تونس : الاستقلال ... وتحصين السيادة في عالم متغير
عبد المجيد الجمني
رئيس تحرير مجلة "الوفاق العربي"
في شتّى مراحل وجودها، غذت الإنسانية مسيرتها بآمال عِراض في مستقبل إنساني أفضل.. وكثيرا ما خاب أملها.
ويكفي أن نستحضر ما أثارته نهاية حقبة الاستعمار وتتويج حركات التحرر الوطني في الستينات من القرن الماضي، وكذلك ما أفرزته نهاية الحرب الباردة من أدبيات مبشّرة بفجر إنساني جديد وصولا إلى العولمة، وجميعها محطات استعادت فيها البشرية حلمها بعالم تتحقّق فيه إنسانية الإنسان حيثما كان، حلم ظلّ يراود البشرية ويوجّه بوصلتها حتى وإن اقتصر الأمر في بعض الحالات والساحات على التمني رغم إدراك الإنسان أن نيل المطالب لا يكون بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.
وأمام التحولات الجارية الآن- وما أسرع وتيرتها، وأعمق تأثيرها وخطورة مضاعفاتها على أمم وشعوب كثيرة- ازداد حجم التطلعات، والإيمان بحتمية التغيير في مطلع الألفية الجديدة. ولكن مأساوية فصول بعض ما يجري في أماكن عديدة من العالم صارت تدفع باتّجاه استعادة السؤال المرّ أيضا، سؤال: هل تسير الإنسانية باتّجاه خيبة كونية أخرى ؟!؟
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مفتعلا ومُقْحَمًا على مضامين الجدل الدائر الآن على اعتبار أن تاريخ البشرية ليس في النهاية إلا تراكم خيبات ترث أخرى، فضلا عن أنه سؤال قد يحيل إلى جملة من الأسئلة المشابهة والتي ينخرط طارحوها في تيّار القراءة المتشائمة للتاريخ الإنساني، قراءة لا ترى في مسيرة الإنسانية إلا لحظات انحطاطها وانحدارها.
من جهة ثانية، قد يرى آخرون أنّه من المبكّر طرح مثل هذا السؤال، فالتجربة الإنسانية في التعاطي مع قوانين القرن الجديد مازالت في بدايتها، وأن تقييمها أو الحسم في ما تولده من ظواهر سلبية ومن أسئلة يعدّ بدوره من باب الرجم بالغيب، والنبوءة الزائفة والخلاصات المتسرعة، واستباق قسري لشكل مولود مخاض اللحظة الراهنة قبل أن تتحدّد ملامحه. إلا أننا نعتقد أن السؤال الذي طرحناه، على بساطته، يستمد وجاهته من مأساوية بعض الأوضاع الدولية، وما تتّسم به العلاقات بين مكونات المجتمع الدولي من اختلال فاحش وانعدام للتوازن، اختلال ينذر بفوضى شاملة باتت تهدد استقرار العالم بأسره وأمنه المنشود.
لقد كان دخول البشرية الألفية الجديدة حمّالا، وكما أسفلنا، لآمال عريضة أوحت جميعها بإمكانية قيام نظام دولي جديد أكثر تضامنا وانفتاحا وترابطا بين حلقاته، عالم تنسج خيوطَ ترابطه عولمةٌ لا تعترف بالحواجز والحدود، عولمة قيل أن الإنخراط فيها هو الشرط الجديد لتحقيق سعادة الإنسان، والطريق الأوحد لبناء عالم أكثر عدلا واستقرارا وتماسكا، عالم تحكمه القيم الكونية المشتركة وتمّحي فيه الهويّات المنغلقة على خصوصيتها.
وقد طغت في فترة ما كتابات اكتفت بإبراز فضائل العولمة، وتمجيد ما تتيحه من فرص للنهوض والتنمية، ومن ثمة أنسنة كل الأنظمة السياسية وذلك من خلال تعميم الديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ومرتكزات الحكم الرشيد علما بأن جلّ هذه الكتابات قد تعامت وتجاهلت كلّ ما قد يحيل إلى ما قد تفرزه هذه العولمة الكاسحة من مضاعفات وتحدثه من اختلالات اقتصادية واجتماعية في مجتمعات عديدة فضلا عن سلبها لإرادات الدول الوطنية أنظمة وشعوبا.
