مفكرو الإصلاح و الدعوة إلى استقلال تونس
في النصف الأول من القرن العشرين
د-أحمد الطويلي
أستاذ الحضارة العربية جامعة تونس منوبة
تحتفل تونس بالذكرى الخمسين لحصولها على الاستقلال في 20 مارس 1956. ولا تمر هذه الذكرى دون أن نذكر علماء ناضلوا بالخطب والمقالات و التقارير والنشاط السياسي من أجل استقلال تونس التام وحريتها، من هؤلاء العلماء، نذكر الشخصين صالح الشريف و إسماعيل الصفايحي الذين أسسا جمعية استقلال تونس والجزائر وقدما بيانا في سبتمبر 1981 إلى مؤتمر العلم بباريس بالعربية و الفرنسية عنوانه"التسجيل على فرنسا في قطر تونس والجزائر، بيان توحش فرنسا في القطر التونسي والجزائري والاستنجاد به". وقد أمضى هذان العلماء هذا البيان المنشور وبينا فيه سوء إدارة فرنسا واستبدادها خاصة حرمان التونسيين والجزائريين من حقوقهم وبينا فيه أيضا تعديها على النفوس والأوصاف والأموال والوظائف والصحافة والجمعيات.
ويكتسي هذا البيان لهجة حادة، جاء فيه"ارتكبت فرنسا في خلالها (مدّة تقرب من ستين عاما) من توحش، وكم أفنت من صناديد، وكم مَحَتْ من قبائل كانت تعد من مئات الألوف، وكم قتلت من علماء فحول ومرشدين عظام، وكم شتّت من جموع، وأحرقت وهدمت ونفت من أساطير القوم..."
وانتهى البيان بالمطالبة الصريحة باستقلال تونس والجزائر. مطالبا بالتخلص من أنياب تلك الحكومة المتوحشة.حتى يتمتع التونسيون والجزائريون بنعمة الاستقلال" ويمكنهم أن يكونوا عضوا مساعدا للأمم التي تسعى للمحافظة على حق الإنسانية وترقية شانها وتسجل عندهم بأنهم ما رضوا يوما بسلطة فرنسا عليهم، وأن الأمة بأسرها مستعدة للأول معونة أن تنهض بنفسها وتبذل آخر قطرة من دمها وآخر درهم من ما لها لتحقيق بغيتها التي هي غاية آمالها.
وصالح الشريف كان مدرسا بجامع الزيتونة وبالمدرسة العصفورية هاجر إلى الآستانة وأقام بدمشق وشارك في حرب طرابلس الغرب ضد الاعتداء الإيطالي عليها، توفي في سويسرا سنة 1920 وأوصى بأن يدفن بتونس وكان يحمل شيئا من مقبرة الجلاز تبرّكا بتراب تونس ونقل جثمانه إلى تونس حيث دفن بالجلاز.
من تآليفه:حجج دامغة حول وجوب خروج الفرنسيين من تونس، ورسالة عنوانها "مرارة الاحتلال" (أنظر كتاب: صالح الشريف لعلي الرضا الحسيني: المقدمة وبعض النصوص دمشق 2005) أما الشيخ إسماعيل الصفايحي فكان مدرسا بجامع الزيتونة من الرتبة الأولى وكان قاضيا حنفيا بتونس، كما كان مدرسا بالصادقية والمدرسة العصفورية. هاجر إلى الآستانة حيث كان يدرس وتوفي في 17 ديسمبر 1918.
من تآليفه: كتاب إيقاظ الأخوان لدسائس الأعداء وما يقتضيه حال الزمان، (انظر لنفس المؤلف: كتاب:الفقيه المجاهد إسماعيل الصفا يحي دمشق 2005، وكتابنا: شخصيات تونسية، تونس2004، )
وفي رسالة "مرارة الاحتلال" التي ألقاها صالح الشريف، لاحظ أمرا مهما هو أن فرنسا بإعلانها الحماية على تونس قد أوقفت مسيرتها نحو التقدم والترقي"إذ أخذت تسيير في سبيل المدينة الفاضلة بخطوات واسعة".
