ذاكرة
مخيلة
التلقي لدى التونسيين بين الخطاب السياسي في دولة الاستقلال ودولة التغيير
مرجعية الماضي ومرجعية المستقبل
د.كمال عمران
أستاذ الحضارة العربية جامعة تونس منوبة
1- الصياغة الصناعية : إشكالية الخطاب / التأثير في الذاكرة
أ-اخترنا في العنوان عبارة الصياغة لما فيها من وعي بالتماسك بين المعنى والمبنى، بين المحتوى والطريقة لأن في الصياغة أبعادا فكرية وأخرى جمالية ويبدو من خلال الدراسات أنّ الم تل قى المعاصر لم يبق مستعدا لتقبّل الرسالة أيا كان م رجعيتها أو نوعها إن كانت مشحونة بالمعاني دون الانتباه إلى طريقة التعبير وخاصة إلى طريقة التقديم وحسن النظم لا في اتجاه التعقيد أو التأنق والتكلف بل في اتجاه الإقناع وبناء المعاني على القواعد المؤثرة وهي نوعان : النوع الأول عقلي يستند إلى علم الحجاج والثاني مرتبط بالوجدان وهو أعماق الإدراك وباطن النفس وله علاقة متينة بالرؤية التي نريد أن ننظر فيها من خلال تأثير المرجعية في الخطاب السياسي بين مرحلتين من تاريخ تونس المعاصر وهما فترة الاستقلال مع دولة الاستقلال ونوعية الخطاب عند الزعيم الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية والخطاب عند الرئيس زين العابدين بن علي صانع التغيير والرئيس الباعث لجمهورية الغد
يقوم النوع الأول على منطق في الكلام يؤدّي إلى التأثير في المتقبل تأثيرا عقليا و يسند الثاني إلى منطق آخر في التعبير يفضي إلى التأثير المباشر لأنه ينطلق من معطيات نفسية اجتماعية قادرة على النفاذ إلى العمق دونما وسائط وللمرجعية فيه الأهمية التي نسعى للإبانة عنها .
والمنطلق أنّ الصياغة معنى وعلامة ورمز .يرجع المعنى المعجمي إلى التهيئة على المثال المستقيم وإلى الخلق والإبداع وإلى العمل والمعالجة . وهو العنصر الأول في العلاقة بين المرجعية والتأثير في الذاكرة والفعل في المخيلة . و تحيل العلامة إلى ضرورة التفطن إلى الجودة في الخطاب مضمونا وشكلا ، وهو العنصر الثاني المعتبر في العلاقة . و يربط الرمز الصياغة الحاملة العلاقة بين المرجعية والذاكرة ( مع المخيلة) بمفهومين يؤصلانها في الواقع المعاصر وهما صناعة المحتوى والتناغم مع الظرف التاريخي (الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي أولا والعولمة ثانيا) لأنّ لهذه العناصر كلّها علاقة بالخطاب السياسي المعاصر من قريب أو من بعيد.
والقصد من هذه الإشكالية الإلحاح على أن الواقع السياسي قد تغيّر على المستوى العالمي وأن أكثر المجتمعات اقتربا من القيم الكونية هي المتمكّنة من استحضار خصوصيات لها تجعلها مشاركة في تلك القيم مثرية لها قادرة على رفع التحديات وتجاوز العراقيل ، فما الخصائص الملائمة للخطاب السياسي في هذه المنعطفات القادرة على أن ترقى بالمجتمع إلى مستوى الفاعلية سواء عند الأفراد - مهما كانت درجة الوعي عندهم – أو عند المجموعات لأنّ الغاية هي الإعداد للفاعلين الاجتماعيين على وجه الخصوص .
ولم ت عد ا لإشكالية قانعة ب أن ت تعامل مع الواقع الجديد بالمواقف والرؤى والأساليب القديمة وأضحى ل لخطاب بما هو رسالة وتصوّر وطريقة مادة بحث ودراسة تميّز بين الرؤى والمشاريع وتبين عن نوع العلاقة بين صاحب الخطاب - صاحب الحكم السياسي - والمتلقين - الشعب بكل شرائحه – حتى يتسنّى الوقوف عند طبيعة ال تعامل السياسي مع مستجدّات العصر تعاملا مفضيا إلى توجيه الذاكرة/المخيلة نحو الأفضل؟
تميّزت فترة الاستقلال بخصائص منها
- داخليا : - النشوة بالاستقلال والحماسة في بناء الدولة الجديدة
- السعي إلى تحديث المجتمع في كل قطاعاته
- الحالة النفسية المتحفزة لتحقيق الطموح الشعبي
- طروء أزمات متنوعة منها حرب بنزرت ، ومؤامرة وسياسة التعاضد وأحداث 1978. ..
- خارجيا : - السياسة العالمية المتميزة بعدم الانحياز
- التوتر مع عدد من البلدان العربية بعد رحلة الزعيم بورقيبة إلى الشرق وخطاب أريحا على وجه الخصوص .
- احتلال منصب بمجلس الأمن .
- انتقال الجامعة العربية وقتيا إلى تونس بعد معاهدة كامب دافيد
ما هي مميزات خطاب الرئيس بورقيبة في الفترة الممتدة من سنة 1956 إلى 1987؟ .
2- الذاكرة تستدعي الماضي: نماذج من خطب الرئيس الحبيب بورقيبة
أ- الشكل الجامع: ذاكرة الشعب من ذكرى نضال الزعيم.

يلخص هذا الشكل الفكرة المحورية التي نريد ان نقف عندها وقفة بحث لاتحجد الفضل للزعيم بورقيبة بل تسعى إلى دراسة جانب من الخطاب الذي كان يصدر عنه وفيه إشارة الى نوع من العلاقة بين الباث /الزعيم/ والمتلقي / الشعب وكأن الرسالة الواصلة بينهما لامساغ لها إلا بمرجعية ثابتة تجعل السيرة الذاتية مطية لنحت الأفكار وصياغة المواقف والرؤى من خلالها. وكان يمكن أن نقلب النظر في كل المضامين الواردة في خطب الزعيم. إلا أننا قنعنا بنماذج محددة وكونها في صبغة الجمع تدل على أن الأنموذج الواحد ممتنع في هذه الخطب نظرا إلى طبيعة الخطاب البورقيبي وإلى أن المشروع عنده يصاغ عبر الحلقات المتلاحقة وهو ما لا يرصد في الخطاب عند الرئيس بن علي ل أنّ المنطلقات عنده قائمة على اكتمال المشروع وهو الموسوم بالمشروع الحضاري وفي التسمية ما يدل على الصيرورة والتفاعل المتواصل مع الظروف ولنا رأي في هذا الشأن ند ّّّخ ره بعد تحليل الأنموذج المقترح.
اخترنا المحاور في خطاب بورقيبة السياسي على قاعدة التلازم بين قطبين.
القطب الأول يتنزل في فكرة النضال وفيه الوحدات التالية: الكفاح الوطني - والنضال بمناسبة ذكرى مؤتمر صفاقس -ا لتعرض للتاريخ الوطني - والاستقلال.
والقطب الثاني يحيل إلى فكرة التنمية وشروطها وفيه الوحدات التالية: الديمقراطية- والتعليم- والمرأة - وتسلسل السلطة.
فكيف واجه الخطاب من خلال هذه الوحدات الذاكرة/ المخيلة للشعب التونسي في الفترات المتراوحة بين 1956 سنة الاستقلال وسنة 1 975 .
ب- تحليل القطب الأول: فكرة النضال
الكفاح الوطني. (سوسة في 27جويلية1956)
يتمحور الخطاب حول الطلبة التونسيين بوصفهم محط الآمال لمستقبل تونس. وليس الظرف بعيدا عن يوم 20مارس1956 تاريخ الاستقلال و ل لظرف الزماني أهمية في تحديد خصائص الخطاب مبنى ومعنى. فالمضمون لافت لأنه محفوف بالنظر إ لى المستقبل الوسيط والبعيد. فكيف بني بورقيبة عناصر الخطاب؟
ربط تجربة الطالب التونسي بالخارج بتجربته الذاتية "بل إني حين أتحدث عنه فإنما أتحدث عن تجربة عشتها كطالب..."
الفرق بين شباب يطلب العلم وهو ينطلق من معدن صاف وشاب آخر ضعيف الشخصية تغريه الشهوات وتمتلك ناصيته.
استدعاء الذاكرة من خلال حوار بين بورقيبة وأحد الطلبة المرافقين له في الرحلة الأولى لهم إلى فرنسا يقول "أنظر يا سي الحبيب هل بإمكاننا أن نصل في يوم من الأيام إلى مثل هذا؟ فإياك والتشبت بالأوهام الفارغة من نوع التطلع إلى ا لا ستقلال الذي هو خيال في خيال."
والدرس الذي أسرع إليه الخط ا ب هو التذكير بما كانت فرنسا تسعى إلى غرسه في نفوس الشباب من اليأس والإحباط والشعور بالنقص. فكيف عالج الإشكالية؟
ورد في الخطاب "وإني أتذكر أيام كنا في مطلع الحركة ولايسمح لنا بالسفر الى فرنسا فكنت اكتفي باللاتصال في تونس بالطلبة الذين يعودون من فرنسا بعد انتهاء دراستهم وافرح كلما رايتهم يتقدون حماسا متمسكين بعقيدتهم الوطنية ولم يخرجوا عن طينتهم القومية. لكني كنت أقول لهم:"إن هذه العواطف النبيلة لاتكفي وحدها، بل لابد من الاتصال بالشعب لتعرفوا بلادكم على حقيقتها." فكنت استصحبهم في الجولات التي أقوم بها في أطراف البلاد ليطلعوا عن كثب على نقط الضعف التي تسيطر على وضعنا وليلمسوا على الاخص التفاوت الموجود بين الطبقة المثقفة والطبقة الجاهلة وبين الموسرين والمعسرين حتى اذا الموا بالوضع امكن لهم ان يسهموا في معالجته عن روية وكنت اقول هلم:"التاريخ لايعذر من يعلل قعوده وجموده بعدم استعداد شعبه للنهوض وسذاجته وقلة وعيه، ولايعذر كذلك من يدعي ان السعي الى تحرير الشعب من السيطرة الاجنبية رهن توفر القوة المادية من سلاح وغيره، بل ان على الرجل الحازم ان يسعى الى ايجاد الأسباب التي توصله الى غايته ولايبالي بالعصوبات والعراقيل التي قد تقف في وجهه وبقدر نجاحه في تذليلها تظهر قيم الرجال وتبرز مواهبهم وعبقرياتهم في حلبة النضال."...
ألا تنطق هذه الفقرة عن أبرز خاصية في الخطاب البورقيبي عن رد كل حدث أو ظاهرة أو موقف إلى النضال الشخصي وإلى محك التجربة الذاتية ولئن لم يذكر التواريخ في الخطاب فإن المرجع أن الفترة لاتخرج عن أواخر العشرينات من القرن 20.
