المسألة الدينية بين دولة الاستقلال ودولة التغيير
د. عبد الرزاق الحمامي
أستاذ بجامعة منوبة –تونس
يرى المؤرخ التونسي محمد الهادي الشريف (1) أنه مهما كانت " النزاعات الإيديولوجية أو الاتجاهات السياسية في الإسلام فإنه انتشر في بلاد المغرب في القرن الثامن واكتسب الفتح العربي دواما وتواصلا ميزاه عن الغزو البونيقي أو الغزو الروماني اللذين سبقاه". وقد مثّل هذا الفتح منعرجا في المسيرة الحضارية التونسية، إذ اضطلعت تونس، منذ تأسيس القيروان سنة 670 م، وتنظيم ولاية إفريقية على يد موسى بن نصير بدور هام في تأصيل مبادئ الإسلام السني والمالكي المبني على التسامح ورفض التطرّف الديني والعقائدي. ولم تصمد نزعات الشيعة والخوارج، التي مثلت ظواهر عارضة في تاريخ البلاد، إذ لم تستطع دولة الفاطميين الصمود طويلا في وجه هذا التوجه الديني الذي قام على مقاومة الغلو والتطرف ونبذه.
ولم تنفصم المرجعية الدينية عن المرجعية الوطنية في الحركة الإصلاحية التي كان رائدها خير الدين باشا التونسي. فرغم انبهاره بالتمدن الأوروبي والفرنسي خصوصا كانبهار عديد من المصلحين التونسيين الذين مثلوا امتدادا لباعث الحركة الإصلاحية التي انطلقت في أواسط القرن التاسع عشر فإنه دعا النخبة التونسية إلى العمل بما يؤكد أصالتهم دون أن يكونوا منغلقين على أنفسهم، سواء بدعوتهم إلى الأخذ بما وصل إليه الغرب من تقدم في العلوم والفنون أو دعوتهم إلى الإعراض عمّا في الغرب من قيم لا ينبغي الإقتداء بها.
ونجد هذا الربط بين المرجعيتين الدينية – الاجتماعية والوطنية لدى العديد من المصلحين كالثعالبي وسالم بوحاجب والطاهر حداد وغيرهم. وإذا ما كان كتاب الطاهر حداد"امرأتنا في الشريعة والمجتمع" قد مثّل ثورة في تجديد الفكر الديني فإن كتاب"روح التحرر في القرآن" لعبد العزيز الثعالبي قد مثّل دعوة حقيقية لإدماج الموروث الديني في منظومة الحاضر وطرق عيشه خاصة أن الدين الإسلامي قد ساهم في الحضارة الإنسانية وساعد على تقدمها خلال القرون الإسلامية الأولى. ولأن رجال الحركة الإصلاحية التونسية قد جمعوا بين الفكر والنضال السياسي فإن النهضة الصحفية التي عرفتها حركة الإصلاح منذ منتصف القرن التاسع عشر قد شهدت ما سماه الثعالبي برفض الدعوة إلى"تسليم الذات" من خلال الحفاظ على الدين وعلى اللغة العربية وتعزيز وجودها في البلاد وذلك تمسكا بمقومات الهوية التونسية من الاندثار والذوبان في الثقافة التي كانت الحماية الفرنسية تفرضها على التونسيين بشتى الوسائل.
وهكذا تم اعتماد الدين وتوظيفه في حركة تحرير تونس من الحماية (1881-1956) عنصرا من عناصر المحافظة على الهوية والوقوف في وجه الاستلاب، فساهم إلى مدى بعيدٍ في شحذ الهمم واستنفار العاطفة، فتداخل في وجدان المناضلين حدّ العقيدة الدينية بإلإديولوجيا. ولم تغفل دولة الاستقلال عن دور الدين وقيمته في المجتمع التونسي باعتباره عنصرا جوهريا من عناصر الهوية وإنما نشأ الخلاف في الزاوية التي ينظر منها إلى الدين وكيفية جعله مساعدا على إنجاز مشروع التنمية لا معطلا لها ومدى تأصيله للإنسان في منظومة قيم تستهدف الاعتدال والتسامح بعيدا عن العاطفة والتطرف، فتمنح للعقل فرصة في بلورة المفاهيم وتجعل الدين مواكبا بفضل الاجتهاد لتطور نسق الحياة ومنسجما مع دورة التاريخ دون تحجرّ في الفهم أو تشبث بأهداب التفسير الحرفي للنصّ الديني. فلم يجرؤ صوت في تونس قبل الاستقلال وبعده على الدعوة إلى تهميش الدين الإسلامي ونبّذه وتعويضه بايدولوجيا وضعية، الاختلاف كان في طريقة توظيفه والنظر إلى دور مقاصده في الحياة حتى يكون حقا صالحا لكل زمان ومكان دون الانغلاق على مكاسب الحضارة الإنسانية عامة.
