مسألة الهوية :
محاولة في قراءة سوسيولوجية لتوطئة دستور 1959
د- حافظ عبد الرّحيم
كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة - صفاقس
مدخل : لا مراء اليوم في أنّ البحث في الخلفية الثقافية للفعل السّياسيّ تطرح أوّل ما تطرح مسألة الهويّة داخل الحقل الذي يجري فيه هذا الفعل. فاللّعبة السّياسية تجري بتوجيه – ولاشكّ – بشكل ظاهر أحيانا خفيّ أخرى من الثّقافة السّياسية القائمة على الاختلاف والتّنافس والمبادلة والمشاركة بين الأطراف. هذه الـلّعبة السّياسية بمنافـساتها ومبادلاتها واختلافاتها يمكن أن تجد تجسـيداتها في التـشريعات الـسّـياسية التي يضعها فاعلون توجّههم بشكل واع أو لا واع خلفيات وترسّبات وتوجّهات واختيارات ثقافيّة وإيديولوجية وسياسية، هي التي تحدّد الوجهة العامة للفعل المذكور ومختلف المواقف العامة من المسائل المطروحة في شتى المجالات الـتي يبقى الدستور المـثال الأوضح عليها، الدستور هنا بما هو جملة من التشريعات السّياسـية النظرية القابلة في الآن نفـسه إمّا إلى "الوفاء" لروحه وتوجـّهاته واختياراته أو"الهجر" و التخلّي عنه عبر ترك تلك الاختيارات جانبا. هذا"الوفاء" أو "الهجر" لا ينفصل الواحد منهما عن الثّقافة السّياسية السّائدة داخل المجتمع، بما يحيلنا مجدّدا إلى مفهوم الـتّـنشئة السّياسية كمستوى من مستويات التّـنشئة الاجتماعية عبر مختلف مؤسّساتها.
و ربّما يغدو هذا البعد الثّقافي وتحديد مسألة الهوية من حيث هي اختيار تأسيسي، أكثر استراتيجية بالنسبة لتجارب البناء الوطنيّ داخل البلدان الحديثة العهد بالاستقلال على اعتبار أن هذه البلدان عاشت فعليّا إشكالية تحديد الهوية وكيفية التعامل (تلقّي أو مجابهة) الثّقافة الوافدة في سياق معركة بناء الدّولة التي كانت تسعى لإرساء شرعيّتها، لكن داخل حقل للفعل السّياسي يقوم على الانشطار والتّـخارج الثّقافي- الاجتماعي، بحيث تُطرح و يُعاد طرْح كلّ المفاهيم رهن السّؤال ) الأمّة, الهويّة، العدل، الدّيمقراطيّة, العلاقة بين السّـلط...) أي ما كان قد سمّاه C- GEERTZ بـ"التّـفكّـك المفاهيميّ"( 1) . وأهمّ ما يجب استحضاره هنا هو أنّ هذا التّقابل (التّخارج) والتّفكّك المفاهيمي لا يتمّ عبر مسارات تأسيسيّة، بل يتمّ فقط عبر عمليّات رَتْـقٍ Bricolage على خلفيّات أيديولوجية تقتصر على مجرّد إسناد دور تبريريّ للثّقافة. هذا المنطلق يسمح لنا بأن نطرح السّؤال حول مدى حضور هذا التّخارج النّظريّ الثـّقافيّ خلال لحظة بناء الدّولة الوطنـيّة في خطواتها الأولى في تونس لما طرح السؤال ضمنيا حول هوية تونس وانتمائها الثقافي هل هو انتماء وطني قومي(عربي إسلامي) أم إقليمي(مغربي شمال إفريقي) أم قاري(إفريقي) أم قطري(تونسي)؟ إنّه سؤال على درجة من الأهمية حسب رأينا لأن الإجابة عنه ستمثل الأساس الذي ستنبني عليه عملية البناء الوطني برمّتها.
سوف نحاول انطلاقا من مداولات المجلس القوميّ التّـأسيسيّ أن نستجلي محاور هذا التخارج الثقافي بين توجّهيْن سادا خلال المداولات كلحظة تأسيسية حاسمة. وهو ما يدعونا إلى أن نبحث عن ترسّبات يمكن أن تساعدنا سوسيولوجيّا في تفسير وفهم هذه الوضعيّة و أبعادها.
I - نصّ التّوطئة نصّان أو معركة التّناصّ :
بالرّجوع إلى أشغال المجلس القومي التّـأسيسيّ التي تمّـت خلال تلك السنوات الحاسمة(56-57-58-1959)، هذا المجلس الذي تم انتخابه من جماعة بورقيبة والقوى المتحالفة معها وتحت ضغط معارضة جماعة بن يوسف ومَن حالفها من قوى آنذاك، يمكن أن نقف على توطئة للدستور هي التي صدرت بدستور1959. لكن بإمكاننا بعد النّبْـشِ في ثنايا المسكوت عنه أو غير المدوّن من النصوص، أن نقف على نصّ آخر هو بمثابة نصٍّ موازٍ أو هو نصٌّ أمٌّ عنه تولّد النصّ الظّاهرُ الرسمي، كما نقف وفي الآن نفسه على مداولات ونقاشات هي سوسيولوجيا على درجة من الأهمية ونعني المداولات التي جرت داخل المجلس وصدرت بالرّائد الرّسمي التونسي من العدد(1)إلى العدد(15).
وفي واقع الأمر فإن هذا المجلس يعدّ نتاجا لتجربة ثرية نسبيا، ونتيجة أيضا لأوضاع تاريخية محلية وعربية إسلامية، بالنظر إلى أنه لا يمكن فصل الفكر السياسي التونسي المعاصر عن الفكر النهضوي بالعالم العربي الإسلامي.
