأسئلة تذهب في اتجاه تَبَيّنِ صلة هذه الحركة بفلسفة الأنوار الأوروبية ومدى امتداداتها في حركة الفكر العربي الراهنة، وحاجة هذا الفكر إلى التجديد في ظلّ ما يعرفه العالم من تحوّلات جذرية طالت الأفكار والمفاهيم وأنماط العيش الاجتماعي والسياسي.

المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة" اختار، بالتعاون مع جمعية الفكر العربي المعاصر بمصر أن يعيد طرح قضية حركة التنوير العربية في صلتها مع موضوع تجديد الفكر العربي اليوم ومع مسألة التسامح التي تعدّ من القيم الأساسية التي صاغتها بوضوح فلسفة الأنوار الأوروبية، وذلك بتنظيم ندوة فكرية دولية انتظمت بتونس من الثامن إلى الحادي عشر فيفري/فبراير 2005 بمساهمة مجموعة من الباحثين والمفكرين من تونس ومصر والمغرب. وقد اهديت أعمال هذه الندوة إلى روح المفكر العربي هشام شرابي، الذي خُصّصت جلسة من جلسات الندوة لتسليط الضوء على مساره المعرفي والفكري والتعريف بجوانب هامّة من حياته تتعلق بالذات بالتزامه السياسي بقضايا أمّته وعلى رأسها القضية الفلسطينيّة.

افتقار للوعي بالحاضر

عالم الاجتماع التونسي الدكتور عبد الوهاب بوحديبة الذي يرأس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون أكّد في كلمته الافتتاحية للندوة على أهمية تواصل المثقفين العرب وتجديد لقاءاتهم في مثل هذه الظروف العصيبة التي تعيشها الأمّة العربيّة، والتي طفت فيها على السطح تيارات مختلفة منها ما يمكن فهمه والسيطرة عليه ومنها ما قد يمتنع علينا كلّ ذلك تجاهه. وأضاف الدكتور بوحديبة اننا لا نزال في حاجة مستمرّة إلى تناول قضية التنوير والتسامح والتجديد في الفكر العربي لرفع التحديات التي نواجهها، وهو ما لا يعني قطعا ان سالف ثقافتنا قد تناست التنوير والتسامح مبدَأَيْن أصيلين في فكرنا وثقافتنا العربية. وذكر الدكتور بوحديبة أن هذا اللقاء بين أفراد من النخبة الفكرية العربية يهدف أيضا إلى تقديم واجب التحيّة لروح المفكر العربي الدكتور هشام شرابي الذي يمثل الفكر العربي بعمقه وحيويته ومأساته.

ومن جهته ذكر الدكتور احمد عبد الحليم عطية رئيس جمعية الفكر العربي ورئيس تحرير مجلّة "أوراق فلسفية" التي ما انفك يرعاها منذ خطواتها الأولى بدأب وصبر وجَلَد، إن العرب يمرّون بمرحلة تمثل الثقافة فيها خط الدفاع الأخير والوحيد عن الأمّة، بعد فشل الأحزاب وإخفاق الثورات العربية وتردّي حكم الفرد، موضّحا ان الثقافة هي الدفاع عن الوجود وعن الهوية وضدّ كل أشكال التمزّق التي يعاني منها الفكر العربي، لإعادة صياغة الهوية العربية في عالم يستهدف هذه المنطقة تحديدًا، منوّها بالجهود التي يقوم بها "بيت الحكمة" وكذلك جمعية الفكر العربي المعاصر في ربط الصلة بين المثقفين العرب، ودفع المثقف العربي للقيام بدوره.

هذا وقد رُتّبت الندوة ضمن ثلاثة محاور رئيسية هي :

- التنوير والتسامح، قراءة تاريخية.

- إشكالية الأزمة في الفكر العربي المعاصر.

- وأخيرا مقوّمات الفكر العربي المعاصر، آفاق التجاوز.