ولا يخفى أن هذه المقاربات اكتسبت حضورها وانتشارها من خلال قراءتها لظاهرة سقوط المنظومة الشرقية وزوال بريق الإيديولوجيات الكليانية في مختلف تعبيراتها، مما فسح المجال أمام منزع ليبرالي أكتُفي بتلميع وجهه الإنساني وتقديم منجزه ونموذجه المنتصر حدّ تشريع ما أطلق عليه "حق التدخل الإنساني" "حماية" للشعوب وإنقاذا لها ولكن، لم يمضِ من الوقت كثير حتى اكتشف العالم أن هذه الجنة الموعودة تحمل بين ثناياها بذور الجحيم، وأن الوجه الإنساني لهذه الليبرالية ليس سوى مجردّ قفاز حريري، إذ سرعان ما تبدّى توحّشها، ولاحت ملامحها المفترسة وطبيعتها اللاأخلاقية والتوسعية والاستعمارية في ساحات عديدة من العالم، وهي تملك قدرة أكبر على التدمير من تلك التي كان يملكها الاستعمار القديم، فضلا عن بروز تيارات وخطابات دينية متطرفة أكثر دوغمائية وعدوانية وانغلاقا من الإيديولوجيات الآفلة. وهي تيارات لا تقتصر على ديانات وثقافات دون أخرى.
وهكذا، لم يدر في خَلَد حتى أكثر الناس تفاؤلا أو اطلاعا ودراية، وقدرة على الاستقراء أن العالم سيستعيد، وبسرعة قياسية، أي في الخطوات الأولى للألفية الجديدة بعض مفردات القاموس السياسي التي خيّل للأغلبية أنها ولّت منذ ستينيات القرن الماضي بلا رجعة، وأن ما تبقى منها بعد ركام جدار برلين وما يحمله من دلالات مثواها الأخير. وحتى الاستثناءات التي ظلت قائمة وفي مقدمتها مظلمة فلسطين، فقد أشيع حولها مناخ يشير إلى أن حلّها بات وشيكا مما يستدعي مقاربة جديدة ومصطلحات مغايرة أبرزها السلام وثقافته حتى وإن لم يوقف ذلك حمّام الدم.
نعم.. لقد استعاد العالم مصطلحات الغزو والاحتلال والمقاومة والتحرير وحقّ تقرير المصير والسيادة الوطنية. وهذه الاستعادة قد تتّسع قاعدة تداولها واستخدامها باتّساع قاعدة التهديد للنيل من سيادات أخرى والتلويح باحتلال أوطان من جديد وتحت ذرائع مختلفة تستمد من "قيم العالم الجديد" شعاراتها ومبرراتها، ولكنها لا تختلف في الجوهر عن مبررات الاستعمار القديم ومنطلقاته.
إن مثل هذا الوضع لا يُكسب سؤالنا الذي طرحناه في البداية مشروعية ويؤكد راهنيته فحسب، وإنما يفضي بنا إلى سؤال آخر يعتبر مركزيا في محاولة الإجابة عنه. والسؤال الذي نعنيه هو: هل أن استقلال الشعوب أمر غير قابل للمراجعة والانتكاس ومكسب لا يطاله أي تهديد؟
لعلّ ما جرى في العراق يعفينا من الإطناب في توفير حيثيات الإجابة، ويحيلنا إلى جزء كبير منها. فقد احتُلّ العراق من جديد، ودُمّرت أسس دولته، وتعرضت سيادته للانتهاك بل للاغتصاب، وباتت وحدته الوطنية والترابية في خطر. ولا يخفى أنه لا يوجد في الأفق ما يوحي بأن "التجربة العراقية" حالة استثنائية وشاذة لا يمكن القياس عليها إذا ما نظرنا إلى قائمة الدول المرشحة لتعرف ذات المصير، وهي قائمة قد تتّسع رقعتها، باتساع تمظهرات اختلال التوازن الدولي ومزيد إحكام الأحادية القطبية قبضتها على مصير العالم وسيطرتها على مفاتيح المستقبل فيه اقتصاديا وسياسيا.