لن نبحث في السياق الحضاري والسياسي الذي حفّ بتأسيس المجلس، لكنّنا سننطلق فقط من لحظة تأسيس الدولة من خلال المداولات داخل كواليس المجلس بدءا من رئاسة المجلس وصولا إلى صياغة الدستور بمختلف فصوله. ومما يذكر هنا أن اللجان قامت في مرحلة أولى بجمع دساتير مختلفة للاطلاع عليها وخاصة "الدستوريْن الأمريكي والفرنسي، كما وقع الاعتماد على بعض الدساتير العربيّة كدستوريْ مصر وسوريا للترجمة". 2 ولئن كانت هذه المداولات في مستوى اللجان سرّية فإن أهل الاختصاص يؤكدون أن هذه المداولات كانت على درجة من العمق والجدّية والحدّة أيضا حيث يذكر المقرّر العام على سبيل المثال بخصوص الفصل 27 أنه "وقع صراع داخل اللجنة التشريعية حول هذا الموضوع * وانقسمت اللجنة إلى شقـّـيْن،ودام الجدال يوميْن ونتيجة هذا الجدال، وقع التصويت وأقرّت الأغلبيّة حق المرأة في الانتخاب بصوت. وهذا ما يبيّن لكم أن المعركة كانت حامية والمواقف حادة" 3. فالمداولات لم تكن صوريّة بل مسّت مسائل تأسيسية في كنف حرية التعبير وحق الاختلاف.
-1- رئاسة المجلس:
لئن كان القانون الداخلي للمجلس ينص على أن يتولّى رئاسة أوّل جلسة له أكبر النواب سنّا، مقابل أن يكون نائب الرئيس أصغر النواب سنّا، فإن ألبير بسيّس لم يتولّ رئاسة هذه الجلسة، بل تولاّها امحمد شنيق رغم أنه أصغر منه سنا، وذلك لأسباب اجتماعية، انتبه لها النواب(أن يترأس يهوديٌّ أوّلَ جلسة). أمّا رئاسة المجلس فقد ترشّح لها النائب الحبيب بورقيبة وانْـتُخِبَ بالإجماع في8 أفريل1956، لكنّه اضْطَرّ إلى الانسحاب في جلسة 14أفريل بعد أن دعاه الأمين باي إلى تشكيل الحكومة إثر استقالة حكومة الطاهر بن عمار، فعوّضه مؤقتا نائب الرئيس أحمد بن صالح باعتباره النائب الأصغر سنّا، إلى أن قدّم السيد جلولي فارس ترشّحه للرّئاسة في17أفريل1956، لكنْ ظهر الاختلاف بين النواب حول سرّية أو علنيّة عملية التصويت، إذ نادى 55 نائبا بالعلنية مقابل18 نائبا نادوا بالسرية، وقد صوّت 42 نائبا لصالح جلولي فارس، أما51 نائبا فامتنعوا عن التصويت، لذلك تمّ اللّجوء إلى المناداة على النواب جَهـْرِيّا في عملية تصويت ثانية ليحصل المُترشِ ّ ح على الإجماع.
-2- رئاسة اللّـجان :
يمكن أيضا بالنظر إلى توزيع اللّجان وانتخاب أعضائها أن نتبيّن توزيعا لموازين القوى داخل هذه اللّجان يعبّر عن استراتيجيّات للفعل ترمي إلى تحقيقها، فبالنّظر فقط إلى لجنة التوطئة والتنسيق ولجنة السّلطة التشريعية اللّتيْن ترأّسهما أحمد بن صالح نجد أنّ الاختيار عليه لم يكن اعتباطيا بل يرتبط بتلك الاستراتيجيات للفعل ورهانات اللّعبة بتحالفاتها، فهل من الكافي أن نذكّر هنا بأنّ ه ذا الأخير كان الأمينَ العامَّ للاتحاد العام التونسي للشغل. كما ستكون اللّجنتان ذواتيْ دور استراتيجي حاسم مستقبلا، فلجنة التوطئة والتنسيق كانت مكلّفة بإعداد توطئة الدستور المُحدِّدَة للخطوط الكبرى لهذا الدستور وبالتالي لمستقبل الفعل السياسي، كما أنّها كانت مكلّفَة بالتنسيق بين جميع اللّجان وبالتالي مواكبة عمليّة صياغة الدستور في مختلف مراحلها و أدقّ تفاصيلها.
-3- نصّ التوطئة "نصّان" أو تخارج "نصّيْن"بما هو تخارجٌ لانتماءيْن :
لقد ورد بالمشروع الأوّلي للدستور كمشروع محلّ خلاف ما يلي:
المادة الأولى: تونس دولة عربية إسلامية.
المادة الثانية: الشعب التونسي هو صاحب السّيادة.
المادة الثالثة: الدولة التونسية تضمـن حرية المعتقـد، وتحمي حرية القيام
بالـشّعائر الديـنية ما لم تخـلّ بالنظام وتنافي الآداب.
هذا النص بصيغته المذكورة جاء في الآن نفسه نتاجا وانعكاسا لما جرى داخل كواليس المجلس من نقاشات واختلافات في وجهات النظر، تجد ترسّباتها المفسّرة في الخلفيّات النّظريّة والثقافيّة للنواب من حيث هي خلفيات متخارجة.
فبالعودة أوّلا إلى المسكوت عنه من المناقشات يمكن أن نعثر على اقتراح كان تقدّم به بورقيبة ينصّ على ما يلي:
المادة الأولى: تونس دولة مستقلّة ذات سيادة.