يقول مبينا المسيرة التونسية نحو الرقى بقيادة خير الدين باشا الذي ساعدها على الدخول في ذلك السبيل هو الوزير خير الدين باشا" فإنه ألقى لها نظامات دولية، وأقام لها مشروعات عمرانية، فوضع دار الطباعة وفتح باب الصحافة، ونظم خزانتي الكتب العامة وأنشأ المدارس لتعليم العلوم العصرية واللغات الأجنبية فضلا عما كان يتبع به جامع الزيتونة من العلوم الدينية والعربية والفلسفية وبعض الرياضيات والتفتت حينئذ لإصلاح المحاكم وإقامة قانون العدل والمساواة".
وسيستنتج الشيخ صالح الشريف فيقول:"وبعبارة ملخصة، إن ذلك الشعب النجيب كان قد دخل في حياة راقية، وشرع يسير في خطتها المستقيمة سيرا حثيثا ولولا أن سلطة فرنسا وضعت أمامه عقبة كؤودا، لأصبح في جبهة الأمم التي يشار إليها بالبنان"
(على رضا الحسيني: صالح الشريف ص127، 128).
ولا بد من ذكر الشيخ عبد العزيز الثعالبي وكتاب "تونس الشهيدة" الذي نشره بباريس بالفرنسية في جويلية 1920، موجها إياه للفرنسيين ليطلعهم على الحالة البائسة التي كانت عليها تونس بمفعول الحماية، طبع الكتاب « la Tunisie Martye» بمطبعة جوف وشركاته في 200 نسخة، وأرسلت نسخ منه إلى أعضاء البرلمان ورابطة حقوق الإنسان وهيئات الحزب الاشتراكي والماسونيين ومديري أهم الصحف وابرز رجال الأدب.
وقد قبض على الثعالبي بباريس في 28 جويلية 1920 ونقل إلى تونس واعتقل بالسجن العسكري بالعاصمة في 22 أوت 1920 (أنظر كتاب"تونس الشهيدة" تعريب حمادي الساحلي عن دار الغرب الإسلامي بيروت 1988، ص 305و312) ولم يكتف عبد العزيز الثعالبي طالب بإرسال كتابه إلي الشخصيات بل وجه أيضا إلى مديري كبريات الصحف باسبانيا وإيطاليا وأنقلترا وسويسرا وأمريكا والهند ومصر وطرابلس وسوريا وتركيا (نفس المصدر: ص315) ذلك للتشهير بالحماية الفرنسية.
ولئن اكتفى كتاب" تونس الشهيدة" بطلب إرجاع الحريات العامة المفقودة وتطبيق معاهدتي باردو والمرسى بما جاء فيها وعدم تجاوزها ولم يصرح بالاستقلال فإننا نجد في وثائق عديدة للثعالبي فيها صريحا بالاستقلال من ذلك مذكرة في السياسة الفرنسية العامة بتونس كتبها بعد تحرير البلاد التونسية من قوات المحور وارسلها إلى قنصل الولايات المتحدة الأمريكية وقنصل أنقلترى بتونس، ذكرهما فيها بما جاء في خطاب الرئيس روزفلت من القول: "نحن عازمون على إرجاع الشرف الإنساني للشعوب المحررة من ربقة الفاشية وتمكينها من تقرير مصيرها والرجوع لحرية القول والمعتقد وتحريرها من الفاقة والجزع، هذا وعدنا لها وقد بدأنا في تحقيقه" وتنتهي المذكرة بالقول:
"إن كل المسلمين بالشمال الإفريقي وعلى الخصوص التونسي الذي ذاقوا مرارة احتلالين يلتفتون وآمالهم عظيمة نحو العالم الديمقراطي وينتظرون هذا الإنجاز.
