الإصلاحات الدستورية منذ الاستقلال

من الدولة الحديثة... إلى الحكم الرشيد

الدكتور عبد السلام دمّق

حقوقي، جامعـي

"لئن كان ارتقاء البلاد إلى الاستقلال من أَجَلِّ الأحداث الوطنية وأَدْعَاهَا إلى الفخر والاعتزاز، فإن الحفاظ عليه أقدس الواجبات وأنبل ما يمكن أن تُوهَبَ له الحياة"

(من خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الذكرى الأربعين لعيد الاستقلال، قرطاج، 20 مارس 1996).

الدستور هو أصل كل نشاط قانوني، لذلك فهو يعلو كافة أوجه الأعمال التشريعية والترتيبية، ذلك أن كل الأعمال القانونية تستمدّ سند مشروعيتها من روحه، كما أن الدستور هو القاعدة الأساسية التي يعتمدها النظام القانوني للدولة.

والدستور هو مجموعة المبادئ الفكرية والفلسفية والأخلاقية وكل ما يتعلّق بالحقوق الفردية والأساسية والحريات العامة للمواطن. كما ينظّم الدستور السلطات الأساسية للدولة، ويبيّن العلاقة بينها، ويحدّد واجبات المواطن.

وبالغوص في تاريخ تونس نلاحظ أن المرجعية الدستورية لتونس تعود إلى جمهورية قرطاج والتي عرفت دستورا متطوّرا آنذاك، مرورا بعهد الأمان في 10 سبتمبر 1857، فدستور 26 أفريل 1861، ثم دستور 1 جوان 1959، ثم دستور تونس اليوم، من خلال أول تنقيح بعد التحول السياسي في 7 نوفمبر 1987، وهو تنقيح 25 جويلية 1988، وصولا إلى دستور 1 جوان 2002 والذي أرسى دستور جمهورية الغد.

لنبدأ من البداية.

عندما استقلت تونس، وضعت لنفسها دستورا جديدا في 1 جوان 1959، هذا الدستور يهدف إلى تثبيت أركان دولة الشعب التونسي الفتية، وإقامة مؤسساتها، وإصلاح أوضاع البلاد.

ورغم أن تونس واجهت في بداية الاستقلال جملة من التحديات الكبيرة، إلا أنها استطاعت بفضل عزيمة شعبها أن تحقق جل أهدافها في تكريس استقلال البلاد، وخوض غمار التنمية في مختلف الميادين. وتبعا لذلك حققت تونس مكاسب عدة لعل أهمها إرساء أسس الدولة الحديثة، والنظام الجمهوري، وسيادة القانون، ودعم القضاء الوطني... وهو ما تجسّم في أول دستور لتونس المستقلة في 1 جوان 1959.

وقد كان دستور تونس المستقلة لسنة 1959، رمزا للسيادة الوطنية، ولاستقلال القرار. كان رمزا لإلغاء الملكية، وإرساء الجمهورية. كان مجسما لطموحات شعب ضحّى من أجل دستور يقيّد السلطات، ويحمي الحريات. كان مطمح الحركة الوطنية.

ويعتبر دستور تونس المستقلة سبّاقا في مجال تنظيم السلطات، وفصلها، وفي ذكر حقوق الأفراد بالنظر إلى وضعه في الخمسينات. ففي مجال الحقوق والحريات، جسّم دستور تونس المستقلة أهم الحقوق والحريات الأساسية المعروفة في ذلك الوقت، وهي حقوق الجيلين الأول والثاني من أجيال حقوق الإنسان. كما أعلن في تَوْطِئَتِهِ أن النظام الجمهوري هو خير كفيل لحقوق الإنسان.

جسم دستور تونس المستقلّة إذا، جلّ حقوق الإنسان ضامنا بذلك أهم الحقوق المدنية والحريات السياسية، كحرمة الفرد وحرية المعتقد والقيام بالشعائر الدينية (الفصل 5)، مكرسا مبادئ العدالة والمساواة (الفصلان 6 و7) والحرية ، كحرية الفكر والتعبير والصحافة والنشر والاجتماع وتأسيس الجمعيات (الفصل 8)، وحرية التنقل داخل البلاد أو خارجها (الفصلان 10 و11). كما أقرّ عدة حقوق أخرى ذات طابع مدني كحق الملكية (الفصل 14). وضمن حرمة المسكن وسرية المراسلات (الفصل 9)، وأقرّ قرينة البراءة (الفصل 12) ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات (الفصل 13).

ولئن كان دستور 1 جوان 1959 من الدساتير القليلة التي كرست كل حقوق الأفراد آنذاك، وأرست مبادئ النظام الجمهوري، وفرّقت بين السلط، فإن التنقيحات المدرجة على دستور تونس المستقلة منذ وضعه في 1 جوان 1959 إلى نوفمبـر 1987لم تكن بهذا الحجم من الأهمية السياسية، ضرورة وأن التنقيحات المتتالية على دستور تونس في تلكم الفترة كانت، إما تنقيحات شكلية (تنقيح 9 جوان 1981) أو تنقيحات تهم إصلاح ميدان سياسي معيّن (الفصل 29 الذي نُقِّحَ بالقانون الدستوري عدد 23 المؤرخ 1 جويلية 1965 وبالقانون الدستوري عدد 23 المؤرخ في 30 جوان 1967 وبالقانون الدستوري عدد 78 المؤرخ في 9 سبتمبر 1981).

