تونس في عيدها الذهبي :
قراءة خاصّة جدّا

د. عبد السلام المسدّي
أستاذ اللسانيات – جامعة منوبة - تونس


تقضي الأعراف الثقافية بأن إحياء الذكرى الخمسين هو احتفال بالعيد الذهبي، وفيما بين الحدث وذكراه يتوسط العيد الفضي. وهذا يرمز إلى اطراد الحياة في الكيان الذي تم الاحتفاء بمولده، وهو يعني أيضا أن الخشية من انتكاسات الوجود قائمة. فمَن الذي كان يخطر بباله أن احتفالنا بالذكرى الخمسين للاستقلال يعني اليوم أنّنا لا نحَيّي التاريخ بقدر ما يعني أنّنا نحَيّي الحاضر لأنّنا ظللنا مستقليـن ؟ بل ويعني أنّنا نرسل شعاعا كاشفا نحو احتمالات المآل انطلاقا من مساءلة الذات : كيف السبيل إلى أن نظل مستقلين ؟

إذا همّ المثقف بالكتابة عن ذكرى استقلال وطنه فأمره بين ثلاث : إما ليعيد قراءة التاريخ متحرّزا بدروع الموضوعية نهجا وموردا، وإما لينغمس في تصفح أسفــار الحاضر مؤديا واجبات الاستحقاق التاريخي، وإما ليُفيض عما يخالجه تاركا الكتابة تعانق الذاتية الحميمة كما لو أنّه يدلي بشهادته عن الأحداث لا سيما إذا كان من أقداره أنّه جزء منها كلاّ أو بعضا. في هذا المفترق الثلاثي نحاول أن نصطنع سلكا يمسك بنا على استشفاف رصد الخبايا دون أن نغمط الذات حقها. فليس عجيبا أن ينساب قلم الكتابة إلى تلك المشارف الواقعة على تخوم السيرة الجماعية من خلال السيرة الفكرية المستبصرة.

كيف لخمسين عاما أن تتشكل عمُرا واحدا، لشعب واحد، في بلد واحد، ثمّ تتراءى ثمرتها – وهي الاستقلال – منجَزا تاريخيّا لا يبدو في الأفق أي خطر يهدده : ذاك هو الجوهر الأوّل ضمن دلالات الاحتفاء. وهذه لوحة جديدة على مرايا الواقع الدولي، فحينما حل العيد الفضيّ (20 – 3 – 1981) لم يكن واردا في سجلات السياسة الدولية أن حركة تحرير الأوطان ستنتكس، وأن شعوبا سيحملها التاريخ على استئناف خوض حروب الاستقلال. ولكن العيد الذهبي يحل بيننا وهذا الذي كان افتراضه يومئذ من باب الهوس السّوْداوي قد أصبح في خانة الاحتمال ذي الرجحان العالي. وبناءً عليه أسلفنا أن تحية الاحتفاء ليست استدعاءً للماضي بقدر ما هي تبصّر بالحاضر واستطلاع لاحتمالات الزمن القادم.

المثقفون الذين يشاركون اليوم شعبهم احتفاله بالعيد الذهبي لو شئنا تصنيفهم على أساس الافتراض المنهجي لوجدناهم من فئات ثلاث : جيل كان يومئذ في كهولته ساهم بحضوره ووعيه في آخر مراحل التحرير، وجيل فتح عينيه على الدنيا ووطنه قد نال الاستقلال، وبين الجيلين جيل كان يافع الشباب يومئذ، أدرك بطفولته الأولى أواخر معارك التحرير، ثمّ نما شبابه مع أدراج البناء الوطني. هذه الفئة الثالثة يحق لها أن تتماهى بسيرتها الذاتية والفكرية مع أمّهات الأحداث التي وسمت العقود الخمسة لترى فيها صورة من تاريخ الجماعة عبر صور تواريخ الأفراد.