المادة الثانية: الشعب التونسي هو صاحب سيادة يباشرها على الوجه الذي يضبطه الدستور. المادة الثالثة: الإسلام دين الدولة والعـربـية لغـتـها، وهي تضمن حرّيـة الـمعتـقـد، وتحمي حرّية الـقـيام بالشّعائر الدينية ما لم تخلّ بالقانون( 4).
ولقد كان هذا المقترح محلّ نقاش مُطوّل إذ أنّه يكتفي بتحديد تونس والدولة الجديدة تحديدا قانونيا صِرْفا، فتونس أوّلا دولة مستقلّة أساسُها قانونيٌّ مستمَدّ من سلطة الشعب، أمّا الانتماء الثقافي فتمّ وضعه في المقام الثالث(الانتماء العربي الإسلامي). وقد تمّت صياغة المادة الثالثة بشكل يجعل صفتيْ الانتماء مجرّد صفتيْن للدولة لا أساسَ انتماءٍ محدّد للهويّة ومكوّناتها: فالإسلام دين الدولة، والعربية لغتها. لا بل إنّهما مكوّنان يخضعان لرقابة الدولة، تتصرّف فيهما وتحميهما ما لم يُخلاّ بالقانون.
فكأنّنا بالدولة التونسية أُريد لها أن تتحدّد انطلاقا من مكوّنها الدستوري باعتباره مكوِّنا قانونيا أوّلا. ومبرّر ذلك هو الرّغبة في "وضع حدّ لكلّ طغيان وكلّ ظلم داخلي أو أجنبي...ولن يتصرّف في حظوظ الشّعب التونسي غير الشّعب التونسي، والأهمّ من ذلك كلّه حتى لا يكون الحكم في البلاد عقائديا"( 5). هذا الاقتراح الذي يمثّل دعامة الدولة التونسية كما كتب مقرّر مناقشات المجلس السيد علي البلهوان أثار تحفّظ القوى الدينية، ورأت فيه تهميشا للمكوّن العربي الإسلامي في انتماء تونس وردّت على اقتراح بورقيبة باقتراحٍ مضادٍّ يؤكّد على أولويّة المكوّن العربي الإسلامي لهذا الانتماء. فتونس ليست مجرّد دولة دينها الإسلامُ ولغتُها العربيةُ، بالنّظر إلى الفرق بين الصياغتيْن"فرق بين أن تكون دولة عربيّة وبين أن تكون دولة لغتها العربيّة، بحيْث إذا قلنا دولةً نقصد صراحة أنّها من ضمن المجموع العربي بمعنى من العائلة العربية"( 6). فالانتماء للعروبة والإسلام انتماء ثقافيّ وليس انتماءً سياسيّا. هذا التركيز على الهويّة الثقافية دفع أيضا بهذه القوى المعارضة للاقتراح الأوّليِّ إلى التّأكيد على ضرورة التزام الدولة بحماية ممارسة الشّعائر الدينية. فالدستور يجب أن يضمن حرمة الدين، وذلك على خلفيّة أنّ هذه القوى المعارضة كانت متخوّفة من الدولة الحديثة في تحْدِيدِها القانوني البحت لأنّه من الواضح أنّ القوى المساندة لهذا المقترح الأوّلي تؤكّد على أنّ ضمان وحماية الدولة لحرّية القيام بالشّعائر الدينية إنّما هما ضمان وحماية مشروطان(ما لـَمْ تخلّ بالقانون). أمّا القوى المعارضة فإنّها تلحّ على أن تحميَ الدولةُ الدينَ، والفرق كبـير بين تأكيد القوى الأولى وإلحاح القوى الثّانية ، أي فرْق بين أن تحمي الدولةُ حرّيةَ المعتقدِ والممارسةِ الدينيةِ ما لـَمْ تُخلّ بالقانون وبين أن تحمي الدينَ. لذلك رأت القوى المعارضة لهذا المقترح في عبارة "ما لم تُخلّ بالقانون" نفيا مباشرا لأيّ ممارسة دينية-سياسية من شانها أن تَمَسّ بمواد الدستور، وقد علّق الشيخ الشاذلي النيفر على هذا الشرط الأساسي لحماية الدولة للدين قائلا:"هذا مفهوم منه أنّ الشعائر الدينية هي التي تخلّ بالقانون، وأقترح أن تُعوّضَ الصّياغة اللّغويّة بـ » ما لمْ تخلّ الحرّيةُ بالقانون « "( 7) أمّا الدين فلا بدّ أن يحضر داخل الدستور بالنّظر إلى أنّ الدولة تحميه.
هذا الانشطار في المواقف إنّما يعكس في واقع الأمر تخارجا في الطّموحات وفي النّموذج الدولوي المنشود(المنتظر). فجماعة بورقيبة تطمح إلى ممارسة تأسيسيّة تقطع مع"الجمود والرّجعيّة"( 8) لذلك رفض هذا الأخير مقترحات الزّيتونيين قائلا:"اليوم نريد أن نضبط البند الذي يخلق الدولة ويكوّنها بصفتها دولة حرّة مستقلّة ذات سيادة"( 9)، مع رفض إضفاء أيّ معنى سياسي على الانتماء العربيّ الإسلامي لتونس، فوقع بناء عليه اختزال الانتماء العربي في البعد الثقافي البحت(اللّغة) كما وقع اختزال الانتماء الإسلامي في الشعائر الدينية، أي الممارسة الشخصيّة للدين بعيدا عن أيّ معنى سياسي( * ). أمّا التيّار "التقليدي" فقد حاول من خلال تدخّلات نوّابه المحافظة على هذا الانتماء الثقافي على أنّه انتماء ما يزال له حضورُه خاصة داخل الأوساط الشعبية إضافة إلى أوساط النّخب ذات الثقافة الموروثة .
