ندوات

 أي ثقافة للشباب في مواجهة التحديات

الشباب بين إشكالية الهوية وتحديات المثاقفة المعاصرة

القيم الإنسانية المشتركة وتفاعل الشباب مع المتغيرات العالمية

جمال الشريف-جامعي – تونس

تندرج هذه المداخلة في سياق استشراف ما يمكن أن نضيفه إلى الجهود القائمة في مستوى تهيئة المستقبل للشباب في تونس وليس في سياق البحث عن حلول لوضعية تستوجب ردّة فعل أو تحركا ما من وجهة نظر التأطير والبرمجة التي يمكن للجمعيات والمؤسسات والهيئات أن تقترحها وتتابعها أو كذلك من وجهة نظر الشباب نفسه كفئة هي الهدف وهي كلّه الرّهان.

هذا ما يجعلنا نشير إلى أهمية التركيز على الاصطلاح ذاته، الإستشراف الذي نقصد به التحسّس والرؤيا، أي التبصّر والتطلع إلى المستقبل مع الأخذ بعين الإعتبار لجميع المتطلبات والمتغيرات في ضبط برنامجه. وهو ما تعوّدنا عليه في تونس العهد الجديد إذ تأسست أركان الحوار مع الشباب من أجل صياغة برنامج مستقبلي يعطي لتطلّعات هذه الفئة أولوية هامّة.

إننا وعندما نطرح مسألة الشباب وعلاقته بالثقافة أمام التحدّيات (فإننا) نعني عنصرين هاميّن وهما أوّلا الثقافة وبالأخصّ المنتجة والمروجة من طرف الشباب وثانيا التحديات، فما هي هذه التحديات وكيف يمكن لنا أن نترصّد نوعيتها وأشكالها وتفاصيلها إن أمكن ذلك ؟ وبماذا سوف نتعامل في صلب الثقافة الشبابية مع متطلبات الرّاهن ؟ وبصورة أوضح كيف يكون وجه ثقافة الشباب وأشكالها في ظلّ ما يتوفر من رهانات وطنية إزاء التحديات محليا ودوليا.

لذلك سوف نتطرّق إلى الهوية كعنصر حيوي متحرك يتمّ من خلاله الحفاظ على الخصوصية المحلية وعلى تماسك أسس المجتمع، كما نتطرق إلى المثاقفة المعاصرة وما تطرحه من انفتاح على القيم الإنسانية المشتركة ونتصوّر بالتالي تفاعل الشباب مع سلم المتغيرات العالمية.

لقد تغيّرت عديد المعطيات في مستوى التبادل بين الأفراد والمجموعات وذلك في جل مجالات الحياة. وسمحت التغيّرات العالمية الجديدة بتكثيف التبادلات كمّا ونوعا مخترقة بأدوات التكنولوجيا وبإستراتيجيات العولمية كلّ أشكال الحدود والموانع. وأصبحت المعلومات والمنتوجات من هذا المنطلق في حركة سريعة تعكس التطوّر الحاصل في المنظومات العالمية وتؤكد هشاشة بعض الأنظمة المحافظة والمنكمشة بدعوى التحصين ضدّ أي غزو ثقافي من شأنه أن يمحو الهوية الوطنية أمام ظاهرة العولمة التي اختزلتها العديد من الأطراف في إدارة الهيمنة لحضارة ما على بقية الحضارات الأخرى.

على هذا الأساس الذي حدّدناه، أي من منطلق الإستشراف المقترن بالمبادرة نسعى إلى تحديد تصوّر لثقافة الشباب من خلال طرح مسألة الهويّة في تجادلها مع المثاقفة المعاصرة. ونذهب في ذلك إلى تصوّر لا يجعل من العولمة عائقا من عوائق التنمية بقدر ما يسعى إلى توظيف ما قدّمته الثورة المعلوماتية من معطيات ومن آليات من شأنها أن تساهم في إرساء ثقافة راسخة في هويتها ومعاصرة في شكلها وأصيلة في عمقها الحضاري.

من الخطأ أن نعتبر الهويّة مفهوما جامدا لأنها في صيرورة وتغيّر، أي أنّها لا تخضع لمقوّمات الثبات والجمود فالتاريخ والتراث في تقاطع واضح والخصوصية تقف على الضفّة الأخرى من الكونية والحداثة لا تتطابق مع الهوية بل تشكّل عاملا من عوامل تحرّكها بما أن الحداثة إختراق للسكون. ومن الخطأ أيضا أن نجعل من الهوية محور صراع في عملية المثاقفة المعاصرة ذلك أن التصوّر الجامد للهويّة لا يؤدّي إلى إقصائها. وهذا ما يتطلب رؤية براغمتية للثقافة، تجعل من الفاعلية السّريعة وسيلة وهدفا ومن الهوية عاملا حيويا مميّزا للخصوصية والمحلية التي تنتصب مرادفا موضوعيا للعالمية أو للكونية.