ب.النضال بمناسبة الذكرى العشرين لمؤتمر صفاقس (1955-1975) (صفاقس 15نوفمبر1975)
تعرض بورقيبة في خطابه لأحداث مؤتمر صفاقس 1955 وعرج على نضاله الشخصي ضمن رسالة أراد أن يبلغها للشباب التونسي حتى يدركوا قيمة النضال الذي خاضه الزعماء ويرتفعوا إلى مستوى المسؤولية المنوطه بهم وقد أضحت السبل ممكنة متيسرة للتن ع م بأسباب التمكن والعزة. ورتب بورقيبة الأفكار على النحو التالي:
- التذكير بمؤتمر صفاقس 1955
- السجن الذي عرفه بورقيبة"بسان نيكولا"
- التورط الظاهري مع الألمان واختيار صف الحلفاء في الحقيقة. يقول في هذا الصدد "هكذا إذن أصبحت في نظر الناس مورطا مع المحور رغم اني كنت موقنا بانتصار الحلفاء منذ فشل هتلر في كسب المعركة الجوية ضد بريطانيا سنة 1940، وكنت آنذاك رهين السجون الفرنسية، وكنت أرى ان اجلترا لن يهدأ لها بال- ولو دامت الحرب مائة عام- حتى تفوز بالنصر النهائي وقد قوى ايماني بانتصار الحلفاء يوم دخلت المانيا في حرب مع الاتحاد السوفيات وصرحت بذلك سنة 1941 الى جمع من الطلبة جاؤوا لزيارتي في السجن...
واني آمل ان تتكرر فرص الاحتفال باعيادنا القومية ليتذكر الشباب ما قاسى آباؤهم واجدادهم في سبيل ما ينعمون به الآن من ازدهار ورفاهية عيش حيث تتوفر لديهم اينما كانوا بمختلف الجهات حظوظ متساوية في التعلم وحفظ الصحة والمسكن اللائق ووسائل الترفيه وذلك بفضل سياسة تعميم اللامركزية بين العاصمة ومراكز الولايات او حتى بين مركز كل ولاية وباقي المعتمديات التي تضمها...
... ورجائي ان نحتفل دائما بهذه الذكريات التي تعرف الابناء تضحيات الآباء والاجداد وتشجعهم على مواصلة الكفاح السلمي من أجل الخروج من التخلف والالتحاق بركب الدول المتحضرة. ولا يتحقق ذلك إلا بالاستقرار والسلم الاجتماعية اللذين يتوقف عليهما ازدهار البلد وارتقاؤه الى المستوى المرموق بين المجموعة البشرية...
نقف في هذا ال خ طاب عند فكرة هي كالنواة عند بورقيبة وهي أن الذكريات هي "لتي تعرف الأبناء تضحيات الآباء والأجداد وتشجعهم على مواصلة الكفاح السلمي" ومناط هذه الفكرة على أن الأصل الموجه للنضال، أي نضال، سلمي ا كان أو غير سلمي، إنما هو ا لنضال الأنموذج الذي خاضه الزعيم من سنة 1934 إلى سنة 1956 وهي مرجعية النضال زمن الاستعمار وهي المرآة العاكسة للوطنية الصادقة في هذا الخطاب.
ج. التاريخ الوطني
يتماهى النضال الذاتي لبورقيبة مع تاريخ الحركة الوطنية ومع التاريخ الوطني بصفة عامة. ويتسنى أن نقف عند وحدات من هذا التماهي:
ج-1. السجن: سرد وقائع بالمنستير تتمثّل في حضور السلطات الاستعمارية لاعتقال بورقيبة بحضور القايد الهاشمي بن خليفة. ويتخلل سرد الأحداث رأي يجعل النضال والتعرض للضيم من السلطة الفرنسية منسوج على حكمة وهي علامة على إعمال العقل وعلى الحنكة وهي الأمارة على التصرف السياسي الوجيه. أليس الرجوع الى التاريخ الوطني –ومنه قضية السجن- مطية لقراءة الخطيب للأحداث الماضية قراءة موجهة للحاضر وللآتي وهذا يعني أن توجيه الذاكرة لدى المتلقي والتأثير في مخ ي لته استراتيجية مقصودة ومنهجية متبعة. وقد دعا بورقيبة في خطاب قرطاج يوم 9سبتمبر1970 في اجتماع بولاة الجمهورية إلى إطلاع التلاميذ على أنواع من "هذه السجون" مثل زنزانة السجن العسكري أو سجن تبرسق أو السجن المدني بتونس" وهو يدعم فكرة الذاكرة التي تتغذى بنضال الزعيم. ألم يصبح السجن قيمة رمزية لامناص من اعتبارها في مرجعية الذاكرة الملتمسة المعنى من نضال الزعيم انطلاقا من سنة 1934 بصفة خاصة. يقول" ...وقد سجنت وعمري 31سنة، أي في قوة الشباب، وفي الوقت الذي كان الناس فيه يمرحون ويستمتعون بمباهج الحياة في المرسى وحلق الوادي كنت سجينا في قبلي مرتديا جبة على اللحم نظرا لشدة الحرارة وكان الناس هناك يساورهم الخوف والهلع واليأس وهناك امور لايعرفها حتى أعضاء اللجنة العليا للحزب، وينبغي التفكير في اصدار طبعة جديدة لما نشر حتى اليوم، والعمل على توزيعها مجانا على التلامذة، وربما ياتي بعد ذلك من يتعمق فيها ويدون هذه الملحمة الكفاحية التي امتدت اربعين سنة، وكانت خاتمتها تحرير تونس من سيطرة الاستعمار...
ج-2. تاريخ النضال الوطني استحضار للقيم: يحوم حول التلازم بين النضال الوطني والقيم الذاتية للزعيم بعد جديد يضيف الى قراءة أحداث النضال قراءة من نوع آخر تتصل بالنفسية وبانتباه الخطيب إلى شمائل ف طر عليها تبوئه مكانة الزعامة الأثيرة. يقول "... ولو لا ذلك لبقيت ذلك التلميذ البسيط النازح الى تونس احدى قرى الساحل ولم أبلغ هذه الدرجة من الاحترام والتقدير الا بفضل ما قمت به من أعمال جليلة وما قدمنه من تضحيات جسيمة وما اودعه في المولى سبحانه وتعالى من قلب طيب ومن رحمة وتسامح وتواضع الى درجة اني كنت أشد الى المواطنين الرحال واتصل بهم في قراهم مهما كانت نائية واقارعهم بالحجة والبرهان رغم معارضة بعضهم في عديد المناسبات وكنت أشفع الأقوال بالأعمال فكنت أسبقهم للسجون والمحتشدات حيث قاسمتهم المأكل والمشرب ولم أكذب عليهم فقط بل كنت أقرب منهم الى الموت والى الحكم بالاعدام...
ج-3. التوافق بين تاريخ البلاد وتاريخ النضال لدى الزعيم. ومن أهم المعاني في هذا الاتجاه ما تعرض له في خطاب تونس في 30جانفي1976 محوره ضمان النجاح للبرامج التنموية، فقد أراد أن يؤكد فضلا ج ديرا بالانتباه يرجع إلى دولة الاستقلال بقياد ت ه وهو وقاية البلاد من المجاعات وكانت تهجم كل عشر سنوات ي قو ل في سياق التوافق الذي ذكرناه "وتعود بي الذاكرة الى سنة 1936 في أعقاب إبعادي إلى برج البوف، ففي تلك السنة اجتاحت البلاد التونسية مجاعة حادة وشاهدت بأم عيني جموع الأطفال العارين يقتاتون الأرز"...
فهل لذاكرة الزعيم دور في تعيين المنعطفات التاريخية للبلاد التونسية وهل ذاكرة الزعيم توجه ذاكرة الشعب بأن تحدد له الأنساق والأهداف.
د. الإستقلال:
جعل خطاب بورقيبة للاستقلال حقلين متكاملين القطب الأول هو النخوة والثاني هو المسؤولية. وليس المجال للتوسع في هذين القطبين وإنما المجال لرصد الاتجاه الذي اختاره الخطاب ومؤداه أن تونس حرمت الثنائية المذكورة خلال تاريخ طويل أولا وأن الزعيم هو القدوة والجالب للاستقلال ثانيا . وليس من شك في فضل الزعيم على تونس ومساهمته في الاستقلال لا لبس فيها وليس ما يشدنا البعد التاريخي بل توجيه ذاكرة/ م خ يلة التونسييين إلى مرجعية النضال الشخصي انطلاقا من تأسيس الحزب الجديد سنة 1934. يقول " ولهذا اقترح وهي فكرة طالما خامرتني ان تلقى المحاضرات وتنظم الدروس بالمدارس والكليات بجميع ولايات الجمهورية قصد التعريف بتاريخ تونس وتلقينه للناشئة ولابأس من أن يستعين الاساتذة المبرزون الذين سوف يقومون بهذه المهمة بالمجاهدين الذين مازالوا على قيد الحياة ولو لم تكن لديهم شهادات علمية لكنهم ساهموا مساهمة فعالة في تحرير تونس وفي امكانهم أن يرووا ما شاهدوه طوال الكفاح التحريري وما تحملوه من أصناف التنكيل والتعذيب والسجن والتغريب وهكذا يمكنهم ان يفيدوا الشباب التونسي.
ج- تحليل القطب الثاني: فكرة التنمية.
الديمقراطية: (المنستير 11أكتوبر1971)
إلتمس خطاب الزعيم بورقيبة السبيل إلى الكلام على الديمقراطية عبر المدرج التاريخي وهو يرى أن لهذا التاريخ التونسي خصائص منها.
- لم تحظ تونس بكيان لها رفيع وبطريق كريمة البتة.
- أو ل مرة في التاريخ يكتب لهذه البلاد أن تستقل "بجهود أبنائها وأن تستقر بها دولة قوية"...
- دعوة الشباب إلى الاتعاظ بالتاريخ والقدرة على الابتكار.
فالديمقراطية في هذا السياق طريق وعرة وكأنها من مشمولات الأتي.
التعليم (بنزرت 15أكتوبر1968)
يعد التعليم من مآثر دولة الاستقلال دون منازع وليس الغرض أن نجوس خلال المنظومة التربيوية وما كان لها من فضل على التونسيين بل الغاية أن نبصر جانبا من العلاقة بين التعليم وتأثير الخطاب في ذاكرة/ مخيلة التونسيين. جاء التعرض للتعليم ضمن مراجعة التاريخ وفي دائرة السياسة الفرنسية ٌََُ{ وخاصة منها مواقف الهيمنة} الرافضة لتعليم أبناء تونس وفي الخطاب محاور منها.
- الإحالة الى التجربة الذاتية يوم كان بورقيبة تلميذا بالفرع الصادقي بين سنتي 1907 و1909.
- سياسة المقيم العام ستيفين بيشون في الصادقية خلافا لسياسة دو كارنيار الداعية إلى التجهيل.