تعالوا ننظر مليا في فضاء المشهد الممتد على نصف قرن : شعب واحد، وطن واحد، على مركب الاستقلال الواحد، يَعْبر جسر الزمن بين عهدين. قل : دولة الاستقلال الأولى ودولة الاستقلال الثانية، أو قل : دولة إرساء البناء الوطني ثمّ دولة إنقاذ المشروع الوطني. لحظتان فارقتان جدا. تحقق الاستقلال بفضل نضال دؤوب انخرطت فيه كل القوى الحية لدى شعب يشهد له التاريخ أنّه مسالم، متفتح على مجاري الحضارات، ولكنه ذو حميّة، غيور على خصوصياته، تأكد ذلك قبل الفتح الإسلامي وبعده. وهذه السمات هي التي أفرزت قيادة حرصت على إنجاز الاستقلال بأقل ما يمكن من التكلفات. ثمّ أنجز الانتقال بين العهدين، وكان جسر العبور صورة أخرى تجسم طبائع الشعب وتختصر أنموذجه الذي قوامه التدبير العاقل والإنجاز المسالم.

اللحظة فارقة جدا، صنعها الإجماع الوطني على أن كل منجزات دولة الاستقلال الأولى أمست كالكرة الراقصة داخل عجلة المقامرين، وأن المشروع الحضاري – بكل أحماله – أضحى ورقة تتقاذفها رياح التاريخ، ثمّ صنعها أيضا الإجماع على حتميّة العبور إلى ضفة أخرى، وقد تتوّج هذا الإجماع وذاك بأمرين رأت فيهما الجماهير صورة وفيّة لذاتها : المسالمة المطلقة، والخطاب المؤسس. ولم يكن يخفى على أحد أن الأمرين كانا يستدعيان إلى الذاكرة كل النماذج السائدة في تاريخ الأمصار الأخرى. تذكّر الناس كيف كان يتم الانتقال من عهد إلى عهد هنا وهناك، وتذكر الناس أيضا البيانات الثورية المرقمة التي كانت تقرع بها مصاديحُ الإذاعات طبولَ الآذان العربية.

كيف ننظر بالعين الفاحصة الواعية إلى منجزات الحقبتين ؟ كيف ينظر المثقف تحديدا إلى مراسم العهدين؟ بل كيف يحدّق في مطويات الأحداث وتجاعيد الوقائع مثقف كان منخرطا بعز وإباء في دولة الاستقلال وظل منخرطا بعز وإباء في مشروع إنقاذها دون أن يَحمل الناسُ تحديقه على العقوق ؟

من أبرز المنعرجات التي يقف الراصد عليها يوم (25 – 7 – 1957) إذ فيه ما يوفر سلكا رابطا بين المشاهد : إلغاء الملكية وإرساء الجمهورية قد تحققا في انسياب تاريخي يؤصل السمتين البارزتين : المسالمة والرجحان. ومهما تأوّل المتأولون للتاريخ من إخراج الحدث على أنه ثأر أصرت عليه القيادة السياسية لتنصف نفسها من تحالف كيديّ خفيّ بين الأسرة المالكة والقوى الرجعية فإن الإنجاز يظل باهرا، وقد يتعيّن النظر إليه بمجهر الفترة التي تمّ فيها لا بالمجاهر التي تلاحقت بعدئذ. هذا الإنجاز استوجب دستورا، والدستور نفسه هو الذي كان الركيزة الجوهرية لإرساء جسر العبور بين العهدين صبيحة (7 – 11 – 1987).

لقد سُن الدستور بموجَب آلية جديدة بفضلها تمّ انتخاب مجلس دستوري أقر اختيار النظام الجمهوري، فقد كان ذلك إيذانا بالاحتكام إلى الشرعية الدستورية نفسها، وإذا ما استظلت تلك الآلية بالشرعية التاريخية التي نالتها القيادة السياسية بعد أن أثبتت أحقيّتها النضالية في ملحمة التحرير فإن عملية العبور من ضفة الدولة الأولى إلى ضفة الدولة الثانية قد أقيمت على جسر الشرعية الدستورية تدْعَمها شرعية الإجماع على ضرورة إنقاذ البناء الوطني برمته.