ولعل الأهم من ذلك في المطالبة الصريحة بالاستقلال التام هو مؤتمر ليلة القدر، إذ اجتمع يوم 23 أوت 1946 في الساعة التاسعة مساء مؤتمر وطني تونسي برئاسة القاضي العروسي الحداد، اجتمع فيه نواب عن الحزب الدستوري والإتحاد العام التونسي للشغل ومشايخ من مدرسي جامع الزيتونة المؤتمرون هم من الموظفين التونسيين والتجار وأصحاب الصنائع والفلاحين والمثقفين من أطباء ومحاميين وصيادلة وأساتذة وصحافيين وكل النخبة التونسية.
وبعد الاستماع إلى بيان المحامي صالح فرحات وصالح بن يوسف صوّت المؤتمرون على لائحة مهمة طالبوا فيها بالاستقلال التام ولكن ما إن انتهى المؤتمر من أشغالهم حتى هجم عليهم رجال الشرطة وأوقفوا حوالي خمسين شخصا خاصة منهم رئيس المؤتمر العروسي الحداد وأعضاء الديوان السياسي للحزب الدستوري، وأحيلوا على المحكمة بتهمة التآمر على أمن الدولة وقد قضوا شهرا في السجن ثم أُطلِقوا.
وقد احتوت لائحة ليلة القدر على الحيثيات والأسباب التي دفعت أعضاء المؤتمر الوطني التونسي للتصريح بما يلي:
يصرح المؤتمر الوطني التونسي بأن الحماية نظام سياسي واقتصادي لا يتفق مطلقا مع الشعب التونسي ولا مع حظه في التمتع بسيادته ويؤكدان هذا النظام الاستعماري بعد تجربة 65 سنة قدحكم على نفسه بالإخفاق ويعلن عزم الشعب التونسي الثابت على السعي في استرجاع استقلاله التام وفي الانضمام كدولة ذات سيادة لجامعة الدول العربية وجامعة الدول المتحدة والمشاركة في مؤتمر الصلح (انظر جريدة الحرية 12 ماي 1949).
وقد نشرت هذه اللائحة في الجرائد الوطنية وكتب على بلهوان في الافتتاحية من هذا العدد في ركن صراحة معلقا على هذا الحدث:
"آمنت أمتنا بالنظر النهائي وتيقنت أن الاستعمار زائد، ولم تبْن إيمانها على تخمين ولا على عواصف وأهواء ولا على مجرد حقوقها البينة الظاهرة لأن الظلم قد يتغلب أحيانا على العدل بالعنف والقوة، بل لأن الظروف الملائمة التي ساعدت الاستعمار الفرنسي في حمايته على تونس قد زالت كلها تقريبا في الداخل والخارج".
ويقول عن ظروف الكفاح ويقظة الشعب التونسي "أصبح" الشعب التونسي شعبا يقظا متفطنا رشيدا واعيا منظم الصفوف في جميع الميادين متكتل القوى، مستمرا على الكفاح مستعدا للتضحية عالما وأن الاستقلال يؤخذ ولا يوهب لهذا المؤتمر أهمية تاريخية كبرى إذ شاركت فيه شرائح الأمة من أحرار وموظفين وتجار، شباب وشيوخ كبار، أهل الثقافة والعلم والعاملين الأحرار".
وتوالت فيه الخطب، وما كاد صالح بن يوسف يتم خطابه حتى هاجم البوليس المؤتمر بحي ترنجة وحاصر المؤتمرين.