وضمن المحور الأوّل قدّمت الدكتورة عطيات أبو السعود أستاذة الفلسفة بجامعة حلوان (مصر) قراءة في المشهد الفكري العربي الحالي وما يخترقه من تيارات فكرية وذلك من خلال فهم العلاقة بالماضي والحاضر والمستقبل. وقد رأت الدكتورة أبو السعود ان الساحة العربية الثقافية يتنازعها تياران فكريان، تيّار اوّل يشدّنا الى الماضي حيث »الجذور والأصول والبدايات الأولى بكل ما تحمله من قيم تراثية، وتيار ثان يدعونا لنشدان المستقبل والتطلّع إليه خاصّة في ظلّ التغيّرات العالمية المتلاحقة. وتتساءل الباحثة: أين واقعنا الحاضر من هذين التيّارين المتعارضين؟ وما هو الدور الذي يقوم به الوعي التاريخي بالحاضر والذي يتحدّد وِفْقًا له موقفنا من الماضي ومن المستقبل على حدّ السواء؟

وبعد تحليل لجدلية الماضي والحاضر والمستقبل واستحالة وضع حدود فاصلة بين هذه الأبعاد الزمانية، تذهب الدكتورة أبو السعود إلى أن نظرة أصحاب التيار الماضوي تفتقرُ إلى الوعي التاريخي بالحاضر والماضي على حدّ السواء، اذْ أنهم رسموا صورة غير واقعيّة عن العصر الذهبي للماضي حيث ان هذا الأخير ينطوي على لحظات وعي ولذلك أصبح تراثا ثقافيا يحمل قيما يمكن ان تدفع مسيرة التاريخ إلى الأمام، كما انه ينطوي من جهة أخرى على فترات زمنية خالية من المعنى ومُفْرغة من القيمة بحيث يمكن ان تدفع حركة التاريخ إلى الخلف. كما ان أصحاب هذا التيّار يتصوّرون إمكانية استحضار الماضي في الحاضر ليصبح قوّة فعّالة فيه، متجاوزين بذلك المسافة الزمنية الشاسعة التي تفصلنا عنه ومتغافلين أيضا عن متطلبات الحاضر. وأوضحت الباحثة ان هذه الملاحظة لا تعني نفي الماضي نفيًا مُطلقا، وضرورة تجاوزه تماما، ولكن المقصود من ذلك هو تواجد الماضي في الحاضر بشكل أو بآخر من خلال التواصل مع العناصر الحيّة والخلاّقة والفاعلة فيه، اذ ان هذا التواصل هو الذي يسمح بتجاوز الماضي إلى مرحلة أعلى وصولاً إلى الحاضر الذي يحمل الجديد المغاير.

وتوضّح الباحثة ان النظرة اللاتاريخية للماضي، كشفت عن عدم اكتشاف مواطن القوّة والضعف فيه، وهذا الفكر الذي يدعو إلى تمجيد الماضي على إجماله بدون مراجعة نقدية هو فكر يتجاوز »المفارقة الزمنيّة بين الماضي والحاضر، ويقتصر على الاستعانة بمُقوّمات الماضي لمواجهة المتغيرات المستجدّة في زمن الحاضر، وهكذا يصبح التطلّع الى الوراء هو أمل الحاضر وبذلك يضيع الماضي ويضيع معه الحاضر.

هذا في ما يخصّ العلاقة بالماضي كما قدّمها التيار الماضوي، فماذا عن التيار الثاني الذي يطالبنا بالتطلع الى المستقبل في انقطاع عن الماضي وفي لامبالاة بالحاضر؟

تؤكّد الدكتورة عطيات أبو السعود زَيْفَ هذه الدعوة أيضا، موضّحة ان الحاضر هو"انطولوجيا الوجود الحقيقي"، القادر على استدعاء الماضي وتوقّع المستقبل وهو المنعطَف التاريخي الفعلي الذي يحدّد نقطة البداية لاتجاه الحركةِ إمّا تقهقرًا إلى الخلف أو تقدمًا إلى الأمام. وتؤكد الباحثة في توضيحها لعلاقة الحاضر بالمستقبل ان الحاضر عندما يكون خلاّقا ومبدعا فإنه يفتح لنا الطريق إلى المستقبل دون أن يجعل الحاضر منفّرًا لنا. أما إذا نظر الناس إلى الحاضر بغير رضى واعتبروه غير محتمل ولا يمكن التغلّب على مصاعبه، فإنهم يلتمسون العزاء في واقع آخر لازماني. وفي هذه الحالة "تنفصم عرى العلاقة الجدلية بين الحاضر والمستقبل"، وليس هذا فحسب، بل يغترب الحاضر ويغيب المستقبل تماما.