إن دولة الاستقلال لم تغض الطرف عن الدين واتخذت منه موقفا في مشروعها الحداثي، ولقد تمتع الزعيم الحبيب بورقيبة (1903-2000) بمشروعية ومصداقية كافية لخوض إصلاحات اجتماعية جريئة في زمنها، فقد عالج قانون الأحوال الشخصية بإصدار أول مدونة عربية حديثة في هذا المجال هي مجلة الأحوال الشخصية وشجع عل الاجتهاد في بعض الشعائر الدينية كصوم رمضان بدعوته إلى "الجهاد الأكبر" كما قام بحلّ الأحباس وإلغاء المحاكم الشرعية وتوحيد القضاء وأبطل التعليم الزيتوني وأدمجه في التعليم العام لتمكين التونسيين من الاندماج في منظومة تربوية موحدة تسهم في بناء الشخصية الوطنية.
كما عمل الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة على عقلنة الثقافة الدينية للمجتمع مما جعل الثقافة الدينية بيد مؤسسة الإسلام الرسمي المتضامنة مع رجل السياسة والمعبرة عن كل اختياراته. ولأن الزعيم بورقيبة كان متأثرا بمبادئ الجمهورية الثالثة فإنه عمل على الفصل بين الفضاء الخاص لممارسة الدين والثقافة الدينية من جهة والفضاء العام لممارسة الحياة المدنية الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى، وبذلك تم إبعاد رموز الإسلام عن المجال العام للمجتمع المدني الذي أمسكت به الدولة وعوضت النفوذ الرمزي للشيوخ لتصبح المسؤولة عن توجيه المواطن ورعاية كل ما يتعلق به دينيا ودنيوياّ.
ومثل هذا الموقف أنشأ جدلا في أوساط النخبة التونسية بدت علاماته منذ الجلسات الأولى لمناقشة فصول الدستور في المجلس القومي التأسيسي وكان الصراع شديدا حول اعتبار تونس دولة مسلمة أو دولة إسلامية، وهو صراع دلّ على وجود اتجاهين على الأقل ونزعتين مختلفتين في تمثل الإسلام ودوره و وظائفه في الحياة وفي موقعه ضمن الدولة الحديثة وسياستها، وهو خلاف يستبطن الفرق في طريقة الإدراك المختلفة للواقع الاجتماعي والثقافي من قبل الطرفين. ولئن أفضى الصراع إلى انتصار كتلة الحداثيين التي كان يقودها الزعيم الحبيب بورقيبة على كتلة التقليديين فأصبحت تونس دولة "دينها الإسلام ولغتها العربية" فإن توافقا ضمنيا حصل بين القيادة السياسية والنخبة المثقفة ثقافة حديثة من أجل فرض نموذج سياسي اجتماعي على تونس بعد الاستقلال يتأسس على العلمنة والإصرار عليه ورفض إجراء أي تصحيح أو تعديل عليه.
