تونس عاصمة غربيّ المتوسّط.. لماذا؟

د. عبد السلام دمّق
ـ جامعي مختصّ في حقوق الانسان ـ تونس

تحتضن تونس يومي 5 و6 ديسمبر 2003 أوّل اجتماع قمّة لدول حوض غربي المتوسّط في إطار ما يسمّى بحوار 5+5 الذي يجمع الدول المغاربية الخمس وهي تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وليبيا الى جانب خمس دول اوروبية وهي اسبانيا والبرتغال وفرنسا وايطاليا ومالطا.

ولئن تعطّل هذا الحوار مدّة 5 سنوات فإنه عاد بنسق حثيث منذ 2001 حيث عقدت، في إطار هذا الحوار، العديد من الاجتماعات الوزارية وبين الخبراء لدراسة العديد من الملفات التي تستقطب اهتمام الدول الأعضاء.

وتتويجا لهذا المسار المتصاعد جاء قرار انعقاد اول اجتماع قمّة لجموعة دول 5+5 بتونس.

ـ أوّلا: ادراكا من هذه الدول لجسامة التحديات المطروحة عليها على الصعيد الاقليمي والدولى وضرورة وضع تصورات مشتركة في مجال التنمية المستديمة لبلدان الضفتين وضمان استقرارها مع العمل على ان يلعب فضاء حوار 5+5 دورا رياديا في ظلّ التوازنات الدولية.

ـ ثانيا: تقديرًا للتجربة التونسية في مجال التنمية وتعزيز المسار الديمقراطي واشعاعها على الصعيد الدولي.

وسنعمل ضمن هذا البحث على ابراز وجاهة اختيار تونس لتحتضن أول قمة لحوار 5+5 بالنظر لتميّز تجربتها السياسية والتنموية وصواب خياراتها الاقليمية وعلى رأسها الخيار المتوسطي.

I ـ تونس: ريادة التجربة

لقد شدّد الرئيس زين العابدين بن علي منذ تحوّل السابع من نوفمبر على إقامة علاقات ممتازة مع كل البلدان ودون استثناء فذكر بيان 7 نوفمبر 1987 ما يلي: "وسنحافظ على حسن علاقتنا وتعاوننا مع كل الدول لا سيّما الدول الشقيقة والصديقة كما نعلن احترامنا لتعهّداتنا والتزاماتنا الدولية وسنعطي تضامننا الإسلامي والعربي والإفريقي والمتوسّطي المنزلة التي يستحقّها وسنعمل بخطى ثابتة على تجسيم وحدة المغرب العربي الكبير في نطاق المصلحة المشتركة". فالتحركات الأولى للرئيس بن علي والقرارات التي لحقت في المجال، مثال واضح على مدى قدرة الرئيس التونسي على استباق الأحداث بما مكّن تونس من ربح وقت ثمين من خلال اكتساح مواقع ريادية في أكثر من مجال فتعزّز إشعاع تونس التغيير في المحافل الدولية.

وهنا لا بدّ من التأكيد على الحركية الكبيرة التي أضحت تميّز الديبلوماسية التونسية في عهد التغيير: سياسة الحضور والتعبير عن المواقف، المبادرات والاقتراحات، الحرص على تحيين الأهداف بحسب تطور الأوضاع، إعطاء العنصر الاقتصادي والتنموي ما يستحقه في التحرك الديبلوماسي، إعطاء العنصر الاتصالي وسرعة تبادل المعلومات المكانة التي تساعد على مواكبة الأحداث والتحرك بنجاعة. كما تحرّكت الديبلوماسية التونسية قصد التشجيع والمساهمة في مختلف الآليات الإقليمية والدولية الخاصة بحفظ السلام، والوقاية من الأزمات والنزاعات، وحلها بالطرق السلمية عند نشوبها. كما ساهمت بصورة فاعلة في نشر وتجذير مفهومي السلم والأمن في العلاقات الدولية، وتغليب منطق العقل، والمصلحة المشتركة، والتضامن والتعايش والتسامح والحوار بين الحضارات.