لقد أظهرت القيادة السياسية التي أنجزت العبور حكمة حادة حين أصرت على شرعية الانتقال. وفي الذاكرة أن اللحظة التاريخية قد حام عليها تعبيران متوازيان : التحول والتغيير، وكانا كالمترادفين، ثمّ اندفع بعض الأنصار المتحمسين يريدون تثبيت فكرة البناء الجديد القائم على أنقاض القديم وكادوا يسقطون في غرائز الإلغاء، وربما استلذ بعضهم الحديث عن أهل السادس إمعانا في مفارقة أهل السابع لهم، ولكن القيادة آثرت بحكمتها التمسك بشرعية التواصل فلم تصغ إلى من نادى ببعث حزب جديد، ثمّ أعرضت شيئا فشيئا عن مفهوم "التحوّل" لما ضمّنه إياه الأنصار المتحمسون من دلالات الابتعاد عن نهج في التاريخ إلى نهج مباين له، وثبّتت مفهوم "التغيير" الذي أصبح يفيد إقرار التاريخ مع صنع مشهد جديد فيه.

جاء النص المصاحب للحدث ليعيد إلى الحاضر مسلّمات غابت عن الفعل السياسي بموجَب تراكم البقاء مع الإصرار على البقاء. إن الجيل الذي تربّى على أدبيات دولة الاستقلال الأولى قد كانت له – بدون أي شك – قراءته الخاصة للحدث. لقد جاء النص المؤسس لعهد الدولة الثانية تعبيرا عن الوعي العميق بما كان، وجاء استشرافا واعدا بما يجب أن يكون. ربما كان للذين احترفوا الاعتراض على الحقبة الأولى فرحتهم، وربما كان للذين التزموا بها التزاما قصريا ارتعاشتهم، والذين كانوا متنعمين واجهوا فوضى إعادة ترتيب البيت بحسابات دقيقة، ولكن الذين كانوا قد انخرطوا بوعي تاريخي حاد، يجلب الضنى ولا يأتي بنعيم، وكانوا يتجوّزون لأنفسهم المسافات النقدية، قد عاشوا مع حدث العبور إلى الضفة الأخرى نشوة لا تضاهيها نشوات الآخرين. فالنص المؤسس كان لهم جلاّبَ متع، وأكبر تلك المتع أنه أرسى ميثاق الوفاء من حيث أقر بالمسافة النقدية فتماهوا وإيّاه.

من الوفاء أن نتذكر كيف صنعت القيادة السياسية الأولى حتى تستكمل مشهد الاستقلال بعد أن تمّ إعلانه وإقراره منذ (20 – 3 – 1956) إذ لم تكن معركة الجلاء شيئا هينا، ولم تكن معركة بنزرت (19 – 7 – 1961) جولة من جولات الدبلوماسية. وبعد أن تمّ تحرير بنزرت (15 – 10 – 1963) جاء دور تحرير الأراضي الزراعية (10 – 5 – 1964). من الوفاء أن نتذكر ذلك وألا نكتفي بالتواريخ الظاهرة لنحدد عُمُر الاستقلال، ولكنه ليس من العقوق أن نستحضر جهود المؤرخين بعد أن انعتقت أقلامهم من سطوة التاريخ الرسمي لنرى المشهد على حقيقته : فلقد كانت القيادة موفقة جدا في رؤيتها الاستراتيجية ولكن التوفيق لم يحالفها في التدبير الإجرائي الذي خاضت به معركة الجلاء.