لكن لابدّ أن نؤكّد هنا أنّ نهاية التقابل كانت في صالح الخطّ التحديثي لعوامل متعدّدة نؤجّل الحديث فيها للنقطة القادمة. وهي نهاية عبّر عنها بورقيبة من خلال مقترحه الذي تمكّن من فرضه في حين اضطرّ الزيتونيون إلى سحْب مقترحاتهم( ** ) خاصة مع ما لقيَه هذا المقترح من مساندة وتأييد داخل المجلس لأسباب هي سوسيولوجيّا متداخلةٌ أيضا.
ويبقى لزاما في هذا السّياق استحضار تدخّل النّائب أحمد المستيري بالنّظر إلى الدور الذي لعبه في الحسم حيْث أكّد على التحديد القانوني للدولة:"أرى أنّ الاقتراح الذي عرضه زميلنا الأستاذ الحبيب بورقيبة بأنّ الفصل الأوّل: تونس دولة حرّة مستقلّة هي شيء قانوني واضح وكذلك لا يمكن أن نزيد في ما بعد عربية أو إسلامية لأنّ ذلك نعت آخر ليس له صيغة قانونية، لأنّنا عندما نقول الإسلام دين الدولة لم نخرج أيضا عن التعريف القانوني، وكذلك في ما يخصّ اللّغة العربية التي هي اللّغة الرّسمية للبلاد، بحيْث إذا تمسّكنا بهذا النّمط أظنّ أنّنا نبقى في صيغة الدستور الذي هو قبل كلّ شيء هيْـكل قانوني أي أمور قانونية تضبط أركان الدولة"( 10). وإثر تدخّل المستيري مباشرة،انتهى المجلس بقبول مقترح الحبيب بورقيبة بعد أن رفض أيّ تغيير في الصّيغة التي تقدّم بها، مؤكّدا على ضرورة أن يظهر دستورُنا في مظهر أناس يعرفون القانون وكيف تتركّب الدول والنّصوص"( 11). فكانت الصيغة النّهائية كالتّالي: تونس دولة حرّة مستقلّة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربيّة لغتها.
ولكن يبقى الأهمّ هنا في مستوى الطّرْح السوسيولوجي هو السؤال حول دواعي هذا التخارج النّظري من ناحية وعوامل انتصار الخطّ التحديثي من ناحية أخرى.
II - محاولة في التفسير السوسيولوجي للتّخارج والانتصار :
في واقع الأمر تتداخل عوامل هذا وذاك لتؤلـّف كُلاّ متفاعلا حيث لا فصْلَ إلاّ منهجيا بين السّياق السياسي العام الذي جرت فيه الاختلافات وبين المحدّّّّّدات الثقافية والتكوين العلمي لهؤلاء النوّاب وتمثّلهم لطبيعة الفعل السياسي. وبناء على ذلك نجيز لأنفسنا الوقوف على ثلاثة عوامل متداخلة نبوّبها دون ترتيب كالآتي:
-أ- السّياق السياسي العام الذي يمثّل إطارا سوسيو- سياسيا يتدخّل في اختيار المواقف. فسياسيا تعيش تونس آنذاك تحوّلات جوهريّة داخليّا وخارجيّا فالكفاح المسلّح في الجزائر في تَـنَامٍ، إضافة إلى تنامي حركة القومية العربية منذ صعود عبد النّاصر إلى الرّئاسة في مصر سنة1954 إلى جانب انعقاد مؤتمر باندونغ بإندونيسيا بين 15 و 24 أفريل 1955 بحضور عبد النّاصر، لالْ نهرُو، شوينْ لايْ... حيث تَـمّ تأكيد حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وكان صالح بن يوسف كما هو معلوم من بين الحاضرين. أمّا داخليّا فإنّ دخول تونس في خطّ الـتـفاوض مع المسـتعمر الفـرنسي لَـقيَ مُعارضة من قبَـل صالح بن يوسف وجماعة الأمانة العامة الذين نادوْا برفض إمضاء اتفاقيات3جوان1955 ومبدإ الاستقلال عبر مراحل وخطّ التفاوض أصلاً. وهَاهُوَ بن يوسف يعود إلى تونس في 13سبتمبر1955، وقد انقسمت البلاد بين مؤيّد لبن يوسف ومؤيّد لبورقيبة أشخاص ومنظّمات(بعض مؤسّسات المجتمع المدني في مستوياتها الأوّليّة) ولكنْ حتى الجهات أيضا فالاتحاد العام التونسي للشّغل أيّد جماعة الديوان السياسي، كما أيّدت فرنسا نفسُها خطّ بورقيبة، كذا اختار الحزب الشيوعي بدوره الانضواء تحت هذا الخطّ لأسباب ثقافيّة وتاريخيّة، إضافة إلى أنّه تمّ في 2ديسمبر1955 بعث ما سيسمّى بالاتحاد القومي للمزارعين التونسيين من أجل تأييد بورقيبة لأنّ الاتحاد العام للفلاحة اختار مناصرة بن يوسف لدواعي لعلّ أهمّها ما يرتبط بمسألة تأميم الأراضي الزراعيّة بعد استرجاعها من المستعمر. أمّا خطّ جماعة الأمانة العامة من أنصار بن يوسف" فقد فضّل البندقيّة على صندوق الاقتراع" كما يُقال وناصره خاصة سكّان الوسط والجنوب، كذا الباي الذي كان أقرب في موقفه إلى بن يوسف منه إلى بورقيبة على خلفيّة تخوّفه من أن يُسحب البساط من تحته من قبَل الحزب الحرّ الدستوري، خاصة وأنّ هذا الأخير سبِق أن رفض مقترح الباي في إنشاء دستور منذ15ماي1951. إضافة إلى كلّ ذلك فإنّ طلبة الزّيتونة وخاصة من أنصار"صوْت الطّالب الزّيْتُونيّ" قد ساندوا صالح ابن يوسف ومواقف جماعة الأمانة العامة لأسباب ثقافية ترتبط بالمحافظة على المكوّن الأساسي للهويّة، فالمعروف أنّ بن يوسف اعتمد في صراعه مع بورقيبة خطابا ذا خلفيّة دينيّة حتى أنّ حمْلته ضدّ اتفاقيات3 جوان1955 اختار لها أن تنطلق من رحاب جامع الزّيتونة إثر ذلك الخطاب الحماسيّ الذي ألقاه هناك.