وكل هذا يؤكد أن الاستقلال والسيادة الوطنية لا يمثلان معطى ثابتا وإنما هما قابلان للاختراق، والذوبان أو الضياع سواء بفعل التدخل الخارجي المباشر أو الإكراه السياسي والاقتصادي والعسكري أو جرّاء الفشل الذاتي والداخلي في حماية الاستقلال، وتوفير المستلزمات الحضارية والسياسية لصيانته وترسيخ السيادة الوطنية على أسس تجعل منها واقعا لا يقبل التراجع ويستعصي على كلّ ابتزاز خارجي.
وفي هذا السياق تستوقفنا مقولة للرئيس التونسي زين العابدين بن علي التي جاء فيها " أن واجب الحفاظ على الاستقلال لا يقل مسؤوليّة عن نيله، كما أن شرف العمل على دعمه وتعزيز مقوماته يضاهي شرف النضال والكفاح من أجل الحصول عليه".
وفي هذا التأكيد على أهمية معركة الحفاظ على الاستقلال وتوازيها من حيث المرتبة والمسؤولية مع معارك نيله، إشارة ضمنيّة إلى أن مستلزمات تعزيز مقومات الاستقلال راهنا تختلف عن أدوات المعركة الأولى وتفوقها من حيث المواصفات والمستويات بالنظر إلى عاصفة التحولات التي يشهدها العالم والتي استفحلت معها ظاهرة التدخل الخارجي في عديد البلدان، مما يفقد الأدوات والوسائل التقليدية فاعليتها في صيانة الاستقلال الوطني وحماية سيادة الشعوب والدول.
ولا شك أن مثل هذه الرؤية ترتقي بمفهوم الاستقلال من كونه جلاء للمحتل إلى آفاق مستجدة تجد ترجمتها في مشروع مجتمعي متكامل الأبعاد، يستمد من معركة الاستقلال الأولى روحها ومن الواقع الكوني الجديد وما يفرزه من تحديات غير مسبوقة، مفاهيمه وآليات تجسيمه على أرض الواقع.
وانطلاقا من هذا الوعي الاستشرافي والإدراك العميق عمل الخطاب السياسي في تونس منذ تغيير السابع من نوفمبر 1987 على استنفار كل الإمكانات الوطنية البشرية والمادية وحسن توظيفها من أجل تدعيم ركائز الاستقلال بمعناه الحضاري الشامل وذلك بالسعي إلى تمكين البلاد من أسباب المناعة ومستلزمات البناء والحياة.
وتؤكد إنجازات حركة التغيير أن شمولية المقاربة التنموية قد ارتقت باستقلال البلاد من دائرة اختزاله في شعار للدولة وعَلَم وحدود ترابية باتّجاه أفق أرحب تَمَثّل في مشروع مجتمعي جديد يجعل من الاستقلال معركة مستمرة ومتجددة تطال الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية مما يجعل من التغيير حركة لا تتوقف ضد الوهن الداخلي، وضدّ عناصر الاختراق للنسيج الوطني، أي ضدّ رواسب التخلف بأبعادها المختلفة وضدّ كل ما قد يعوق انخراط البلاد في سيرورة الحضارة البشرية والمساهمة في بناء المستقبل الإنساني والنظام الكوني الجديد حتى لا يكون الاستقلال إمكانية مهدورة.
إن "الزمان الحاضر والزمان الماضي- يقول الشاعر الإنجليزي ت.اس.إليوت- هما سوية حاضران في الزمان المستقبل، كما أن الزمان المستقبل مُحتوى في الزمان الماضي".. وهذه القاعدة التي تتعدد الشواهد عليها ونجد مدلولاتها في مقولات كثيرة أخرى مشابهة، نجد صداها ومرتكزاتها في كل قراءة لحركة التغيير في تونس.
إن التغيير جاء استجابة لنداء المستقبل وذاكرة له، فلا إنكار فيه للسابق ولا جحود بل بناء عليه وصيانة لمنجزه. ومنذ البيان الأول كان بن علي صوتا للمستقبل لا ينكر الحاضر ولا يتنكر للماضي بل يصالح هذا مع ذاك ليبني دولة الغد. وكان السبيل إلى ذلك مشروع مجتمعي متكامل المقومات، متناسق الأبعاد، متجدد الأهداف والطموحات.
وهذه الحقبة الجديدة من تاريخ تونس، حقبة التغيير، هي ثمرة خيبة، خيبة وإحباط من مستقبل كان يفترض أن ينجز ومن حاضر كان يجب أن يكون متجها للمستقبل لا منكفئا على مكتسبات الماضي.