من الوفاء أن ندوّن ما أنجزته القيادة الأولى على درب استقلال القرار الوطني، وأن نستذكر عواصف المواجهة بين القوتين العظميين، وكيف انبثقت حركــة عدم الانحياز وتونس – البلد الذي يعرف الجميع خريطته – فاعلة ندّا لندّ بين الهند ومصر، ولكن ليس من العقوق أن ندوّن على هوامش الدفتر لحظة العَجَب على أرض الجزيرة السياحية الرائقة يوم (12 – 1 – 1974) وكأنها عتمة تمّ فيها استلاب الإرادة وابتزاز القرار الوطني. ولا مجال للإنصات إلى الحيثيّات التي قدّمها بعض من كتبوا شهاداتهم فسعوا إلى تفسير اللحظة على مقاسات متفاوتة.

على اللوحة الأخرى رسمت قيادة الدولة الثانية مع الأجوار خطا فيه كل دلائل البراجماتية من خلال انخراطها المطلق في مشروع المغرب العربي حتى غدت تونس المحرّك الفعّال الذي لا يني حزمه في الدفع الأمامي، ومن سعيها الدؤوب تأهلت إلى منزلة المحاور الجادّ مع الضفة المتوسطية الأخرى.

من الوفاء أن نسجّل السبق الذي حققته قيادة دولة التأسيس على درب الانخراط في الحداثة الإنسانية في زمن كانت دول عربية أخرى أكثر استعدادا، وأوفر تأهّلا، وأغزر عطاء، ولكنها لم تفعل ما فعلته تونس، وحريّ أن نصطفي على ذلك الشاهدَ الأكبر وهو خيار التعليم مع كلّ ما وراء قاطرته من عربات إذا راجعها المرء اليوم ازداد إعجابا برهاناتها، من الوفاء إذن أن نستحضر التكامل بين أنسجة البناء الحداثي في السياسة والاقتصاد والمجتمع. ولكنه ليس من العقوق أن نميط ورقة التوت عن لحظة الدهشة التي ارتعشت فيها حناجر الجيل الذي رفع راية الالتزام النقدي : هي لحظة (3 – 11 – 1974) يوم تمّ تكريس البقاء على قمة الهرَم الجمهوري، ولفرط دلالتها وجليل خطرها خصّها الخطاب المؤسس للتغيير بالذكر والتوظيب.

عندما نعلن الاحتفاء بذكرى الاستقلال في موعدها الذهبي فإننا نحدّق مليا في صيانة مفهوم التحرر الوطني وانعتاق قراره من ضغوط المساومة. وممّا يغفل الناس عنه – في عامتهم دوما وفي خاصتهم أحيانا – أن إنجاز عملية العبور بين الحقبتين لم يمرّ دون أن يثير الاستفسار المعهود، فقد دأبت أعراف السياسة في مدى ثلاثة عقود يومئذ على أن تغيّر هرم السلطة في بلدان العالم الثالث – والبلاد العربية جزء منه، بل يتصدره في هذا الموضـوع – لا يتمّ إلا بضرب من التعالق مع إرادة تقع خارج حدود الوطن، إما بإثارة، أو بتزكية، أو – على أقل تقدير– بسابق إشعار. وكم وشوشت الألسن بحثا عما يتواتر مع العرف السائد  ! وكم حار المسائلون حين لم يعثروا على قرينة تروي ظمأهم  ! وقد يكون الشك سكن خواطر المتعقبين غير اليائسين، ولكن لحظة تاريخية ستأتي لتقيم الدليل على استقلال القرار الوطني، وعلى أن إنجاز التغيير منتج تونسي سياديّ صرف. إنها لحظة الموقف من الحرب المهيأة ضد العراق عام 1990. يومئذ سلم المحترزون بأن الدولة الجديدة ليست مدينة لأحد بانبثاقها.