بهذا التحليل لدعاوى التيّارين الفكريين اللذين ترى الباحثة أنهما يسيطران على الساحة الفكرية العربية، تخلص إلى أنهما يفتقران إلى الوعي التاريخي بالزمن الحاضر، وهو وعي يمكّننا من التواصل مع الماضي لأنه يحيا فينا بشكل ما، وبإمكانات الحاضر التي يتضمّنها المستقبل. وتذهب الدكتورة أبو السعود إلى أن عصر النهضة الأوروبية مثّل نموذجا فعليا للوعي التاريخي بالزمن الحاضر، ولحظة إدراك واكتشاف للامكانات الثورية الكامنة فيه والتصميم الإرادي على نقلها من حالة الامكان إلى حالة التحقق. ولكن هذا لم يكن يعني ان عصر النهضة كان مقطوع الصلة عن ماضيه، ذلك ان النهضة الأوروبية مرّت بفترة احيائية أولى وذلك بحافز من المعارف والتجارب الإغريقية والعربية، وكانت هذه اللحظة إقرارا للصلات بمعين الحياة الثقافية الأساسية. اما الفترة الاحيائية الثانية فقد شهدت تقدم المنهج التجريبي وبدايات العلم الحديث وانطلاقة المغامرة الفكرية الكبرى التي عاشتها أوروبا منذ القرن السابع عشر والتي مازالت تعيش امتداداتها اليوم بما تعرفه من ازدهار وتقدم في جميع المجالات.

الأنوار ظاهرة أوروبية

لقد استعصى على العرب بناء نهضتهم وتجديد فكرهم وممارساتهم الاجتماعية لأنهم كانوا فاقدين للوعي بلحظتهم الزمانية، أيّ بحاضرهم ومتطلباته، وأسئلته، وكانوا ولازالوا، إما منجذبين إلى الماضي أو متطلّعين إلى المستقبل.. هذا ما يمكن ان نستخلصه من بحث الدكتورة عطيات أبو السعود الجادّ والمطوّل، وهو موقف يحتاج إلى نقاش منطلقاته ونتائجه أيضا. ولأنّه ليس هنا مجال نقاش هذا الموقف، فإنّنا نجد في مداخلة الدكتور توفيق الشريف أستاذ الفلسفة بجامعة تونس المنار ورئيس "جمعية الجماليات والإنشائية" ما يدعم من جانب ما ذهبت إليه الباحثة حيث يعتبر الدكتور الشريف ان الأنوار ظاهرة أوروبية، لم يستطع العرب تحقيقها، ذلك ان الأنوار الأوروبية ظهرت في سياقات تاريخية محدّدة، وضمن شروط فكرية ومعرفية معيّنة. وقد استعرض الباحث المقدمات الأساسية لفلسفة الأنوار الأوروبية مؤكدا ان عصر الأنوار شهد انبعاث أَنْسَنَةٍ جديدة برزت من خلالها صياغة جديدة للإنسان ولعلاقته بالطبيعة وباللّه، حيث بدا الإنسان كائنا متحرّرا من كل قيد، غير خاضع لإرادة خارجية غير إرادة العقل، قادرا على الائتمان، متخلّصا من الخطيئة الأولى، التي كرّستها المسيحية. ومن خلال هذا الفهم برزت أهمية التربية في تكوين الإنسان وفي خلق فضاء عمومي للفكر الحرّ، كما برز مفهوم المثقف الذي له رأي في الشأن العام، كما تدعّمت فكرة الفصل بين الدين والسياسة ورفض الكهنوت. وبالرّغم من ظهور تيار مناهض لعقلانية عصر الأنوار منذ القرن التاسع عشر، فإن المقوّمات الحقيقية للتنوير ظلّت قائمة في نسيج الحضارة الأوروبية فاعلة فيها إلى اليوم، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا لم يحقق العرب مثل هذه الحركة التنويرية؟.. وردّا على هذا التساؤل يجيب الدكتور الشريف انه بالرّغم من وجود حركة شبه تنويرية ساهم في بعثها روّاد الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، فإن هذه الحركة لم تفلح في حسم المسائل الأساسية التي قامت عليها فلسفة الأنوار كالفصل بين الدّين والسياسة، وظلّت مقوّمات الفكر التقليدي قائمة لأنه لم توجد إرادة حقيقية في إعادة النظر في هذه المقوّمات. وخلص الباحث انه كان من الصعب نسخ حركة الأنوار الأوروبية لأنها كانت مشروطة "بسياقات معيّنة ومقاصد معيّنة وبإرادة معيّنة".