كما كانت هاته التنقيحات مناسباتية، لذلك لم تهتم بإصلاح الشأن السياسي ككل آنذاك، بل بالعكس فإنها كرّست فيما كرّست الخلافة الآلية (القانون الدستـوري عدد 63 لسنة 1969 المؤرخ في 31 ديسمبر 1969 والذي نقّح الفصل 51 من الدستور والقانون الدستوري عدد 13 المؤرخ في 19 مارس 1975).

ويُعْتَبَرُ تنقيح 8 أفريل 1976 - وهذا حسب رأي جل شراح القانون - أهم تنقيح عرفه الدستور بعد الاستقلال، وقبل التحول السياسي لسنة 1987.

لكن مرد تعديل 8 أفريل 1976 هو تعرّض البلاد في تلكم الفترة إلى أزمة اقتصادية وسياسية جراء سياسة التعاضد التي عرفتها تونس في أواخر الستينات، وكان من أبرز مظاهرها كما جاء في تقرير اللجنة العليا للحزب الاشتراكي الدستوري آنذاك "تدهور الحالة الاقتصادية تدهورا فاحشا وما نتج عنه في الميدان الاجتماعي من تفشّي البطالة، وزيادة في تكاليف العيش – تفاقم العجز في مالية الدولة والمؤسسات التابعة لها والشركات القومية – فتور الثقة في الحزب وفي الدولة ورجالها".

ولعل النتائج الوخيمة لاتّباع سياسة التعاضد هو السبب المعلن لتعديل الدستور فـي 8 أفريل 1976، إلا أنه توجد أسباب أخرى، لعل أهمها الخلل الدستوري، حيث كان رئيس الجمهورية هو المسؤول الوحيد أمام الشعب، ولم تكن الحكومة مسؤولة دستوريا، رغم وجودها واقعيا... فكل أخطاء الحكومة يتحمّلها آنذاك رئيس الجمهورية.

وقد بقيت اللجان المكلفة بتنقيح الدستور آنذاك مدة سبع (7) سنوات كاملة (من سنة 1969 إلى سنة 1976) في مخاض متواصل وفي تباين للآراء، وفي جدل عقيم. وبعد هذا المخاض، دَعَّمَ تعديل 8 أفريل 1976 فكرة الحزب الواحد... والرأي الواحد... والبرنامج الواحد. وحتى الاقتراح الداعي ببعث مجلس دستوري، فقد وقع العدول عن إحداثه.

ورغم القيمة الفوق دستورية للجمهورية، ولمبادئها، ظهرت في تونس ممارسات، أفرزها في الحقيقة الواقع السياسي، في السبعينات، هذه الممارسات كانت تبتعد عن فلسفة الدستور، وقيم الجمهورية كالرئاسة مدى الحياة في التعديـل الدستـوري لسنة 1976، والتي تتنافى ومبادئ الجمهورية، وأحكام الدستور.

فمن مبادئ الجمهورية في الفكر السياسي عامة والقانوني بصفة أخص، أن تقوم الجمهورية على نظام للحكم يرفض التوارث في السلطة مثلما هو الشأن في الأنظمة الملكية، ويعتمد على مشاركة الشعب في تعيين الحاكم.

كما تقوم الجمهورية على مبدأ السيادة بما تفترض الطاعة لمن يمارس السلطة باسم صاحب السيادة وهو الشعب ونيابة عنه. فالسيادة داخل الدولة في النظام الجمهوري تكمن في الشعب، يباشرها على الوجه الذي يضبطه الدستور.

كما تقوم الجمهورية على حقوق الإنسان، فالنظام الجمهوري هو الضامن لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.

والمتأمل في النظام السياسي السابق للتحول الدستوري لسنة 1987 يلاحظ أنه، ومنذ نهاية الستينات،لم يحترم مبادئ النظام الجمهوري، فالرئاسة مدى الحياة، والتي كرست في دستور تونس لسنة 1976، حرمت الزعيم بورقيبة من تجديد الشرعية الإنتخابية له، مما أبعده عن المحك الشعبي. كما أبعد الشعب عن المحك السياسي وعن المشاركة في تصريف الشؤون العامة للدولة. أما حقوق الإنسان، فقد كان مسكوتا عنهـا قبل سنة 1987.

إن "ما طرأ بالبلاد في آخر تلك المرحلة قد أضعف مؤسسات الدولة وأوشك أن يبدّل طبيعتها بسبب المخاطر التي هددت آنذاك استقرار البلاد وأمنها واستقلالها فتداركنا الوضع بالتغيير وتصحيح المسار وأعدنا للدولة التونسية هيبتها وللمؤسسات الدستورية شرعيتها ولسيادة الشعب حرمتها وللحياة السياسية حيويتها واتّخذنا مجموعة من المبادرات والإصلاحات التي دعمت تماسك المجتمع وأثرت قطاعات التنمية ومكّنت بلادنا من أن تستأنف مسيرتها نحو الرقي والازدهار..." (من خطاب رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين للاستقلال، قرطاج 20 مارس 1995).

إن المتأمل للتنقيحات التي شملت دستور تونس اليوم، أي منذ نهاية الثمانينات، تحديدا منذ التحول السياسي لسنة 1987، يلاحظ أنها كرّست عديد الإصلاحات على النظام السياسي، فثمّنته.