لقد أفرزت هذه الأوضاع في تاريخ تونس الحديث بروز اهتمام النخبة بالإسلام من وجهات نظر مختلفة فالمنتمون إلى المؤسسة الزيتونية شكل بعضهم في بداية الاستقلال إسلاما معارضا، نقد مجلة الأحوال الشخصية وماتبعها من إجراءات قانونية، وشكل البعض الآخر على عكسهم إسلاما معاضدا للنظام السياسي، مساندا لكل اختياراته واختار شق ثالث من الزيتونيين الانكباب على نصوص التراث دراسة وتحقيقا وتمحيصا، كما برز اتجاه أكاديمي حفل بدراسة الإسلام في مجال التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والحضارة، وأسهمت هذه الدراسات إلى جانب ما أنجزه الزيتونيين في بلورة مدرسة تونسية في دراسة الفكر الإسلامي متعددة الاختصاصات تعتمد مناهج العلوم الإنسانية قاطبة، تنظر إلى الإسلام من زوايا متعددة في ظلّ الحياد والموضوعية لتحقيق نتائج تبدو فريدة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر.
لئن تقلبت اختيارات دولة دولة الاستقلال الاقتصادية من الاشتراكية ونظام التعاضد أو "الاشتراكية البورقيبية" إلى النظام الرأسمالي والتوجه الليبرالي فإن جوهر الرهان على العلمنة لم يتغير وظل طابعه قائما، وقد ولدّ هذا التوجه إلى جانب إصرار الدولة على سياسة الحزب الواحد والرئاسية مدى الحياة نوعا من الغليان الصامت لجيل ولد بعد الخمسينات، كبر في لحظة حروب التحرير والاستقلال، وما رافقها من أمل وطموح ثم كان شاهدا على خيبات مريرة ناتجة عن اختيارات اقتصادية وسياسية فاشلة وعن هزيمة 5 جوان 1967، وعن تراجع الأمة العربية الكبرى وحلم الوحدة وإلغاء الحريات والازدراء بالإنسان وحقوقه وتنامي المطامع الإمبريالية. ولم يرافق هذه الخيبات التي عرفتها جل المجتمعات العربية ومن ضمنها تونس إيجاد البديل السياسي الذي يلبي طموحات هذا الجيل الطامع إلى التغيير. وقد خلف ذلك فراغا في ظل البطالة والنزوح والنمو الديمغرافي وسوء توزيع الثروات بين الجهات، ولم يكن التقدم الحاصل في مجال الصحة والتعليم والنقل كافيا لتعويض ما أصاب الإنسان من أضرار نتيجة تدمير البني التقليدية والاجتماعية الاقتصادية، في ظلّ هذه الأوضاع تحركت الكتلة الصامتة التي وجدت الدين حلاّ لسدّ الفراغ الإيديولوجي الذي عاشته واتخذته مبدأ للمعارضة والتمردّ. ومهما استطاع الخطاب السياسي منذ الاستقلال النجاح في إحْلال المشروعية والإيديولوجية والسياسية محلّ الخطاب التيولوجي الذي كان يخلع المشروعية على الخليفة ونظام الخلافة ماضيا فإنه لم يتوقع أن تنشأ المعارضة للنموذج الذي اختاره، من الإسلام مجددا ووفق تصور مجموعة له يختلف كليا عن تصوره.
ونظرا إلى العلاقة العضوية بين الفكر والواقع فإن واقع تونس سنة 1987 وما قبلها بسنوات عرف ظهور حركة "الاتجاه الإسلامي" وحاولت التأثير في المجتمع ميدانيا بما روّجه أتباعها من كتابات ووعود عبر الخطاب تعاطف معها بعض المواطنين البسطاء المحرومين والمهمشين الأمر الذي تطلب من دولة التغيير سياسة عاجلة لمقاومة هذا التيّار الذي كان يستهدف العديد من مكتسبات الدولة الحديثة حيث تعهدت دولة التغيير بأمر الإسلام والمسلمين في تونس معيدة الاعتبار للدين كمقوم أساسي للشخصية الوطنية الحضارية للمواطن التونسي، معززه انتماءه له، وعاملة على بناء هذه الشخصية من خلال منظومة تربوية شاملة تعمل على "تمكين التلميذ هي معرفة الإسلام