ولا مناص من الاعتراف، ونحن نحيي الذكرى الخمسين لاستقلال تونس، بأن مأزق دولة الاستقلال، ورغم المكاسب التي حقّقتها، والذي تبدى في الثمانينات من القرن الماضي إنما يكشف عن قصور وعجز في صياغة المقاربة الأسلم واعتماد الآليات الأنجع للحفاظ على ديناميكية النهوض والنموّ وعلى استقرار المجتمع وبالتالي الاستجابة للشروط الجديدة والمعاصرة التي تكفل صيانة الاستقلال ودعم سيادة الوطن والحيلولة دون كل ما قد يهدد مكاسبه ومنجزه في الداخل والخارج.
وقد كان منتصف السبعينات من القرن الماضي عنوان ردّة سياسية انطوت على مخاطر مستقبلية بانحراف عملية التنمية عن جوهرها، أي فقدانها التوازن المطلوب باعتبارها عملية تحرير حضاري شامل سياسي واقتصادي واجتماعي، وتحولها إلى عملية ترميم جزئي بعيدة كل البعد عن الغايات المنشودة. مع الإشارة إلى أن التنمية السياسية ظلّت الغائب الأكبر في كل مراحل بناء دولة الاستقلال وتحقيق التنمية إلى حدود الثمانينات حيث جاء التطور السياسي ردا تكتيكيا وليس خيارا جوهريا، ردّ الهدف منه كان إنقاذ النظام وليس إنقاذ الدولة والمجتمع والوطن.
وعلى هذا فإن المقاربة التي اعتمدتها حركة التغيير والتي اتسمت بالشمولية واعتماد مبدإ التنمية الشاملة، جاءت إنقاذا للوطن من أزمته وإنقاذا للدولة من وهنها وترهلها ومن ثمة إنقاذ الاستقلال والسيادة من بوادر هيمنة خارجية كانت تلوح في الأفق وتقف على مشارف الوطن في انتظار اللحظة المناسبة.
ولا شكّ أن من أهم مرتكزات هذه المقاربة الشاملة، تلازم البعدين الاقتصادي والاجتماعي، واعتبار حقوق الإنسان كلا لا يتجزأ، والتأكيد على أن التنمية السياسية لا تنفصل عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، فالكل في ترابط متين، وفي خط تصاعدي متوازٍ، لا مفاضلة فيه بين كل هذه الأبعاد بل لا مفاضلة حتى بين مكونات البعد الواحد انطلاقا من إدراك عميق وحرص كبير على تجسيم مقولة إنه لا تنمية بدون ديمقراطية ولا ديمقراطية بدون تنمية.
وفي ضوء هذه القاعدة يمكننا الجزم بأن حركة التغيير قد أمسكت بمستلزمات المواجهة الفعلية مع أسئلة اللحظة التاريخية وتداعيات المتغيرات في المحيط الدولي ووضعت يدها على الطريق السالكة لدعم السيادة واستقلالية الإرادة وحماية منجز ضحّت من أجله أجيال متعاقبة ألا وهو الاستقلال.
ولا شك إن نجاح التجربة، وقطع أشواط كبيرة على درب تحقيق التنمية الشاملة، والتوفق في الوصول إلى تنظيم مجتمعي قائم على التعددية والوفاق والحوار والسلم الاجتماعي، تنظيم يوحّد التونسيين على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية حول مشروع يتبنّونه عن وعي وإرادة حرّة، ويشاركون في صياغته تصورا وإنجازا، قد أكسب المجتمع المدني مزيدا من الحيوية المطلوبة لتحقيق الأهداف التنموية الأساسية، وجسّد كل معاني المواطنة ورسّخ ثقافتها والأخلاقيات التي تقتضيها.
وكل هذا إلى جانب عوامل أخرى لا يتسع المجال لاستعراضها، قد أعلى من شأن الولاء للوطن، وحصّن الجبهة الداخلية، وحال دون اختراقها من القوى الأجنبية وأفرغ ضغوطها من كل فاعلية بما عزّز مكاسب الاستقلال ودعم مقوماته، وحمّى السيادة الوطنية والقرار الوطني.