- الدعوة إلى تقدير النعمة التي يحظى بها الشباب في ظل السيادة التونسية ويلخص هذه المعاني ما قاله في الفقرة التالية فقد كان اخوف شيء يقض مضاجع الاستعمار، هو انتشار التعليم بين التونسيين، وعندما اقول الاستعمار، فإني اعتبر الحكومة الفرنسية خيرا منه، لأن لها ماضيا ترقبه في تصرفاتها، ولها نظرة للأمور افسح من نظرة المستعمرين. وهناك كتاب اطلعت عليه اخيرا ألفه مؤرخ كبير، هو صديقنا الأستاذ شارل اندري جوليان، الذي أعرفه شخصيا منذ 1936، وهو اشتراكي النزعة، وقد أعاننا كثيرا في قضيتنا. وقد سمى كتابه هذا "المعمرون الفرنسيون والشبان التونسيون من سنة 1882 الى 1912" أي الى الفترة التي قضى فيها على حركة علي باش حانبة، ونفي بعد حوادث الزلاج سنة 1911، ثم حوادث مقاطعة التونسيون لركوب عربات الترام، لا اضراب عملة الترام كما رايت بعضهم يكتبون ذلك على وجه الخطأ، وأنا أعرف شيئا من هذه الأحداث، لأني حضرت على بعضها وانا صغير...
ج- المرأة (المنستير 13أوت1960)
عقد هذا الخطاب صلة بين بعث العمل النضالي في الحزب سنة 1930- 1931 من جهة وبعث العمل النضالي مع الاتحاد القومي النسائي التونسي وفي الخطاب محاور منها.
- حال المرأة غلب عليه الوضع القريب من حال الحيوان يقول "ان سيدات الاتحاد سيجدن مئات الآلاف من أخواتهن التونسيات يعشن في حالة لا تختلف عن حال الحيوان".
- رد التوصيف لحال المرأة إلى التشخيص الذاتي يقول "ذلك ما شاهدته بنفسي جريا على عادتي في الإكثار من التجوال داخل البلاد والتنقيب عن أحوال المواطنين".
- التناظر بين الشعب الدستورية وفروع الاتحاد داخل تراب الجمهورية. الغاية من التعرض للمرأة في هذا السياق توعوي يدعو إلى أن تشعر المرأة بالمساهمة في عمل جماعي يؤدي الى نهوض الأمة وإخراجها من نطاق الانحطاط والتخلف."
- ربط النتــــــــائج التي أدركتها المرأة في الستينات بظهور مجلة الأحوال الشخصية في خطاب ألقي بقرطاج في 30ديسمبر1975.
د. السلطة وتسلسل الحكم (قرطاج 15مارس1970)
تمثل هذه النقطة محورا لافتا لما لها من صلة بالحال الصحية للزعيم الحبيب بورقيبة بعد الأزمة التي تعرض لها في تلك الفترة وقد وقفنا عند ملاحظات تزكي ما ذهبنا إليه من صلة عضوية بين الخطاب مبنى ومعنى من ناحية والفعل في ذاكرة/ مخيلة المتلقين من ناحية أخرى. وآثرنا أن نستخرج عددا من الجمل من الخطاب:
- "وإني أشعر بخوف من العبث بالمكاسب التي ضحيت من أجلها بحياتي كلها."
- لايدرك الشباب الصغير..."كيف كانت حالة تونس في الماضي القريب وهذا ما دفعني إلى حث الطلبة على القراءة والإطلاع على ما كتبه الفرنسيون في شأني"
- يتدعم حب الشباب لتونس بالإطلاع على نضال الزعيم فيتدعم حبهم لبلادهم ويزداد إدراكهم لقيمتها وقيمة الذين ضحوا من أجلها من شابا عام 1930 بينما نحن الآن في عام 1970.
لن نقوى على تحليل كل خصائص الخطاب فآثرنا أن نكتفي بأنموذج ننطلق منه ومنه نسعى إلى استخراج ما يمكن استخراجه وخلاصته أن الخطاب السياسي عند الرئيس بورقيبة ينحت لذاكرة/ مخيلة التونسيين مرجعية تتحدد بالماضي النضالي الذي خاضه من صباه إلى بعث الحزب الجديد إلى بناء دولة الاستقلال .
وتميّزت فترة دولة التغيير بدءا من تاريخ 7-11-1987 بخصائص منها :
داخليا: - الوهن الذي مسّ أركان الدولة والحزب
الحال النفسية القريبة من اليأس وقد عمّت كل أفراد المجتمع أوجلهم
احتدام الصراع بين الاتجاه الإسلامي الحركي وكيان الدولة
الفوارق المتعاظمة بين الجهات والخلل في توزيع الثروات
خارجيا : - ظهور العلامات الواضحة للقطب الواحد
انتشار منظومة اقتصاد السوق
الصراعات في البوسنة والهرسك وكوسوفو والإعداد لحرب الخليج .
هل يمكن أن نحلل خطاب الرئيس بن علي بغضّ النّظر عن المعطيات المعاصرة داخل الكون المشبّك المتسارع في التحولات ؟ ف قد برزت منذ سنة 1990 مفاهيم جديدة ك ا ن لها الأثر في التحولات السريعة ومنها: العولمة والملتميديا والواب والتجارة الالكترونية وإ مكانية الاتصال الدّائم بين كلّ البلدان والأطراف عبر الكرة الأرضية ، بيد أنّ من العن ا صر ال محورية للتحولات والتغيرات فئة جديدة من رجال الأعمال الجدد وأصحاب المؤسسات الافتراضية و هم الناشئة الجديدة ذات التأثير في الواقع الاقتصادي والسياسي وقد أصبحت آليات التكنولوجيا الجديدة و منظومة الاتصال لدي هم كال محيط ال طبيعي و لعلهم الأجيال الجديدة للنهضة القادمة. وقد أث ّ رت هذه العناصر في كل مظاهر الحياة المعاصرة وخاصة منها ال حقل السياسي .
لهذه التكنولوجيا المتطوّرة في صلتها بالسياسة (الفكرة) وبالخطاب وبالمرجعية المؤسسة له مآثر منها .
- هي ك القلب النابض في ال مجتمع وهي فرصة للمجتمع الصاعد على وجه الخصوص لأ ن ّ ها غي ّ رت أنماط الاتصال بين المواطنين من جهة وبينهم وبين مجتمعهم من جهة أخرى، وهو ما يم سّ السياسة رؤية وأهدافا.
- مسّ ت الت حولات المدرسة ووسط العمل وأساليب الترفيه وهي من العناصر ال جوهرية في القضايا السياسية العالمية.
- مسّ ت التحولات الثقافة عبر توفير النشاط الخلاق المتعدّد ومعلوم أن الثقافة أضحت المحور ا لأ ساسي في مسائل العولمة بين الخصوصية والكونية.
- مس ّ ت الاقتصاد باستدعاء صناعة المحتوى وبتسارع الأنماط ا لتكنولوجية ولكل ذلك علاقة بالسياسة.
السؤال المطروح هو كيف مسّ هذا الكون التكنولوجي الجديد عالم السياسة بصفة خاصة والخطاب السياسي والمرجعية التي يثوب إليها بصفة أ خصّ .
ترجع وجاهة السؤال إلى الوشائج بين الحقول المذكورة وهي السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة من جهة والتكنولوجيا المتطورة من جهة ثانية والكلام على صناعة الفكرة وصياغة العرض والبحث عن المرجعية ومدى تأثيرها في ذاكرة المتلقين كلام لا يمكن الإغضاء فيه عن الحوامل الجديدة المهي ّ ئة لنوعية من المعاني تصاغ بطريقة سريعة وهي ا لأ نجع في الوقت الحالي.
إن الملتميديا هي الدينامية المعاصرة المعلنة عن الاقتصاد الجديد ومن هن ا الصلة بالسياسة رؤية ومنظومة وإجراء في ضوء الصلة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية .فالملتميديا تخلق ذهنية جديدة وتنحو نحو مقاصد في السياسة ليس لها حدود وما يهمنا هنا هو العقلية المنبجسة عن المنظومة وليس المحتوى ذاته . هي العقلية الناهضة على الاستئناس بالحداثة القادرة على الفعل في الواقع بالآليات المعاصرة المتطورة ومهما كان النسق متسارعا في التكنلوجيا ف إ ن الخطاب السياسي مدعو إلى ترويضها من حيث طريقة ا لإ بلاغ والتلفظ ومن حيث التأثير في المتلقي والتأثير أنواع نصطفي منها ما يتصل بالذاكرة كيف تتشكل وتوّجه وتقتنع فتتهيأ للإنجاز في الطريق السويّة . وكما يطرح السؤال على الفاعلين التكنولوجيين من قطاع ا لإ علامية بهذا الشكل: كيف يمكن توفير المجال لمضمون ناجع ي نتقى بمهارة ؟ السؤال نفسه وبالشكل نفسه يطرح على الخطاب السياسي المعاصر.
الخلاصة : وفّرت التكنولوجيات الجديدة في ا لإ علام والاتصال شبكات سريعة الأثر والفعل وهي تتيح للإنسان المعاصر أن يحصل على المعلومة وأن يبقى في حالة اتصال دائمة. و توفر أجهزة ا ل اتصال كالإذاعة والتلفز يون و ا لإنترنت المواد ا لإ خبارية والمعلومات بنسق له القدرة على تحديد ا ل ف ضاء الزماني والمكاني تحديدا جديدا . ولا يتسنى الخوض في الفكرة ضمن الخطاب السياسي المعاصر ب غ ض ّ الن ّ ظر عن هذه المعطيات التي توفرها التكنولوجيات الجديدة لأنها استوعبت العناصر التقليدية الموروثة وكذلك العناصر الطارئة ولعل أ برزها التسويق للفكرة. وهي القادرة على أن تحول المرجعية الكامنة في الخطاب السياسي إلى التأثير في ذاكرة/مخيّلة المتلقين
ولا يرجى من التسويق الفوز بالسوق والارتقاء بالبضاعة إ ل ى مستوى الرواج إ لا بالطرق المستحدثة. وللتكنولوجيا المتطورة تأثير في الكون السياسي كما أ شرنا إ ليه ولا يرجى اكتساب ا لأ نصار و إ قناع أ هل التصور السياسي المشترك دون خطاب قادر على التسويق للمضمون السياسي وهو ما يحيل إ ل ى صياغة الفكرة على نحو يلتمس من علم التسويق بعض مرتكزاته.
- يحيل الكلام على نظرية التسويق إ ل ى حقول ثلاثة :
- التسويق المتصل بالدراسات Marketing d'étude
- التسويق المتصل بالاستراتيجية Marketing stratégique
- التسويق المتصل بالجانب ا لإ جرائي Marketing opérationnel
لقد اتسعت دائرة التسويق في مستوى المضامين والوظائف وميادين التطبيق واكتسح ت بفضل هذه الميزات كل الميادين ومنها الخدمات العامة والصناعات والقطاعات غير المادية فضلا عن المنافسة بين ا لأ حزاب السياسية و في العمل السياسي بصفة عامة. و أ صبح ل لتسويق تعريف جديد يمكن تلخيصه في كونه مجموع الوسائل والطرق لدى تنظيم ما ل مؤسسة ما للنهوض بالمقومات ولتحقيق ا لأ هداف في ضوء السلوكات الملائمة للوصول إ لى الغايات المرسوم ة.
