الاندماج السياسي وتشكّل مفهوم الوطن في تونس
د.محمد نجيب بوطالب
جامعة تونس المنار
تقديم :
لقد تطلّب الاندماج الوطني في تونس جهدا كبيرا ووقتا طويلا خاضته النخب السياسية المتعاقبة منذ أواخر القرن الت ا سع عشر. وقد أدت هذه الصيرورة إلى تحقيق الانصهار بين الدولة والمجتمع مع دولة الاستقلال. فماهي المراحل التي مرّ بها هذا الاندماج وما هي آليات تشكله؟ إن إجلاء تلك الصورة يمكننا من فهم طبيعة المجتمع التونسي بمختلف تكويناته، كما يمكننا من التعرّف على المشروعية التاريخية والنضالية للبناء السياسي للدولة الوطنية.
مفهوم الاندماج:
يتضمن مفهوم الاندماج معاني عديدة تدلّ على التوحّد والانصهار وهي معاني تناقض معاني العزلة والصراع والانقسام و التناقض.
وسواء أكان الاندماج اندماجا بما يعنيه من حضور الذات الفاعلة الداخلية، أو إدماجا بما يعنيه من حضور الذات الفاعلة الخارجية، فإن المهم هو حضور دلالة الانسجام الداخلي وتوحّد الاجزاء مع بعضها البعض.
ويطرح مفهوم الاندماج مرتبطا ب ب عدين أساسيين هما الحريّة والسيادة فبعد الحريّة يحيل إلى حريّة الأفراد و الجماعات في الانتماء واختيار الدخول إلى الجماعات أو النظام، وبالمقابل يستبعد عمليات التسلط والإدخال بالقوة وكثيرا ما يحدث هذا في عمليات الإدماج القسري (في حالات وجود أقليات داخل بعض المجتمعات ).
يطرح مفهوم الاندماج في علاقة بالسيادة الوطنية أو بسيادة النظام السياسي على المجتمع المحلي، أي على أرضه و م متلكاته سعيا إلى منع احتمالات النفور والانسلاخ والنشاز.
ويلعب التثاقف دورا أساسيا في تشكيل عملية الاندماج، وهي عملية تمتد في الزمان والمكان بحيث يصعب حصرها في حدود معينة ، ل أ ن التثاقف يحصل من تبادل التأثيرات بما يؤدي إلى الاتصال بين المجموعات وإضعاف عمليات الاختلاف بين ها ك َكُ ل ّ، كما تلعب العوامل الاقتصادية دورا هاما في تحقيق عملية الاندماج. فالنظم الاقتصادية الوافدة على المجتمع المحلي من الداخل( الدولة الوطنية) أو من الخارج ( الهجرة أو الاستعمار الفلاحي) تساهم جزئيا أو كليا في تغيير علاقات المجتمع بمحيطه فيتحول من اندماج إلى آخر( علاقات التبادل، علاقات العمل، علاقات التوزيع...)
هذه الأشكال من الاندماج الثقافي والاقتصادي و الاجتماعي تؤدي إلى إحلال قيم جديدة مثلما تؤدي إلى تلاشي القيم التقليدية.
وقد نال هذا المفهوم نصيبا وافرا من التحليل لدى علماء الاجتماع والانتربولوجيين. فحينما ينظر إلى الثقافة، أو إلى المجتمع، باعتبارها كليات des totalités) ) يتم التعرض إلى عملية ادماج الأجزاء في الكليات. تتم هذه العملية عن طريق تقسيم العمل الآلي بما يسمح لعناصر مختلفة بالالتجاء إلى التطور الاجتماعي المنسجم او بواسطة عملية المشاركة في القيم الجماعية غير المتناقضة التي يتكفل بها النظام الثقافي ( بارس ن ر Parsons )، كما ربط ( بارك Park ) مشكلات الاندماج بموضوع الهجرة والمهاجرين ، ومعروفة هي مدرسة شيكاغو وتنظيراتها حول الاندماج في المدن.
انطلاقا من التحديدات السابقة فان مفهوم الاندماج بالنسبة لموضوع تناولنا وهو الدولة والوطن والمجتمع، وتحديدا في تونس الحديثة نعني به: عملية تحول الولاءات لدى الأفراد والجماعات من ولاءات قبلية عائلية وط ُ ر ُ قية تخترقها ولاءات شمولية( دينية بالأساس ) إلى ولاء سياسي مدني محدد هو الوطنية التونسية. فالاندماج هنا يعني عملية التشكل السياسي للمجتمع التونسي عبر صيرورة اتحاد الجماعات التي كانت منفصلة من قبل أو كان ترابطها مع المجموعة الكلية هشا بسبب تعدد أو تعارض الولاءات وتقطع حضور الدولة وضعف مركزة سلطتها.