عوائق وحدود ذهنيّة

ان فشل العرب في جعل الأنوار ظاهرة عربية أيضا، كان بدوره موضوع تأمّل وتفكير للدكتورة رجاة العتيري عزّوز أستاذة الفلسفة بجامعة تونس المنار التي تساءلت بدورها: إذا كان العرب مطّلعين على مفاهيم الأنوار وعلى شروط التقدّم والمعقولية، فما الذي يعوقنا عن المشاركة في حركة العالم وفي تجاربه، وعن الدفاع عن مصالحنا المختلفة وما الذي يصرفنا عن التجديد وعن تحقيق مبدإ التسامح؟

ان العوائق والحدود التي تحول دوننا وهذه المشاركة في حركة العالم والإسهام في منجزاته هي حدود وعوائق موجودة في أذهاننا، كما تقول الباحثة، وهي تتمثل في فهمنا للحقيقة الإجرائية والمجدية والفعّالة على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والحضاري. وتبدو الباحثة أكثر عنفا في التشخيص وهي تقول "نحن نعيش انفصالا جنونيا ومدمّرا اليوم.. وسيرفضنا العالم ان لم نحرّك سواكننا ونظل نفكّر حسب أنماط قروسطية".

وتستدرك الباحثة مؤكّدة أنها لا تقول بضرورة القطع مع الماضي، ولكن بضرورة التواصل مع ما في تراثنا ونصوصنا المرجعيّة من قيم ومعايير تظلّ حيّة في حياتنا المعاصرة مع الأخذ بالقيم الحديثة وعلى رأسها مبدأ التسامح والديمقراطية والحريّة والتعدّدية، وهذا يعني نبذ كلّ ما يؤدّي بنا إلى التطرّف والتعصّب والانغلاق. وأشارت الباحثة إلى أنّ فلسفة الأنوار وبالذات عند كانط قد قامت على "دُنّيَوَةِ الأخلاق المسيحية"، واستنباط المبادئ الصورية ذات القيمة العقليّة فيها، وهو ما يعني نبذ كل ما يدفع إلى الوثوقية والتعصّب وإخضاع كلّ العادات الموروثة والآراء المسبقة والبداهات للنقد والمراجعة. ويذكّرنا كانط في العديد من المناسبات بمسؤولية رجال الدّين في نشر الأنوار وقراءاتهم النقدية للطقوس والعادات الدينية وللتأويلات اللاهوتيّة المختلفة بين جميع الأوساط، وذلك حتى تنفتح الأذهان بفضل قراءاتهم النقدية نحو فهم أفضل للعقيدة وللنصوص الدينية.

إلا ان حرية التفكير التي كان كانط يدعو رجل السياسة لتمكين الشعب منها ليحصل على فهم ذاتي للمعارف الموجودة في النصوص المرجعية، لا تعني عند فيلسوف الأنوار نشر الفوضى في المجتمع، بل انه يربط بين حرية الفكر وحرية الفعل، بحيث تصبح حريّة الأفراد قوّة محرّكة منمّية للحياة السياسية بأسرها.

وفي نفس الاتجاه يذهب بول ريكور إلى التمييز بين عهد الحقيقة الواحدة وبين مبدإ الاختلاف ذاهبًا الى ان القراءة التأويلية للنصوص تظلّ دائما مفتوحة، ولا متناهية، ذلك ان من شروط التقدم بذل مجهود للقبول بالاختلاف وبإمكانية وقوعنا في الخطإ، ووجود الحقيقة عند الآخرين. ولا شكّ ان القوّة التي تجعلنا نقبل بكلّ هذا والتي أوصانا بها كانط هي الجدل.. الجدل المحقّق للتحوّل في الأذهان، كما مارسه سقراط وهو يفكّك آليات الخطاب الزائف. وأخلاقية الحوار هذه، والتي أسّست لها أيضا فلسفة التواصل على أيدي هابرماس و بل، دعت الدكتورة رجاة العتيري عزّوز المجتمع العربي للأخذ بها وممارستها، لأنها ضمان ضدّ السفسطة والدوران في الحلقات المفرغة - كما تقول - ولأنها تمكّننا من تحقيق "اجماع الاختلاف" حسب عبارة هابرماس.