-ب- طبيعة الفعل السياسي الذي اخـتارته نُخَبُ تلك المرحلة، إذ هو فعل تـمـيّز في ما تميّـز بالبعـد الإجرائيّ أو ما يُـطلق عليه تجـوّزا (البراغماتيـّة البـنّاءة)، فالـتـقاطعات والاختلافات حقيقةٌ قائمةٌ داخل المجلس وتحديدا في مستوى تركيبة نوّابه فكيْف السّبيل إلى تجاوزها عمليّا والمرور من مرحلة المناقشات والاختلافات وحتى المجادلات إلى مرحلة الإنجاز العملي ّالمتمثّل أساسا في صياغة الدستور بتوْطِـئتِه، هو ما انتبه إليه بورقيبة منذ البداية، إذ عبّر عن تخوّفه من هذه التركيبة الشّائكة للمجلس فدعا إلى عدم إضاعة الوقت"يجب أن نتّعظ بغيْرنا، فلا نضيِّع على الأمّة أوْقاتا ثمينة في مجادلاتٍ أو نظريّاتٍ لا جدوى فيها، بل سنختار منهاجا ناجعا في العمل يعتمد على واقعنا التونسي، ليكون اجتهادنا إيجابيا، سريع الإنجاز، فيتمّ وضع دستورنا في أقرب وقت ممكن، وعليْنا أن نحافظ على وحدة الأمّة داخل المجلس، فإنّ كلّ عضو منّا رغم انتخابه في منطقة معيّنة يمثّل الأمّة جمعاء، فلا يدافع عن مصالح خاصّة أو مصالح جهة دون جهة أو مصالح طبقة دون طبقة"( 12). هذه الدعوة إلى تجنّب الجدال النّظري العقيم إنّما دافعها أوّلا وَعْيُ بورقيبة بالتقاطعات التي تشقّ تركيبة المجلس ثقافيّا، جهويّا، طبقيّا... ثمّ أيضا وعيُه بضرورة إضفاء بعد إجرائي على أعمال المجلس، إذ تكون البرغماتيّة البنّاءة ضروريّة داخل تجربة بنائيّة حديثة وهشّة ما زالت تسعى لإثبات قدراتها الذاتيّة وجدواها العمليّة. وليس ما حصل من توتّر خلال المداولات حوْل التوطئة سوى دليل على هذه الضّرورة العمليّة، حتى أنّه تمّ اللّجوء إلى تأجيل النّظر في التوطئة والحسم فيها لِمَا بعد صياغة الدستور وقراءته وذلك باقتراح من رئيس الحكومة ذاته(الحبيب بورقيبة) في جلسة يوم الثلاثاء17جويلية1956 ( 13)، كما تقرّر تأجيل الحسم في مسألة محاسبة المجلس للحكومة وتخويله إمكانية سحب الثّقة منها، وهو تأجيل يرمي إلى البحث عن الجدوى والفاعليّة في العمل الحكومي كما يرمي إلى تجنّب الاختلاف الذي يمكن أن يتسبّب في تصدّع مؤسّسات الدولة النّاشئة( 14) هذه الرّغبة في التأجيل وجَدت في مواقف النوّاب وما أثاروه من مسائل مبرّرا لها، فبعض النواب أرادوا أن يضمِّـنوا النص التشريعي موقفا معارضا للإقطاع والاحتكار(النائب النقابي أحمد بن صالح)، وبعضهم تساءل عن موقف المجموعة من الملكيّة الفرديّة والملكيّة الجماعيّة على النّمط الاشتراكي (النائب الفرجاني بلحاج عمار) في مقابل طرْح النائب النقابي محمود الغول لمسألة الحسم في قضيّة التأميم وملكيّة الدولة وكان ردّ الحكومة الوارد على لسان وزير الدولة السيد المنجي سليم بأنّ التوطئة ليست لائحة سياسية ولغة التشريعات الدستوريّة تسمو عن مقتضيات النّضال اليومي ووافقه في ذلك النائب الفرجاني بلحاج عمار، لكنّ النائب أحمد بن صالح عبّر عن موقف مغاير بالنظر إلى أنّ "لفظة الإقطاع لا تدلّ على الملكيّة وإنّما مسألة عقليّة"( 15). بما يسمح بالقول بأنّ القضايا المختَلَف حولها عديدة وتعكس في واقع الأمر اختلاف النواب حوْل تصوّرِهم (تصوّراتهم) للمجتمع المنشود. كما تقتضي "برغماتية" الفعل السياسي على ما يرى أعضاء الحكومة التجاوزَ والتأجيلَ والتحرّكَ في حدود ما يُـتـّفَقُ حوْله أو ما يبدو كذلك على الأقلّ. وبناء عليه لن نستغرب سعْيَ الحكومة إلى الحدّ من سلطات المجلس ومجالات تأثيره داخل حقليْ التشريع(النص) والتنفيذ(الفعل)، بل وتحييده في بعض المسائل مبرّرة ذلك بصعوبات المرحلة بكلّ ما تقتضيه من رصٍّ للصّفوف وتجميعٍ للطاقات حتى "لا تذهبَ ريحُ الأمّة" و"لا تنفكّ أواصر الوحدة الصمّاء" بالنّظر إلى واقع البلاد، فالحكومة -على أنّها ممثّلة للخيار الحداثي- كانت تخاف من أن يتحوّل المجلس إلى مجال لمواجهة سياسية، ثقافية، فكرية كانت تسود البلاد آنذاك.وفي ذلك مبرِّر سعيها منذ الجلسة الأولى لاحتواء أيّ إمكانية للتصدّع أو الانشطار، عبر فرْض نمط دوْلويّ يتأسّس على مرجعياتِ الدستورية والقانونية في المقام الأوّل، أي أنّه تمّ ترجيح كفّة القانوني على كفّة الثقافي بمبرّر أنّ الأبعاد الثقافية والانتماء القومي تخلو من أيّ بُعْد قانوني، بل ما هي إلاّ مجرّد مكوّنات انتمائية لسنا في حاجة إلى أن نُضمّنها للدستور.