فالديبلوماسية التونسية ركّزت منذ التحول الدستوري في 7 نوفمبر 1987، على جملة من المبادئ والثوابت تقوم أولا على انتماء تونس الجغرافي والحضاري كبلد عربي إسلامي إفريقي، هويته تونسية بامتياز، وجذور هذه الهوية متوسطية، وأجنحتها انسانية كونية. كما تقوم هذه المبادئ على احترام المعاهدات والمواثيق الدولية والشرعية الدولية دون حيف ولا ازدواجية في المعايير ضمانا للأمن الجماعي ولإحلال السلام في العالم. كما ترتكز هذه الثوابت على احترام المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي، كمبدإ سيادة الدول، والمساواة في السيادة، ومبدإ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومبدإ حسن النية في تنفيذ الالتزامات، ومبدإ حل النزاعات الدولية سلميا، ومبدإ تحريم استعمال القوة إلا في حالة الدفاع الشرعي، وكذلك مبدأ المشاركة في نظام الأمن الجماعي.

فجلبت سياسة الرئيس بن علي لقرطاج اليوم الاحترام، والثقة، والإعجاب. كيف لا وقد تزامن تحـوّل السابـع من نوفمبر مع التحوّلات العالمية التي ميّزت أواخر القرن الماضي، فعملت تونس على مسايرة هذه التحولات، والتفاعل معها بل استبقتها في أحيان كثيرة، وذلك استنادا إلى مقاربة استشرافية وشمولية، ارتكزت بالأساس على ضمان التلازم بين تحقيق الأهداف المستقبلية والتفتّح على المحيط الدولي .

وقد عالج سيادة الرئيس زين العابدين بن علي تحوّلات وتراكمات دولية متعاظمة ومتسارعة، واستطاع أن يحمي توازنات تونس الداخلية، بالرغم من الإخلالات العميقة في التوازن الإستراتيجي الدولي.

ووعيا بالتحديات المطروحة، دعا سيادة الرئيس زين العابدين بن علي في العديد من المناسبات إلى إرساء العلاقات الدولية على أسس جديدة للتعاون والتفاهم والتضامن، من أجل مجابهة فات الحروب والفقر والإرهاب.

وقد أكّدت أحداث 11 سبتمبر 2001 صدق الرؤية التونسية لما كان يتهدّد العالم منذ أوائل العقد الماضي من أخطار التطرف والإرهاب التي دعت تونس في الإبان إلى معالجتها في إطار التعاون الدولي والإقليمي. فـ11 سبتمبر بالنسبة لتونس لم يحصل سنة 2001 ، وإنما حصل قبل ذلك بعشر سنوات، ومنذ ذلك الوقت، عرفت تونس أن أكبر خطر يهدّد الإنسانية هو نموّ الحركات المتطرّفة، فتعدّدت الإجراءات والآليات لتجفيف منابع الفقر والجهل واليأس التي تتغذّى منها هذه الآفات. ونبّهت تونس إلى خطر عولمة الإرهاب .كما نبّهت إلى أن نموّ الحركات الإرهابية يهدّد استقرار العالم ومكاسب الحرية وكل ما يرمز إلى التقدّم والحداثة.

كما دعا الرئيس زين العابدين بن علي في خطابه في 2 نوفمبر2002 إلى تكثيف التنسيق والتعاون الدولي لتطويق الأنشطة الإرهابية، منبّها لخطر الإبقاء على أوضاع تتدهور باطّراد من جرّاء سياسة المكيالين التي تُخلّ بالتوازنات الدولية.

وأكّد أن لا سلام، إلا بالقضاء على بؤر التوتّر في العالم وفي مقدّمتها قضية الشعب الفلسطيني الأعزل وما يتعرّض له من عدوان إسرائيلي مستمرّ، وتنكّر إسرائيل لمسيرة السلام، وإمعانها في تحدّي الشرعية الدولية.