تعثّر حركة التنوير العربية

ولا يبتعد الدكتور حسن حمّاد أستاذ الفلسفة بجامعة الزقازيق (مصر) والدكتور حميّد بن عزيزة رئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة تونس المنار عن هذه الطروح في تشخيصهما فشل الحركة التنويرية العربيّة وما تعيشه الأمّة من تعثّر في مسيرة التقدّم التي رسمها روّاد الإصلاح وفشلت الأنظمة العربية بنخبها الفكرية والسياسية في تحقيقها، وما يعرفه الفكر العربي من "عطالة" تحول دونه والمشاركة في مسيرة النموّ والرفاه الغربية التي طالما تطلّع إليها المصلحون الأوائل ومفكّرو التحديث في القرن العشرين وأملوا الإحتذاء بها، حيث يذهب الدكتور حسن حمّاد في مداخلته "أزمة التقدم في العالم العربي" إلى أن لهذه الأزمة الحضارية وجوها عدّة منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وينعى على النخب المؤثرة في الرأي العام العربي انشغالها بقضايا ضيقة ومحدودة للغاية وإهمالها لطرح المسائل الجوهرية التي تهمّ مصير الأمّة وفتح آفاق مستقبلها. ويرصد الباحث الاتجاهات الفكرية السائدة عربيّا من خلال تصوّرها للعلاقة بالذات والآخر فيشير إلى ثلاثة اتجاهات منها الماضوي والتوفيقي والتغريبي المتأمرك والتيار اليساري المستند إلى التيار الماركسي. وتخوض هذه التيارات، معارك كلامية وايديولوجية وعقائدية تبعدها عن دورها الطليعي في التأثير في الواقع أو تغييره أو حتى التواصل معه. وخلف هذا العالم الثقافي المشتّت يقبع، كما يضيف الدكتور حماد، عالم آخر هو عالم الجماهير التي "أعياها البحث عن حلول لأزماتها الاقتصادية والاجتماعيّة، فراحت تفتّش عن الحلول السحرية والغيبيّة، ولذلك فهي لا تتردّد في أن تؤيّد أي جماعات فاشية وظلاميّة تهبها أملا، وتمنحها وعْدًا بسعادة آجلة في عالم الفردوس". وبالإضافة إلى فقدان تواصل النخبة السياسية والثقافية العربية بقاعدتها الشعبية، الذي يعتبره الباحث احد جذور الأزمة العربية، يشير أيضا إلى غياب الحريّة، التي هي حرية التفكير والإبداع وحريّة الممارسة والفعل. وبسبب غياب هذه الحريّة يسقط المواطن العربي، على حدّ رأي الباحث، في الإتباع والاجترار للقيم والممارسات البالية، اللذين يؤدّيان إلى القمع ورفض التجديد والاختلاف، ومقاومة أيّ حركة تجاه التقدم والتطوّر.

وإذا ما كان حرمان المواطن من الحريّة يقذف به في أحضان التيارات الظلامية، فإنّ ما أسماه الباحث بالتيار التغريبي الذي يشرّع للهيمنة الأمريكية تحت شعار تحقيق الديمقراطية لا يخلق في النهاية كبديل للثقافة الوطنية الأصيلة إلا الظلامية.

إن الخروج من هذه الأزمة الحضارية، كما يخلص الباحث، ليس أمْرًا مستحيلا، انه يتطلب منّا فقط موقفا شجاعا لمراجعة الذات ومراجعة علاقتنا بالآخر. فالتقدم لا يُبنى من فراغ، انه خُلاَصةُ تراكم المنجز الإنساني، بما فيه منجز تراثنا، وثمرة النظرة نحو المستقبل مرورا بالأخذ بأسباب تطوير الحاضر. ويؤكد الباحث أن الدّين يمكن أن يلعب دورا تحرّريا وتنويريا، ويمكن أن يكون قوة تدفع باتجاه التغيير نحو حياة إنسانية أفضل، لكن ذلك يتوقف على موقف المجتمع من الدّين وكيفية فهمه والأخذ بقيمه، وهذا لن يتم ما لم نطور بنية التفكير، لأن بنية الواقع لن تتغير دون نظرة جديدة إليه.