دينا حضارة وأقداره على فهم المتصورات والقيم الإسلامية فهما مقصديا تاريخيا"، (2) وعلى "إرساء تقاليد عقلانية تسمح بادراك أهمية اختلاف الرأي وتنوع الأنظار في صيانة فكر إسلامي متجدد لا يغترب في الماضي ولا يقبل تبعية، بل يقدر مساهمات الأجيال ويعمل على تعزيز مكاسب الإنسانية وتقوية أواصر التضامن والسلم بين الشعوب"(3) بالإضافة إلى العديد من الإجراءات الأخرى التي طالت المؤسسات التربوية والثقافية، و بالإضافة إلى ترسيخ منظومة قيم حداثية في النسيج الاجتماعي التونسي. وإذا ما كانت دولة الاستقلال قد عملت على تولى الثقافة الدينية للمجتمع التونسي وتولى شؤون الإسلام من خلال مخططاتها الاجتماعية فإنها بإغلاقها لجامعة الزيتونة قد فتحت ثغرة كبيرة في مجال تجديد الفكر الديني ومسايرته لقضايا العصر، ثغرة ساهمت - منذ سبعينات القرن الماضي- في بروز ظاهرة التطرف الديني وترويجه بين أوساط الشباب في عملية إقصاء له وفصله عمّا في "الفكر الإسلامي من حسّ مدني أصيل شديد الصلة بقيم الحداثة والحضارة الإنسانية"(4). وهذه الثغرة، من ضمن ثغرات أخرى، هي التي عملت على سدّها دولة التغيير حيث حرص الخطاب السياسي الرسمي على التأكيد على تحمل مسؤولية حماية الإسلام من نزعات التطرف بالإضافة إلى رعايته وأحياء شعائره وتطوير الخطاب الديني بما يعزز من أواصر التضامن والتآلف الانسجام بين قيم التونسيين، وبما يدعم انتماءهم للحضارة العربية الإسلامية القائمة على العدل والمساواة والتسامح "
وتجلّت هذه العناية في الخطاب السياسي التونسي الذي ما إن فكّ يعبر عنها حيث أكّد الرئيس بن علي في إحدى خطبه:
" لقد أعدنا للدين اعتباره وعملنا على رعايته ورفع مناورته وإحياء شعائره وإتباع تعاليمه. وفي هذا الاتجاه يتنزل الدور الكبير الذي أوكلناه للتربية والتعليم الديني بتخصيص جامعة متكاملة المقومات تشرفت بحمل أسم إحدى أعظم منارات الإسلام في إحدى البلاد العربية وأولاها.
كما عملنا على إعلاء كلمة الدين وتعاليمه السمحة، ساعين إلى التوفيق بين رصيدنا الثقافي والحضاري بين مقتضيات العصر وضرورة مسايرة تطوره، ونحن نعتبر أن الدين هو من أهم المكونات الرئيسية لشخصيتنا، وأن الإسلام من أبرز ما يوحد بين التونسيين، ولا يمكن أن يكون بحال سببا من أسباب الفرقة أو النزاع أو التعصب أو التطرف. بل إن الإسلام هو دين الاجتهاد والتفتح والتسامح والتضامن. كما نعتقد أن الدولة هي وحدها حامية حمى الإسلام دون سواها" (5).
ومثل هذا الخطاب قد رسم الخطوط الكبرى للعلاقة بين السياسة والدين وأكد إعادة الاعتبار للهوية العربية الإسلامية للمجتمع التونسي رسميا وألح على البعد السني الموحّد ونَبْذ كل شكل من أشكال الفُرقة الدينية، بل أعاد إلى الأذهان ما تخلل الفكر الإسلامي بتونس منذ الإسلام من مقومات وأطروحات تدعو إلى المصالحة بين مبادئ الإسلام وروح العصر أو بين التراث ومسايرة التطور إلى جانب تأكيد مفاهيم التسامح والتضامن ويضاف إليها في مرحلة لاحقة مفهوم أو شعار الوسطية والاعتدال. أما وسائل تحقيق هذه المفاهيم فهي باستمرار، الاجتهاد والتفتح. إن خطاب دولة التغيير حول المسألة الدينية هو إذن خطاب يواصل تبني مقولات راسخة في الفكر الإصلاحي والتحرر التونسي. وقد أثراها بجملة من القيم التي أحيى مضامينها ووسّع أبعادها مثل قيمة التضامن التي أعطتها دولة