كما دعا الرئيس بن علي إلى عقد مؤتمر دولي لوضع "قواسم مشتركة لمدونة سلوك تلتزم بها جميع الأطراف"، وتساعد على إقامة حوار مسؤول، يقطع مع ازدواجية المعايير ويخفّف الشعور بالقهر والحرمان لدى شعوب كثيرة ويساهم بصورة فعالة في إحلال السلام والأمن في العالم . كما دعا إلى عقد "مؤتمر دولي لتحديد مفهوم الإرهاب"، والإقلاع عن سياسة المكيالين، والقضاء على أخطار الحرب ونبذ استخدام القوة في العلاقات الدولية وتسوية النزاعات الدولية بالوسائل السلمية على أساس ميثاق الأمم المتحدة.

كما جاء الإصلاح الجوهري للدستور في 1 جوان 2002، والذي قال فيه الشعب كلمته في استفتاء شعبي نزيه جرى لأول مرة في تاريخ تونس ليكرّس عدة مبادئ وقيم نبيلة، كالكونية والتسامح والتضامن. وما الارتقاء بالقيم السامية الى مرتبة الدستور إلا دعوة من الرئيس بن علي إلى العالم لتكريس هذه المبادئ في تشاريع الأمم الأخرى. علما وأن دعوته إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن، لمقاومة الفقر والحرمان والإقصاء والتهميش، تجسّمت ـ وكما نعلم ومنذ 20 ديسمبر 2002 ـ على صعيد الأمم المتحدة، وبالإجماع، وهذا إنجاز ضخم، يحسب للرئيس بن علي الذي أضاف للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان، فجعل من تونس بلدا مشعا على العالم، فاعلا في مسيرته. كما تأكّدت هذه السياسة بمصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في 3 نوفمبر 2003، وبالإجماع كذلك، على مشروع قرار تقدمت به تونس بمبادرة من الرئيس بن علي يتعلق بالرياضة كوسيلة للنهوض بالتربية والصحة والتنمية والسلم.

وقد صاحب نجاح السياسة الخارجية لتونس سياسة اجتماعية متميّزة قصد حماية المجتمع من خطر الفوارق واتساع الهوّة بين الفئات والجهات، كل ذلك في تلازم وتكامل بين التنمية والديمقراطية وبين التضامن والعدالة الاجتماعية.

فاجتماعيا، يلاحظ أنّ المناخ العام بالبلاد ممتاز فتونس واحة سلام تعكس صورة البلد الآمن والمستقر الذي سعى بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي ومنذ نهاية الثمانينات إلى التّصدّي لظاهرة الإرهاب لتوفّر الطّمأنينة لكل تونسي ولكل زائر. ولقد أجمع الخبراء وكل من تابع تطوّر التّحولات التي شهدتها أخيرا في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على أنّها أنموذج للأمن والسلام وطيب العيش.. فهي حسب تعبير صحيفة "الواشنطن تايمز" في 13 نوفمبر 1995 مثال البلد الآمن الذي يتميّز بالاستقرار والطمأنينة مما يجعل منها "واحة أمل حسب تعبير نفس الصحيفة و"واحة حضارية تنعم بالازدهار والاستقرار السياسي.. مما مكّن تونس من استرجاع دورها التاريخي" كما أكدت ذلك المجلة الأمريكية " The Atlantic Monthly " في جوان 2000.

فاجتماعيا، تعيش تونس إذا ديناميكية نشطة بفضل قيم التضامن والتّآزر. وما إحداث الصندوق الوطني للتضامن 26/26 والصندوق الوطني للتشغيل 21/21 إلاّ دليل على ذلك. وقد مكّنت المقاربة التي أرسى دعائمها الرئيس بن علي من المحافظة على دعائم السلم الاجتماعية على ضوء التحسين المطرد للقدرة الشرائية للمواطن التونسي. وقد حقّقت تونس نتائج اجتماعية متميّزة ساهمت بشكل واضح في تحسين الدخل الفردي للمواطن، والذي ارتفع إلى حوالي 3350 دينارا تونسيا، مع تقلّص نسبة الفقر إلى حدود
4.2% مقابل22% سنة 1975.