وتكريسا لمبدأ سيادة الشعب وقاعدة الإنتخاب، أذن رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي بتعديل الدستور في 25 جويلية 1988 ليلغي الرئاسة مدى الحياة، وليحدّد إعادة الترشّح لمنصب رئيس الجمهورية. هذا التعديل يحدّ من الشخصنة، ويتيح للمترشّح لرئاسة الجمهورية عرض برنامجه على الشعب لطلب ثقته فيه. كما لامس تنقيح الدستور في 25 جويلية 1988 وفي 8 نوفمبر 1993 السلطة التشريعية بغية ترسيخ التعدّدية داخل هاته السلطة وذلك بتمكين أحزاب المعارضة من فرص أوفر للحصول على مقاعد في مجلس النواب بما يدعّم نشاطها ويعزّز إسهامها في المسار الديمقراطي. كما نقح بعض الفصول التي تهم الحكومة قصد تطوير عملها.

ثمّ تتالت الإصلاحات السياسية، ليتم الارتقاء في 6 نوفمبر 1995 بالمجلس الدستوري إلى مرتبة الدستور (الفصول 72، و73، و74، و75)، بعد أن تم تركيزه في 16 ديسمبر 1987، كأحد المكونات الأساسية لضمان احترام الدستور.

إن الإصداع بهذه المؤسسة في نص الدستور، غايته قيامها بوظيفتها المتمثلة في رقابة دستورية القوانين، تكريسا لعلوية القانون واحتراما لسيادة الشعب. والمجلس الدستوري في الديمقراطيات مثل تونس هو الضامن لاحترام السلطات التي أنشأها الدستور للاختصاصات التي أسندت إليها صلبه. فلا تتحقق هاته الوظيفة إلا بواسطة رقابة أعمال هذه السلطات، وما يترتب عن ذلك من بطلان الأعمال المعيبة، وهذا ما يطلق عليه اصطلاحا "رقابة دستورية القوانين"، وهي نتيجة متفرعة من مبدأ سيادة الدستور. فرقابة دستورية القوانين بواسطة المجلس الدستوري هي التي تضمن للدستور علويته، وهي التي تعزز حماية الحقوق والحريات الفردية والأساسية لكل المواطنين.

إن هذه السيادة التي كرسها تنقيح الدستور في 6 نوفمبر 1995 تدعمت في التعديل الدستوري لسنة 1997 عندما تم توسيع مجال الاستفتاء في الميدان الدستوري والتشريعي وفي المسائل التي تتطلب اختيارات مصيرية صلب نص الدستور.

كما كرّس تنقيح الدستور في 27 أكتوبر 1997 مبدأ التعددية من خلال تحديد مهام الأحزاب السياسية وتنظيمها على أسس ديمقراطية، وضرورة احترامها لمبادئ حقوق الإنسان، وذلك صلب الدستور نفسه (الفصل 8). وفي هذا السياق جاء في خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الذكرى الأربعين لعيد الاستقلال ما يلي : "إن تونس استردّت بالتحول كامل سيادتها تماما كما كان الاستقلال لحظة الارتقاء التاريخية إلى تلك السيادة، فأعدنا إلى الدولة هيبتها وإلى الدستور علويته وإلى النظام الجمهوري مقوّماته وإلى القانون حرمته وإلى العمل السياسي أخلاقياته وإلى الشعب ذاكرته التاريخية محقّقين بذلك مصالحته مع هويته الوطنية وانتمائه الحضاري.

ولم نقتصر على إعادة الاعتبار إلى كل ما بناه المصلحون وأجيال الكفاح والاستقلال بل عملنا على تجسيم طموحات شعبنا إلى نظام ديمقراطي تعدّدي..." (قرطاج 20 مارس 1996).

لقد جاء الإصلاح الدستوري لسنة 1997، ليؤكّد على صيانة المكاسب الحضارية لبلادنا، لينبذ العنف والتطرّف، وليمنع تأسيس الأحزاب على أسس عرقية أو جهوية أو دينية.

ودعما لمنزلة الشباب في اختيارات تونس اليوم، خفّض تنقيح الدستور لسنة 1997 سنّ الترشح لعضوية مجلس النواب من خمسة وعشرين (25) سنة إلى ثلاثة وعشريـن (23) سنة. كما منح حق الترشح لعضوية مجلس النواب للمواطن سواء كان من أب تونسي أو من أم تونسية، تكريسا للمساواة الفعلية بين المرأة والرجل.

وفي 1999 ضمن تعديل الدستور التنافس في الترشح للرئاسة، وفتح الباب أمام الأمناء العامين للأحزاب للترشّح، تكريسا للتعددية، وتعزيزا لدور الأحزاب في تجسيم حق المواطنين في المشاركة في الحياة السياسية. كما قام تعديل 13 ماي 2003، بفتح الترشح لِأَيٍّ من أعضاء الهيئات التنفيذية العليا للأحزاب الممثلة في مجلس النواب، وفق شروط تضمن التواصل والخبرة، على الرغم من أنه اليوم، خلافا لما كان عليه الوضع لسنة 1999، يتوفّر للمعارضة مجمّعة الثلاثين (30) تزكية المشترطة لتقديم الترشح للإنتخابات الرئاسية.