جعلنا هذه المقدمة مطولة نظرا إلى أهميتها في رصد خصائص الخطاب السياسي عند الرئيس بن علي .
ونروم بها أن نحيل إلى ملاحظات جوهرية منها :
أ- لم يعد التأثير في الذاكرة / المخيّلة يسيرا في ضوء الكون الرقمي الذي رسمنا بعضا من خصائصه وهذا يعني أنّ الظرف الذي تبلور فيه الخطاب السياسي للرئيس بن على يستوجب قوة في الفكرة كبيرة حتى ينفذ إلى أعماق الذاكرة / المخيلة .
ب- هل يتسنى تسويق الفكر السياسي وعلامة ذلك الانتشار على الصعيد العالمي وتحقيق الإجماع في الهيئة الأممية دون التأثير في المتلقي والتفاعل مع ذاكرته واستجابة مخيّلته استجابة تعلن المنطق العقلي وتعلي منه ؟
اخترنا ظاهرة التضامن في خطاب بن علي السياسي لنحاول أن نتعامل مع الملاحظتين تعاملا ملموسا .
2 – الذاكرة تستدعي المستقبل : نموذج من خطب الرئيس زين العابدين بن علي .
المدخل
مثلت قيمة "التعاون" مجالا للتفكير والتأمل عند أهل الذكر في الحضارات الإنسانية المتعاقبة. كما وفرت المعاني الحافة بها كالسياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة مسالك أفادت الباحثين في المقارنة وفصل القول في العلاقة العضوية بين الفكرة في حد ذاتها والمحيط الذي تتفاعل معه وله فيها أثر كما لها فيه تأثير.
وفي الثقافة العربية الإسلامية أمثلة كثيرة يمكن أن توفر المادة الخام للنظر والتفكيك ولنا أن نكتفي بمثال واحد من الثقافة القديمة هو ما نجده في رسائل إخوان الصفاء. فقد عالجوا قيمة التعاون انطلاقا من مرجعيات مختلفة فيها ما يعود إلى الفلسفة وفيها ما يرجع إلى الرياضيات وفيها ما يتصل بمعنى السياسة عندهم وهو معنى مفتوح لم يقتصر على مفهوم السلطة وإنما تجاوز الحد الاصطلاحي إلى الشمول في العبارة فجعل كل سلوك اجتماعي مهما عظم أو قل سياسة. و يتسنى أن ننزل هذا التخريج عند إخوان الصفاء بالوقوف عند رأي لطه حسين في مقدمة طبعة القاهرة للرسائل ومؤداه أن إخوان الصفاء أرادوا قلب نظام الحكم (السني) بقلب نظام العقل (الشيعي الإسماعيلي) فلم تخل المنظومة الفكرية لديهم من المنطلقات السياسية ومن الأهداف الإيديولوجية. وهذا يؤكد الصلة العضوية بين "المعنى" و"المحيط" الذي يحف به بل الذي ينبته ويرعاه ويوجهه.وفيه تتجلى المرجعية في صياغة الخطاب محددة للتوجه الذي أراده إخوان الصفاء للتعاون
إنّ دراسة الأمثلة والنماذج سبيل إلى تحليل المواقف في ضوء الملابسات الملازمة لها، وهي تكتسي أهمية بالغة في الإبانة عن الخصائص الكامنة في المواقف وعن الطاقة فيها على الفعل وتغيير الأوضاع وتوجيه الذاكرة لدى المتلقين على النحو المرجو من الخطاب. وقد اخترنا أن نحلل مثالا تونسيا بعث للوجود في بداية التسعينات من القرن الماضي وعرف منعطفا جليا في بداية القرن الواحد والعشرين. وقد أخرجنا هذا الأنموذج من فكرة "التعاون" إلى فكرة التضامن. هو المعنى الذي بشر به الرئيس التونسي زين العابدين بن علي فجعله فكرة سرعان ما تحولت إلى مشروع متكامل تجاوز البعد التونسي المحلي ليصبح ذا بعد كوني إنساني. وقد اعتبرنا أن لهذا المشروع من الخصائص والأبعاد ما يوفر مثالا جديرا بالتفكيك والتأليف.وهو في ظلّ سياسة التغيير وبالقياس إلى سياسة التأسيس للاستقلال بيان عن الفرق في صياغة الخطاب وفي الصلة بينه وبين الذاكرة / المخيّلة .
يتشكل معنى التضامن في هذا السياق في ضوء صلة وثيقة بين ثلاث دلالات تاريخية متلازمة :
- الدلالة الأولى منبثقة عن تاريخ الأحداث وقد مثل يوم 7 نوفمبر سنة 1987 منعطفا في تاريخ تونس المعاصر لم يرتض إنقاذ البلاد مما آلت الأوضاع فيه إلى الوهن العام فحسب بل حرص في الآن ذاته على زرع أسباب النهوض ووضع الأسس الضرورية لطلب مقومات التقدم أيضا ولم تحدث في هذا المنعطف فتنة سياسية أو فكرية أو اجتماعية بقدر ما تعاملت مع رواسب التفكك الذي دب في الحياة السياسية في السنوات الأولى الست من ثمانينات القرن العشرين تعاملا أخلاقيا حافظ للتونسيين على سلم قيم ثابتة عززت معاني الانتماء والمواطنة وأقرت مبدأ الاحترام للسابقين وأسست لمبدإ العمل والمبادرة للاحقين. فكانت الأحداث المطية الأولى لميلاد فكرة التضامن.
-الدلالة الثانية منبجسة عن تاريخ الأفكار وقد مثلت فكرة التضامن في الخطاب السياسي لدى الرئيس بن علي ميزة انفرد بها من حيث البعد المفهومي أي من جهة التلازم بين المستوى النظري والمستوى العملي فلم يبق التضامن مجرد فكرة بل انتقل إلى طور آخر هو التجربة .
فحق في هذا البحث أن نتبيّن المراحل التي مرّ بها لنؤرخ للفكرة. على أن منهجية تاريخ الأفكار تستوجب مراعاة الصلة العضوية أو الجدلية بين المعنى والبيئة التي تنتجه فوجب الانتباه إلى تطوّر الفكرة بناء على تطوّر الواقع التاريخي.وفي ضوئه نتبين درجة التأثير في الذاكرة/ المخيلة .
- ترجع الدلالة الثالثة إلى تاريخ الذهنيات لأنّ السؤال المطروح هو إلى أيّ حدّ تضمن العلاقة بين المعنى والواقع الملازم لها قدرة على الانتقال من حدود الفكرة إلى مجال المشروع وهذا يستدعي النظر في خصائص التجربة فضلا عن النتائج الناجمة عنها لا في نطاق الواقع الراهن فحسب بل على نطاق العقليات والذهنيات لدى المنتفعين بها أيضا وهو يعني النّظر في الذاكرة والمخيّلة فيتحولون من مجرد مستهلكين إلى فاعلين ناجعين فينتقل النظر إلى الحقل الاجتماعي بعد أن يكون المنطلق المشروع من حيث مميزاته السياسية والاقتصادية. ونقصد بالحقل الاجتماعي تجاوز المنظومة في حدودها المرسومة إلى الأفراد والمجموعات أي عدم الاقتصار على البنية الاجتماعية و التفرغ لتحليل البعد الإنساني في أعماقه العاطفية والعقلية رصدا لمواطن التطور في الذهنيات. فتاريخ الذهنيات هوالنتيجة والعلامة في آن.
تكمن دراسة النموذج حينئذ في طرح الأسئلة على ما فيه من مرتكزات ودعائم وأبعاد توقا إلى التأليف بين الجانب المونوغرافي والجانب الشمولي ولعل ذلك يؤدي إلى التعامل مع المشروع في اتجاهين. الاتجاه الأول يحلل العناصر المكونة له والمميزة للاختيارات والأهداف الملازمة. والاتجاه الثاني يرصد الحركة المصاحبة ويقف عند مبدإ الصيرورة الذي يجري عليه وقد اخترنا أن نتعامل مع مشروع التضامن في تجربة الرئيس بن علي حسب عنصرين هما :
فكرة التضامن في بعدها العاطفي والوجداني
فكرة التضامن : المشروع العقلي : بعث المؤسسة محليا و كونيا.
3- ظاهرة التضامن في التجربة التونسية : صندوق التضامن الوطني يستدعي صندوق التضامن العالمي.
1- البعد العاطفي والوجداني :
إذا رجعنا إلى كلمة الرئيس زين العابدين بن علي في اختتام مناقشة مجلس النواب لميزانية الدولة سنة 1993 نقف عند جملة اسمية تلخص ما أردنا أن نحلل في هذا البعد الأول. قال محددا ما لا يمكن أن يعرّف به الصندوق الوطني للتضامن إنّه "ليس عملا خيريا". وهو بهذا المعنى يؤسس لمفهوم جديد أقامه على أنقاض معنى قديم. ويتمحض التحليل في هذا السياق لإبراز خصوصية ذات بال اقترنت بالإعلان عن نشأة هذا الصندوق.
نفت الجملة المذكورة إطارا كان يمكن أن تتنزل فيه الدعوة إلى بعث الصندوق وهو البعد العاطفي والوجداني. نريد بالعاطفة الأحاسيس الجياشة المتحولة غير الثابتة وهي التي تقوم على أعمال خير – في هذا المعنى – ناجمة عن بواعث يمليها الواجب الأخلاقي باسم الكرم أو الشعور الديني السطحي وهو ما يجعل اليد العليا أفضل من اليد السفلى ويذكّر بفضل الغني على الفقير وأصحاب الطبقة المحظوظة على المعوزين. فالعاطفة بما هي عمل خير في معنى التضامن يقنع بالسطحي بل إنه يحرص على الإبقاء على التفاوت بين الفئات. فيكون التضامن كالإحسان يزيّن للنفس الحبور بالإقبال على المبرّات. ونريد بالوجدان نوعا آخر من السلوك الناطق عن التضامن وهو عمق الإحساس في بواطن النفس بضرورة الإقدام على أعمال الخير لأن في الأعماق ما يدعو إلى تجنب اللامبالاة إزاء الفاقة المنتشرة عند ضعاف الحال الفقراء حسا ومعنى. وهو تضامن يختلف عن الأول اختلاف الظاهر عن الباطن على أنه ليس للوظيفة التي يؤديها النوعان من الفرق ما يفضي إلى التفاوت المعلن عن النتائج المهمة.
ويبقى مفهوم الخير بحاجة إلى النظر لأنه يحمل في ثناياه دلالات تفسر جوانب من خصوصية المشروع التونسي.