-ج- إنّ النظر في تركيبة المجلس ومقاربتها سوسيولوجيا في مستوى تكوين النواب وانحداراتهم الاجتماعية(العائلية والجهوية) وانتماءاتهم المهنية يمكن أن يساعدنا على إدراك"طبقة أعمق" بلغة G- GURVITCH في فهم وتفسير هذا التخارج أو ما كان سمّاه C- GEERTZ بـ"التفكّك المفاهيمي".
ولئن قسّم صالح المثلوثي تركيبة المجلس إلى ثلاثة اتجاهات كانت قد تقاطعت داخله تمثّلت في:
اتّجاه أصولي يمثّله على سبيل الذكر النائبان الشاذلي النيفر ونصر المرزوقي...
اتّجاه لائكي متغرّب يمثّله أعضاء الحكومة من مثل الحبيب بورقيبة والباهي الأدغم وأحمد المستيري...
اتجاه ديمقراطي ليبرالي يمثّله النائب النّقابي محمود الغول والنائب المستقل محمود الماطري والنائب الدستوري جلّول بن شريفة ( 16).
فإنّنا ولغايات إجرائية بحتة سوف نكتفي بتقسيم النواب إلى قوّتيْن أساسيّتيْن لكلّ واحدة مرجعيّتها النظريّة وتكوينها الثقافي والسياسي ومواقفها من القضايا المطروحة استنادا إلى ذلك التكوين وتلك المرجعيّة ثم الانتماء الاجتماعي باعتبارها جميعا في تداخلها متغيّرات مفسّرة:
? القوّة الأولى: مجموعة الحبيب بورقيبة ذات الثقافة الحديثة من الصّادقيين الذين تلقّوْا تعليمهم بالغرب، وهم متشبّثون بالقيم الحديثة ومبادئ الدستوريّة والقانونية استنادا إلى المناخ السياسي الدولي والفرنسي على وجه التحديد.
? القوّة الثانية: مجموعة من الزيتونيّين ذوي الثقافة التقليدية والميولات الدينيّة قبِلوا الدخول في المجلس القومي التأسيسي والمشاركة في صياغة الدستور كأساس للدولة ونحت معالم المجتمع الجديد أي بلغة سياسية اختاروا المعارضة من الداخل.
ويمكن أن نقف إحصائيا على نسبتيْن متقاربتيْن تمثّلان القوّتيْن السّابقتيْن:
القوّة الأولى يمثّلها 55 نائبا من ضمن 108 نوّاب أي ما نسبته 50.92 %
القوّة الثانية يمثّلها 53 نائبا من ضمن 108 نوّاب أي ما نسبته 49.08 %
ومستندنا في هذا التصنيف طبيعةُ التعليم الذي تلقّاه النائب والشّهادةُ الحاصلُ عليها والمؤسّسة التعليميّة التي ارتادها. فهناك التعليم العربي الإسلامي بجامع الزيتونة وهناك التعليم المزدوج العربيّ الفرنسيّ، كما هناك التعليم الفرنسيّ البحْت. وبإمكاننا أن نحصي ما يلي: 26 نائبا متخرّجون من الجامعات الغربيّة في مقابل 7 نوّاب فقط متخرّجون من جامع الزّيتونة. أمّا المستوى التعليمي فيتوزّع كالآتي :

كذلك جهويّا فإنّ التوزيع غير متكافئ، إذ تحتكر كلّ من تونس ، صفاقس وسوسة لوحدها ما يزيد عن 58 نائبا. أمّا عدد ممثّلي ولايات الداخل ففي حدود الخُمُس، وفي المقابل فإنّ تونس العاصمة لوحدها تحتكر الرّبع أو يزيد(29نائبا)، بما يجعل كفّة تمثيليّة الحضر ترجح على حساب كفّة تمثيلية الدّاخل(الرّيف)، ويسمح بالتالي بالحديث عن "قوّةِ تمثيليّةِ المدن" كما سمّاها الهرماسي وإن في سياق آخر.
أمّا إذا ما استندنا إلى التوزيع حسب المهن فإنّنا نجد أنّ المحامين والموظّفين والتجّار والأساتذة ممثّلين أكثر من باقي المهن(64 نائبا) مقابل 20 نائبا للمزارعين فقط على سبيل المثال.
