قمّة 5 زائد 5: لماذا تونس؟

عيسى البكوش
جامعي ـ تونس

في الربيع المقبل تدخل أوروبا عهدا جديدا جرّاء توسع فضائها الاتحادي ليشمل 25 بلدا مقابل ستة عند إنشاء السوق المشتركة سنة 1957 وتسعة سنة 1973 ثم عشرة سنة 1981 واثني عشر سنة 1986 وخمسة عشر سنة 1995.

والجدير بالذكر هنا أنه في اللغة الفرنسية لكلمتي فضاء وعهد نفس النطق Ere وAire رغم أن Ere تتعلق بالتاريخ والثانية بالجغرافيا ولكن لا يمكن لأحد أن ينكر الجدلية بين الاثنتين فبينما تتقلص الجغرافيا بانتفاء الحدود القطرية يعود التاريخ حثيثا بالقارة الاوروبية الى زمن كانت فيه أكثر التصاقا.

ولعل تنبؤ الجنرال دي قول سيتحقق يوما بإنجاز فضاء يمتد من المحيط الاطلسي الى جبال الأورال!

على أن التوسع الجديد في اتجاه وسط القارة وشرقها قد يثير جدلا هنا وهناك بشأن سيرورة التقارب الذي دأب على انتهاجه الاتحاد الاوروبي في اتجاه البحر المتوسط المتاخم لجنوب القارة مما أدى بالكثيرين الى اعتماد مصطلح الفضاء الأوروـ متوسّطي. والاشكالية المطروحة هي: هل سيتم هذا على حساب ذلك؟ أم سيحصل توازن في المسارين وكيف؟

إن الأجوبة في تصوّرنا قد جاءت فيما سمي بسياسة الجوار الجديد التي اعتمدها الاتحاد الاوروبي منذ شهر مارس 2003 والتي توضح معالم الاطار الجديد بالنسبة للبلدان التي لها حدود مشتركة مع الاتحاد.

وفي جويلية 2003 أعادت اللجنة الأوروبيّة الكرّة واقترحت وضع آليات للتعاون الخارق للحدود تمتد فاعليتها من سنة 2004 الى سنة 2006 وتمهد بدورها لإنشاء منظومة للجوار الجديد وتهمّ ما سمي بطوق الاصدقاء أي بلدان المغرب العربي ـ مصر ـ لبنان ـ الأردن ـ سوريا ـ أوكرانيا ـ روسيا البيضاء ومولدافيا.

يقول السيد برودي رئيس اللجنة: "نستطيع أن نتفق مع هؤلاء في كل شيء ما عدا المؤسسات" يعني هذا أنه في إمكان بلدان الطوق:

ـ العبور الى السوق الداخلية المشتركة.
ـ التمتع بعلاقات تجارية تفاضلية.
ـ المشاركة في كل الشبكات الاوروبية.
ـ الانتفاع بكل الادوات التمويلية الاوروبية.

مع التقيد طبعا بمبادئ حرية التنقل للأشخاص والسلع والخدمات والرساميل وغياب التضييقات في وجه المبادلات وانتفاء التمييز وإقرار المنافسة وتوحيد القوانين والأنظمة الكفيلة بحسن تسيير السوق المشتركة. ويشير السيد برودي الى أن هذه المتطلبات ليست سرمدية إنما تتم مع توفر درجة من المرونة.

وهو يذكر في الختام أن هذه الحلقة قابلة للتوسع وذلك في اتجاه سيا الوسطى والصين وبلدان بحر اليابان وافريقيا جنوب الصحراء. وخلاصة القول أن كل هذه الفضاءات تمثل امتدادا للسوق الداخلية الاوروبية بالرغم عن عدم انضمامها لمؤسسات الاتحاد شأنها شأن ايزلندا ووليزنشتاين حاليا على الأقل.