للخير سياقات متنوعة وقد ارتأينا أن نجملها في عنصرين. يلخص العنصرالأول الخير في إطار المنظومة المعرفية والأخلاقية التقليدية. وقوامها على شكل يصوغ العلاقة بين أفراد المجتمع على معنى الهيمنة العمودية. ويحيل إلى فكرة التراتب (1) القائمة على التفاضل في القيمة المعيّنة انطولوجيا السالكة إلى تحديد الوضعيات بناء على قاعدة الثبات والهوية (بالمعنى الفلسفي) فلا تخضع الظواهر إلا لقوة الانتساب إلى المنابت الاجتماعية والأخلاقية ذات الدرجات المتباينة. وعلى هذا النحو يبقى الانتماء إلى طبقة الخاصة أو إلى طبقة العامة انتماء لا يخول التدرج إلا بما يقتضيه الحسب والنسب. فالخيرية هنا تدور حول نواة الأصل الذي لا يتغير عموما.
ويلخص العنصر الثاني رؤية أخرى مغايرة فهمت أن الزمن قد تبدل نسقه وأن السلطة لا يستقيم لها حال إلا إذا اتخذت مسلكا أفقيا يجعلها متينة بالمشاركة والدعوة العملية إلى تجسيمها في النظرية السياسية وفي الممارسة الملازمة لها. هذا "الخير" بعيد عن السياق العاطفي لأنه رافض للنزوة أو الشهوة في السلوك السياسي. ولهذا الخير عناصر تابعة يمكن أن نذكر منها المبادرة وهي عقلية عوضت ذهنية أخرى استندت إلى المطالبة. ومنها التكافل بدل الكفالة. فالكفالة شعار لمجتمع قاصر عاجز عن أن يتحمل مسؤوليته في كل اتجاهاتها وخاصة منها الاجتماعية والاقتصادية فتبقى القوة الاجتماعية مكبوتة تكبلها التبعية ويسجنها التواكل. والناظر في حال المجتمع التونسي في بدايات الثمانينات من القرن العشرين يلاحظ انتشار هذه الظاهرة ويمكّنه من أن يقارن بين هذه الحال وما كانت عليه الوضعية في فترة الاستعمار عندما كان القهر يكبح الجماح ويشل الطاقة على العمل. ولئن كانت المقارنة غير متكافئة فإنّ الفرق كان كبيرا بين الفقر الفعلي المنتشر بسبب الجور والاستغلال والفقر المتسلل إلى القلب جراء الوهن والخلل في التسيير مما كاد يفقد في النفوس الإيمان بتساوي الحظوظ وبإمكانية فتح الآفاق للجميع. فكان الفقر الأول نتيجة للاضطهاد وكان الفقر الثاني ناجما عن ترك الاجتهاد فأضحت العقلية أقرب إلى الهروب نحو طلب الكفالة. وأصبح "الخير" في هذا السياق تشجيعا على وضع غير عادي لعله كان من الأسباب التي غذّت بعض العناصر الكامنة في التطرف الديني المعشش في الأوساط المعوزة فضلا عن الأمراض الاجتماعية الأخرى. فكانت ذهنية الكفالة السبب المؤدي إلى الزيغ في البنية الاجتماعية والاقتصادية فضلا عن الأحوال النفسية الفظيعة. وأما التكافل فهو المعنى المغاير لمفهوم الخير السطحي وله دلالات عميقة تتصل بهيكل المجتمع وبالنظام الموضوعي الذي يحكم بنيته ويرسم له الغايات والأهداف الراجعة إلى حسن التخطيط ودقة التصميم. ومن العناصر التابعة لمفهوم الخير كما حددناه في إطار الوعي بالتحولات إخراجه من دائرة الإحساس إلى دائرة الوظيفة وهذا يعني الانتقال من طور درء المفاسد إلى طور جلب المصالح.
نستعمل مصطلح درء المفاسد لتلخيص الأوضاع التي آلت إليها الحالة في تونس في بدايات الثمانينات وهو ما يعود إلى أسباب ليس هذا المجال للخوض فيها أولا وللإحالة إلى الطريقة السائدة عند التونسيين لتحقيق المعاش بالسبل الصعبة المتوفرة ثانيا فحق الكلام على سلوك اجتماعي بدأت الأمراض تدب فيه كالانتهازية والوصولية والتفاوت المشط بين الفئات الاجتماعية، ولا يمكن أن يتنزل الخير في هذا المشهد إلا في حدود الإحساس الذي يستنهض همم القادرين للاحسان إلى العاجزين. وكان العهد الجديد منذ السابع من نوفمبر 1987 يعالج ما فسد في المجتمع التونسي بشكل نافذ إلى الأعماق مسرع إلى بتر الأسباب المؤدية إلى الخلل.
ونستعمل مصطلح جلب المصالح لرصد المنهجية المتوخاة في بناء الأسس الضرورية للتقدّم بما يحتمه من المقدمات الموضوعيّة للإطلاع العميق الراجع إلى الاستراتيجيّة المتكاملة. وعلى هذا النحو فالخير نوعان. نوع عاطفي ونوع عقلي.
2-البعد العقلي : مؤسسة صندوق التضامن الوطني.
2-أ- الإنجاز
نتعامل مع صندوق التضامن الوطني بوصفه فكرة انتقلت إلى مستوى المشروع. والفكرة وليدة التعامل مع الواقع تعاملا اتسم بميسمين. الأوّل دقة المعاينة والثاني حسن الاستنتاج. تمثلت دقة المعاينة في العملية الوصفية التحليلية التي رافقت الإصلاح السياسي في تونس خلال السنوات الأولى من التغيير وقد تميزت العملية بالتسارع والنجاعة. وليس التسارع سرعة اعتباطية إنّه اختصار المسافة الزمانية باستهداف مواطن الخلل والإقبال على معالجتها. وتمثل حسن الاستنتاج في تحديد ما كان بحاجة في المواقع المرصودة إلى الحلول الملائمة. وعلى هذا النحو اقتضى الحال الكلام على مشروع لا على الفكرة. أضف إلى ذلك ما صاحب الصندوق من الدراسة والتخطيط ومراعاة كل الظروف المحيطة به وهو ما يدل على أنه حظي بمنهجية عقلانية صارمة.
2-أ-1- التسمية :
عرف صندوق التضامن الوطني مراحل سريعة عند نشأته. ولها من الأبعاد ما يدل على أهميّة الفكرة وعلى الإطار الذي نشأت فيه والمقاصد التي جعلت لها غاية مرسومة. وهي تحيل أيضا إلى الآليات التي انتقلت بها من الفكرة إلى المشروع.
نجمت فكرة الصندوق عن رؤية سياسية تميّز بها الرئيس بن علي وهي الزيارة الفجئية التي قربت المسافات بين جهات البلاد ودفعت إلى تجاوز فترة لم تعرف فيها تلك الجهات التوازن في بعث المشاريع الاقتصادية والتكافؤ في توزيع الثروات وهو ما يمثل جملة من العوائق المهمة في تعطيل التنمية في تونس ولاشك في أنّ لهذه الوضعية دورا في كبت روح التعاون والتضامن لدى التونسيين. فقد زار رئيس الجمهورية بشكل فجئي منطقتين بالوسط الغربي التونسي هما قريتان كأنهما علقتا بين السماء الأرض. ليس لهما من أسباب العيش الدنيا ما به يتسنى لأهلهما النيل من الحياة العادية إلا بما هو زهيد (2). تمت الزيارة يوم 4 ديسمبر 1992 وقد استيقظ ضمير التونسيين عندما شاهدوا المشاهد على شاشة التلفزيون على أمرين. الأوّل هو الفقر المدقع في مناطق الظل مما لم يكن يخطر بخلدهم ولا يتصورونه في خيالهم فكان العيان الظاهر سببا في إحداث رجّة مسّت الوعي كما حركت العقول والقلوب في آن. والثاني هو إدراك حاد أنّ ولي الأمر يتابع الصغيرة والكبيرة في أحوال المواطنين وأنّه مطلع بشكل واع على القضايا الشائكة وأنّ زياراته ليست من قبيل الضجة الإعلامية بل هي من صميم الرؤية السياسية الشاملة النابعة عن تصوّر حضاري هو المشروع المتكامل. وتلى الزيارة يوم 8 ديسمبر 1992 إحداث صندوق التضامن الوطني و قد وضع له حساب بريدي برقم 26-26 وأدرج الصندوق في قانون المالية لسنة 1993.
ونحن في هذا الخضم من التصورات والإنجازات إزاء منعطف في تاريخ الأفكار وتاريخ العقليات في آن واحد وقد رصدنا له جملة من الدلالات.
الدلالة الأولى كامنة في التسمية فقد جاءت مركبا إضافيا. المضاف فيه يحيل إلى الصبغة والهيئة والآلية ويندرج في إطار التسمية المتعلقة بالمجال الاجتماعي عامة وبالتكافل والتعاون خاصة إذ تكمن في عبارة صندوق معاني الاشتراك والإغاثة وأعمال الخير. والمضاف إليه مركب نعتي حوّل التضامن من سياق المبرات المجردة والأخلاق العامة إلى محضن الوطنية وهي في هذا التركيب تشمل الوطن والمواطن والمواطنة فلا نجدها مقتصرة على المعنى الظاهر في الوطنية وهي الانتماء العاطفي وحب البلد والإخلاص في ذلك بقدر ما وجدنا فيها البعد العقلي المعبّر عن الدلالات الحداثية الداعية إلى الالتزام الموضوعي بكل ما يمس الوطن. فقد أعلنت التسمية مرحلة جديدة ذات عناصر متظافرة منها الإقبال على المشروع بما يفرضه من عقلية مؤسساتية متينة.
والدلالة الثانية مقترنة بالتسمية من جهة أخرى عميقة وهي ما يحيل إلى التطابق النموذجي بين الاسم والمسمّى أي بين الفكرة والإنجاز أو بين التصور والممارسة. ولا محيد في هذا المجال عن تأكيد الحاجة إلى القيم الأصيلة من قبيل المصداقية والشفافية والاجتهاد.
أمّا المصداقية فهي العلامة على أنّ المشروع خضع لمتابعة لصيقة وأنّه ارتقى إلى الترابط العضوي بين طريقة جلب الأموال ومنهجية صرفها فضلا عن النتائج المحسوسة التي مثلت أفضل عبارة عن مصدر التمويل ومآله. فللصندوق فاعلية أبانت عنها الأرقام وأكدتها طريقة العمل والآليات الموضوعة لاجرائها على النحو المرضي.
وأمّا الشفافية فمردها إلى العقلية المتولدة عن الصندوق لدى المشرفين عليه ومعنى ما نرمي إلى إظهاره إحاطة الصندوق بالنظر المتواصل والمتابعة الحصيفة إلى درجة اليقظة الدائمة من الجانب المادي والجانب المعنوي على حدّ السواء. فإذا كانت المصداقية التطابق بين الأقوال والأفعال فإنّ الشفافية هي الوقوف عند الإجراءات الملازمة للصندوق من بدايتها إلى نهايتها بشكل ملموس لا يتسنّى ربطه بالحقل الأخلاقي العاطفي بل بالجديّة والحرص على صون المشروع من أي خلل ممكن وهذا يعني مرة أخرى أننا إزاء تغيّر في القيم وفي العمل.