أمّا اقتصاديا، فقد مكّنت الحقبة الأخيرة من تحسين المحيط العام لاقتصاد البلاد وتهيئة الأرضية المناسبة لاقتحام مرحلة جديدة في المسيرة التنموية، إذ وضعت تونس برنامجا متكاملا للإصلاح الهيكلي للاقتصاد (1987 ـ 1995)، كما انتهجت سياسة اقتصادية أكثر انفتاحا وتحرّرا لتشجيع الاستثمار وتخفيض القيود الجبائية والقمرقية قصد تحرير اقتصادها ومساعدته على التّأقلم أكثر مع متطلبات العولمة وتمكينه من مواجهة المنافسة العالمية (1995 ـ 2002). ومواكبة لهذا التوجّه، أقرّ الرئيس بن علي سياسات متميّزة لتأهيل الاقتصاد وتعزيز قدرته التنافسية، فخصصت له اعتمادات بملياري دينار. وقد بلغ عدد المؤسسات المنخرطة في برنامج التأهيل منذ إصداره إلى موفى شهر سبتمبر 2003 مجموع 2734 مؤسسة صناعية تحصلت 1572 منها على المصادقة على برامج تأهيلها، فيما لا تزال 1157 مؤسسة بصدد إنجاز دراسات التشخيص وضبط برامجها مع القطاع البنكي. كما تمّ ـ بفضل سياسة الخوصصة ـ تطهير المالية العمومية التي كانت تشكو من عجز بعض المؤسسات العمومية والتي كانت تصرف لها موارد هامة، أصبحت ترصد اليوم لفائدة عدة قطاعات كقطاع البحث العلمي والمواصلات.

فاقتصاديا إذا، تعيش تونس انتعاشة كبرى، من ذلك أنّها حصلت على مستوى عال من التقييم والذي منحته إياها مؤسسات التقييم الدولية، ممّا مكّن تونس من تبوّؤ المركز الأول بين الدول الإفريقية في أحدث تقييم أصدره منتـدى الاقتصـاد العالمـي (بداية سنة 2002) كما تحصلت على مراتب جد مشرفة في تقييم الوكالات العالمية المختصة مثل ستندار آند بورز Standard and Poors وموديس الأمريكيتين وفيتش Fitch الأوروبية وآر اند آي R and I اليابانية. كما تتصدّر تونس قائمة البلدان الإفريقية في مجالات النمو الاقتصادي والاجتماعي والتربوي أواخر سنة 2001، إذ حقّقت نسبة نمو اقتصادي متميّز بلغت 5.3 بالمائة سنويا، كما حصلت علـى 10 بالمائة من مجمل الاستثمارات الأجنبية في إفريقيـا التـي تضـمّ 53 دولـة بداية سنة 2002 .

فتونس وبشهادة الخبراء الأجانب، نجحت في كسب الرهان الاقتصادي، فأصبحت مثالا يُحتذى به في مجال التصرف الحكيم في الموارد البشرية والمادية. وفي هذا السياق صرّح السيد ميشال كماديسوس المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي أن "تونس تعتبر مثالا ناجحا في تطبيق سياسة الإصلاح ويصعب عدم الإشادة بذلك في المحافل الدولية لأن هذا البلد يعدّ حقيقةً إشراقة شمس في إفريقيا ومثالا يُحتذى في المجال الاجتماعي والاقتصادي". وقد ثمن الصندوق في تقريره السنوي حول 2002 النجاحات الاقتصادية التي أحرزتها تونس منذ أواسط التسعينات.