لقد جاء موقف القيادة عندئذ صورة أمينة وفيّة لإجماع جماهيري قاطع، وآثرت أن تتغاضى عما يدرّه الموقف المضاد – لو أنها اتخذته – من منافع شاملة. وظلت تونس المتمسكة باستقلال قرارها السياسي تدفع ضرائب حريتها، وما زال الواقع العربي يئن تحت سطوة الانحياز بين مشرقه ومغربه، وكلما سنحت فرص الثقافة رأيت بعضهم يحرص على تمثيل الجناح المغاربي، ولكنه يظل مصرّا على أن الأولى بالاستحقاق هو الطرف الأقصى ولا أحد سواه. ومهما تساءلنا أو شككنا أو ترددنا فإن ما آل إليه الوضع العربي يقوم شاهدا على حصافة الرؤية التونسية يومئذ. وهل ننسى أن أزمة الخليج قد اندلعت (2 – 8 – 1990) ولم يمرّ على انبثاق دولة العهد الجديد ثلاثة أعوام.

كان امتحانا عسيرا بكل المقاييس، فخريطة السياسة الدولية تبدلت حدودها وارتبكت ملامحها التي اطردت على مدى عقود تحررت فيها شعوب العالم الثالث من الاستعمار. جاء يوري أندروبوف إلى الكريملين (25 – 8 – 1983) ورحل سريعا، فجاء قسطنطين تشرننكو(13– 2 – 1984) ورحل هو الآخر سريعا، فجاء ميخائيل غورباتشوف (18 – 3 – 1985) واتضح أن أسرابا من المثقفين أقاموا علة وجودهم على الالتزام الإيديولوجي بدأوا يصطفّون على أبناك يتامى التاريخ.

وإذ لم تنجلِ بعدُ الصورة الجديدة للواقع الدولي والإقليمي والمحلي حصلت في تونس حركة التغيير فوفرت – على طبق من الذهب – الغطاءَ الأمثل لعدد هائل من المشردين في مفازات الثقافة، فاستظلوا بظل التغيير، وضمّدوا تحت فيْئه جراحات فصمت عراهم عن الالتحام بالوطن. ولكن اللحظة التاريخية ستخترق دروع الأنظمة مثلما اخترقت حُجب القناعات الفردية. ويكفي أن نستذكر الآن ما كان يؤثر السكوت عليه، وهو أن الاهتراء الذي طال مؤسسة الكرملين وكان صدًى للتآكل الذاتي الذي كان محتوما بحكم قوانين البداهة التاريخية قد أورث بعض الدول العربية طوالع الكآبة الدولية، وكيف لا نستحضر تغير مشهد الخيارات أمام سوريا والجزائر وفلسطين وليبيا والعراق أو لا نتذكر مجاريَ الريح التي هبّت منذئذ على العمل العربي المشترك.

لم يكن شيء من هذا خافيا على ذي بصر يقظان. ومن أجل ذلك واجه النص المؤسس لحركة التغيير الحقيقة الجوهرية التي على أساسها يتشيّد البناء الوطني : حقيقة الانتماء من حيث يتعالق به جوهر الاستقلال ذاته. هنا يتراءى لنا مشهد يعانق بطرفيه الأعوام الخمسين التي تصنع حلقاتُ سلسلتِها هذا العيدَ الذهبي.

قد سبق للقيادة السياسية الأولى أن خبِرت عن قرب فوران المشاعر العربية منذ أيّام معركة التحرير عندما قضت مدّة في المشرق. ثمّ توالجت معها في اهتزاز غير مريح، وإذ قد بان لها التدابر بين أنموذج الحداثة على النمط الغربي الذي تشبعت به في باريس وأنموذج تقييد النهضة بمراجعة المكتسب والموروث كما يسود بين رواد المشرق قررت الاستدارة والاستغناء. وزادها إمعانا في الهجران نشاز الزعامات وإصرار بعضها على الاستقطاب وتحريك منظومة الأوطان من خارج حدودها.