التغيير بعدا وطنيا ودوليا بالإضافة إلى بعدها الديني الإنساني. وهكذا كانت العديد من الإجراءات السياسية والمتعلقة بالتعامل مع الإسلام بعد سنة 1987 مثل إعادة الدروس الدينية العامة في جامع الزيتونة و إحياء المجلس الإسلامي الأعلى و بثّ الأذان بواسطة الإذاعة والتلفزيون وإحداث مركز للدراسات الإسلامية و إنشاء وزارة للشؤون الدينية بعد أن كانت مجرّد إدارة للشعائر الدينية تم كتابة دولة و إعادة هيكلة الجامعة الزيتونية وتطوير برامجها وإثرائها بربط الدراسات الإسلامية بالعلوم الإنسانية الحديثة ومناهجها وتدريس اللغات الأجنبية وإنشاء كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان. وقد تولت القنوات الرسمية مثل وزارتي الثقافة تارة وزارة الشؤون الدينية تارة أخرى، إصدار العديد من الدراسات الإسلامية حيث أصدرت وزارة الثقافة سلسلة فكرية بعنوان "موافقات" وهدفها حضاري ثقافي أما وزارة الشؤون الدينية فحرصت بدورها على عقد ندوات وملتقياتها وثقت دراساتها ومحاضراتها في مؤلفات ضمن سلسلة "آفاق إسلامية". وبالتوازي مع هاتين السلسلتين والغاية منهما المقاومة الإيديولوجية للتيار الإسلامي المتشنج فإن الجامعة التونسية في أقسام الأديان والحضارة العربية أسهمت في تشجيع البحث في الدراسات الإسلامية ولم تخل الدراسات المنجزة من طرافة أثرت الدراسات المختصة في الدين.
ومهما يكن من أمر الدين في الخمسين سنة الماضية من تاريخ تونس الحديث، ومهما تكن علاقته بالاختيارات السياسية فإنه يظلّ مكونا هاما من مكونات شخصية المجتمع يختلف الناس في فهمه وتعبيره وممارسة طقوسه باختلاف ثقافتهم ووعيهم. فإلى جانب عمق دراسات المدرسة التونسية في الإسلاميات التي عرفت تطورا هاما في السنوات الأخيرة وبالرغم من عناية دولة التغيير بتجديد الفكر الديني وترشيد خطابه، يظل الخلط بين جوهر الدين وتمثلاته الأسطورية في بعض الأذهان قائما. وهو ما يجعل الحاجة إلى تعميق النظر في الدراسات الإسلامية أكيدة وقد يقع ذلك على كاهل فرق يحث تعود إلى التراث وتوضحه وتقرأه بأناة وفق المناهج الحديثة واستغلال مختلف الوسائل المعرفية المساعدة، ولعّل المدرسة التونسية في ميدان الفكر الإسلامي قادرة على النهوض بعبء الدراسة الحديثة والمساهمة الناجعة إلى جانب غيرها من المدارس الفكرية المعاصرة.
ولئن عرفت تونس منذ بداية الاستقلال سلسلة من القوانين الاجتماعية الجريئة مثل إعادة تشكل بنية الأسرة والمجتمع بواسطة مجلة الأحوال الشخصية فإنها لم تتنازل عن مقاصد الدين وجوهر الإسلام وظلّت وفيه لمبادئه وتعاليمه في مستوى التفكير والممارسات، ومهما أخذ المجتمع التونسي بأسباب الحداثة وراهن على الرّقي فإنه يبقى في عمقه مجتمعا مسلما تحكمه أخلاق الإسلام وحدوده، وفي هذا السياق تبرز خصوصية هذا المجتمع فهو مسلم حداثي وليس متعصبا متطرفا، وطبيعة المجتمع هذه ساعدته على تحقيق الاستقرار الاجتماعي وعلى الانفتاح على منظومة القيم الكونية بل والإسهام بشكل خلاّق في دعمها وإثرائها.
_______________________
الهوامش:
1 - الشريف محمد الهادي - تاريخ تونس ص40
2 - برنامج التعليم الثانوي. المركز القومي البيداغوجي مارس 1993
3- نفس المرجع
4- نفس المرجع
5- بن علي زين العابدين، من خطاب بتاريخ 29 جويلية 1988
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>