هذه الإصلاحات المتتالية، المترابطة، المتكاملة، هيأت تونس لجمهورية الغد. فأعلن الرئيس بن علي عن إصلاح هام، يعدّ تونس دستوريا لمرحلة قادمة. ولم يكتف رئيس الجمهورية باعتماد الإصلاح في إطار مجلس النواب فقط، بل أذن بعرضه على الشعب ليقول كلمته فيه. فكان الاستفتاء الشعبي، الذي أعطى لتونس إطارا جديدا لممارسة سياسية تعدّدية رائدة، غير مسبقة، وهنا تتجلى فكرة التجديد الجمهوري من خلال رد الاعتبار لسيادة الشعب من قبل رئيس الجمهورية عندما لم يكتف باعتماد الصيغة العادية لتعديل الدستور سنة 2002، وعرضه على مصادقة مجلس النواب فقط.

إن الإصلاح الدستوري المؤرخ في 1 جوان 2002 أعطى لتونس الحديثة، إطارا جديدا لممارسة تعددية رائدة، غير مسبقة.

فبالنسبة لرئيس الجمهورية، فإن السيادة تكمن في الشعب، وأن السيادة داخل الدولة مصدرها هو الشعب بجميع أفراده يمارسها مباشرة بالإستفتاء. فالشعب التونسي هو صاحب السيادة يباشرها على الوجه الذي يضبطه الدستور، كالإستفتاء الشعبي المنصوص عليه ضمن الفصول 2 و47 و76 و77 من دستور البلاد.

أتى الإصلاح الجوهري للدستور المؤرخ في 1 جوان 2002 أيضا لمجابهة متطلبات المرحلة القادمة. أتى ليهيّئ لمرحلة سياسية طموحة، ويؤسّس فعلا لجمهورية الغد. وفعلا كرس الإصلاح الجوهري للدستور المؤرخ في 1 جوان 2002 فكرة التجديد الجمهوري، فدعم مبدأ سيادة الشعب، كما دعم فكرة مشاركة الشعب في تعيين الحاكم، من ذلك ترسيخ التعددية في الترشح إلى أعلى مسؤولية في الدولة من خلال إقرار نظام الانتخابات على دورتين بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية بما يمثّل خير ضمان لأن يكون رئيس الجمهورية محرزا على الأغلبية المطلقة من الأصوات، بما يعزّز شرعيته الانتخابية من خلال توفيقه في تحقيق التفاف أغلبية الشعب حوله وحول اختياراته وبرامجه.

كما قام الإصلاح الدستوري لسنة 2002 بتوسيع المشاركة السياسية، وذلك بإحداث غرفة ثانية إلى جانب مجلس النواب، هي مجلس المستشارين تمثل فيها مختلف مكونات المجتمع من أجراء وأعراف وفلاحين، ومن مختلف الجهات.

ويتعزّز بهذا دور المنظمات المهنية، التي كانت منذ فترة التحرير الوطني، ولا تزال إلى اليوم، تلعب دورا اجتماعيا وسياسيا هاما. حيث أن الترشح لهذه المقاعد يكون من خلال المنظمات المهنية، مما هو كفيل بأن يدعم حضورها.

وجسّم الإصلاح الدستوري لسنة 2002 كذلك، تشريك النخب المحلية في الخيارات الوطنية. وهذا أيضا من خلال الغرفة الثانية الجديدة. وتبرز أهمية النخب المحلية في العمل الوطني، إذا علمنا أن لمجلس المستشارين دورا تشريعيا هاما، بما يجعل التنافس السياسي يرتكز حول البلديات. كما يتأمّل ويتوقّع ديناميكية أخرى للتحرك السياسي، وانفتاح آفاق أكبر أمام الأحزاب المعارضة للحضور في البلديات، وللتأثير في مجرى القرارات محليا وكذلك وطنيا.

كما أقر دستور جمهورية الغد مبدأ إخضاع الحكومة للمساءلة الحينية، وهو إصلاح من شأنه أن يعطي للعمل البرلماني فاعلية خاصة من خلال مراقبته لأعمال الحكومة، ويجعل العمل الحكومي أكثر شفافية.

أما في مجال حقوق الإنسان وحرياته، فقد حمل الإصلاح الدستوري في 1 جوان 2002 معه عدّة حقوق برزت لأول مرة في التاريخ الدستوري التونسي.

من المبادئ الجوهرية التي ينبني عليها المشروع المجتمعي لتونس الحديثة، الالتزام بكونية حقوق الإنسان. لذلك قرّر الرئيس زين العابدين بن علي إحلالها مرتبة مبادئ الدستور، وليس في علمنا أنّ هناك دستورا آخر يُقِرُّ بمبدأ الكونية. فحقوق الإنسان المُضَمَّنَة بميثاق الأمم المتحدة والمُكَرَّسَة في الإعلان العالمي وكذلك في المعاهدات ذات الصّلة، كلّها حقوق تتّجه إلى الجميع دون أي ميز. فمضامينها واحدة، لا تحُدُّهَا جغرافيا. والعمل في سبيل حماية هذه الحقوق لا يعرف حدودا. والكونية لا تُلْغِي الخصوصية التي تعني مناهج التطبيق وأشكال آليات الحماية وأساليبها بما يتلاءم مع مميّزات كل مجتمع ويواكب تطوّره. وسوف تكون لهذا المبدأ آثار ملموسة على القوانين التي تصدر في مجال الحقوق والحريات.