وهتف ابن يوسف: هل توافقون على استقلال تونس التام؟
وأجاب المؤتمرون: نعم، نعم تحيا تونس المستقلة وانشدوا نشيد الثورة "حماة الحمى" وهتفوا بسقوط الإستعماار وقبض البوليس عدد كبير من المؤتمرين وأفلت منهم المرحوم الهادي نويرة مصاحبا بوثيقة الاستقلال.ومجموع المسجونين 46 حسب وثيقة نشرها محمود شمام في كتاب"إعلان من الزيتونة ج2 تونس 2004 ومن المسجونين الشهيرين صالح بن يوسف، فتحي زهير، صالح فرحات، محمد الفاضل بن عاشور وأخوه عبد الملك، الطيب العنابي، الصحبي فرحات ، المنجي سليم، سليمان بن سليمان، على البلهوان، الباهي الأدغم أحمد بن ميلاد، عمار الدخلاوي إلخ، ولقد قبض عليهم ليلة القدر 26 رمضان 1365/23أوت 1946 ، وأطلق سراحهم في سبتمبر 1946 ويذكر القاضي محمود شمام أنه قد أقيمت حفلات لهذا النصر وان الشيخ محمد الفاضل بن عاشور أقام اجتماعا كبيرا بالمرسى خطب فيه كثير من الوطنيين وألقى الشاعر القيرواني محمد يونس (ت1952) قصيدة يقول في أولها:
أعيدوا ذكر نصركم فإني *** إلى الذكرى مشوق مستهام
وغنوتي جهادكم فكل *** له شغف به ولي الهيام
ولا تلغوا تردده دواما *** فبا لتردد ينتشر الهيام
ومن المنادين بالاستقلال التام محمد الخضر حسين المتوفى في 2 فيفري 1958 فقد نشرت جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية برئاسة الأمير عبد الكريم الخطابي بمصر، نشرية عنوانها: تونس 67 عاما تحت الاحتلال الفرنسي 1881-1948 بإمضاء الشيخ محمد الخضر حسين، أطلق في مقدمته نداء إلى "رسل الخير ومثل الإنسانية الكاملة" في كل أمة للتعاون على إزالة الشر ومحاربة الظلم والقضاء على جريمة الاستعمار وراحة العالم من أخطارها الوبيلة وتبعاتها الملوثة للشرف الإنساني المحطمة للمثل الأخلاقية العليا (ص74 كتاب الحرية رقم 4 محمد الخضر حسين تونس 67 عاما تحت الاحتلال الفرنساوي تقدم وتحقيق كمال العريف.
وقد عرف هذا التقرير بفصل عن تونس قبل الاحتلال الخضر حسين بقوله:
"يرى الناضر من هذه الشذارات الموردة من تاريخ تونس أنها أخذت منذ عهد المشير أحمد باشا باي تسير سير الأمم المتيقظة، وأنها قطعت في إصلاح شؤونها السياسية والعسكرية والعلمية والعمراني شوطا يشهد بأنها تستطيع القيام بواجبات استقلالها بنفسها وأنها ليست في حاجة إلى ما يسمونه حماية"
ثم يلي عن كيفية وقوع الاحتلال الفرنسي لتونس بعد احتلال الجزائر ثم فصل في كيفية إمضاء لمعاهدة الحماية ببار دو وثم معاهدة المرسى وكيف واجها الشعب إذا "قابل الوطنيون هذا الاحتلال بحزن وجزع بَالِغِينْ وقامت بعض المدن والقبائل في وجه جيش الاحتلال واستمر دفاعهم حينا ولكنهم لم يحبوا مددا يساعدهم على إطاعة مدّة الحرب فاستطاع جيش الاحتلال أن يلجئهم بكثرة عدده وأطلق مدافعة إلى التسليم وهاجر كثير من القبائل وزعماء المقاومة المسلحة إلى طرابلس الغرب واتخذوها دار هجرة لهم (ص87)" وقد شهر التقرير بجرائم الحماية من ذلك المناصب المسندة للفرنسيين دون التونسيين وعدم التسوية بينهم في المرتبات ونهب الثروة التونسية واحتلال الأراضي وسلبها من أصحابها، وجرح عواطف الوطنيين الدينية والإستبلاء على أراضي الأوقاف وغطرسة المعمرين واحتقارهم للوطنيين إلخ..
وتضمن التقرير بيان مؤتمر ليلة القدر الذي أقر استقلال تونس. وقد عقب محمد الخضر حسين على بيان ليلة القدر وتصويت المؤتمرين على الاستقلال التام بقوله" هذا الهدف الذي أضحت الأمة التونسية تعمل لتحقيقه معرضة عن كل سياسة لاتتفق معه وتناقضهن الاستقلال، ورزقنا التوفيق والإخلاص في العمل.(ص110).
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>