أمام هذه الآفاق الرحبة كيف يكون تمركزنا نحن ورثة قرطاج التي كانت أنوارها تضيء من فوق هضبة بيرصا كامل الحوض الغربي من المتوسط؟

بادئ ذي بدء لا بد من التذكير بأن تونس هي البلد الأول الذي بادر بامضاء عقد شراكة مع الاتحاد الاوروبي وذلك منذ سنة 1995 وهذا السبق التاريخي أشاد به مؤخرا ممثل الاتحاد في تونس إذ قال بالحرف الواحد: "إن ما يميز تونس عن بقية البلدان أنها لم تمتط القطار وهو يسير وإنما بادرت ببلورة سياسة اقتصادية واضحة مراهنة على تأهيل منظوماتها ووضعت أسس التعاون والإعداد المحكم مما مهّد الطريق لإرساء أرضية تعامل متينة توّجها اتفاق شراكة".

ثانيا: إن لبلادنا منذ أمد بعيد علاقات وطيدة ومتميزة مع الأعضاء الجدد في الاتحاد مثل مالطة وبلدان شرق أوروبا وهو ما سيثبت الحضور التونسي في السوق الداخلية باعتبار أن المنتوج الذي يحمل عبارة "صنع في تونس" معروف ومتداول في فضاء يعج بقرابة 400 مليون مستهلك وهذا في حدّ ذاته مظهر قوي يعكس مدى اندماج تونس في المشهد العام داخل الحدود الأوروبية.

ثالثا: إن الاقتصاد التونسي يتميّز باعتراف المؤسسات المالية الدولية بخصلتين أساسيتين:

ـ قاعدة صلبة لا تتأثر بالأزمات ولا بالتقلبات وقدرة فائقة على التأقلم مع الأوضاع وعلى رفع التحديات أيا كان مأتاها.

وبفضل ذلك أمكن لتونس خوض معركة التأهيل وكسبها، واستعدّت إذن للانخراط في الاقتصاد المعولم وبالتحديد في المنظومة الاوروبية التي تجذب نحو الأعلى المتفوقين وتترك في سبيلهم المتخلّفين.

رابعا: يتميز المجتمع التونسي عن بقية أجواره بأنه أمة وسط تتماسك فيها الفئات بفضل سياسة النمو المتناغم وثقافة التضامن التي أرسى دعائمها الرئيس بن علي.

وهو مجتمع يحتل فيه العلم والتعليم مكانا مرموقا من أَجَلّ مظاهره هذا الكم الهائل من رواد معابد المعرفة (أكثر من ربع السكان يرتادون المؤسسات التربوية منهم ثلاثمائة ألف طالب بالجامعات العشر الموزعة على كامل التراب الوطني) وكذلك هذه المنظومة القائمة لمراكز البحث وأقطاب التكنولوجيا والتي تعدّ نموذجا لبلدان جنوب المعمورة وحتى شمالها أحيانا.

كل ذلك يعدّ من المقومات الميسّرة لاندماجنا في فضاء مجبول على الرقي العلمي والتقدم التكنولوجي.

خامسا: تتقاسم بلادنا مع المجموعة الأوروبية قيما مشتركة: اعتماد الديمقراطية كأسلوب للحكم واحترام حقوق الإنسان وإيلاء القانون والمؤسسات المرتبة العليا وصيانة الحريات وتمكين الجميع من فرص الارتقاء الاجتماعي ومنحهم الحق في التعليم والصحة والسكن ولقد حققت بلادنا نتائج في هذه المجالات يشهد بها كل مبصر.

بل لقد تجاوز الشعب التونسي المفاهيم الضيقة لبعض تلك القيم وطورها فأصبحت هنالك مقاربة أكثر شمولية ومثال ذلك أن حقوق الإنسان التي كرسها الدستور في الاصلاح الجديد لا تقف عند البعد السياسي فحسب بل تتعداه لما هو ثقافي واجتماعي، وبمقتضى ذلك نرى اليوم أنه الى جانب المليون تونسي أي عشر السكان الذين شملتهم برامج التضامن ووفرت لهم مرافق العيش وتدني نسبة الفقر الى 4,2% حققت تونس رقما قياسيا يتمثل في تملك أكثر من 80% من السكان لمنازلهم. كل ذلك جدير بالتأمل وهو خير حافز على الانخراط في الفضاء الجديد بمنطلقات متينة.