وهذا التحصين لم يقتصر على الأبعاد السياسية والاقتصادية والتنموية عامة بل شمل أيضا الأبعاد الثقافية والحضارية وذلك من أجل إعادة صياغة مفاهيم الاستقلال والسيادة وإكسابها أبعادا مستقبلية وأمّن مستلزمات تفعيلها مواكبة للمستجدات والتحولات العالمية.
فإذا ما كان الاستقلال بالنسبة للتونسيين في أهم أبعاده الحضارية تأكيدا لسيادة الإرادة الوطنية واستقلالها وتحررها، فإنه يمثل أيضا- بل خاصة- انتصارا للهوية ضدّ محاولات النيل منها ومن ركائزها وخصائصها المميزة مثل اللغة والدين ومقومات الفكر والشخصية الوطنية والقومية.
وقد وضعت حركة التحرّر الوطني وقبلها حركة الإصلاح الحفاظ على الهوية الوطنية ودعمها على رأس اهتماماتها ومشاغلها الفكرية، ثم جاء الاستقلال ليعطي الهوية شرعيتها الدستورية حيث أكد الدستور التونسي في أولى مواده أن تونس لغتها العربية ودينها الإسلام. هذا بالإضافة إلى الشعور التلقائي الذي عبّر من خلاله الشعب التونسي عن تمسّكه بهويته العربية والإسلامية.
وبما أن التغيير هو الوريث الشرعي لحركات الإصلاح والتحرر ولمكاسب دولة الاستقلال، فقد تأسّس بيانه الأول على مصالحة الشعب التونسي مع ذاته وتاريخه وذاكرته ورموزه الوطنية أي مع هويته.
ونحن لا نغالي إن قلنا إن الهوية هي المفردة الأساسية التي قادت عملية التغيير، والأرضية التي انطلق منها ليرسم برامجه ويصون مقومات الشخصية. وهي هوية في تواصل مع الماضي ومستنفرة لإمكانيات الحاضر لتجعل منها جسورا مع المستقبل.
فالهوية في مرجعية التغيير هي مرادف للصيرورة، ونقيض للثبات والجمود، لذلك عمل بن علي على بناء رؤية واعية للعلاقة مع الماضي واستثماره وتوظيفه من أجل المستقبل دون أن يكون المستقبل مجرد استعادة أو استعارة لصورة الماضي أو مجرد استحضار فولكلوري للذاكرة وإنما نسيج يمنح المجتمع القدرة على الامتداد والانطلاق باتجاه المستقبل، وعلى التجاوز باتجاه واقع وغد مغاير تتّسع فيه مساحة التحرر من قيود الماضي وأساسا من اللّحظات المظلمة فيه.
إن حاضر الأمة عند بن علي من نتاج تاريخها الحافز، ومن هنا يصبح حرصه على إعادة الاعتبار للهوية بمثابة تجذير للذاكرة بروح الحداثة والإضافة، وشكلا من أشكال المقاومة لنزعة التنميط الكوني الجارية الآن، ودرءا لمحاولات طمس الخصوصيات الوطنية والحضارية والثقافية باسم كونية وعولمة زائفة.
وعلى هذا الأساس فقد أكسبت مصالحة تونس مع هويتها الحضارية البلاد قدرة على مجابهة التحديات بإنسان تجذرت فيه روح الانتماء للجذور وللعصر ومكتسباته، إنسان أثبت قدراته على استيعاب المعارف الجديدة والتعاطي الفاعل مع عاصفة المتغيرات تحصينا للذات وانتصارا لثوابتها دون انغلاق أو تحجر.
وإذا كان من تعريف جديد للاستقلال في ظلّ دولة التغيير وفي هذا العالم المتغيّر، فإنه يمكننا إيجازه في كون الاستقلال هو تحرير للإرادة، وتنوير للعقول وتنمية لروح الابتكار والمبادرة، وانحياز للحداثة واعتزاز بالجذور والأصول.
وأخيرا، إن التاريخ يكتب دائما في الحاضر ويوجه إلى المستقبل، وإن مصداقية أي منظومة فكرية وسياسية لا تُكتسب إلا إذا ما وضعناها على محك الواقع والتجربة. عندها نكتشف، لا فقط مصداقيتها ومسؤوليتها ونبلها، وإنما نَغْنم ثمارها ونمْتنّ لزارعها.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>