وأمّا الاجتهاد فهو الجامع بين المصداقية والشفافية بل هو الحافظ الذي يصونهما، القادر على إضفاء المشروعية على الصندوق من حيث التفكير والتنفيذ وهذا المستوى الأوّل للاجتهاد. على أنّ المشروع بحاجة متواصلة إلى المراجعة واليقظة والترصد لما يمكن أن يطرأ عليه من الهنات فهو اجتهاد دعم في المستوى الثاني. وليس الصندوق مؤسسة وهيكلا وتنظيما فحسب بل انه إنجاز اجتماعي أيضا فالاجتهاد يتضح في مستوى ثالث من خلال تعهد العنصر البشري في مناطق الظل ليرقى إلى مستوى من العقلية والسلوك يتنبأ بالتغيرات ولا يقنع بها لأنه دائم اليقظة مستأنس بالإشراف فهي عقلية تورث قيمتين جوهريتين هما الدربة على تحمل المسؤولية والقدرة على الإبداع الاجتماعي على وجه الخصوص.
أليس للتسمية هذه المساحة الثرية بالدلالات، أليست شهادة على أن الرؤية السياسية المؤدية إلى بعث الصندوق في الظروف التي ألمعنا إليها، رؤية عقلانية موضوعية تحديثية لا ترمم ولا ترقع المفتتق بل تؤسس وتبني في المقام الأول.
2-أ-2 التجربة :
انبنت تجربة صندوق التضامن الوطني على مقدمات عديدة اصطفينا منها اثنتين استخرجناهما من خطاب الرئيس بن علي في اختتام مناقشة مجلس النواب لميزانية الدولة لسنة 1993.
المقدمة الأولى هي الواجب الوطني وهو يرجعنا إلى التسمية ليحتضن ما حللنا من المعاني في شأنها ويضيف إليها معنى آخر كان له وجود عادي ثم تحوّل إلى غاية دافعة إلى توليد مرجعية جديدة بفضل تجربة الصندوق. يلخص الواجب الوطني في عنصرين هما ازدهار البلاد أولا والارتقاء به إلى الطرف المتميز عالميا ثانيا، والعلاقة بين الطرفين عضوية بل إنّها سببية. وإنّ لها رمزا يجدر أن نحيط به وهو إحالة أخرى على قيمة الرؤية السياسية في المشروع الحضاري المتكامل للرئيس بن علي وفي المقاربة التي اختار لتحقيق التنمية.
البداية في الواجب الوطني التعويل على الذات، وليس من شك في أنّ إدراك هذا المستوى مسبوق بعدد من الأطوار المصحوبة بالجهد والنقد والتوق إلى اختراق العراقيل والشوق إلى الأفضل، ويقرن الترابط بين الواجب الوطني والتعويل على الذات البعد الوجداني (أعماق النفس) بالبعد العقلي. ولا يتنزّل السبيل إلى هذا الاقتران إلا في المحيط التحديثي وإلا رجعنا إلى التلازم بين الوجدان والعاطفة. فالبعد الوجداني هو العلامة على أنّ الحدث (بعث الصندوق في تاريخه المحدد) قام على فكرة تحولت إلى مشروع فغيّرت الذهنيات لدى التونسيين. وليس من وجه أن نصل إلى نتيجة بمنهجية مختلفة عما ذكرنا لأنّه من الواضح أنّ العقليات لا تتغيّر بعصا سحريّة فوجب احترام التدرج المنطقي من الأسباب المادية الموضوعية إلى النتيجة الذهنية لتصبح العلاقة جدلية بين الأحداث والأفكار والعقليات على شرط أن يجمع بينها مشروع قائم الذات. ولهذا التحليل صلة بالنموذج التونسي في التضامن والتكافل لأنّ لصندوق التضامن الوطني الفضل في إعطاء صورة عملية عن الجدلية الفاعلة بين الحدث والفكرة والعقلية وآية ذلك ما طرأ على المجتمع التونسي من وعي أنّ التضامن منظومة لا تقتضي الاحتفال بها مرة في السنة بقدر ما تستدعي الاحتفاء بالنتائج الملموسة التي عبّرت عنها الإنجازات مما كان يسمى مناطق الظل بشكل لا يتوقف.
المقدمة الثانية اقتصادية بيد أنها لا تعزل البتة عن البنية الاجتماعية في شموليتها. المنطلق للكلام على الاقتصاد له نواة هو المصلحة. وهل يجوز الوقوف على المصلحة دون إخراج معناها من العاطفة إلى المجال العقلي ودون الارتقاء بها من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي. فلا مصلحة إلا إذا كانت عامة ولا وظيفة لها إلا إذا أصبحت منظومة ذات مرتكزات ثابتة وإن هي في انتاج مظاهر المصلحة متحركة سريعة التحرك. ومن المرتكزات اليقين أن ما ينجم عن المصلحة يمس الجميع وإن بتفاوت ملموس على أنّه لا يستغني مطلقا عن توفير جانب مهم لفائدة المشترك والعمومي. تخرج المصلحة حينئذ عن النفعية الضيقة وتدخل في إطار المنهج الوضعي الناجع على مستويين، مستوى الزمن والثمار المتدلية منه آنية (فضلا عن كونها زمانية) ومستوى الإفادة الملموسة والآثار الناجمة عنها يجدر أن تكون مقنعة نافذة فللمصلحة قوتان، الأولى نابذة لذهنية الربح الفردي وما يتبعها من أنانية وضيق نظر والثانية جاذبة لرابطة اجتماعية تحكم أواصر التعاون وتؤسس للتضامن. ولعل هذا المعنى هو الذي جعل الرئيس بن علي في إعلانه عن المشروع منذ أواخر سنة 1992 وبدايات سنة 1995 يربط المصلحة الاقتصادية بدعم الاقتصاد وهو ما يمحض لوضع الضوابط ورسم الوسائل والعمل بروح المشاركة.
أمّا الضوابط فهي التي حركت الاقتصاد في تونس وجعلته رغم قلة الموارد وقسوة الطبيعة صامدا قادرا على أن يضمن للتونسيين الحدّ الكافي من العيش الكريم إن لم نقل هو الذي أتاح لهم أن ينعموا بنمط من المستوى في الحياة متميز بدرجات من النمو تشجع على تأكيد التقدم نحو الأفضل بشكل مطرد.
ورسم الوسائل هي المعبرة عن خصوصية الرؤية السياسية في تونس وقوامها على الإفادة من الموارد البشرية ووضع الأطر اللازمة لحسن استثمار العقل التونسي. ولا مناص من الربط بين صندوق التضامن الوطني والآليات التي دعت إليها الرؤية السياسية ولعل أبرزها التأهيل الشامل في كل الحقول الحافة بالاقتصاد.
وأما العمل وروح المشاركة فهو السهم الموجّه نحو تحديد الغاية وهي التنمية وضبط الوسائل وهي المنهجية المادية والذهنية المحققة للنهوض بالإنسان التونسي عبر النهوض بالحياة الاقتصادية.
وإن لروح التجربة في صندوق التضامن الوطني مساحتين متكاملتين. المساحة الأولى كامنة في وضع البرنامج الخاص للأوضاع الاجتماعيّة في مناطق الظل. ولم تحصر هذه المناطق في جهة دون أخرى بل لعلها سمحت للرأي العام التونسي بصفة خاصة أن ينتبه إلى أنّ هذه المناطق ليست هي النائية فحسب بل إنّها قريبة منه أيضا تكاد تكون قاب قوسين أو أدنى من المدن الكبرى ناهيك أن مدينة رمزية كالمرسى المعروفة بالمستوى المتميز لمتساكنيها على مدار التاريخ حظيت بمآثر المشروع في جهة "البحر الأزرق" وقس عليها عواصم الولايات مما جعل للصندوق دورا في اتجاهين، الأول عمودي هدف إلى حلّ مسألة الفاقة بعمق النظر وقوة الوسائل والثاني أفقي حث على استطلاع مواطن الحاجة والفقر في كل أنحاء البلاد.
ولهذا السبب أكد الرئيس بن علي أن الدولة وحدها غير قادرة على إيجاد الحلول الضرورية لمناطق الظل وأن لصندوق التضامن الوطني أن يتصدّى لهذه الحالة بالمساهمات الاختيارية لا لتعويض مجهودات الدولة بل لمدّ يد المساعد إليها.
وليس غريبا أن يتأسس الصندوق على البعد العقلي الموضوعي وأن تصبح المساهمات الاختيارية علامة على الوعي وأمارة على أن المصلحة وإن توجهت إلى مناطق الظل في الظاهر فإنها تمس كل الفئات الاجتماعية كما تتصل بكل الأفراد. والناظر في كمية المساهمات منذ بعث المشروع في نهاية سنة 1992 وبداية سنة 1993 إلى حدود السنة المنقضية 2002 سيعلم أن تكاثرها دليل على ذلك الوعي وأنّها قد تكون عند البعض في فترات معينة كالإكراه سرعان ما تغيرت عند هؤلاء أنفسهم لتصبح واجبا وطنيا لا يمكن أن يفهم إلا بنجاح التجربة وبالحس المدني الذي نشأ عنها فأصبح الواجب لدى كثير من التونسيين مصحوبا بلذة عارمة بل بإبداع متلون كإقامة الحفلات الفنية (لفنانين تونسيين وأجانب على حدّ السواء) وتنظيم المباريات الرياضية ولعله من المفيد أن نقول إنّه كلما تكاثرت موارد الصندوق بفضل المساهمات (ولا التبرعات) ازدادت المصلحة للجميع وضوحا وتأكدا فوجب الربط بين البعد المادي (توازن الحظوظ لكل الفئات الاجتماعية في كل أنحاء البلاد...) والبعد الأدبي (توفير الكرامة لكل تونسي مهما كان موقعه أو مستواه والمساحـــــــــــــــــة الثانيــــة هـــــي ظاهـــــرة المَأْسَـــــسَةُ ( institutionnalisation ) وقد جعلت الصندوق يحظى بآليات المؤسسة بالمرجعية المدنية العميقة للعبارة أي من حيث التنظيم والهيكلة والتوزيع وآليات العمل والمراقبة من ناحية ومن حيث طبيعة الإنجاز والخيارات المصاحبة لها من ناحية ثانية والأرقام في هذا السياق معبّرة فصيحة .
ويكفي أن نشير إلى مواطن التدخل لنفهم دور المؤسسة في تنفيذ السياسة الاجتماعيّة الواعية.