سادسا: كثيرا ما يردد الغير أن المرأة هي مستقبل الإنسانية. أما في تونس فهي الحاضر والمستقبل معا.

إن ما اكتسبته المرأة التونسية لم يعد يحتمل الاجترار ولكن يجب الإقرار بأن لها بمعية نساء المنطقة دورا أساسيا في ديناميكية التطوير داخل الفضاء الأوروـ متوسّطي ولذلك فالدعوة موجهة لوضع برنامج عمل من أجل اندماج أقوى داخل المنظومة الجديدة وخاصة بالنسبة للنساء المهاجرات اللاتي باستطاعتهن بفضل ما أوتين من امكانيات الخلق المساهمة في تقوية الشراكة المتوسطية وتفعيلها.

سابعا: وأخيرا وليس آخرا فإن وجود جالية تونسية في أوروبا ذات بال وذات نوعية متقدمة يساعد بدون شك في تأصيل الكيان التونسي داخل الفضاء الجديد.

فحوالي 700.000 من أبناء تونس وبناتها يجسّدون هذا الجسر المترامي فوق المتوسط وهم يعملون صلب المجتمعات الأوروبية حاملين ثقافة أصيلة ومكتسبين معارف وصداقات وامكانيات يوظفونها في سبيل رقيّهم ورقيّ وطنهم وذلك بفضل تحويلاتهم لقرابة 1500 مليون دينار (سنة 2002) واستثماراتهم لحوالي 300 مليون دينار مما مكّن من إحداث قرابة 40.000 موطن شغل.

إن هذا الوجود البشري الهام في أوروبا ومن ضمنه أكثر من 50.000 من رجال الأعمال والكفاءات العلمية والثقافية لهو عامل حيوي في تدعيم مكانة تونس داخل الفضاء
الأوروـ متوسّطي وهنا تحضرنا بكل اعتزاز الدعوة الموجهة من قِبل الرئيس بن علي من أعلى منبر البرلمان الأوروبي في سترازبورغ سنة 1993 من أجل ميثاق رقي وتقدم في مجال الهجرة.

وفي المحصلة أليس هذا الذي استعرضناه هو بعينه ما اصطلح على تسميته بالحكم الرشيد وهو ما أشار اليه خير الدين التونسي منذ قرن ونصف في كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" بحسن الإمارة المتولد عنه الأمن المتولّد عنه الأمل.

إنها الثوابت التونسية التي يرتكز عليها التونسيون في الدعوة الى شراكة متوازنة مع البلدان الصديقة في الفضاء الأورو ـ متوسطي شراكة تراعي مصالح تونس وتعتبر خصوصيات منهجها وتحترم الوقت الذي ينبغي أن تستغرقه ديناميكية التحولات.

إن الفضاء الجديد يوفر فرصة تاريخية يجب استغلالها من طرف بلدان المغرب العربي وإن تعثر المسار الاندماجي الى حدّ الآن فإنه من المؤمل أن تتفاعل الارادة التونسية مع إرادة الشركاء الجدد الى السعي في اكتمال البناء المغاربي الذي انطلق ـ يا للصدفة ـ في طنجة سنة 1958 أي سنة واحدة بعد الامضاء على معاهدة روما المؤسّـسة للسوق الاوروبية.

ولعل اجتماع شهر ديسمبر 2003 لرؤساء الدول العشر، في نطاق مجموعة خمسة زائد خمسة يقر الدور المحمود الذي ما انفكت تقوم به تونس منذ السابع من نوفمبر من أجل التقارب بين ضفتي البحر المتوسط ولعلها تكون منطلقا لتعزيز التعاون الأفقي في الضفة الجنوبية.

إن تونس بفضل ما أوتيت من عوامل القوة والمناعة التي تجذرت بفضل حركة الرئيس بن علي الاصلاحية قادرة على تبوّؤ الموقع المتقدم في الفضاء الاورو ـ متوسطي، مهد الحضارات وملتقى الثقافات. والأمل يحدونا في أن يصبح بحرنا الأبيض منا سخاء رخاء تنعم الشعوب المحيطة به بثمرات التنمية المشتركة والازدهار المتقاسم والسلم التي لا تتجزّأ.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org