ومن المبادئ أيضا التي ينبني عليها المشروع المجتمعي لتونس اليوم، هي شمولية حقوق الإنسان. وكانت للرئيس زين العابدين بن علي المبادرة بالاهتداء إلى عدم المفاضلة بين حقوق الإنسان، حيث اعتبر أن حقوق الإنسان المدنية والسياسية لا معنى لها حال غياب حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية فعلية. فتوفّق دائما إلى إيجاد توازن بين حقوق الإنسان على اختلاف أنواعها، إيمانا منه بأن حقوق الإنسان لا تتجزّأ ولا تتغيّر مراتبها حسب الأهواء والأزمان. ولقد جاء إعلان "مؤتمر كوبنهاغ" لسنة 95 متجاوبا مع خياره للتنمية الاجتماعية، ومصرّا على ضرورة النهوض بكل الحقوق دون استثناء.

إن من الضوابط الدستورية الأساسية في الإصلاح الجوهري للدستور لسنة 2002، هو أيضا إعلاء مبدأ التسامح إلى مرتبة الدستور. هذا التوجّه الدستوري ليس سوى تكريس لقيمة ثابتة من قيم التحول، واستجابة لحاجة دولية تبرز اليوم بقوة. فالتآخي بين الشعوب، والسّلم بين المجتمعات، والأمن الدولي بصفة عامة هو رهين ثقافة التسامح، وقبول الرأي الآخر، واحترام خصوصيات الآخر. فقد جاء إعلان الرئيس زين العابدين بن علي بمثابة الدعوى إلى الأمم لترسيخ هذه القيم النبيلة، وتجريم الدعوى إلى الكراهية على أساس الدين والعرق والجنس، والتصدّى لكل أشكال التعصّب الدافعة إلى الإرهاب.

وجسّم الإصلاح الدستوري المؤرخ في 1 جوان 2002، لأول مرّة في تاريخ تونس، قيم التضامن والتآزر. فأضاف حقوقا اجتماعية إلى الحقوق المدنية والسياسية. فساير الاتجاهات الدستورية الحديثة التي قرنت الديمقراطية الاجتماعية بالديمقراطية السياسية. وجاء أكثر إحاطة وشمولا لمختلف حقوق الأفراد من كل الدساتير التي سبقته ليكرّس خيارات العهد الجديد ويؤكّد سداد رأي الرئيس زين العابدين بن علي حين قرّر إحداث صندوق التضامن الوطني "26/26"، وكذلك حين بادر بالدعوة إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن، لمقاومة الفقر والحرمان والإقصاء والتهميش، والذي تجسّم اليوم فعلا على صعيد الأمم المتحدة.

كما دعم الإصلاح الدستوري لسنة 2002 واجب الولاء الكامل لتونس. فتم إدراج هذا المبدأ في دستور جمهورية الغد. فالدفاع عن حوزة الوطن واجب مقدّس على كل مواطن، وفي ذلك ترسيخ لمقومات الهوية ولقدسية الإنتماء لتونس. وقد يعتبر البعض أن الولاء للوطن لا يحتاج إلى تقنين، فكل الأفراد وطنيون بالضرورة، إلا أن رواسب الإستعمار، ومستجدات العولمة، يستوجبان التذكير دائما بهذا المبدأ، والإصداع به في أعلى قوانين الدولة، والرجوع إليه في كلّ مرة لتكريس المواطنة الفاعلة، أمر واجب.

إنّ الإرتقاء بالمكاسب القانونية التي تحقّقت منذ التحول السياسي في نوفمبر 1987 إلى مرتبة الدستور، ما هو إلا إقرار من الرئيس زين العابدين بن علي بكرامة الفرد وحرص منه على تطوير حقوقه وضمان حمايتها. إن الإصداع بمجمل هاته المكاسب كالكونية والشمولية، والتضامن والتآزر والتسامح وحماية المعطيات الشخصية، وحماية الحرمة الجسدية في نص الدستور، يجعلها مرجعا لجميع التشريعات المقبلة، حيث تعتبر دستورية كل التشاريع التي تحترم الدستور في مجال حقوق الإنسان، وتصبح غير دستورية كل التشاريع التي تخالف أب القوانين.

إن هذه الإصلاحات الدستورية المتكاملة، والمتتالية، منذ التحول السياسي لسنة 1987، والتي كرّست هذه الأحكام الواضحة، وهذه المبادئ السامية، وركزت مجلسا دستوريا، يراقب ويحمي هذه المبادئ، وهذه الأحكام، طبّقت قيم الحكـم الرشيـد أو الحكم الجيد la bonne gouvernance . والحكم الرشيد أو الحكم الجيّد هو مفهوم سياسي اقتصادي ظهر حديثا، وأصبح يقيم نجاح الأنظمة السياسية، وصحة اقتصادياتها.

إن الحكم الرشيد la bonne gouvernance ، كيفما عرفته المؤسسات النقدية الدولية، هو كذلك الحكم الديمقراطي la gouvernance démocratique ، وهو ممارسة السلطة بشكل يحترم حقوق وكرامة وحاجات الجميع في الدولة، فالحكم الرشيد هو عقد اجتماعي جديد، هدفه تعبئة أفضل القدرات والمزايا من أجل إدارة أكثر رشدا وترشيدا لشؤون المجتمع والحكم.