هذه المحدّدات الأساسيّة المتمثّلة خاصة في الانتماء المديني (الحضَري) والانتماء المهني والانتماء الثقافي(التعليمي) ستكون حاسمة حسب رأينا في انتصار الخطّ الحداثي. نقول هذا ونحن نستحضر ذلك التدخّل الحاسم لأحمد المستيري الذي يمثّل خير شاهد على النائب المديني(انتماء اجتماعي) المحامي ( انتماء مهني) المتعلّم تعليما عصريّا(انتماء ثقافي) ليؤكّد على التحديد القانوني للدولة النّاشئة.
الحاصلة:
لقد حاولنا من خلال هذه الورقة النّبش في ثنايا تجربة البناء الوطنيّ في تونس بحثا عن العلامات الدّالة سوسيولوجيّا على أنّ نشأة هذه التّجربة وتطوّرها انبنت على تقاطعات ثقافيّة وفكريّة في تحديد هوية هذه الدولة الناشئة فكرا وثقافة وفعلا، وهي تقاطعات كان يمكن لها أن تنضج وتتشكّل بأكثر وضوح لوْلا تظافر عوامل عديدة سمحت لخطّ أن ينتصر على حساب آخر، بناء على أنّ الممارسة السّياسية من حيث أنّها ممارسة اجتماعيّة لا يمكن أن تنفصل البتّة عن الخلفيّات الثّقافيّة الموجّهة لذلك الفعل. هذا المنطلق النّظريّ في المقاربة هو الذي يسمح لنا سوسيولوجيّا بالبحث عن جواب للسؤال المتعلّق بالعوامل المساعدة على انتصار الخطّ الحداثيّ وتراجع خطّ الهويّة. و هي حسب رأينا عوامل يمكن اختزالها في ما يأتي :
إنّه انتصار للخطّ الحداثيّ القانونيّ في مفهوم الدّولة، حيث هويّتها القانونيّة (جوهرها) سابقة لأيّ محدّد آخر. هذا التّصوّر يتماشى في واقع الأمر مع نوعية رأس المال الثّقافيّ الذي دخل به أكثر من50 % من النّواب سوق التّبادل السّياسيّ وهو رأس مال يتكامل في الحقيقة مع رأس مال اجتماعيّ(انتماء حضريّ مدينيّ إلى تونس وسوسة وصفاقس) ورأس مال مهنيّ (مهن حرّة: محامون، تجّار، أساتذة...) إذ عبر تظافر هذه الرّساميل الثّلاثة في إطار الفعل السّياسيّ انبنت قوّة هذا التيّار.
إنّه انتصار يعود أيضا إلى تراجع الخطّ المقابل الذي كان يؤكّد على أولويّة المحدّد الثّقافيّ في هويّة الدّولة المراد تأسيسها. فالزّيتونيّون لم يتشبّثوا بآرائهم ذات الخلفيّة العروبيّة الدّينيّة خوفا من أن تُـتّخَذَ مستندا بعد تأويلها سياسيّا لاتّهامهم بالولاء لليوسفيّة في مواجهة حكومة بورقيبة، خاصّة و أنّ صالح بن يوسف كما أشرنا آنفا سوف يختار المراهنة على الزّيتونة في مواجهة بورقيبة وخطّ التّفاوض مع فرنسا. ولكن بتراجع هـذا الخـطّ تراجعت مفاهيم وتصوّرات مجتمعـيّة مخالِفة، إن لم تكن متخارجة مع المفاهـيم والتـّصوّرات التي يسعى أنصارها إلى إرسائها ونجحوا في ذلك نجاحا واسعا بتعــلـّة المحافظة عـلى النّظام وتجنّب الفوْضى"المُذْهِبَة لريح الأمّة".
إنّه انتصار سمح أيضا وفي مستوى أبعد بإثبات المقولات التّحليليّة للمقاربات النّخبويّة في فهم تجربة البناء الوطنيّ سوسيولوجيا، حيث الصّراع بين نخبٍ أو تيّارات نخبويّةٍ منها مَن ناصر مقولات القانونية والدّسـتورية والتّحديث عامّة مناصرة مطلقة ومنها من سعى للمحافظة على النصّ التشريعي الأصليّ ومقوّمات الهويّة عامّة، ولكن منها أيضا من حاول التّوفيق بين مبادئ الشّرع كأصل تشريعي و مبادئ الـلـّيـبرالـيـّة المعاصرة. و بناء عـليه انتـبه رضا بوكراع في دراسة له حول "هويّة المثقّف و التّكوين الاجتماعي المغربي"( 17) بأنّ الأنـتـلّجـنسيا المغربيّة كانت متميّزة نشأة وتكوينا ودورا عن الأنـتـلّجنـسـيا الغربيّة، وذلك من حيث أنّها "تحمل مشروعا مُزْدوَجا، مشروعَ الأمّة الإسلامية وَمشروع ولادة الأمّة الحديثة" رغم تناقضهما. هذان المشروعان الثّقافـيان الموجِّهان للأنـتلّجـنسيا التونسيّة خلال مسار بنـائها لـلـدّولة ومؤسّساتها يُحِيلان ضرورة إلى مؤسّستين تعليميّتين هما:
أ- المؤسّسة الزّيتونيّة بما هي مؤسّسة لإنتاج وإعادة إنتاج نموذج المثقّف العالم المدرِّس الذي يتراوح موقفه من النّظام السّياسي القائم بين القبول وإضفاء الشّرعية الدينيّة عليه وبين المعارضة مطلقا بكلّ ما يمكن أن يجرّ ذلك عليه من تبِعات، وبين هذا الـقبول و تلك المعارضة يقوم موقفُ "الحِياد" سعيا للحفاظ على الاستقلاليّة .