لقد سعت مؤسسة التضامن (صندوق التضامن الوطني) إلى التدخل في القطاع الصحي لا بالنسبة إلى العلاج والتلاقيح والتوعية الإنجابية فحسب بل في خصائص لا يجوز الوقوف عندها إلاّ في سياق الكلام على ارتقاء المجتمعات من الانتماء من البلدان الصاعدة إلى البلدان المتقدمة أيضا كالنظر في نسبة وفيات الرضع أو نسبة عدد الأطباء بالقياس إلى عدد السكان.
لقد حرص الصندوق على تحسين ظروف العيش لا بالنسبة إلى المسكن والنور الكهربائي والماء الصالح للشراب فحسب بل بالنسبة إلى المرافق كالسيارة والهاتف وجهاز التلفزيون أيضا.
لقد نجح الصندوق في إتاحة الفرص للتونسيين في ما كان يطلق عليه مناطق الظل لطلب العلم فارتفعت نسبة التمدرس وقد شملت الفتيات بالدرجة الأولى.
هذه العناصر لا يتسنّى أن تتحقق في إطار صندوق يؤدي وظائف اجتماعية في نسق سياسي عادي إنها نتيجة لصندوق ارتقى إلى مؤسسة ميزتها الجوهرية الطموح الذي لا ينقطع.
وإنّ أوضح ما به يمكن الاستدلال على هذه الظاهرة ما ارتبط بصندوق التضامن الوطني من مؤسسات يعسر الحسم عند الوقوف عليها هل هي امتداد له أم هي روح منه ذات مظاهر جديدة ؟
فقد نشأت عن الصندوق مؤسستان لهما صلة وثيقة بالأثر الذي أحدثه مفهوم التضامن في المجتمع التونسي.
المؤسسة الأولى هي البنك التونسي للتضامن في 22 ديسمبر 1997 أي بعد أنشاء الصندوق بخمس سنوات.
والمؤسسة الثانية هي الصندوق الوطني للتشغيل 2121. وقد بعث للوجود في 10 أكتوبر 1999 أي بعد ما يقرب من سبعة أعوام من إحداث الصندوق .
وهل من سبيل إلى الإغضاء عن العلاقة الوثيقة بين هذه المؤسسات الثلاث وفيها من بلاغة التعبير عن التطوّر في الرؤية وعن الوضوح في الاستراتيجية ما يؤكد أن تجربة التضامن في تونس تحمل مضمونا هادفا ومنهجية متماسكة. على أن أبرز ما يربط بين هذه المؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تضمنتها ونرى فيها جانبين متعاضدين.
الجانب الأوّل هو المتمثل في التصوّر النظري الثابت الملازم للإنجاز والممارسة. وأوضح ما في هذا التصوّر المعطى الوظيفي وملخصه التوفيق بين التصميم والبرمجة والأهداف توفيقا يتجدّد بالتغيّر في الظرف والتبدل في المعطيات ويناسب الاستعداد لتوظيف كلّ الإمكانات توظيفا وضعيّا نفعيّا قادرا على أن يراعي البعد الأخلاقي المرافق للبعد المادي.
الجانب الثاني هو الإعداد للمسالك الجديدة في التصرّف والتعامل مع روح العصر. ويكفي أن نشير في هذا الاتّجاه إلى عنصرين مهمين. العنصر الأوّل هو إجراء التضامن على معنى الانتقال من التلقي إلى الإنشاء. يبدو التلقي في السنوات الخمس الأولى ضروريا لأنّ الأوضاع كانت أميل إلى الوهن ولم يتسنّ التأسيس لخطاب وظيفي يزكّي النفوس للاضطلاع بالمسؤولية اضطلاعا ناضجا. أمّا الإنشاء فهو الآلية التي رسمت للمشروع منذ البدء ولها مقوّمات تجتمع في توليد روح المبادرة والتهيؤ الموضوعي لأمرين متكاملين. الأوّل هو البحث عن مواطن الشغل في ظروف وفّرت فيها سياسة التضامن الراجعة إلى الصندوق وما تلاه من المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي والمالي الإمكانات المفضية إلى تقديم الأسباب للتشغيل. والأمر الثاني هو منطق مختلف تيسر له أن يحدث انتقالا من المطالبة إلى المبادرة بشكل موضوعي تجسّم في مفهوم التشغيلية. وهي تعتمد التكوين الملائم لإبداع القدرة على التشغيل. فتصبح مؤسسة التضامن الآلية المتاحة لكل التونسيين عموما وللشباب خصوصا ولحاملي الشهادات العليا بصفة أخص لامتلاك المشاريع الصناعية والتجارية والفلاحية وفتح مواطن شغل لغيرهم من ذوي السعي إلى الرزق وقد نطقت الأرقام عن النجاح في هذه الرؤية.
لقد اشتدّ عود الرؤية ونضجت وأصبحت واقعا ملموسا أعطى أكله وأضحى قادرا على أن يثمر صورة عن الدور الذي يضطلع به المجتمع المدني في المجتمعات المعاصرة.
وليس بعيدا عن أن يتميّز مشروع "التضامن" في كل مراحله وتجلياته بالتدرج نحو "الظاهرة" بالمعنى العميق للعبارة.
فقد بدأ المشروع فكرة نجمت عن رؤية سياسية أبنّا عن عدد من خصائصها فالواقع أنشأ مفهوم التضامن الملائم.
أصبح التضامن – مشروعا ومؤسسات- حقيقة موضوعية.
ج- أضحى "التضامن" عنصرا من مكونات الشخصية التونسية فاكتسب المشروع العناصر الموضوعية المناسبة من مقومات الوعي الفردي والجماعي في المجتمع التونسي فالحركة الأولى تسمى التخارج extériorisation والثانية التوضيع objectivation والثالثة الدخلنة Interiorisation والعلاقة القائمة بينها جدلية صرف.
كما تدرجت الظاهرة تدرجا من نوع آخر يفسّر العناصر الثلاثة التي أشرنا إليها.
أ - انطلق المشروع مخصوصا بمناطق الظل – صندوق 2626.
ب - أصبح المشروع استراتيجية اجتماعية اقتصادية متكاملة مست كل المجتمع التونسي – البنك التونسي للتضامن والصندوق الوطني للتشغيل 2121 ثم تطورت إلى قيمة دستورية راقية (3).
ج. اتخذ المشروع بعدا كونيا وقد تبنته الأمم المتحدة بصفة رسمية في 20 ديسمبر 2002.
وإذا نطق التدرج الأوّل عن الجدلية وهي تفسّر تطوّر المشروع وتبين عن المنهجيّة الملازمة له، فإنّ التدرّج الثاني يؤكّد أنّ نجاح المشروع في تونس هو المطية لتلبية النداء أمميّا منذ سنة 1999 وتحقيق الدعوة كونيا في نهاية 2002 وهي آيلة إلى الإجراء المناسب.
2.أ.3 البعد الكوني :
الصلة بين مشروع التضامن في تونس وظاهرة العولمة أكيدة. ويمكن أن نفهم السر الكامن فيها باستحضار مصطلحين. المصطلح الأوّل هو الاستباق والمصطلح الثاني هو الاستشراف. أمّا المصطلح الأوّل فدلالته تحيل إلى العلاقة الموضوعيّة بين الواقع الراهن والسرعة الضرورية لاتخاذ الإجراءات والسعي إلى الحلول الضرورية. فالاستباق، سبق مطلوب بالنسبة إلى الأوضاع المعقّدة المنجرّة عن موروث متراكم يحتاج إلى معالجة آنية ناجعة. وقد كان إحداث الصندوق نتيجة لمنهجية الاستباق بالمعنى الذي حدّدنا وهو ينطق عن طبيعة الرؤية وعن الكيفية العقلانيّة المتوخاة بالنسبة إلى مسائل شائكة كمسألة الفقر مثلا : وللمصطلح الثاني مدلول آخر مختلف في نوعيّة التفكير والتصرّف. فالاستشراف علم ومنهج وهو علم المستقبل الخاضع للدراسة على قاعدة وضع الخيارات العلميّة المتنوعة الكثيرة لمستقبل متعدّد يجد ما يناسبه من الرؤى والإعداد الموضوعي بنسب من الترجيح معقولة. فالاتجاه في الاستشراف ينطلق من الحاضر نحو الآتي. وعلى هذا النحو ندرك أن مشروع التضامن في تونس محاط بمرعاة الحدود الزمانية : الماضي الحاضر (الاستباق) والحاضر المستقبل (الاستشراف) وهو مؤهل للاضطلاع بوظيفة إنتاج المعنى والمصلحة والمادة في آن واحد.
الاستباق والاستشراف مرتكزان يفتحان الأقفال عن السر في نجاح صندوق التضامن الوطني في اكتساب المصداقية اللازمة ليصبح صندوقا للتضامن العالمي. ويحتاج التعامل مع ضوابط العولمة إلى رأس مال رمزي قادر على انتاج الأفكار وايلاف المجهول وفتح الآفاق. فلم يقتصر النداء إلى الصندوق العالمي على مضمون التضامن فحسب بل احتاج أيضا إلى الآلية الضرورية وقوامها على مخاطبة الدول والنخب والمثقفين. المنطلق هو الدول بوصفها المؤسسات الشرعيّة لتسيير المجتمعات، والنخب هي الوسط القادر على أن يهب المشروع الأسس العلميّة ، الواقية. والنخب هي كل القوى الحية الفاعلة في المجتمع. والمثقفون هم أهل الإبداع المؤتمنون على الفنون وفي دعوتهم إلى مؤازرة بعث الصندوق العالمي للتضامن إحالة إلى وظيفة ممكنة تناط بعهدتهم وتجعلهم بما أوتوا من الإبداع قادرين على أن يرصدوا الواقع المهدد بالخلل في التوازن المادي والمعنوي، وأن يهتدوا عبر الصندوق إلى معالجة الاضطراب والحدّ من مظاهر الظلم الاجتماعي المنتشرة في العالم. إنّها الدعوة إلى الجهات الرسميّة وإلى المجتمع المدني العالمي لتصبح العولمة فرصة للأمن والسلم لا مطية للعدوان والقهر.
وقد وجدنا في المساندة التي حظيت بها دعوة الرئيس بن علي لإحداث صندوق التضامن العالمي من سنة 1999 إلى أواخر سنة 2002 ما يؤكد التفاعل لدى المجتمع المدني الكوني والحرص عنده على استثمار مشروع نجح محليّا (تونس) وامتلك أسباب النجاح عالميّا. ووجدنا المنظمات كمنظمة الوحدة الإفريقيّة ومنظمة جامعة الدول العربيّة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وحركة عدم الانحياز فضلا عن منظمة الأمم المتحدة خير دليل على الاستجابة لصوت الحكمة في معالجة مسألة الفقر كما وجدنا في المنتديات والملتقيات كقمة 77 (سنة 2000) وقمة الألفية بالأمم المتحدة (2000) والملتقى الأوروبي المتوسطي (سنة 2000) فضلا عن قمة كوبنهاغن السابقة (1995) العلامة على أن المجتمع المدني العالمي شغوف بالمبادرات العقلانية المساعدة على توفير الحلول لمعالجة المآسي المنتشرة في المعمورة.