وبقراءتنا لمفهوم الحكم الرشيد، نجده يتطابق ومفهوم الحكم في تونس. فتونس أقدمت من خلال كل الإصلاحات الدستورية منذ جويلية 1988، على إدخال عديد الإصلاحات السياسية والتي أثّرت إيجابا وبشكل مباشر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ويقوم الحكم الرشيد على عدة قيم عالمية، منها : التضمينية، l'inclusivité ، والمساءلة la responsabilisation ، والشفافية la transparence .

وترتكز القيمة الأولى أي التضمينية على مفهوم المساواة، والذي له قيمة دستورية في تونس، والمساواة من منظور الحكم الرشيد تعني، أن الكل معني بإدارة الحكم والمشاركة فيه على قدم المساواة، والمساواة كذلك هي مساواة أمام القانون وبغير تمييز، وهي كذلك تأمين فرص متساوية للاستفادة من الخدمات التي توفرها الحكومة.

أما القيمة الثانية أي المساءلة la responsabilisation فهي تنبع من مفهوم التمثيل الشعبي.

والمساءلة يمكن أن تكون داخلية أو خارجية. وفي كلتا الحالتين فإن المساءلة تتجسم من خلال إرساء أنظمة وحوافز متعدّدة لتأمين الحكم الرشيد كفصل السلطات، وهو مبدأ دستوري في تونس، ودعم استقلال القضاء وتثمينه، والذي تعزّز مع الإصلاح الجوهري للدستور في 1 جوان 2002 والذي جعل في فصله 12 (جديد) من السلطة القضائية، الحامية لحقوق وحريات الأفراد، فأكست هاته الحماية تبعا لذلك قيمة دستورية عليا. ومن هذا المنطلق نلاحظ أنّ دستور تونس الحديث يكرّس فكرة القاضي الحامي للحقوق والحريات، من خلال الضمانات الدستورية الجديدة ضد الإيقاف التعسفي. فبعد القانون أصبح أعلى قوانين الدولة هو مصدر الضمانات اللازمة للحريات الفردية أثناء إيقاف المظنون فيه.

وبالارتقاء بهذه الضمانات إلى نص الدستور لتصبح مبادئ دستورية، تكون تونس وبهدي من رئيسها قد احتلت مرتبة البلدان التي جعلت القضاء في دساتيرها هو الحامي للحقوق والحريات (الفصل 13 من الدستور الإيطالي، والفصول من 17 إلى 24 من الدستور الإسباني، والشرعية الكندية للحقوق والحريات لسنـة 1982، والفصل 7 من الدستور البلجيكي لسنة 1831)، من خلال مراقبته للاحتفاظ والإيقاف التحفّظي بما يجعل كل انتهاك لهاته الرقابة، هو انتهاك لنص الدستور فيعاقب مرتكبوه على أساس أنه اعتداء على الحرمة الجسدية طبقا لأحكام المجلة الجنائية.

وتتجسّم المساءلة كذلك من خلال إنشاء أجهزة رقابة، هاته الأجهزة تعتبر من دعائم القيمة الثالثة التي يقوم عليها الحكم الرشيد، أي قيمة الشفافية la transparence ، والشفافية هي شفافية الانتخابات، وشفافية الحكومة، وحرية الصحافة، والحق في الإعلام والمعلومة.

وبالتمعن في سياسة تونس منذ نهاية الثمانينات، يلاحظ أنها تحترم مبادئ الحكم الرشيد، أي مبادئ التضمينية، والمساءلة، والشفافية.

فبالنسبة للمبدأ الأول أي التضمينية l'inclusivité ، فإنه يتطابق مع المبدأ الجمهوري والقائم على نظام لحكم يرفض التوارث في السلطة، ويعتمد على سيادة الشعب، وهو ما أقدم عليه الرئيس بن علي منذ 25 جويلية 1988، حين عُدِّلَ الدستور ليلغي الرئاسة مدى الحياة، والخلافة الآلية، ليتيح للمترشح لرئاسة الجمهورية عرض برنامجه على الشعب لطلب ثقته فيه، وليعيد للشعب حق اختيار رئيسه بصورة دورية، وكذلك حين أذن بتعديل الدستور في 30 جوان 1999 ليضمن التعددية في الترشح لرئاسة الجمهورية، وتدعم ذلك في إصلاح 1 جوان 2002 حين عزّز فكرة مشاركة الشعب في تعيين الحاكم، من ذلك ترسيخ التعددية في الترشح إلى أعلى مسؤولية في الدولة من خلال إقرار نظام الانتخابات على دورتين بالنسبة للانتخابات الرئاسية، وتم دعم ذلك في 23 ماي 2003 حيث عدل الدستور ليمكن من فتح الترشح للانتخابات الرئاسية، لَأيٍّ من أعضاء الهيئات التنفيذية العليا للأحزاب الممثلة في مجلس النواب، ويعتبر هذا إجراء إضافيا لضمان التنافس. فتشريك الشعب في تعيين ممثليه، هو من مظاهر الحكم الرشيد في تونس، يتجسم من خلال الانتخابات الرئاسية، وانتخابات أعضاء مجلس النواب (الغرفة الأولى) وأعضاء مجلس المستشارين (الغرفة الثانية)، والمجالس البلدية. فالتضمينية l'inclusivité تفترض انتخابات دورية، حرة، نزيهة، يشارك بمقتضاها الشعب في أخذ القرار، وهو ما تم في انتخابات تونس الحديثة، آخرها انتخابات 2004، والانتخابات البلدية في ماي 2005، وانتخابات مجلس المستشارين في جويلية 2005 .