حضور الدولة وضعف مركزة السلطة :
فصورة المجتمع التونسي في مراحل ما قبل الاستقلال كانت تتميز بعديد الانقسامات و أهمها:

3- انقسام مناطق= منطقة مدنية- منطقة عسكرية ( فترة الاحتلال)
انقسام ديني= طرق دينية( عيساوية، قادرية،سلامية...)
انقسام قبلي- قبائل، بطون، عروش، أقسام، عائلات
انقسام طبقي- أعيان، مشائخ، خماسة، رعاة، تجار... الخ.
من التجزأ الوطني إلى الوحدة الوطنية:
سعى الاستعمار الفرنسي في تونس الى "توحيد" البلاد عبر توحيد السوق، وهو ما يتماشى مع طبيعة النظام الرأسمالي، وتسهيلا لعمليات الاستغلال عمل أيضا على "فرض الأمن" وتشديد المراقبة على القبائل والمجموعات البدوية المترحلة التي كانت تتوسع في حركتها إلى المناطق الليبية والجزائرية المجاورة ، لذلك عملت السلطات الاستعمارية على رسم الحدود وركزت مراكز حضرية وإدارية عسكرية في مختلف الجهات.
وقد ووجه التدخل الاستعماري بمقاومة الأهالي التي تحولت إلى حركة منظمة في الأرياف خصوصا في الجنوب( ثورة الودارنة 1914-1918) . وسرعان ما تحولت تلك الهب ّ ات القبلية إلى حركة منظمة أطلق عليها فيما بعد حركة الفلاقة وقد انخرطت فيها مجموعات مختلفة من جميع أنحاء البلاد.
مسيرة تشكل مفهوم الوطن:
كانت الحركة الإصلاحية في أواخر القرن 19 واعية بمفهوم "الوطن" أو "الأمة" ولكنها كانت، ممثلة في خير الدين، ترتكز على ربطه بالخلافة الإسلامية أي بالدولة العثمانية. أما الاستعمار الفرنسي، فرغم مساهمته غير الواعية في توطيد عرى الترابط بين مختلف الجهات والمجموعات بفضل ما بناه من طرقات وما أدخله من وسائل اتصال ونقل وعلاقات جديدية فانه لم يعترف بكيان "الشعب" و"الوطن" بل انه سعى إلى ضربه وتقسيمه سياسيا وعسكريا. ولذلك كان الاستعمار يستعمل مصطلحات عامة ، تبتعد عن مفهم " المواطنين " و"الشعب" و "التونسيين" ، ومنها " الأهالي" و"المسل م ون" الخ...
لقد ساهم ظهور النخب الجديدة ، مع بدايات القرن العشرين ( الزيتونة، الصادقية) في نقل المفاهيم الاصلاحية الضبابية حول" كيان الأمة" الى خطوة جديدة أكثر انضباطا وتماسكا مع التاريخ، خصوصا على يد البشير صفر الذي وسع رؤى التاريخ التونسي الى ما قبل دخول الحسينين.
كما ساهمت حركة الشباب التونسي ممثلة في علي باش حامبة في ترسيخ المفاهيم الوطنية فقد اكسبت الثقافة العصرية هؤلاء الشبان عقلية ح ديدية سارعت في تفاقم الحس الوطني وانتشاره، هذه الروح النضالية المتوقدة سرعان ما انبثق عنها ت أ سيس الحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920
لقد حافظت قيادة الحزب مجسدة في عبد العزيز الثعالبي على "الرؤى الرومانسية" للوطنية، وكان الانتماء التونسي العربي الإسلامي يحتل مكانة كبيرة في نظرة هؤلاء المؤسسين، لكن النقلة الجديدة التي أحدثها هذا التأسيس تمثلت في تطوير الوعي السياسي ونقله إلى مرحلة النضال المنظم الذي أصبح يرتكز على الولاء الوطني التونسي ووحدة المجموعة الوطنية.
وقد بينت الدراسات أن المفاهيم الوطنية ظلت مع المؤسسين رهينة التصورات النخبوية فلم تستطع التوغل لتشمل مختلف الجهات والفئات خصوصا في الأرياف.
في الثلاثينات حدثت حسب تعبير عبد الوهاب بوحديبة "قطيعة سوسيولوجية" فالتوجهات الجديدة أحدثت تغييرا هاما وهو أن أهل المدينة لأول مرة لا يأتون إلى الأرياف لجمع الضرائب وتولي المناصب وانما جاءوا لنشر الوعي الوطني وبث الأفكار السياسية وتوعية إخوانهم الريفيين. إن ذلك أدى إلى إضعاف الولاء للبنيات والهياكل المحلية التقليدية لصالح تحقيق وحدة "الأمة التونسية" "الشعب التونسي" فقد صدمت القبلية بالوعي الجماعي الجديد.