وقد حازت تونس بفضل استقرارها وتوفّر المناخ المناسب للاستثمار بها على ثقة الشركات الصناعية فاستقطبت أكبر المستثمرين إذْ تمكنت خلال فترة المخطط التاسع من استقطاب ما يناهز 2800 مليون دولار من الاستثمارات الخارجية مقابل 2400 مليون دولار خلال فترة 1997 ـ 2001 .

وفي هذا المجال، يعتبر توقيع تونس والمجموعة الأوروبية لاتفاقية التعاون والتبادل الحر والمعروف باتفاق الشراكة الأوروبية في 17 جويلية 1995 تتويجا لمرحلة الإصلاح الهيكلي للاقتصاد والدافع لمرحلة الانصهار الفعلي والناجح مع منظومة العولمة عبر الفضاء الأوروبي المتوسطي في الدورة الاقتصادية العالمية وذلك بهدف توسيع الفضاء الاقتصادي التونسي ودعم فرص الإنتاج وخاصة الاستثمار الخارجي.

كما جاء إبرام تونس لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ـ المشار إليه أعلاه ـ عرفانا لاحترام تونس لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ونتيجة لتكريس تونس لمجمل الحقوق والحريات للأفراد. وقد جاء بالفصل الثاني لهذا الاتفاق أنّ العلاقات بين الأطراف، كما أنّ كل أحكام الاتفاق ترتكز على احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تعكس سياساتها الداخلية والدولية والتي تمثل عنصرا جوهريا لهذا الاتّفاق.

وقد شهدت الحياة السياسية في تونس تحرّرا ملحوظا منذ تّحول 7 نوفمبر1987، تجسّم بانضمام كل القوى السياسية الحيّة بالبلاد للميثاق الوطني يوم 7 نوفمبر1988، فتتالت الإصلاحات السياسية من أجل تكريس الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتعزيز التعددية ودولة القانون والمؤسسات، ومحاربة الإرهاب، وإرساء الحكم الرشيد.

II ـ تونس: الخيار المتوسطي وتفعيل التكتلات الإقليمية

هذا على المستوى الداخلي اما على الصعيد الخارجي فقد عملت تونس على إيجاد الصيغ المثلى للتعامل بكل واقعية ونجاعة مع المتغيرات المطروحة على الساحة الدولية بهدف اكتساب الوزن الذي هي به جديرة. فقد شهد العالم في السنوات الأخيرة عدة تحوّلات جذرية كان لها الأثر العميق في تشكيل العلاقات الدولية على النحو القائم اليوم. فبعد خروجه من الحرب العالمية الثانية، وبروز ظاهرة المد التحرّري الذي أدى إلى استقلال البلدان المستعمرة في الخمسينات وأوائل الستينات، وبروز محور ثالث تمثل في دول عدم الانحياز، كان العالم يتحرك في إطار قطبية ثنائية: قطب الولايات المتحدة الأمريكية أو ما يسمّى بالمعسكر الغربي، وقطب الاتحاد السوفياتي أو ما يسمى بالمعسكر الشرقي.

وبعد فترة الحرب الباردة التي سادت العلاقات بين القطبين، وما أفرزته من تحوّلات سياسية واقتصادية وإيديولوجية وعسكرية، شهد العالم خلال العقدين الأخيرين عدة أحداث هامة تمثّلت بالخصوص في سقوط جدار برلين سنة 1989 وانهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، ممّا أدّى إلى بروز وضع دولي جديد أثّر على العلاقات الدولية وخصوصا في طريقة معالجة مختلف المشاكل والقضايا المطروحة. كما أثّر على تطبيق المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي. فتم تبعا لذلك إعادة تشكّل الخارطة العالمية مع بروز قطب سياسي واقتصادي مهيمن وحيد هو الولايات المتحدة الأمريكية. ففقد العالم بذلك توازنه الإستراتيجي، وسيطرت على العلاقات الدولية النزعة الأحادية التي برزت بالخصوص في مجال أخذ القرار العالمي، ومعالجة مختلف القضايا والمشاكل المطروحة في العالم مما أدّى إلى تهميش دور الأمم المتحدة وبقية المنظمات الدولية، إلى جانب التخلي عن احترام سيادة الدول من خلال التدخل في شؤونها الداخلية، فبرزت مفاهيم جديدة تعكس مقاربات تنال من الثوابت التي تُكَوّنُ مبادئ القانون الدولي مثل مفهوم "حق التدخل" والذي تطوّر إلى مفهوم "واجب التدخل" ومفهوم "الحرب الوقائية" ومفهوم "محور الشر" ومفهوم "الدول المارقة". وقد ازداد الوضع حدّة إثر أحداث 11 سبتمبر 2001 وإفرازاتها المختلفة ليؤكّد هذا التوجه العالمي الجديد.