إن توسيع نطاق المشاركة السياسية لكافة الفئات دون تمييز هي من تعريفات الحكم الرشيد، فتشريك الشعب في اختيار ممثليه هو من مظاهر الحكم الرشيد، الذي يرفض الإقصاء، ويرفض التمييز.

كما أقدمت تونس على إرساء آليات فاعلة لتعزيز إدارة الحكم الجيد من خلال إصدار تشريعات ضد الممارسات التمييزية، سواء كان ذلك بين الجنسين أو بين الجهات. ويكفي التذكير بتعديل الدستور في 27 أكتوبر 1997، والذي منح حق الترشح لعضوية مجلس النواب لكل ناخب وُلِدَ لأب تونس أو لأم تونسية، حُرْصًا على المساواة الدقيقة بين المرأة والرجل.

فبخصوص التشريعات التي جاءت لتحقيق المساواة بين الجنسين، فإنها ظهرت تجسيما لما نصت عليه الإصلاحات الدستورية الحديثة منذ التحول السياسي لسنة 1987، فالكل يعلم أن الرئيس بن علي تدرج في تطوير حقوق المرأة وتثمينها. فبعد أن دَعَّمَ المساواة بين المرأة والرجل في قانون الأحزاب لسنة 1988، شدّد على الحفاظ على كل مكاسبها وتعزيزها في الميثاق الوطني في نفس السنة، وفي القانون المتعلق بالنظام التربوي في جويلية 1991 (والذي عوّض بقانون 2002)، ثم في سنة 1993 رفع مبدأ هام : "المرأة التونسية : من كفاح المساواة إلى كفاح الشراكة". ثم وفي سنة 2004، وتواصلا مع هذه السياسة الإصلاحية، تمّ رفع مبدأ آخر : "المرأة التونسية من المساواة إلى الشراكة الفاعلة".

كما أن تونس كرست مبدأ العدالة وعدم التمييز بين الجهات، وتصدت لكل مظاهر الإقصاء وعدم تشريك مختلف الجهات بالبلاد، فمبدأ التضمينية يُنْتَهَكُ مثلا حينما تُقَدِّمُ لسكان الريف خدمات عامة، أو تقدم لهم خدمات أقل من سكان المدينة، وهذا ما تقره التقارير الأممية، وتقارير عدة مؤسسات مالية دولية، وفي هذا الإطار فإن تجربة تونس في النهوض بمناطق الظل أصبحت مضربا للأمثال لما توفره من عدالة اجتماعية، ومعاملة متساوية بين مختلف جهات البلاد.

إن من مظاهر الحكم الرشيد في الفكر السياسي عامة والقانوني بصفة أخص أن تقوم الجمهورية على مبدأ حقوق الإنسان، حتى أن فكرة الحكم الرشيد، والتجديد الجمهوري انصهرت في مفهوم حقوق الإنسان والديمقراطية.

فمن مظاهر الحكم الرشيد أو الحكم الديمقراطي حماية حقوق الفرد وتطويرها وتثمينها، ودمقرطة القضاء، ودعم الإصلاحات السياسية.

لقد أكّدنا في تحليلنا هذا أن للإصلاحات السياسية في نص الدستور تأثير على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وعلى تحسين مستوى عيش المواطن. فالتضمينية l'inclusivité تفترض التوزيع العادل للثروات، وتوفير الخدمات العامة، وهو موضع اهتمام دائم لتونس منذ 1987 ، فقد ارتفعت نسبة التسجيل في المدارس الابتدائية في تونس إلى أكثر من 99 % ، كما ارتفع تمتع المواطن بالهاتف القار والجوال والأنترنات، وهو ما أكدته تقارير البنك الدولي الأخيرة، حيث بيّنت أن تونس تقدمت أشواطا في هذا المجال، بعد أن كان هناك أقل من خط هاتفي واحد لكل مائة نسمة عام 1990 ، فتونس نجحت في رفع خطوطها الهاتفية وفي تعميم استعمال الأنترنات، وسيلة العصر المعرفية. فلا غرابة إذا في أن تحتضن تونس قمة عالمية لمجتمع المعلومات في نوفمبر 2005 ، وهذا حسب اعتقادي أبهى مظاهر التجديد الجمهوري، الذي يفترض الحكم الديمقراطي، وهو في نفس الوقت اعترافا من المنتظم الأممي لتونس بتطبيقها لمقاييس الحكم الرشيد.

كما تؤكّد تقارير المنظمات العالمية أن جودة إدارة الحكم تقيم من خلال توفير الدولة للخدمات العامة لأفرادها، كارتفاع أمل الحياة عند الولادة والذي بلغ في تونس 73,2 % نسمة حاليا، وتراجع نسبة وفايات الرضع والذي انخفض اليوم في تونس إلى أقل من 22 بالألف، وارتفاع نسبة الأسر التي تمتلك مسكنا والتي تمثل اليوم في تونس 80 % ، والتقليص من نسبة الفقر والتي تراجعت اليوم في تونس إلى 3.9 % .