إعادة بناء المجتمع وخلق رموز الوطن الجديدة:
التأسيس (المنظمات)
أدى تجديد الحزب إلى إعادة هيكلته فقد تدعم ذلك بخلق تنظيمات موازية ومساعدة مثل حركات الشباب الدستوري والشبيبة المدرسية والكشافة واتحاد الطلبة، والحركات النقابية مثل الاتحاد التونسي للشغل، والتنظيمات المهنية والثقافية. كما تم إيجاد رموز جديدة تجسد المواقف والأفكار الجديدة يمثلها العلم التونسي والشاشية الدستورية وبطاقة الانخراط وصور الزعماء.
الإدماج عبر تأسيس الدولة الوطنية:
لقد كان هدف الحركة السياسية التي تولت مقاليد السلطة بعد سلسلة الصراعات الداخلية والخارجية، تحقيق الانصهار بين الدولة والمجتمع. فقد تم تشكيل الدولة الحديثة وهي دولة عصرية على الشاكلة الأوروبية القائمة على نظام جديد يسعى إلى تحقيق الانصهار والذي طالما تأخر بين المجتمع والدولة في المراحل السابقة.
ومن أهم ملامح الرؤيى الايديولوجية للدولة الفتية ما يتعلق بنظرتها إلى الهياكل التقليدية، التي ورثتها خصوصا في الأرياف. ومن هذه الهياكل الزوايا والقبائل وجمعيات الاحباس. لقد بدا الصراع ضد هذه الهياكل بالتخطيط لمحاربتها والقضاء عليها تدريجيا ثم الإجهاز على بقاياها وقد تجسد هذا التعامل في محاصرة ممثليها ومراقبتهم وخلق هياكل جديدة تمثل الدولة وتفرض الولاء لها.
وهكذا تحول النضال السياسي من التوعية والتأسيس إلى مرحلة "البناء والتشييد" عبر توحيد الإدارة والتعليم والقضاء وأقامت الدولة مؤسساتها التي شملت مختلف مناطق البلاد فأقامت سلطتها واستكملت مشروعيتها السياسية المتأتية من التحرير الوطني بمشروعية بناء الدولة والمجتمع الحديثين.
الإدماج عبر التنمية:
يمكن تلخيص أهم عمليات الاندماج التي قامت بها الدولة الوطنية منذ توطد أقدامها إلى اليوم في الإجراءات التالية:
التعليم: توحيده وتعميمه وشموليته
تنمية الأرياف والقضاء على ظواهر النزوح
إدماج البدو وتوطينهم
تحقيق التوازن بين الجهات وبين الريف والمدينة
تطوير الإدارة وإعادة هيكلتها
تطوير وتحسين شبكة الطرقات والبنى الأساسية (تقريب الخدمات إلى المواطنين في مختلف الجهات).
بناء المشروعات الاقتصادية في الجهات الداخلية
لقد أدت تلك الإجراءات إلى خلق الشخصية القاعدية للإنسان التونسي المعاصر فضاقت الفوارق بين الجهات وتضاءل الاختلاف بينها وتغيرت أسس الانتماء إلى هياكل ومؤسسات مدنية حديثة بعد أن كانت تقوم على مصلحة المجموعات الضيقة. وقد أدى ذلك كله إلى ارتفاع مستوى الوعي وقلت نسب التفاوت التي فرضها تاريخ طويل من التشتت والانحلال. وقد لعب كل من التعليم والعلام دورا هاما في ذلك.
وهكذا فان مسيرة بناء الاندماج الوطني كانت ولا تزال مليئة بالتمفصلات وعمليات البناء والتجديد.
هذا ما تدل عليه مخططات التنمية وعمليات الإصلاح التي شملت عديد القطاعات. لكن هذه المسيرة لم تكن متجانسة، فالاختيارات عبر مرحلتي (1956-1986) و(1987 حتى اليوم) كانت اختيارات مرتبطة بالتحديات الداخلية والخارجية التي ميزت كل مرحلة، وفي كل مرحلة كان الاندماج يتخذ ملامحه من خصائص المرحلة ومن طبيعة السياسات المنتهجة.
وإذا كان من الضروري اعتماد معايير الحكم على هذه المسيرة التي بلغت نصف قرن، فان اعتماد منهج المقارنة داخليا وخارجيا يمكن أن يمدنا بعناصر الحكم الموضوعي على أهمية التغيير الاجتماعي في تونس الحديثة وهي عناصر نجد تفسيرها ملخصة في مؤشرات مستوى الدخل ومستوى الرفاه والأمان. فضلا عما أوضحنا بخصوص عنصر الإدماج.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>