هكذا تبدو العلاقة بالدّين في المداخلات الأخيرة، علاقة مفصلية في عملية تحرير الفكر وتغيير الواقع، وهي كذلك في رؤية الدكتور حميّد بن عزيزة الذي قدّم لنا »قراءة نقدية في خطاب الحداثة في الفكر العربي المعاصر: رفعت الطهطاوي نموذجا حيث يذكر الباحث أن الخيط الناظم للمجهود العربي الفكري والسياسي هو تلك المحاولة المضنية قصد التوفيق بين نظرية الإسلام في الحكم في مفهومها ودلالاتها الأصلية وبين مختلف التحولات التي طرأت عليها نتيجة ظروف جديدة أوجدت ضرورة البحث عن تفسير أو تأويل أو تعديل لتلك النظرية ضمن إطار التقليد الإسلامي أو خارجه. ولقد جرّت تلك المحاولة بشكل تدريجي إلى أن جابه الإسلام عالم أوروبا مجابهة أنشأت الوعي بضرورة البحث عن وفاق حقيقي بين نظرية الإسلام في الحكم وبين هذا الحدث الجديد.

وقد عمّق هذا اللقاء الهوّة بين نظرية الحكم في الإسلام وبين واقع الحال، هوّة مجالها - كما نعلم - السبق العملي في واقع البلدان الغربية ممّا طرح السؤال عن كيفية الإحاطة بهذا التطوّر العميق. ومن المفارقة ان الإجابة عن هذا السؤال - كما يلاحظ الباحث، ونقلا أيضا عن ألبير حوراني الذي خصص بحثا نادرا في فكر النهضة - جاءت وكأنها غير صادرة عن مبادئ التقليد الإسلامي وبدت غير مؤهلة للفعل فيه، بحيث أحدث هذا الواقع فراغا عقائديا كبيرًا جعل المسلم يعيش تمزّقا داخليا اذ يعيش بداخله وضميره ولاءً عميقا للدولة الإسلامية المطالبة بسلطتها ومؤسساتها بإحياء الدين، وفي خارجه يعيش في فضاء دولة كلّ شيء فيها مستورد من مصدر غير إسلامي. ولقد أعاد هذا التمزّق الداخلي طرح القضية الجوهرية لإعادة الصلة الروحية بين الحاكم والمحكوم وبين المواطن والدولة. وفي هذا الاتجاه ذهبت جهود رواد النهضة العربية ومن ضمنهم الطهطاوي الذين تساءلوا كيف يمكن لهم ان يظلّوا عربا ومسلمين إذا ما سايروا ثورة الغرب؟ والى أي حدّ يمكن ان يقتبسوا فلسفة التنوير دون الذوبان فيها؟

ان هذا التأرجح بين الوفاء للأصول والأخذ بتقدم الغرب يمثل السمة الثابتة في خطاب النهضة الذي مثلت فلسفة الأنوار المرجعية الأساسية له، لكن ما يجب ملاحظته، كما يضيف الدكتور بن حميدة، ان هذه الايدولوجيا التنويرية لا نجد لها أثرًا مُباشرًا في الفكر السياسي في العالم العربي والإسلامي، ورغم قوّة جذبها فإنها فشلت في فرض وجودها وبالخصوص في مقصدها الأوّل وهو التخلي عن الإسلام كدين وكأساس للوجود. وبدلا من ان تظهر النهضة الأوروبية كنموذج حضاري، فإنها بدت أكثر كنموذج للهيمنة والسيطرة. ولكن فشل النهضة الأوروبية في إيجاد جذور لها في واقع الدول العربية والإسلامية لا يعني عدم وجود تيار قوي غذّى جلّ أفكاره من فلسفة التنوير من الطهطاوي إلى فرح أنطون ومن رشيد رضا إلى شبلي شميل وطه حسين. ورغم تنوّع أطروحات هؤلاء المصلحين والمحدثين فإن سؤالا واحدًا ظلّ ثابتا في خطاباتهم وهو كيف الولوج إلى عالم الحداثة: هل بتحديث الفكر الديني أو بتحديث الذهنية العربية، أو بتحديث الواقع السياسي؟ وقد أفرز هذا السؤال حسب رأي الدكتور بن عزيزة ثلاثة أنماط من الحلول هي الحل السلفي والحلّ القومي والحلّ الثوري التاريخي. وضمن هذه المحاولات تتنزل محاولة الطهطاوي الذي رغم تنوّع كتاباته، فإنه في رأي الباحث، لم يكتب إلا كتابا واحدًا في المدنيّة والتمدّن، مدنية لا تستقيم إلا باستقامة المدينة، واستقامة المدينة مجالها كيفية تدبير شروط المشاركة السياسية في عملية الحكم والتأكيد على واجب الحاكم المتمثل في تهذيب الشعب من أجل تحقيق هذه الغاية، مع القول بضرورة تلاؤم الشرائع مع الظروف المستجدّة.