كما شكّلت ظاهرة العولمة ـ من جهة أخرى ـ في مفهومها الشامل، وبحركيتها المالية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية، إحدى المعطيات الأساسية البارزة لهذا التحوّل الحاسم في بنية النظام الدولي، فكانت من ناحية نتيجة حتمية لانهيار نظام القطبية الثنائية لفائدة نظام أحادي الفكر والسياسة والسيادة. كما ساهمت من ناحية أخرى في انتشار النظام العالمي الجديد في أبعاده الاقتصادية والسياسية والفكرية، والذي يقوم على الفكر البراجماتي.

وقد أحدثت العولمة تغييرات عميقة على جميع الأصعدة، فأبرزت وعيا متناميا بضرورة حماية الأملاك المشتركة للإنسانية من خلال السعي إلى حماية المحيط وتحقيق التنمية المستديمة وما يقتضيه ذلك من تكثيف لصيغ التعاون الدولي وأشكاله . فأقبلت البلدان بصفة متزايدة على التفتح وتعزيز دور اقتصاد السوق كركيزة للتنظيم والتسيير ورسم السياسات.

وهكذا، ونتيجة لكل هذه العوامل، فقد تفاقمت الهوة في نسق التنمية بين الدول، فتصاعدت صيحات الفزع أمام مخاطر التهميش والإقصاء الاجتماعيين التي يحملها نظام النمو الاقتصادي والاجتماعي الليبرالي الذي تشهده الدول في عالم اليوم والذي أدّى إلى عدم المساواة في بنية المجتمعات وهيمنة النظام أحادي السياسة والفكر والسيادة.

وتأسيسا على كل ما تقدّم، كان لزاما على تونس بصفتها دولة صاعدة إيجاد الحلول الناجعة للتعامل مع هذا الوضع الدولي المتقلّب بهدف اكتساب الوزن الذي هي به جديرة .لذلك بات التحرك في الفضاء الإقليمي من خلال تفعيل التكتلات الإقليمية والجهوية والمجموعات التي تنتمي إليها تونس أمرا ضروريا من خلال تعزيز التقارب مع الاتحاد الأوروبي وبقية التجمعات الكبرى مع التركيز على مجالات التحرك في الفضاء المتوسطي والعربي والإفريقي.

فانعقاد قمة 5 زايد 5 في هذا الظرف بالذات، يأتي لمزيد تفعيل الفضاء المتوسطي والذي يعتبر مجالا هاما للتحرك الإقليمي بالنسبة لدول مثل تونس . وهو ما أكّد عليه الرئيس بن علي في كلمته التي ألقاها في اختتام الندوة السنوية لرؤساء البعثات الديبلوماسية والقنصلية بقرطاج في 1 أوت 2002 حين قال: "ونحن نرحّب بإعادة تفعيل فضاء 5 زايد 5 الذي سيعزّز بلا شكّ الفضاءات الأخرى ويعطي دفعا جديدا لعلاقات الشراكة. ومن هذا المنطلق سنعمل على توفير كل أسباب النجاح لقمة 5 زايد 5التي ستحتضنها تونس سنة 2003".