إن هذه البرغماتية التي نتحدث عنها هي التي تجعل من الخصوصية قائما دون مطلبية ملحّة تنفيه بل، تستدلّ به من خلال اعتباره عنصرا من عناصر الحاضر وتكييفه عبر المرونة المرجوة.

إنّ المسألة حسب رأينا ليست مسألة تحدّيات فقط، أي ليست شكلية صرفة تقتضي تقابل قطبين متكافـئين أو غير متكافـئين بل المسألة كامنة في الثقافة التي يمكن أن تتحوّل إلى فاعل رئيسي يجعل من التبادل القيمي والحضاري بابا رئيسيا من أبواب الإشتراك مع الآخر.

ووفق ما ضبطناه سابقا من تغيّر لمعطيات التبادل يصبح الآخر قيمة مطلقة، غير محدّدة، فلا هو الغرب الأوروبي ولا هو الغرب الأمريكي ولا هو أقصى الشرق الآسيوي أو أقصى الشرق الأوروبي، الآخر وبكل إختصار هو الوافد الذي يحمل عوامل من شأنها أن تغيّر أو أن تساهم في تغيير الشأن الدّاخلي. وعليه لا بدّ أن نقتنع بأنّ الآخر ليس مأزقا ولا غولا في حالة هجوم. ومن هذا المعطى نجد أنفسنا أمام طرح آخر للمسألة هو طرح محتوى الثقافة واستراتيجيتها لتجعل من الداخل عامل تضامن محلّي يساند الذات (ذات الشباب) و(ذوات الشبان) من أجل الوقوف بنديّة وبمسؤوليّة أمام الذّوات الأخرى.

فما هي إذا أوجه هذه الثقافة ؟ وكيف نراها ؟

نقترح إذا في هذا المضمار التركيز على الأسس والأركان التي نراها قابلة للتطبيق وفق الإمكانيات المحلية ووفق ما جاءت به مبادرات سيادة الرئيس زين العابدين بن علي من تشجيع على تحفيز الشباب على الخلق والإبداع.

أوّلا : ثقافة المبادرة : وهي نافذة (نقصد هنا المبادرة) رئيسية يجب أن تكون ذات أولوية من منطلق اعتبار الثقافة فعلا خلاقا وإبداعيا لا يرتهن إلاّ للإرادة، التي توفرت على مستوى رفيع جسمته القرارات والمشاريع الرئاسية الضخمة وفي هذا الصّدد نستحضر سياسة سيادة الرئيس من تشجيع للجمعيات وللمؤسسات بحيث تكفل الدوّلة الأطر القانونية والتشجيعات الرئيسية ويبقى للهيئات وللمواطن (الشاب خصوصا) هامش واسع من مجال المشاركة برأس المال الضروري وهو الكائن البشري. فمشروع صندوق 21/21 المرصود للشباب وكذلك قناة 21 والإستشارة الشبابية ومشروع مدرسة الغد وإعادة إدماج المخرطشين في الحياة الجامعية ليست إلا دعوة مباشرة وصريحة لتعميم ثقافة المبادرة في الأوساط الشبابية، فسنّة الحوار وتنظيم الإستشارات الشبابية مع كل مخطط تعدّ من أبواب الممارسة الديمقراطية التي لم ترق إليها دول تعد متقدمة، ولنا في مجلة حقوق الطفل برهانا على احترام شاب الحاضر والمستقبل وعلى تفضيله وإن جهودا مثل هذه من شأنها أن تمتّن علاقة الشاب التونسي بوطنه وتحفّزه على العمل بيسر في ظلّ آفاق مفتوحة وسبل منظّمة لا تنتظر منه إلاّ المبادرة فحسب. فمع الإرادة السياسية نرى أنه من الواجب التركيز على بعث روح المبادرة في الشباب، المبادرة الثقافية التي تحمل حصانتها الضمنية من خلال ما تكفله ميكانيزماتها من إنتماء لا لبس فيه، إنتماء إلى تونس بعروبتها وإسلامها وتاريخها دونما شوفينية أو تطرّف.

ونعتقد أن المبادرة كمضمون ثقافي كفيلة بان تجسم التوجهات الواردة في البرنامج الإنتخابي لسيادة الرئيس زين العابدين بن علي ومنها النقطة 19 وهي ثقافة للجميع تشجع على الإبداع وتواكب العولمة. وهي التي تتضمن النقطة 17 التي تتولى "شباب يستعد لمستقبل واعد" وعبر ما تعرضنا إليه يصبح سؤال الثقافة هو سؤال المبادرة التي أرساها بن علي في سلوكه منذ أن كان رئيسا لجمعية الشباب المثقف بحمام سوسة سنة 1955 بالذات. إن المرور عبر المؤسسات والجمعيات الثقافية ضامن للشباب بأن يعي الأبعاد الرئيسية لحضارة هذا الوطن خارج الأطر الديماخوجية التي أعلنت إفلاسها بمجرد اصطدامها بواقع يتطلب المرونة والتسامح والتجاوز.