ولقد اهتمّ الطهطاوي، قارئ روسو ومونتسكيو، أيضا بمسألة عظمة الدول وبمسألة انحطاطها وبالحلّ الأمثل للقضية الأساسية الجوهرية المجسّدة في حبّ الوطن. ولكن هل انتبه الطهطاوي لمسألة جوهرية أخرى هي مسألة الحريّة؟ وهل فكّر في قضية التقدم دون تفكير في قضية الحرية التي هي من المقوّمات الأساسية للتنوير؟ - يتساءل الباحث - مشيرًا إلى أن الأمر لا يتعلّق بالبحث المستحيل في قيم جديدة في خطاب الطهطاوي ومن ثمّة في خطاب روّاد الإصلاح والتحديث في العالم الإسلامي، لأن لمفهوم الحريّة موضعه ونشأته، ولكن يكفي أن خطاب الطهطاوي يمثل قراءة أنموذجا للمفهوم الجديد حتى لو لم تُثَرْ المسألة بشكل واضح داخل هذا الخطاب.

لا وجود لتنوير محلّي

ان القيمة التي بنى عليها فلاسفة الأنوار معنى التنوير هي الحريّة.. هذه القيمة قد تبدو، كما ذهب الدكتور بن عزيزة، غائبة في خطاب رواد حركة الإصلاح العربيّة، ولكن هذه القيمة ومعها الدعوة الكونيّة التي رفعتها حركة التنوير الأوروبية، ظلّت في الكتب، ولم تجد طريقها إلينا، نحن العرب، وما وقع في طريقه إلينا هو واقعة الإمبراطورية، بالمفهوم الذي استعمله نيغري، أي بما هي واقعة تاريخية تحوّل الدولة إلى سلطة تقتحم العالم وتبني في الدولة التي تحتلها عملية سياسية لا تخدم إلا مصالحها.. هكذا ينبّهنا الدكتور فتحي المسكيني في مداخلته "تنوير الإنسان الأخير أو التسامح والضيافة" معتبرا أن كانط الذي مجّد قيمة الحريّة كان آخر التنويريين وأول الإمبراطوريين لأنه اعترف بفشل الدولة/الأمّة في تحقيق مهمّة التنوير وأوكلها إلى العصر الذي لم يشهد في النهاية، إلا ميلاد أولى أشكال الإمبراطوريات الحديثة، التي عمدت إلى تحويل الحروب اللامتناهية إلى فرز بين الشعوب. ولكن لا شيء يمنع العرب من خوض التنوير، في رأي الباحث لأنه لا وجود لتنوير محلّي أو خاص، ولأن المستقبل، ثانيا، ليس بما كان، ولكن بالتصوّر الذي نحمله عن أنفسنا وبالتصوّر الذي نحمله عن المستقبل الذي لم يعد كما كان. وفي هذا المسعى لا بدّ أن نحقّق شرط الضيافة لأنفسنا لأننا غرباء عن العالم، الذي عمد إلى تغريبنا، ولأن التسامح أصبح غريبا في بيئته، وبلا رجعة.