لقد اندرج حوار 5 زايد 5 منذ مطلع التسعينات في إطار التصور الجديد للتنمية الذي نادت به تونس منذ أفريل 1990، وهو تصوّر شامل يقيم صلة وثيقة بين الأمن والديمقراطية والتنمية. وقد نادى الرئيس بن علي في خطابه أمام البرلمان الأوروبي في جوان 1993 بإحداث فضاء متوسطي مشترك حيث قال: "إن مسألة إحياء هذا الفضاء المتوسطي الموحّد وإعادة بنائه وحفظه من كل التهديدات والمخاطر هي اليوم شغلنا وغايتنا . لذا بات من الضروري أن يسود الأمن والاستقرار هذه المنطقة حتى تساهم بقسطها في بلورة ملامح العالم الجديد الذي نطمح إليه جميعا. عالم العدالة والشرعية والتضامن والتكافؤ الاقتصادي. ولذلك ساهمت بلادنا في نصرة القضايا العادلة القائمة بمنطقتنا، وفي مقدمتها قضايا التحرر والانعتاق، وفي بلورة ملامح نظام تعاون حر متكافئ يحقّق السلام والتقدم للجميع

وقد كان الرئيس بن علي يؤكد في كل مناسبة على ضرورة تفعيل كل الجهود "ليكون الفضاء الأوروبي المتوسطي نموذجا متميّزا للتعاون والتضامن وقطبا خصبا للحوار والتكامل بين الحضارات والثقافات" (قرطاج، 29 أكتوبر 2001).

وبناء على هذا الخيار التونسي والمبادئ المؤسّسة له تبرز اهمية انعقاد قمة 5+5 بتونس التي عرفت منذ بيان 7 نوفمبر 1987 بحرصها على إرساء علاقات تعاون اقتصادي وثقافي وعلمي مع كافة بلدان العالم، بما فيها بلدان حوض المتوسط، لذلك يأتي انعقاد هذه القمة في تونس وفي هذا الظرف بالذات لتفعيل التنسيق السياسي والاقتصادي بين بلدان حوض المتوسط قصد الارتقاء بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان من جهة، ولتطوير قدرة هذه البلدان على التأثير الفاعل في التوازنات الجيوإستراتيجية الجديدة في العالم من جهة أخرى. كما من شأن تونس، بوصفها البلد المنظّم لهذه القمة، أن تلعب دورا هاما في تقريب وجهات النظر بين البلدان المشاركة والتي يجب أن تستمدّ قوّتها من عزيمة قادة هذه البلدان على التكامل والتعـاون والتضامـن. كما تأتي هذه القمة استعدادا من تونس وكل بلدان جنوب المتوسط لمواجهة المنافسة المتأتية من توسيع الاتحاد الأوروبي والاستفادة من كل ما يوفّره هذا التوسيع من فرص وإمكانيات، وما يفتحه من فاق رحبة، خاصة في إطار تنويع ودعم التبادل بين البلدان الأوروبية وبلدان جنوب المتوسط، وما تحمله هذه الآفاق في طياتها من فرص لتنويع اقتصاديات البلدان المعنية ولدفع مسيرة النمو داخلها.

إن تونس التي قدّمت تجربة تنموية ناجحة والتي حققت حضورا دوليا لافتا تؤمن بأن تكثيف التعاون بين دول المتوسط هو السبيل الوحيد لامتلاك القدرة على التأثير الفاعل والجدّي في التوازنات الجيواستراتيجية الجديدة وعلى رفع مختلف التحديات التي تواجه بلدان هذا الفضاء سواء كانت بشرية أو اقتصادية أو بيئية أو أمنية. فالغاية إذا هي توفير الأرضية الكفيلة بضمان المصالح المشتركة عبر صيغ تعاون مثمر يمكّن من توفير أكبر الحظوظ لتحقيق أهداف التنمية بصفة متساوية

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org