ب- المؤسّسة الصّادقـية بما هي مؤسّسة لإنـتاج وإعادة إنـتاج نموذج المثقّـف الحـداثي. إذ هي قد أنـتجت حَـمَـلة ديبلومات (شهائد) سيحلّون محلّ شيوخ الزّيتونة ليشكّلوا "مجتمع الشّيوخ الجدُد". فنافسوهم مكانتهم ونفوذهم وأدوارهم، وليتزعـّموا عمليّة البناء الوطني على حساب الأنتلّـجنسيا الأصوليّة من حيث هي أنتـلّـجنسيا تقليديّة.
وهو م ا يجرّنا إلى طرْح السّؤال التالي: هل سيتواصل حضور هذا النّمط العلائقي بين النّموذجيْن الأنتلّجنسيّيْن خلال المرحلة ما بعد التأسيسية لنموذج البناء الوطنيّ في تونس؟
***************************
1- GEERTZ (C) : The interpretation of cultures: selected essays –New-York , Basic-Books – 1973
عن : محمد عبد الباقي الهرماسي : المدخل الثّقافي الاجتماعي إلى دراسة الدّولة - ضمن: الأمّـة و الدّولة و الاندماج في الوطن العربيّ- الجزء1 مؤلّف جماعيّ – مركز دراسات الوحدة العربيّة – الطّبعة 1 - بيروت ، 1989 ، ص 77.
2عن زهير المظفــّـر: وضع الدستور التونسي ، ملتقى الجمعية التونسية للقانون الدستوري 1 جوان 1999. ورد بجريدة الصباح، الخميس 3 جوان 1999، العدد 16249 ، السنة 49 ، ص5.
* المقصود موضوع حق المرأة في الانتخاب.
3عن زهير المظفــّـر: وضع الدستور التونسي المرجع السابق ، ص5.
4الرّائد الرّسمي : مناقشات - ص.ص:13-14،اقتراح السيد الحبيب بورقيبة.
5الحبيب بورقيبة : خطب - ج2 – ص:56
6الرّائد الرّسمي : مناقشات - تدخّل النّائب الشيخ محمد الشاذلي النيفر
7الرّائد الرّسمي : م.س – ص:14
8الحبيب بورقيبة : خطب - م.س- ص:56
9الرّائد الرّسمي : م.س- ص:15
* انظر تدخّل النّائب صالح القلعاوي بـ الرّائد الرّسمي : م.س-ص:16
** يمكن العودة إلى ما ورد بالصفحة17 من الرائد الرسمي : م-س.
10الرّائد الرّسمي : م.س – ص16 تدخّل النّائب أحمد المستيري .
11الرّائد الرّسمي : م.س- ص.ص: 17-18-19 تدخّل النّائب الحبيب بورقيبة .
12الحبيب بورقيبة : خطب - ج2 – خطاب8أفريل1956 أمام المجلس القومي التأسيسي- ص:55
13الرّائد الرّسمي - المناقشات ، جلسة17جويلية1956، عدد5 ، ص:137 .
14انظر في هذا المجال التبريرات التي قدّمها بورقيبة لأعضاء المجلس حول تأجيل النّظر في مسألة سحب الثّـقـة من الحكومة كحقّ دستوري في خطاب24أفريل1956- خطب - ج2 ،خطاب أمام المجلس القومي التأسيسي – ص:77 . كما يمكن العودة أيضا إلى : BEN SALAH(H) : Système politique et système religieux en Tunisie – D.E.S en sciences politiques- F.D.S.P.Tunis 1973-1974.
15انظر : الرائد الرّسمي : م.س – ص:137.
16MATHLOUTHI (S) : L'Assemblée nationale constituante 1956-1959 .in : Revue :SERVIR - ?: 15-16 _II ,1974 – I,1975 p.p :95-107
17رضا بوكراع : هويّة المثقّف والتّكوين الاجتماعي المغربي- بضع فرضيّات للعمل - ضمن: الأنتلّجنسيا في المغرب العربي – إشراف: عبد القادر جغلول ، دار الحداثة ، بيروت ، ط1، 1984 – ص:182.
الـمصـادر و المـراجـع :
1- الرّائد الرّسمي التونسي : مناقشات المجلس القومي التّأسيسيّ – أسئلة النوّاب وجواب الوزراء عنها. من العدد1 إلى العدد15.
2- BEN SALAH (H) : Système politique et système religieux en Tunisie –D.E.S en sciences politiques, Fac.Drt.Sc.Pol. Tunis – 1973 – 1974.
3- DEBBASCH (Ch) : L'Assemblée nationale constituante Tunisienne . - in: Revue politique et juridique d'Outre – mer ,1959 – pp: 32-54 .
4- DEBBASCH (Ch) et CAMAU (M) : La Tunisie – Encyclopédie politique et constitutionnelle (série Afrique) – Institut international d'administration publique–Editions :BERGER-LEVRAULT,Paris,1973 .
5- MATHLOUTHI (S) : L'Assemblée nationale constituante 1956-1959 . in : Revue :SERVIR – N° :15-16 - (II) 1974 , (I) 1975 , pp : 95- 107 .
6- عبد الباقي الهرماسي : المدخل الثقافي الاجتماعي إلى دراسة الدولة – ضمن: الأمّة والدولة والاندماج في الوطن العربي، الجزء1، مؤلّف جماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطّبعة1، بيروت، 1989.
7- عبد الجليل بوقرّة : المجلـس القـومي التأسـي ـ سي 1956 – 1959 ، شهادة الكـفاءة في البـحث، إشراف: علي المحجوبي ، قسم التاريخ، الجامعة التونسية ، سبتمبر1986 .
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>