وهكذا فإن ترسيخ وتكريس التضمينية من منظور الحكم الرشيد، يقوم أساسا على اعتماد قوانين وإجراءات تضمن وتوسع نطاق الحقوق والحريات الأساسية للجميع، كإلغاء القوانين والتنظيمات التمييزية والإنصاف في تأمين الخدمات الصحية والتعليمية.

وفي الحقيقة فإن حماية حقوق الإنسان وحرياته، وتعزيز الإصلاحات السياسية عبر التعديلات الدستورية، يتجلى كذلك من خلال تجذير القيمة الثانية الذي يرتكز عليها الحكم الرشيد وهي قيمة المساءلة la responsabilisation ، وقيمة المساءلة تتحقق، شأنها شأن قيمة التضمينية، عبر انتخابات نزيهة وتنافسية، وإعلام حر، ومستقل، ومتعدد، وكذلك عبر آليات متعددة للتعبير عن الحاجيات، كالجمعيات.

إن المساءلة تتطلب التنافسية، والاختيار، والتنافس بين الممثلين والسياسات وبدائلهم، والتحقق، والنقاش، وهي نفس متطلبات النظام الجمهوري، وهو ما جذرته الإصلاحات الدستورية منذ 25 جويلية 1988، وخاصة الإصلاح الدستوري لسنة 2002. هذا الإصلاح كرس المساءلة الداخلية عبر مراقبة البرلمان لأعمال الحكومة، بما يجعل العمل الحكومي أكثر شفافية، حيث يمكن لأعضاء مجلس النواب، في أي وقت، طلب توضيحات من الحكومة حول سياسات قطاعية، بالأسئلة الشفاهية، كما يمكنهم في أي وقت إثارة قضايا الساعة، عبر الجلسات البرلمانية التي أصبحت تبث على التلفاز، وهو في اعتقادي أبهى مظاهر التجديد الجمهوري والحكم الرشيد في تونس، فالحكم الجيد يؤمن آليات هامة كالنقاش العام حول أثر السياسات الحكومية، بما يساهم في حسن تطبيق السياسات الاقتصادية المؤدية للنمو.

وهكذا فإن مؤشر المساءلة العامة يوضح مدى انفتاح المؤسسات السياسية ومستوى المشاركة، واحترام الحريات العامة.

كما تقوم إدارة الحكم الرشيد على الشفافية la transparence ، والشفافية هي مظهر من مظاهر دولة القانون، هذا المبدأ أصبح مبدأ دستوريا منذ الإصلاح الدستوري لسنة 2002. إن دولة القانون هي التي تعيد الاعتبار لقيم الدستور ولسلطان القانون. وهي الدولة التي تتمسك بقيم قانونية للحفاظ على حقوق الجميع ولتحقيق المساواة بين جميع أفراد الشعب. فالدولة الديمقراطية في أساسها هي دولة قانون أو لا تكون. فضلا على أن مبدأ دولة القانون هو من مبادئ الجمهورية، وقد تجلت الشفافية في تونس عبر الإصلاحات المتتالية للمجلة الانتخابية آخرها في 4 أوت 2003 وذلك لضمان شفافية التنافس الديمقراطي.

كما تتجلى الشفافية عبر الأسئلة القطاعية للحكومة، وعبر النقاش العام حول السياسات، والذي كنا أشرنا إليه منذ حين.

هذه هي مظاهر الحكم الرشيد، الذي كرّسته كل الإصلاحات الدستورية منذ جويلية 1988 : تمكين الشعب من اختيار رئيسه بصفة دورية... تعددية سياسية.... تعددية حزبية... تعزيز المشاركة في أخذ القرار من خلال دعم صلاحيات السلطة التشريعية بما يُفَعِّلُ المساءلة الداخلية (إحداث الغرفة الثانية أو مجلس المستشارين - وهي غرفة متواجدة في كل ديمقراطيات العالم - ، إخضاع الحكومة للمساءلة الحينية...).

يؤكّد الرئيس بن علي كل سنة، وبمناسبة كل احتفال بعيد الاستقلال، أن المحافظة على الاستقلال لا تقل شرفا عن نيله، كما أن الذّود عن السيادة الوطنية، وتثبيت أركان النظام الجمهوري، وتوسيع الحريات لا تقل كذلك شرفا عن مرحلة الكفاح من أجل التحرّر. لذلك وتدعيما لهاته الفكرة، وخير ما نختم به هاته الدراسة ما جاء في خطاب الرئيس زين العابدين بن علي في الذكرى الخامسة والثلاثين للاستقلال في 20 مارس 1991 حين قال : "إن احتفالنا بهذا اليوم التاريخي الخالد لجدير بأن يبعث في نفس كل مواطن ومواطنة الاعتزاز بالانتماء إلى هذا الوطن، وأن يكون شاهدا على وفائنا لكل أجيال الرواد والزعماء والمجاهدين، وحافزا لنا جميعا إلى العمل من أجل صيانة هذا المكسب الجماعي ودعمه. ذلك أن الشعوب التي لا ذاكرة لها، لا يمكن أن يكون لها حاضر أو مستقبل، كما أن الماضي لا قيمة له ما لم يكن مهيئا للمستقبل، دافعا إليه".

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org