وإذا أبحرنا عبر الأنترنت فإنّنا سنقف عند أهمية مشروع التضامن على مستوى الجامعات الأجنبيّة لا على مستوى التنصيص الصريح بل على مستوى توضيح الأوضاع العالميّة في ظلّ مبادئ حقوق الإنسان ( 4 ) والآلية ذاتها كفيلة عند انجاز التضامن العالمي بنشر قيم الخير وتحويل العلاقات بين المجتمعات من خصائص العداوات إلى مسالك المبرات على القواعد العقلية والمفاهيم الكونيّة إعدادا لمعنى المواطنة الكونيّة.
2.2.ب. الأبعاد
نقتصر على عدد عن الأبعاد الجوهرية آثرنا أن نتدرج فيها من الخاص إلى العام وأن نرصد من خلالها التناغم بين المرتكزات والدعائم وهي تؤكد أن المشروع عميق في مكوناته وفي دلالاته.
2.2.ب.1 التوازن الاجتماعي
إنّ أوّل بعد نطق عن مفهوم التضامن في التجربة التونسية إعادة التوازن إلى هرم البنية الاجتماعية. فقد تميّز المجتمع التونسي بشكل هرمي متقارب يجعل التفاوت بين الفئات غير فظيع في مرحلة أولى وطفيفا في مرحلة ثانية. لقد أوشكت الأوضاع الاجتماعية في تونس في بدايات الثمانينات من القرن 20م على أن ترسب في الخلل المعلن بالاضطراب المستدعي الفوضى وانهيار القيم الأصلية. والرجوع إلى نسبة الفقر من خلال الأرقام المتوفرة من المعهد القومي للإحصاء يكشف عن التطوّر الايجابي في تجاوز هذا المرض الاجتماعي. فقد عاش التونسيين حالة الفقر المدقع في الستينات. وأصبحت النسبة سنة 2000 لا تساوي إلا 2،4 . وللصندوق بصفة خاصة وظاهرة التضامن بصفة عامة الدور الجوهري في تقلص النسبة بشكل متكامل لا مجال فيه فعليا إلا في الاصلاح العميق وفي معاضدته بالآليات القادرة على بتر أسباب الفقر والعوز.
لقد أرجع مفهوم التضامن للهرم الاجتماعي توازنه بتضخيم الطبقة الوسطى وذلك عبر عمليتين. أولاهما الارتفاع بمناطق الظل إلى مستوى أفضل وهي الطبقة المنحبسة في أسفل الهرم وهي التي شهدت التضخم وكانت تنذر في منتصف الثمانينات بالفوضى الاجتماعيّة وبزرع عقلية حقد كادت تذهب بالعلاقات الاجتماعية المتدهورة. والثانية ضمان الحظوظ المعقولة للأثرياء ليكون لهم الدور الفاعل في التنمية فلم تبق المسافة فاصلة بين الفئات الاجتماعية بشكل فظيع مهدد للتوازن.
أسس مفهوم التضامن قواعد جديدة في الهرم الاجتماعي لم يكن لها الأثر في الحياة الاجتماعية فحسب بل في المستوى النفسي أيضا. فحظي المجتمع التونسي من هذه الناحية بالأمن والسلم الشاملين وبالطاقة على استحصال قيم العمل والوقت والإبداع. فتلازمت عناصر البنية المجتمع تلازما عضويا فتناسق الحقل السياسي مع الحقل الاجتماعي والحقل الاقتصادي والحقل الثقافي. فانعقدت التنشئة الاجتماعـية على هذا المـعنى وتكاملت عناصر الإصلاح تكاملا لعب دورا في عمليتي الاستباق والاستشراف اللتين أشرنا إليها.
2.2. ب .2. البعد الاقتصادي التضامني
تولد عن ظاهرة التضامن مفهوم اقتصادي جديد جعل للصندوق في التجربة التونسية وهو يعالج مشكلة الفقر ميزة اختلفت عن طريقة المعالجة في تجارب أخرى نكتفي بالإشارة إلى نمطين منها وهما التجربة البرازيلية والتجربة الكورية الجنوبية فقد وفرتا من الإمكانات ما كان كفيلا بإنجاح السعي إلا أنّ النتائج جاءت على غير المرجو. في حين عرفت التجربة التونسية التلازم بين البعد الاجتماعي والاقتصادي فاتخذ التضامن مساحتين متكاملتين . والعلامة على الاقتصاد التضامني اعتبار القيم الإنسانية في إصلاح الأوضاع.
إنّ قيمة الإنسان هي منطلق العملية و مآلها و هي مضمونها وشكلها وهي مرجعيتها وسياقها.
وليس من اليسير انّ يتأسس البعد التضامني في الاقتصاد وأن يتحقق لولا مشاركة عناصر المجتمع المدني هيئات و منظمات وجمعيات ساهمت في تغيير السلوك والعقلية بشكل محترم ولم يكن للمجتمع المدني أن يضطلع بهذه الوظيفة لولا توفر المناخ الديمقراطي الضروري.
فجاء التلاحم بين الممارسة الديمقراطية و مساهمة المجتمع المدني من جهة و ظاهرة التضامن (مؤسسة و مشروعا). من جهة أخرى المطية لنجاح التجربة في ذاتها وللارتقاء بها الى الكونية موضوعيا.
2.2. ب في حقوق الإنسان
لحقوق الإنسان وجهتان قد تلتقيان وقد تفترقان. الوجهة الأولى هي الشعارات وقوة الدعاية والبراعة في وضع المساحيق الخلابة فيرى الناظر على مستوى السطح حضورا لحقوق الإنسان كسراب بقيعة. والوجهة الثانية هي العمل العميق والنـظـرة الـمتأنـية. ولحـقوق الإنسـان فـي هـذا السـياق مـدرج ( Processus ) يتصل بعناصر التمكن التالية :
أ – الذاتية : وهي الخصوصية الثقافية الجامعة وهي تراعي الانتماء إلى التاريخ واللغة والدين إنتماء قائما على ثنائية الامتلاء بالموروث والطاقة على الانفتاح ليكون التعامل مع الآخرين تعاملا يضمن للتونسيين ذاتيتهم المميّزة ويعرج بهم إلى التفاعل مع المحيط الإقليمي والكوني بأريحية واضحة.
ب- حسن التنزيل وهو يتصل بالقيم المؤهلة للتقدم بطريقة ملائمة للذاتية وللانفتاح في آن واحد . وقد دلّت الأحداث في تونس و في تعامل السياسة التونسية مع القضايا العالميّة على حكمة في الموقف وحنكة في السلوك وأبرز دليل على هذا مقاومة التطرف والتصدي للإرهاب. والشأن ذاته بالنسبة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان وينضاف إلى حسن التنزيل بالنسبة إليهما التدرج نحو الصورة الأنموذجية ممّا جعل للحياة السياسية أطوارا منذ 7 نوفمبر 1987 إلى اليوم وميزتها الارتقاء في مدارج التقدم وفي سلم القيم الأصلية.
ج- الأنموذج : يراد بالأنموذج القدرة على تبنّي المفاهيم الحداثية و صهرها بشكل يعطيها طابعا تونسيّا صرفا يصبغها بلون حضاري هو من روح الثقافة في تونس . وقد سبق للمرحوم حسن حسني عبد الوهاب أن لخص هذا المعنى بعبارة فصيحـة هي الامــتزاج و مـؤداها أن كلّ طــارئ عـلى تـــونس ( الأجناس والأفكار والمذاهب . . . ) يدخل أجنبيّا ولكنه سرعان ما يجد الشكل التونسي فيصبح عنصرا منه لأنّ البيئة التونسية تمزجه في القانون الثقافي السائد. وما القول في عهد أصبح فيه العمل السياسي والنظر الحضاري والتخطيط المنهجي كلّ ذلك مستجيبا للتحديث مهيئا للتعامل مع التحولات المتسارعة ؟
التجربة التونسيّة في التضامن أنموذجية وليست مثالية والفرق بين الصفتين أنّ المثالية توهم بالكمال وأنّ الأنموذجية توحي بالاكتمال. الأولى منجزة تدّعي الصبغة النهائية والثانية تبقى في دائرة الصيرورة وهي تسعى إلى التَّجَدُّدْ من الداخل وإلى التطوّر من الخارج .
وإنّ لصفة الأنموذجية مجالا يثبت أنّ التجريب (بالمعنى العلمي) والاختبار (بالمعنى المنهجي) يضمنان للظاهرة سمة يمكن أن نتخذ الاصطلاح الرياضي للإحالة عليها وهو السهم الموجه ( Le Vecteur Orienté ) .فهي مشروع في التنمية اقتصادي واجتماعي وثقافي يعطي صورة فعلية عن حقوق الإنسان في عصرنا هذا على مستوى المقاربة وعلى مستوى المضامين .وإنّ النسج على منوال صندوق التضامن الوطني لإحداث صندوق التضامن العالمي استلهاما من نداء الرئيس بن علي يدخل هو الآخر في نطاق الأنموذج .
ألا يفضي التحليل المطول لنموذج التضامن إلى الوقوف عند تأسيس لخطاب المرجعية فيه حداثة ويتجه الفعل بفضله في ذاكرة التونسيين صوب الآتي . ألسنا إزاء رؤية عزّ لها من نظير وهي تربية ذاكرة الشعب على الاستشراف إذ إنّ التضامن منظومة كان لها دون شكّ تأثير في الحلول التي أخرجت البلاد من العسر إلى اليسر في الراهن ( 1990) ولكنّ لها فعلا في المخيلة وفي الذاكرة لدى التونسيين جعلتها تتوق إلى الآتي و تنظر إلى المستقبل وكم من خطاب في القطاعات الحساسة ( تكنولوجيا الاتصال وقطاع الماء والطفولة والمرأة ... ) عند الرئيس بن علي بنى على الإعداد لضوابط تتعلق بما بعد سنة 2010 وفي ذلك الدليل على أن ذاكرة / مخيلة التونسيين انتقلت من الاتجاه نحو الماضي إلى الاتجاه صوب المستقبل ولعل في هذا الاختلاف معنى عميقا يميّز بين الخطاب السياسي في دولة الاستقلال والخطاب السياسي في دولة التغيير .
الهــوامش :
فكرة التراتب في الفكر اليوناني تحمل التفاضل بين المنازل و تنطلق من الرتبة المتباينة بين عالم الجوهر الصعّاد، ما فوق فلك القمر، وعالم الكون والفساد ما تحت فلك القمر.
تحتاج الظاهرة إلى دراسة مستفيضة نظرا إلى أهميتها.
الصبغة الدستورية لمفهوم التضامن سبق تونسي أقرّه الدستور في 2 جوان 2002 وهو يحتاج إلى دراسة مفردة.
انظر موقع مكتبة حقوق الإنسان جامعة منيسوتا على الانترنات.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>