ثانيا : الهوية بإعتبارها محتوى ثقافيا متجدّد الشكل والظهور. نحتاج إلى التثبت في مسالة الهوية وطرحها، ليس من منظور أنها مطلب مهمّ وجب ويجب النضال من أجله، بل من منظور أنها معطى مكتسب ضمنيا وجب تنمية الإحساس به وتقوية العلاقة معه وتمتينها بمحتويات تحرّكها من صورة جامدة إلى صورة عصرية. هي الصّورة التي لا تقطع مع الوافد بتبنيه أو برفضه. وقد جسمت القرارات الرئاسية التي أعادت الإعتبار لجامع الزيتونة ولجامعة الزيتونة اعتبارهما وأولوية حضورهما والتي نصّت كذلك على هوية البلاد بأكملها هذا التوجه المنفتح على الجذور في نفس الوقت الذي يتطلّع فيه إلى المستقبل باطمئنان ولعلّنا بنظرتنا إلى ما أولته التربية والتعليم والتكوين من أهمية لهذا الطرح من خلال هيكلتها الحديثة. نحتاج إذا إلى طرح الهوية كشأن داخلي تتمتن من خلاله العلاقات بين فئات الشباب في مختلف الجهات كي تلتحم الإمكانيات بروح المواطنة، لأن الهوية في حدّ ذاتها مفتاح لأبواب التضامن الإجتماعي والثقافي معا، فالعمل الثقافي المتشبع بروح المبادرة وبالهوية المبنية على المواطنة هو العمل الثقافي الذي لا يسقط رايته بل يتكفل بها ويعطي لمحتوياتها بعدا متجدّدا ضمن مسار التغيير والتحوّل وذلك دون شعارات خير تأمين للحدّ الأدنى من الوجه الحضاري المأمول لبلد مرّت به إمارة العالم القديم حين كانت قرطاج تحكم عرض المتوسط.

من هنا تأتي المثاقفة التي لن تكون خطرا بل عامل إثراء مدفوع بالتنافس النزيه وبالتسابق نحو الجدارة بالأفضلية. فالحدود التي نعرفها بالأمس انتفت وجعلت من السّرعة فاعلا رئيسيا في التعامل مع الآخر، ومن هذا المعطى يصبح رهان الهوية مرتبطا بتفعيل حيثياتها. وهو ما يساهم في تدعيم الثقة في النفس ويدفع نحو التميّز والإبداع اللّذان تنخرط بهما في نحت الحضارة الإنسانية الشاملة بمفهومها الكوني، ذلك أن المحلية هي البعد الرئيسي للكونيّة.

وأظن أن هذا الاستمرار لا ينتج بدون الحصانة الدّاخلية بثقافة لا تضيع المركز ولا تتخلّى عن الهامش فكلاهما في تكامل بمحو الفواصل بين المناطق ويعمق الحسّ الوطني ويعزّز فرص المشاركة الشبابية.

إنّ الهوية إذا هي تلك التي يشارك المواطن في صياغتها وتجديد محتواها ومعانيها وخاصّة فئة الشباب، ولن تكون هذه الهوية فاعلة إذا تمّ فصله عن آفاقها أو قطعها من جذورها. فترسيخ ثقافة المواطنة ورفع الروح المعنوية للشباب بنوع من جرأة المبادرة ليس لها إلاّ أن تسهم في تفعيل الماضي باستحضاره علامات مضيئة من إبداع البلاد دون الوقوع في وثنية التعصّب لفترة دون سواها أو الانتصار للوافد من الخارج بغير تبصّرأثناء مواكبة التحوّلات العالمية.

ثقافة الفعل

إنّ ما أوردناه سابقا من تحليل لمسألة المبادرة كضرورة لثقافة الشباب، والمسألة الهوية بوصفها محتوى ثقافيا ضروريا في تشكله المتجدّد والمبنى على المواطنة، يدفع بنا إلى استخلاص قيمة المبادرة الفاعلة كوسيلة لها من الفضائل ما يؤهلها لتحقيق الطموح التونسي، الطموح الذي اختارته قيادة الرئيس زين العابدين بن علي عنوانا رئيسيا لمؤتمر التجمع الأخير بعد أن كان الامتياز عنوانا سابقا، وهي عناوين تبرهن على ما تريده قيادة البلاد من أهداف نبيلة لا تتحقق إلاّ بالعمل والعمل المستمرّ.