ولأن التنوير لا يمثل تجربة محلية، وان انبعثت ضمن سياقات تاريخية محدّدة، ولأنه لا وجود »لعقل عربي قاصر عن إدراك الكلّي بقيمه ومبادئه ومعاييره، فإن الدكتور فتحي التريكي رئيس كرسي اليونسكو للفلسفة بالجامعة التونسية، وصاحب الكتابات العديدة في موضوعات الحداثة وما بعد الحداثة، لا ينفي أيّة إمكانية لبناء فلسفة التقدّم في الثقافة العربية، بالرّغم من الانتقادات العديدة التي تعرّض لها هذا المفهوم من قبل فلسفة ما بعد الحداثة. فبالرّغم من هذه الانتقادات، فإنه يمكن تحرير هذا المفهوم من السياقات والمقاصد الاستعمارية التي ظهر فيها وإيجاد مقوّمات فكر تقدّمي يتيح للفرد ان يختار نمط حياته بكلّ تعقّل وأن يُرتب علاقته مع الآخر ضمن شروط العيش - سويّا، وعلى رأسها يأتي مبدأ التسامح والإقرار بحقّ الغير في الاختلاف واحترام مبدإ التنوّع، ولكن العمل بهذه المبادئ يقتضي التربية عليها، لأن كل ما في حياة الإنسان الذي تتنازعه قوى الخير والشرّ يدعوه إلى عدم التسامح.. هكذا يذكّرنا الدكتور حمادي جاء بالله في قراءة فلسفية عميقة "لقصّة آدم"، وذلك حسب ما جاء في الملة الإبراهيمية. وحسب القراءة الفلسفية التي قدمها الدكتور جاء بالله، أستاذ الفلسفة بجامعة تونس المنار، يمثّل انتقال آدم من جنّة عدن تحولا من الآدمي إلى الإنساني، ومن الأبدية إلى التاريخ وهو تحوّل تمّ بموجب عصيان آدم لربّه، وهو عصيان حقق به شرط إنسانيته الذي هو الحريّة. واذا ما أقررنا بحريّة البشر في اعتناق الدّين كما يضيف الدكتور جاء باللّه، يصبح التسامح فضيلة يربّى عليها الإنسان حتّى يشبّ على الاعتراف بحرية الآخر.

واعتمادًا على كانط، يفصّل الدكتور محمد التركي، أستاذ الفلسفة بجامعة تونس المنار مقوّمات هذه التربية ومنطلقاتها، ملحّا في بداية مداخلته على حاجة العرب إلى التربية على مبادئ التنوير، رغم ما عرفته هذه الحركة من انتكاسات وذلك بسبب التحديات التي يواجهها العرب، ليس اقلّها شيوع فكر ظلامي يزدري العقل وسيادة ذهنية الإتباع والاجترار. ويحثّنا الباحث على التأمّل في مشروع كانط للتربية، وعلاقته بمشروعه الأخلاقي، وهو مشروع يخرجنا من الوصاية والاتّكال على الآخر، ويحقق لنا حرّيتنا التي تبني مستقبلنا.. كما يبرز الباحث علاقة هذا المشروع بمشروع كانط الكوسموسياسي، حيث تقع التربية في مسار تاريخه الفردي، وتدفع بالناشئة وصولا بالأمّة إلى ارتقاء سلّم التاريخ. ولكن كيف يتم لنا هذا في ظلّ ما نشهده اليوم من انهيار للقيم الأخلاقية؟ هكذا يتساءل الدكتور احمد عبد الحليم عطيّة، أستاذ الفلسفة ورئيس جمعية الفكر العربي المعاصر بمصر، وفي ظلّ سيادة ثقافة العنف وغياب ثقافة الحوار كما يذهب الدكتور أحمد مجدي الحجازي، وفي ظلّ عدم تأصّل فكرة التسامح في التراث العربي بل حتى في فكر الإصلاح كما يذهب الدكتور صالح مصباح، وفي ظلّ سيادة الفكر الظلامي كما يقول الدكتوران عبد العزيز بومسهولي وعبد الصمد كبّاص (المغرب)، وفي ظلّ تحوّل المثقفين العرب إلى نوابت، حسب لغة ابن باجة، أيّ إلى كائنات طفيلية تعيش على هامش مجتمعاتها فلا تحسّ إحساسها ولا تنصت إلى مشاغلها ولا تدرك أسئلتها، ولا ترتقي إلى مطالبها كما يقول الدكتور محمد بن ساسي رئيس قسم الفلسفة بالمعهد العالي للعلوم الانسانية بتونس.

أسئلة نعود إليها في مناسبة لاحقة، لأهميتها القصوى وذلك في ظلّ حاجة العرب إلى ضرورة تحويل التنوير إلى مشروع أساسي لنا.


afkar@afkaronline.org