ليس من العقوق أن يَصدح المثقف الملتزم الآن وهو يحتفي بالذكرى الخمسين بما كان يردده جهارا في أوج مؤسسة النضال : أن قيادة دولة الاستقلال الأولى حين آثرت الابتعاد عن الفوران العربي إلى مشارف القطيعة قد ارتكبت خطيئة تاريخية، وقد كان من نتائج ذاك الخيار حصول انفصام جذري على مدى سنوات متتالية ربما جنت منه السياسة بعض الثمار. وربما لم يخسر فيه الاقتصاد كثيرا، ولكن الخسران الأكبر كان من نصيب الوعي الثقافي والفكري، هنا وهناك. وكان من نتائجه أيضا أن نشأ جيل، وتربى آخر، واستيقظ ثالث، على الخلط بين العروبة كانتماء والقومية كإيديولوجيا.

هنا على وجه التحديد انبرى النص المؤسس لحركة التغيير يعيد الخيارات إلى مسارها مطهرا ما علق بالأذهان من لبس أدى ببعضهم إلى المجاهرة بالاستنقاص لما هو "عربيّ" والمجاهرة بالمنافرة حيال ما هو "قومي".

بين الحقبتين مشهدان يدوّنان صفحة من التاريخ. وليس بعيدا عن مطابقتها ما حصل أيضا على الوجه الآخر من قصة الانتماء. فتونس دولة دينها الإسلام ولغتها العربية كما تمّ إقراره منذ نشأة دولة الاستقلال، وهما العنصران المكونان للهوية بدءًا وختما، ولكن القيادة السياسية الأولى كانت تحمل احترازات عديدة حيال المعتقد، وقد انخرطت باكرا في أحد أوجه التفسير التي تشرح التخلف الحضاري، وهو القائل بأن الدين كما تلقاه السلف وحمل به الموروث هو الذي قعد بالمسلمين – وبينهم العرب – عن التفوق الحضاري.

لم تتوان القيادة الأولى عن حمل الناس على أن يزهدوا شيئا فشيئا في المقوم العقدي كمحرك دافع للمدنيّة، وليس من العقوق أن نصدح اليوم بأن الإصرار الذي تشبثت به القيادة في هذا الموضوع قد أربك حماس الجيل المنخرط كليا في المشروع السياسي، ومن أبناء ذاك الجيل من لم يفهم إلى حد الآن كيف اتخذت السياسة الوطنية من الدين محطة ثأر تاريخي مكين رغم كل الحيثيات التي لابست القضية أيام معركة التحرير.

قبالة ذاك المشهد اندفعت قيادة دولة التغيير تعيد التوازن منذ النص المؤسس. وكان الخيار واحدا لا يتلون ولا يتعدد، وهو نفس الخيار الأول الذي أسلفناه، فمثلما اتضحت المعادلة الأولى : "نعم للانتماء العربي، لا للإيديولوجيا القومية" اتضحت كذلك المعادلة الثانية : "نعم لحقوق كل الناس في دينهم وفي معتقدهم، لا لأي توظيف إيديولوجي للمقوم الروحي".

كان الاستقلال في كل البلدان التي تحررت من الاستعمار في أواسط القرن العشرين أمانة بيد الأنظمة التي قامت فيها وتولت رعايتها وصونها، أما وقد حالت أحوال واستحالت شؤون فإن معادلة الاستقلال ما انفكت تتعقد، وبتعقدها ما انفكت تزداد ثقلا وعسرا. لم يعد يكفي النظامَ السياسي أن يحافظ على علاقات سلمية مع الأجوار، ولم يعد يكفيه أن يكون له سند دولي قوي، ولا أن يستظل بظل قوة خارجية تحميه، ولم يعد كافيا أن يوفر توازنه الاقتصادي والمالي، الواقع الجديد أصبح يفرض أن يتوفر كل ذلك وأن يتوفر معه انسجام تام بين الدولة وجماهيرها على أساس منظومة من المرجعيات السياسية المطلقة : حقوق الإنسان واستحقاقات الديمقراطية.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org