فالعمل هو القادر على لعب الدور الرئيسي في صياغة الشراكة في مجالات الصناعة والخدمات وكذلك في العلوم والمعلومات كخصوصياتنا الثقافية التي بإمكانها أن تقف أمام الأنماط الأخرى مقوّما رئيسيّا من مقومات العزّة والكرامة.

والعمل هو الذي يحقق للمستقبل خطواته في خضمة صعوبات المنافسة وتسارع المتغيّرات. وبثقافة العمل وثقافة المبادرة يتسنى لنا اقتحام المجالات الحديثة خاصة التكنولوجية منها، وبهذه الثقافة المتماسكة والشابة بإمكاننا أن نعطي لتونس مكانتها في فضاء التبادل الحضاري وإدماجها في مشروع التقدم اليومي للعالم.

فالعمل هو المفتاح الرئيسي للجودة والطريق نحو النتائج التي تبرهن على النّجاح، وإذا نحن لا نرتجي من قيمة العمل غير الصّدق الموكول إلى العزيمة. ومثلما عمل آباؤنا وأجدادنا في مختلف أمجاد البلاد وثقافاتها حتّى صاروا رموزا لا يمحو الدهر آثارها علينا أن نؤصل هذه القيمة في شبابنا اعتبارا بالتشجيعات الرئاسية وغير مرتهنة إلا بعامل النجاح وبمستوى النتائج وبجودة المنتوج. وليس ثمة من جدوى غير هذا، لأننا لا نمتلك ثروات أخرى غير ذواتنا ولا رأس مال غير هويّاتنا المؤتلفة باختلافاتنا وإذ نؤكد في حديثنا هنا على العمل المقترن بالفاعلية فإننا نلزم أنفسنا بعامل الانتماء والمواطنة. وثقافة العمل هي ثقافة البذل والكدّ هذا المرجع الرئيسي في تصوّرات سيادة الرئيس، ونشير بالتالي إلى ما أمضاه الرئيس بن علي من وثائق هامة في اتجاه العمل حين افتتح برنامجه الانتخابي بقوله : " لتونس الحداثة نعمل، ومن أجل بلد يرتقي إلى منزلة البلدان المتقدمة نثابر" فالعمل إذا من الثوابت التي لا حياد عنها به نرتقي وبه نحقق المراد. وحيث أن ثقافة المبادرة وثقافة المواطنة والهوية الرّاسخة مقصدنا، تظل ثقافة مرتهنة بالعمل.

أريد أن أقول إن هذه المداخلة التي أقدّمها الآن لا ترتجي التنظير للثقافة أو لصنع الثقافة الشبابية إنما تحاول تحديد النقاط الرئيسية التي يمكن أن نتعرّف من خلالها على الرؤية الشاملة لسيادة الرئيس في مستوى الشباب والثقافة، بحيث أحاول أن أستشف من البنود العريضة للخيارات الموضوعة في برنامجه الرئاسي للانتخابات روح التطبيق وتوسيع آفاق القراءة والمقاربة لهذه الثقافة. وأحاول بل نحاول أن ننفرد من خلال الإضاءات التي وضعتها تصوّرات بن علي لجيل قادر أوّلا على المبادرة معتز بأصالته ضمن سياق العولمة ومبادر إلى تحمل المسؤولية من أجل تونس ومن أجل ذاته معا فتونس هي شبابها وشبابنا هو بلادنا وهكذا نصل معا إلى ضرورة ما فتئت تتأكّد ضرورة تأصيل الحوار كمضمون وكوسيلة للثقافة وكذلك التسامح كقيمة إنسانية نبيلة يمكنها أن تتجاوز هنات الضعف وأن تفتح للأجيال بابا للتكامل وعليه أعود لأؤكّد على :

  • أن ثقافة الشباب ليست ثقافة تنشيط واحتفال بل ثقافة تفعيل ومحتوى تتجاوز الآتي للدائم وتتشبع بالقيم.
  • أن الهوية ليست مشكلة أو إشكال نقف عنده بحنين ونوستالجية بل هي مفتاح التحوّلات.
  • أن العمل ليس فرصة تتاح للعيش الكريم فقط بل، هو قيمة بما أنه طاقة تحويل الأشياء والخامات وهو كذلك أفق الحركة وآداتها وعزة المجتمع.
  • أن التثاقف ليس ضرورة بقدر ما هو حقيقة يجب أن نستغل امكانياتها من عولمة وتكنولوجيا كي نقدّم أنفسنا للآخر بصورة جيّدة وغير متأثرة.
  • أن تونس في حاجة إلى شبابها لذلك وفّرت له كل هذه المعطيات وما علينا إلاّ العمل من أجل النتائج الجيّدة.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org